لم يكن اختيار العلامة سيدي عبد الله كنون الحسني “النبوغ المغربي” عنوانا للحديث عن إسهامات المغاربة في الثقافة العربية الإسلامية خاصة، والإنسانية عامة، اختيارا نابعا عن عاطفة وطنية وغيرة قومية فحسب، وإنما كان نتيجة سبر علمي دقيق ومتأن في التراث الأدبي بمختلف فنونه، وفي الإنتاج العلمي على تنوع فروعه، سبراً كشف عن حقيقة علمية ظاهرة، لا تستطيع الحجب مهما تكاثفت أن تواري شمسها أو تطمس أشعتها، تلك الحقيقة هي تميز العطاء العلمي والأدبي للمغاربة، واستمرار حلقاته وتواصلها دون انقطاع عبر تاريخ الأمة المغربية.
ولي اليقين الذي لا يخالجه أدنى شك، أن الشيخ عبد الله كنون لم يكن بهذا العمل مجرد مادح للتراث، أو متغنيا بأمجاده فحسب، بل كان يسطر للمثقفين المغاربة مسارا يتصل فيه الماضي بالحاضر، ويتشوف إلى مستقبل تكون فيه أسماء المثقفين والمفكرين والعلماء المغاربة كواكب منيرة في سماء العلم والمعرفة، وأن يكونوا على ثقة بأنفسهم ومعتزين بماضيهم وهم يواجهون محاولات الطمس التي مورست في حقهم من جهات متعددة
ولم يخب ظن العلامة كنون في أبناء شعبه، فها هم المغاربة، وفي كل عام، تسطع أسماؤهم وإنتاجاهم العلمية الرصينة في المحافل الدولية، ويحتفى بها تكريما لأصحابها، وتنويها بشأنها، وإقرارا بفضلها، واعترافا بتميزها.
وفي هذا اليوم الأربعاء، فاتح السنة الهجرية الجديدة، يحظى فضيلة العلامة الدكتور أحمد الريسوني بتكريم من دولة ماليزيا، ويستقبل من قبل فخامة سلطان بيراك، السلطان نزرين معز الدين شاه ويتسلم منه جائزة شخصية الهجرة النبوية الدولية للعام 1448 هـ، في مسجد فوترا بالعاصمة فوترا جايا.
ولم يأت هذا الاختيار اعتباطيا، فقد سبق أن ترجمت بعض كتب العلامة الريسوني إلى اللغة الملاوية؛ وهي اللغة الرسمية في كل من ماليزيا وإندونيسيا وبروناي وسنغافورة، وهي بلدان توجد في جنوب شرق آسيا، وتعرف بكثافة سكانية عالية. وبهذه الترجمة صارت تلك الكتب في متناول الكثير من العلماء والمفكرين والباحثين من أهل تلك البلاد، ووضعت في رفوف الكثير من الخزانات الجامعية والمكتبات العامة والخاصة، وعرف قدرها، وصارت مراجع معتمدة في الكثير من الأبحاث والدراسات الأكاديمية، وعرف أهل العلم من خلالها مقاصد الشريعة وقواعدها وكلياتها الأساسية، كما عرفوا العلامة أحمد الريسوني وازدادوا بمعرفته معرفة بالمغرب، واتصل عندهم الحاضر بالماضي.
ولا شك أن تتويج اليوم، الذي ارتقى إلى مستوى الضيافة الملكية والتشريف بالجائزة الدولية السنوية، سيحفز الناس هناك على البحث عن هوية العلامة الريسوني، وجنسيته، وموطنه، وتتبع مساره العلمي، والرغبة في الاطلاع على باقي إنتاجاته العلمية وترجمتها إلى لغتهم.
حين نتابع هذا التكريم، ونشاهد المنصة التي اعتلاها العلامة الريسوني، نتذكر قول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، ونستحضر الكلمة المأثورة: “إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولو الفضل”. ولعل العلامة الريسوني يخطر بباله اليوم العلامة ابن حزم، فيرد عليه بالقول: أنا الشمس في سماء العلوم منيرة وميزتي أن مطلعي الغرب.
إن العلامة الريسوني اليوم هو سفير للمغرب في جنوب شرق آسيا، سفير علمي فوق العادة، وفي تكريمه تكريم للمغرب كله، ولعلمائه ومفكريه ومثقفيه، فنرجو أن يقدر المغاربة هذا التتويج، ويقدروا من خلاله مكانة علمائهم وإنتاجاتهم العلمية، وعلى الباحثين وطلاب العلم رفع هممهم إلى مستوى انتظارات الأمة، بالاشتغال على القضايا والمواضيع الكبرى، التي يبلغ نفعها الآفاق، تأكيدا للنبوغ المغربي والريادة المغربية

