Close Menu
MaqassedMaqassed
  • الرئيسية
  • من نحن
    • عن المركز
    • باحثون في المركز
    • تواصل معنا
  • التأليف والنشر
    • منشورات المركز
      • سلسلة دراسات
      • سلسلة قضايا علمية
      • سلسلة ندوات علمية
      • كتب أخرى
    • منشورات أعضاء من الهيئة العلمية
    • إستكتاب نشر الكتب
  • فعاليات المركز
    • ندوات
      • ندوات وطنية
      • ندوات دولية
    • قراءات في كتب
    • محاضرات
  • أبحاث ومقالات علمية
    • أبحاث
    • مقالات
    • تدوينات مختارة
  • خدمات بحثية
    • مشاريع أطروحات علمية
    • جديد الحالة العلمية
    • سلسلة أعلام المغرب
  • الإعلام
    • أخبار المركز
    • فيديوهات المركز
    • فعاليات سابقة
    • مواقع ذات صلة
فيسبوك يوتيوب
MaqassedMaqassed
  • شروط الاستخدام
  • تواصل معنا
فيسبوك يوتيوب
  • الرئيسية
  • من نحن
    • عن المركز
    • باحثون في المركز
    • تواصل معنا
  • التأليف والنشر
    • منشورات المركز
      • سلسلة دراسات
      • سلسلة قضايا علمية
      • سلسلة ندوات علمية
      • كتب أخرى
    • منشورات أعضاء من الهيئة العلمية
    • إستكتاب نشر الكتب
  • فعاليات المركز
    • ندوات
      • ندوات وطنية
      • ندوات دولية
    • قراءات في كتب
    • محاضرات
  • أبحاث ومقالات علمية
    • أبحاث
    • مقالات
    • تدوينات مختارة
  • خدمات بحثية
    • مشاريع أطروحات علمية
    • جديد الحالة العلمية
    • سلسلة أعلام المغرب
  • الإعلام
    • أخبار المركز
    • فيديوهات المركز
    • فعاليات سابقة
    • مواقع ذات صلة
MaqassedMaqassed
الرئيسية»أبحاث ومقالات علمية»مقالات»دراسات مقاصدية 6: فتوى كفارة منتهك حرمة رمضان بين غلو النقض، وهامش الأخذ. في الحاجة إلى إعادة المدارسة
مقالات

دراسات مقاصدية 6: فتوى كفارة منتهك حرمة رمضان بين غلو النقض، وهامش الأخذ. في الحاجة إلى إعادة المدارسة

24 يونيو، 2026الدكتور كريم عيار
فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن تيلقرام واتساب البريد الإلكتروني Copy Link

الموجز: مدخل القول بمخالفة هذه الفتوى، ليس بالاعتبار الذي بنى عليه أهله موقفهم، ولكن باعتبار أن المناط الخاص الذي يحقق موجبات الحكم الإفتائي، لم يتحقق، وهذا أسلم، فإذا ما تحققت هذه الموجبات، صار تأييد فتوى الليثي أحكم. فلا ينبغي رفض فتوى الليثي رفضا مطلقا، لأنها تحمل معنى مهما ينسجم مع كليات الدين، كما لا ينبغي قبولها قبولا مطلقا لأنها قد تفضي إلى خلل يستهدف تمييع هذه الكليات.

مقدمة

يعد موضوع فتوى يحيى بن يحيى الليثي من القضايا التي أثارت عبر التاريخ الفقهي والأصولي نقاشا واسعا وسجالات علمية متعددة ومتشعبة، لما ينطوي عليه من أبعاد تتجاوز مجرد الحكم الجزئي، إلى قضايا أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين النص الشرعي والمصلحة المقصودة من التشريع. فقد وجد العلماء في هذه الفتوى مجالا خصبا لإعمال النظر الفقهي والأصولي من جهة، وتقدير ما يسمح به المنهج المقاصدي في فهم النصوص وتنزيلها وفق مراعاة المناطات العامة والخاصة من جهة أخرى. فهذه الفتوى تلامس قضية مركزية في بنية التفكير الأصولي عامة، وهي كيفية الموازنة بين ظاهر النصوص الشرعية وما يفهم منها، وبين المصالح التي شرعت الأحكام ابتداء لتحقيقها وحفظها، بما يمنح التشريع حيويته وفاعليته في الواقع.

ومن هنا كانت فتوى يحيى بن يحيى الليثي موضع تأمل طويل لدى العلماء، لأنها تطرح عادة في سياق سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتهد أن يراعي المصلحة في تنزيل الحكم الشرعي؟ وهل يمكن أن تفهم بعض الأحكام في ضوء نظر مقاصدي قد يؤدي إلى اختيار وجه فقهيٍ يختلف عن ظاهر ما قد يتبادر من النص؟

إن هذا الإشكال جعل فتوى الليثي تتجاوز إطارها التاريخي المحدود، لتصبح نموذجا يستدعى في النقاشات الأصولية والمقاصدية كلما طرحت مسألة العلاقة بين النص والمصلحة، أو بين الالتزام الحرفي بالحكم والنظر إلى مقاصده وغاياته، لذلك كثرت تعليقات العلماء عليها، بين معارض يتحفظ على هذا المسلك خشية أن يؤدي إلى التوسع في تقديم المصلحة على ظاهر النصوص، وبين مؤيد يرى فيها اجتهادا مقاصديا يراعي أحوال المكلفين ومآلات الأفعال، على أساس تخريجها على أصول معتبرة في الاجتهاد المقاصدي، إلا أن موقف المعارضة يظل القول المشهور الذي قال به أكثر العلماء قديما وحديثا.

ومن ثم فإن دراسة هذه الفتوى لن تتوقف عند تحليل الرأيين معا، بل ستفتح المجال لإمكانية الكشف عن موقف ثالث وسطي بين الموقفين وجامع لهما في الآن نفسه. بمعنى أن ما يقصد أصالة بادئ ذي بدء من إفراد هذه الفتوى بالتحليل، ليس هو الانتصار لفتوى الليثي وإثبات صحتها، أو ردها وبيان ضعفها، بقدر ما هو تقليب لأوجه النظر في طبيعة الحكم بمناطه العام، وفي موجبات الفتوى بما يحكمها من مناط خاص، بما يستلزم التوفيق بين الأمرين وعدم إلقاء العداوة بينهما، باعتبار أن الحكم الشرعي أصل، والفتوى وسيلة للحفاظ على المقصود منه، فهي تنزيل له على مناط خاص، قد يترتب عنه بقاء الحكم الشرعي كما هو، أو تغييره بما ينسجم مع تحقيق المقصود منه.

  1. التعريف بفتوى الليثي:

هي الفتوى الشهيرة الصادرة عن الفقيه المالكي يحيى بن يحيى الليثي، تلميذ الإمام مالك وناشر مذهبه بالديار الأندلسية، والذي إليه انتهت الرياسة بالفقه في الأندلس، فكان الإمام مالك يسميه عاقل الأندلس، لأنه بحسب ما روي، كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل: قد خطر الفيل، فخرجوا ولم يخرج، فقال له مالك: مالك لم تخرج لتنظر الفيل وهو لا يكون في بلادك؟ فقال له: لم أرحل لأبصر الفيل، وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك، فأعجبه ذلك منه، وسماه عاقل الأندلس”[1].

أما الفتوى التي اشتهرت بنسبتها إليه، فهي للأمير الأندلسي عبد الرحمن بن الحكم الذي جامع في نهار رمضان، ثم استدعى الفقهاء لإفتائه، جاء في ترتيب المدارك وتقريب المسالك: “وقع الأمير عبد الرحمن على جارية له في يوم من رمضان ثم ندم، وبعث في يحيى وأصحابه، فسألهم، فبادر يحيى وقال: يصوم الأمير أكرمه الله شهرين متتابعين، فلما قال ذلك يحيى: سكت القوم. فلما خرجوا سألوه لم خصه بذلك دون غيره مما هو فيه، تخير من الطعام والعتق؟ فقال ‌لو ‌فتحنا ‌له ‌هذا ‌الباب وطىء كل يوم وأعتق. فحمل على الأصعب عليه لئلا يعود”[2].

  • المواقف الفقهية من الفتوى:

لقد حظيت فتوى الليثي، عبر امتداد تاريخ الفقه الإسلامي، بعناية علمية لافتة، واهتمام بالغ من لدن العلماء والفقهاء، حتى غدت من المسائل التي استدعت نقاشا أصوليا ومقاصديا عميقا، تجاوز حدود الخلاف الفقهي الجزئي إلى مساءلة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين النص والمصلحة، وبين الثابت والمتغير في الشريعة. ولم يكن هذا الاهتمام عابرا أو محدودا، بل ممتدا ومتواصلا، لما تنطوي عليه الفتوى من إشكالات دقيقة تمس جوهر الاجتهاد ومناهجه.

وقد تباينت مواقف العلماء منها على وجهين بارزين: أولهما موقف المعارضة، وهو الاتجاه الأوسع انتشارا والأكثر ذيوعا، حيث انبرى عدد كبير من الفقهاء إلى نقد هذه الفتوى ودحضها، مستندين في ذلك إلى ما ورد عن هذا الموضوع من نصوص ضابطة، وبذلك رأوا فيها مجاوزة لحدود الانضباط بالنص، وخروجا عن مقتضيات القواعد المقررة، حتى أصبح هذا الموقف هو السائد في الكتب الفقهية والنقاشات الأصولية، وتعددت مسالك أصحابه في التعليل والاحتجاج.

وفي مقابل ذلك، برز موقف آخر، أقل عددا وأضيق انتشارا، لكنه لا يقل أهمية من حيث الدلالة العلمية، وهو موقف الموافقة، أو على الأقل إمكان التوجيه والاعتبار، فقد ذهب بعض العلماء إلى الدفاع عن هذه الفتوى، أو السعي إلى تأويلها في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية، معتبرين أنها اجتهاد له حظ من النظر، وأنها تستند إلى اعتبار المصلحة أو دفع مفسدة راجحة، ولو خالف ذلك ظاهر ما أشار إليه النص.

  • الموقف المعارض للفتوى:

وهو كما قلنا ما عليه أغلب العلماء عموما، أبرزهم أبو المعالي الجويني، ويليه تلميذه أبو حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي، وأبو إسحاق الشاطبي.

أما أولهم فأبو المعالي الجويني، الذي أغلظ القول وبالغ في التشنيع على الفتوى وصاحبها، فبعد أن تحدث عن أن المستفتي السائل كان ملك الزمان الذي تركع له التيجان، ذكر جواب المفتي أي الليثي قائلا: “لو ذكرت له الإعتاق لاستهان بالوقاع في رمضان، ولأعتق عبدا على الفور في المكان، فإذا علمت أنه يثقل عليه صوم شهرين تباعا ذكرته ليفيده ارعواء وامتناعا، وأنا أقول: إن صح هذا من معتز إلى العلماء، فقد كذب على دين الله وافترى، وظلم نفسه واعتدى، وتبوأ مقعده من النار في هذه الفتوى، ودل على انتهائه في الخزي إلى الأمر الأقصى، ثكلته أمه لو أراد مسلكا رادعا، وقولا وازعا فاجعا، لذكر ما يتعرض لصاحب الواقعة من سخط الله، وأليم عقابه، وحاق عذابه، وأبان له أن الكفارات، وإن أتت على ذخائر الدنيا، واستوعبت خزائن من غبر ومضى، لما قابلت هما بخطيئة في شهر الله المعظم وحماه المحرم. وذكر له أن الكفارات لم تثبت ممحصات للسيئات، وكان يغنيه الحق عن التصريف والتحريف، ولو ذهبنا نكذب للملوك ونطبق أجوبة مسائلهم على حسب استصلاحهم طلبا لما نظنه من فلاحهم لغيرنا دين الله بالرأي، ثم لم نثق بتحصيل صلاح وتحقيق نجاح، فإنه قد يشيع في ذوي الأمر أن علماء العصر يحرفون الشرع بسببهم، فلا يعتمدونهم، وإن صدقوهم…، فإن قيل: أليس روي أن حد الشرب كان أربعين جلدة في زمن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ثم رأى عمر – رضي الله عنه – لما تتابع الناس في شرب الخمر، واستقلوا ذلك القدر من الجلد أن يجلد الشارب ثمانين، وساعده علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه -، قلنا: هذا قول من يأخذ العلم من بعد…، فكيف يستجيز السائل أن يتخذ قصة مشكلة على الصحابة ملاذه في تغيير دين المصطفى صلى الله عليه وسلم”[3]. فالجويني هنا لم يغفل التذكير بأن رأيه قد يقابل بالمخالفة والرفض من البعض، بناء على شواهد واستدلالات علمية استحضر منها الجويني اجتهادات الصحابة وتغير فتاويهم في شأن عقوبة شارب الخمر.

وأما أبو حامد الغزالي، فقد تابع شيخه في رأيه حول الموضوع، خصوصا أنه أبدى رأيه هذا في سياق إنكاره المعروف لأصل الاستصلاح في شموليته، وبالضبط عند تعريجه على قسم المصالح الملغاة حيث قال: “القسم الثاني ما شهد الشرع لبطلانها، مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمر بإعتاق ‌رقبة ‌مع ‌اتساع ‌ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي”[4]. هذه العبارة الأخيرة للغزالي يمكن عدها قرينة تثبت متابعته المباشرة لشيخه الجويني باعتبار أنه علل بنفس ما علل به شيخه ما ذهب إليه في نقده ونقضه لفتوى يحيى الليثي.

والأمر نفسه مع فخر الدين الرازي الذي اختصر في المحصول ما سبق من كتب أصولية، وخصوصا البرهان للجويني والمستصفى للغزالي، لهذا نجده أكد نفس المعنى وفي نفس السياق، أي سياق الحديث والتمثيل للمصالح الملغاة[5].

وأما من سنذكره ختاما فهو أبو إسحاق الشاطبي، الذي اقتفى أثر سابقيه، فأورد قصة هذه الفتوى أيضا في باب المصالح الملغاة، وأعلن بالنص الصريح أنه نقل ذلك عن أبي حامد الغزالي، حيث قال: “والثاني ما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي الحكم لنفسها…. ومثال ذلك ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض السلاطين…، وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين، فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا، فلا يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين، فهذا المعنى مناسب، لأن الكفارة، مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره الإعتاق، ويزجره الصيام. وهذه الفتيا باطلة لأن العلماء بين قائلين: قائل بالتخيير، وقائل بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغني لا قائل به، على أنه قد جاء عن مالك شيء يشبه هذا، لكنه على صريح الفقه…، فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفا للإجماع”[6]. 

بناء على النقول السابقة يمكن استخلاص أهم أدلة وحجج الإنكار على الليثي كالآتي:

  • مخالفة ظاهر النص الشرعي وترتيب الكفارة بالمصلحة: فأقوى ما استند إليه المنكرون أن النص النبوي في هذه القصة قد بين خصال الكفارة على وجه مخصوص، إما على سبيل الترتيب بحسب قول الجمهور أو التخيير بحسب اختيار المالكية، لكن في جميع الأحوال لم يرد فيه إسقاط العتق ابتداء في حق القادر عليه لمجرد تقدير مصلحي، ومن ثم رأوا أن نقل المكلف الموسر مباشرة إلى الصوم تجاوز للنص، وعدول عن البيان الشرعي المحدد إلى اجتهاد لا يسنده دليل خاص.
  • اعتبار الفتوى من باب المصالح الملغاة لا المصالح المعتبرة: فالجويني ومن بعده الغزالي والشاطبي صنفوا هذه الصورة ضمن “المصلحة الملغاة”، أي المصلحة التي قد تبدو مناسبة عقلا لكنها مردودة شرعا، لأن الشارع نص على خلافها. فكون الصوم أشد ردعا للملك لا يكفي عندهم لإثبات الحكم إذا كان الشرع قد حدد صيغا مقدرة مخصوصة للكفارة. فالمصلحة هنا في نظرهم ليست معتبرة استقلالا، لأنها صادمت نصا أو إجماعا.
  • الخوف من فتح باب تغيير الأحكام بتغير الأشخاص والأحوال: إذ من أبرز حججهم أن قبول هذا النوع من الاجتهاد قد يفضي إلى جعل الأحكام الشرعية خاضعة لتقديرات الفقهاء بحسب ما يرونه أصلح لكل حالة، وهو ما قد يؤدي إلى تمييع النصوص وتبديل الحدود. فالغزالي صرح بأن فتح هذا الباب “يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال”، أي أن الإقرار به في مسألة واحدة قد يؤسس لمنهج التوسع في تغيير معالم الشريعة.
  • دعوى مخالفة الإجماع الفقهي: الشاطبي اعتبر أن العلماء بين قولين: التخيير أو الترتيب، أما تخصيص الغني بالصوم ابتداء مع القدرة على العتق فلا قائل به، ومن ثم رأى أن هذا المسلك خارج عن الأقوال المعروفة، بل فيه مخالفة للإجماع المنعقد حول المسألة، وهذا من أقوى الحجج عند الأصوليين، لأن الخروج عن الإجماع يضعف مشروعية الاجتهاد.
  • رفض القياس على اجتهاد الصحابة في حد الخمر: فباحتمال الاستدلال بتغليظ عمر رضي الله عنه لعقوبة شارب الخمر، يرفض الجويني هذا القياس لأن باب التعازير والسياسة الشرعية عنده غير باب الكفارات المحددة بنص والمقدرة بشرع. فزيادة عمر كانت في دائرة السياسة العقابية الزجرية، بينما كفارة رمضان عندهم منضبطة بنص تعبدي، فلا يقاس أحد البابين على الآخر.

وينضاف إلى ذلك من الأدلة أيضا:

  • أن فتوى التعيين الصادرة من يحيى الليثي، تفيد الإلزام، أي الإيجاب على الغير، فكيف يستقيم أن يجتمع إيجاب في موطن فيه تخيير على مذهب المالكية، أو فيه ترتيب على مذهب الجمهور، فالتعيين هنا يبدو تجاوزا لصيغة الحكم الشرعي الأصلية، إذ ينقل المكلف من دائرة ما وسعه النص إلى إلزام خاص لم يرد به على هذا الوجه، مما يثير سؤالا حول حدود الاجتهاد: هل وظيفة المفتي بيان الحكم كما هو، أم يملك تضييق ما وسعه الشرع وإلزام الناس بما لم يلزمهم به النص؟
  • إذا كان القائلون بترجيح الصيام قد بنوا اختيارهم على ما يحقق مصلحة الزجر الأبلغ، فإنه يرد عليهم سؤال مقاصدي معتبر: ولماذا لا يكون العتق هو الأرجح مصلحة؟ فالعتق ليس مجرد كفارة، بل يترتب عليه مقصد عظيم يتمثل في تحرير الإنسان من رق العبودية، وإخراجه من قهر المخلوق إلى كمال الحرية لله وحده. وهذه مصلحة إنسانية وشرعية كبرى، تنسجم مع تكريم الإنسان ورفع الاستعباد عنه، ولا تقل في قوتها عن مصلحة الردع التي ينشدها الصيام، بل قد تتجاوزها من حيث جمعها بين تكفير الذنب وإصلاح وضع إنساني قائم على تحرير نفس من الرق. ومن ثم فإن تقديم الصيام بدعوى قوة الزجر، لا يلغي أن العتق نفسه يحقق مصلحة راجحة عميقة، قد يكون في المحافظة عليها إبقاء للحكمة التي راعاها الشرع ابتداء في تصدير العتق ضمن خصال الكفارة.
  • الموقف المؤيد للفتوى:

إذا كان مقام الأئمة الذين اشتد إنكارهم على فتوى يحيى بن يحيى الليثي معلوما محفوظا، بما لهم من رسوخ في العلم، ونفاذ في الفهم، وهيبة في ميزان الاجتهاد، فإن من الإنصاف العلمي، بل من تمام التحقيق الأصولي، ألا يغفل كذلك وزن أولئك الأعلام الذين لم يقفوا من الفتوى موقف الرفض المطلق، بل نظروا إليها بعين الفقه المقاصدي، واستحضروا ما قد يسندها من اعتبارات المصلحة، ومسوغات الاجتهاد، ومآلات السياسة الشرعية. فكما لا يستهان بقدر المعترضين، لا يجوز كذلك التهوين من شأن من رأى في اجتهاد الليثي وجها معتبرا، أو على الأقل لم يسارع إلى إسقاطه من دائرة النظر الفقهي المشروع. ومن هنا تبرز أسماء علمية وازنة، لا تقل مكانة ولا عمقا، مثل الإمام أبو شهاب القرافي صاحب النظر المقاصدي الدقيق، ونجم الدين الطوفي الذي لا يجهل مقامه في المذهب الحنبلي عموما وفي مجال الاعتبار المصلحي على وجه الخصوص، إذ وجدا في فتوى الليثي ما يجعلها قابلة لأن تقرأ لا بوصفها خروجا عن النص، بل باعتبارها اجتهادا استثنائيا تحكمه خصوصية الواقع، وتؤطره إرادة تحقيق مقصود الشرع في الردع، وصيانة هيبة التكليف، ومنع التحايل على حدود الله: 

أما القرافي فقد قال في نفائس الأصول في شرح المحصول: “هذا المثال قد يتخيل فيه أنه ليس مما أبطله الشرع، لقيام الفارق بين الملوك وغيرهم، وأن الكفارة إنما شرعت زجرا، والملوك لا تنزجر بالإعتاق، فتعين ما هو زجر في حقهم، فهذا نوع من النظر المصلحي الذي لا ‌تأباه ‌القواعد”[7].

وأما نجم الدين الطوفي فقد قال في شرح مختصر الروضة: “أما تعيين الصوم في كفارة رمضان على الموسر، فليس يبعد إذا أدى إليه اجتهاد مجتهد، وليس ذلك من باب وضع الشرع بالرأي، بل هو من باب الاجتهاد بحسب المصلحة، أو من باب تخصيص العام المستفاد من ترك الاستفصال في حديث الأعرابي، وهو عام ضعيف فيخص بهذا الاجتهاد المصلحي المناسب، وتخصيص العموم طريق مهيع، وقد فرق الشرع بين الغني والفقير في غير موضع، فليكن هذا من تلك المواضع”[8].

ينضاف إلى هذين العلمين، استحضار ما ورد عن بعض الأئمة الأعلام خصوصا الإمام مالك، من فتاوى يشبهها ما ذهب إليه الليثي على العموم، وكأن الليثي نحى في فتواه نفس منحى مالك، لكن لم يقع من تشنيع وتقريع في حقه ما وقع لليثي. وفائدة هذه النوازل الاستدلال بها على تقوية فتوى يحيى الليثي، أو على الأقل إثبات أن لها نظائر واجتهادات مشابهة داخل المجال الفقهي المالكي، لا مجرد رأي منفلت عن أصول المذهب أو منقطع عن مناهج الأئمة، وقد حكى الشاطبي في الاعتصام نازلتين متفرقتين متصلتين بهذا الموضوع، الأولى منقولة عن يحيى بن بكير حيث قال: حنث الرشيد في يمين، فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق رقبة، فسأل مالكا، فقال: صيام ثلاثة أيام، واتبعه على ذلك إسحاق بن إبراهيم من فقهاء قرطبة”[9]، وجاء في الدر الثمين مزيد تفصيل عنها، بحيث إن الرشيد حنث في يمين فقال له غير مالك عليك عتق رقبة، فقال له مالك عليك صيام ثلاثة أيام، فقال الرشيد: قال الله تعالى {فمن لم يجد}، فأقمتني مقام المعدم، فقال: يا أمير المؤمنين، كل ما في يدك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام”[10].

أما الثانية فهي ما نقله عن ابن بشكوال أن الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة نزلت به، فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه ووطئها في رمضان، فأفتوا بالإطعام، وإسحاق بن إبراهيم ساكت فقال له أمير المؤمنين: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول بقولهم، وأقول بالصيام. فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون مذهب مالك، إلا إن كنتم تريدون مصانعة أمير المؤمنين. إنما أمر بالإطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو بيت مال المسلمين، فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه”[11].

وبهذا يبدو أن ما يمكن به الاستدلال على تأييد فتوى يحيى الليثي من حجج نجد:

  • اعتبار اختلاف الأحوال والأشخاص في تنزيل الحكم: فالقرافي يقرر بوضوح أن الملوك ليسوا كغيرهم، وأن قيام الفارق بينهم وبين عامة الناس مؤثر في نوع الزجر المناسب لهم، وهو بذلك يؤسس لفكرة محورية مؤداها أن تحقيق مقصود الشرع لا ينفصل عن اعتبار حال المكلف وموقعه الاجتماعي ومدى تأثره بالعقوبة، فإذا كانت الكفارة شرعت للزجر، وكان العتق لا يحقق هذا المقصد في حق الملوك، جاز العدول إلى ما هو أبلغ في الردع، وهذا في حقيقته تأييد مباشر لجوهر فتوى الليثي، لأن الليثي لم يلغ الكفارة، ولم يأت بكفارة جديدة، وإنما نظر إلى الأليق بمقصودها في حق السلطان.
  • اعتماد المصلحة في توجيه الاجتهاد: فقول القرافي: “فهذا نوع من النظر المصلحي الذي لا تأباه القواعد” يعد من أقوى العبارات الدالة على أن اجتهاد الليثي ليس مصادمة للقواعد الشرعية، بل هو مندرج ضمنها. فالقرافي –وهو من هو في النظر المصلحي- لا يكتفي بتفهم الفتوى، بل يربطها بأصل أصولي معتبر، وهو النظر المصلحي المنضبط بقواعد الشرع، لا المؤسس على مجرد الرأي المجرد والهوى المنفرط.
  • نفي تهمة التشريع بالرأي المجرد: فالطوفي يصرح بأن تعيين الصوم على الموسر “ليس من باب وضع الشرع بالرأي”، وهذه العبارة في غاية القوة، لأنه بذلك يدفع عن فتوى الليثي أخطر الاعتراضات، وهو اتهامها بأنها تشريع خارج النص، فالطوفي يعيد توصيفها باعتبارها اجتهادا داخل المنظومة الشرعية، لا خارجا عنها، قائما على المصلحة أو على تخصيص العموم.
  • جواز تخصيص العموم بالمصلحة والاجتهاد: استناد الطوفي إلى أن الحديث يفيد عموما يمكن تخصيصه، يفتح بابا أصوليا بالغ الأهمية؛ إذ يجعل فتوى الليثي قائمة على مسلك أصولي معروف، وهو تخصيص العموم بالمصلحة الراجحة عند قيام موجبها. وهذا يعني أن النص عند الطوفي ليس جامدا على صورة واحدة إذا ظهرت مصلحة معتبرة تقتضي التخصيص.
  • الاستناد إلى شواهد شرعية في التفريق بين الأحوال: فقول الطوفي: “وقد فرق الشرع بين الغني والفقير في غير موضع” يمثل دليلا قياسيا يعزز مشروعية فتوى الليثي، لأن الشريعة نفسها راعت اختلاف الأوصاف والأحوال في أحكام متعددة، وبالتالي فالتفريق هنا ليس بدعا من القول، بل امتداد لمنهج شرعي قائم على مراعاة الفوارق المؤثرة.
  • تغليب مقصد الردع وصيانة هيبة التكليف: فكل من القرافي والطوفي ينطلقان من أن المقصود الأعلى للكفارة ليس مجرد الامتثال الحرفي للترتيب وإن كان هو الأصل العام، بل الأهم هو تحقيق الردع الحقيقي. ومن ثم فإن فتوى الليثي بدت عندهما أقرب إلى روح التشريع وأولى من التمسك الحرفي بصورة قد تفقد أثرها الزجري في حق بعض الناس. 
  • فتوى الليثي ليست اجتهادا منفردا معزولا: فورود نوازل منسوبة إلى الإمام مالك نفسه، وإلى غيره من الفقهاء، تتضمن العدول عن ظاهر ما قد يتبادر من الحكم إلى ما هو أشد أو أنسب بحال السلطان، يدل على أن مراعاة خصوصية الحاكم أو الأمير في نوع الكفارة على سبيل الاستثناء إن اقتضاها المناط الخاص، لم تكن فكرة مستحدثة تماما من الليثي، بل لها ما يشبهها في الاجتهاد المالكي، وهذا يضعف تصوير فتواه على أنها شذوذ مجرد لا أصل له.

ويمكن أن ينضاف إلى ذلك أيضا:

  • إن مما يقوي موقع هذه الفتوى ويمنحها وزنا اجتهاديا لافتا، أن العلماء الذين حضروا مجلس الليثي وشهدوا فتواه واستمعوا إلى حجته، لم ينقل عنهم أنهم بادروا إلى نقضها أو تجاسروا على معارضتها بعد انكشاف وجه استدلاله، إذ من المستبعد في حق فقهاء بلغوا رتبة النظر والاجتهاد، لاسيما وهم من أهل العلم والديانة، أن يسكتوا عن خطأ بين أو انحراف ظاهر في حكم شرعي، أو أن يحملهم اعتبار شخص القائل على ترك الإنكار فيما يعتقدون بطلانه، فهذا مما تنزه عنه مقاماتهم، وتأباه أمانتهم العلمية. ومن ثم فإن سكوتهم بعد سماع الحجة أقرب ما يكون إلى دلالة ضمنية على أن الفتوى لم تكن عارية عن الدليل، بل اجتهادا له حظه من النظر والاعتبار، جاء في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل بعد أن استمع الكل للملك المستفتي: “فسكت حاضروه. ثم سألوه: لم لم تخيره في أحد الثلاثة؟ فقال: لو خيرته وطىء كل يوم وأعتق. فلم ينكروه”[12].
  • كما أن جلالة قدر يحيى بن يحيى الليثي، وما حظي به من مكانة سامقة في الوجدان المالكي الأندلسي، حتى غدا حضوره العلمي من القوة بحيث لم يتعامل مع فتواه بوصفها رأيا عابرا يسهل طرحه أو إهداره، بل استنفرت قدرا كبيرا من الجهد العلمي لدى عدد من الفقهاء الذين اتجهوا إلى محاولة تخريجها، وتسويغ مأخذها، واستكمال بنيتها الاستدلالية، عبر البحث عن عللها الممكنة، والكشف عن وجوهها الأصولية المحتملة، بدل المسارعة إلى إقصائها من دائرة النظر، وهذا في ذاته ذو دلالة بالغة، إذ ليس من عادة العلماء أن يجهدوا أنفسهم في ترميم قول لا وزن له، أو في استنقاذ رأي مجرد من المأخذ، وإنما يفعلون ذلك غالبا حين يكون لصاحبه من الرسوخ والاعتبار ما يجعل قوله جديرا بأن يلتمس له وجه، وأن يفتش له عن مسلك معتبر داخل أصول المذهب أو مقاصد الشرع. ومن أبرز الشواهد على ذلك ما نقله ابن عرفة في مختصره الفقهي، حيث لم يقف التداول العلمي عند ظاهر الفتوى، بل تجاوزه إلى محاولة تفسير منطلقها وتعليل مسلكها، حتى ذهب بعضهم إلى تأويلها بأن الليثي ربما بنى رأيه على اعتبار مخصوص يتعلق بواقع الأمير المالي، وأن ما بيده ليس ملكا شخصيا خالصا، بل مال مرتبط بحقوق المسلمين، ومن ثم فقد لا يكون العتق في حقه محققا للمقصود الشرعي على الوجه المعتاد، حيث أورد في المختصر الفقهي: “ثم سألوه لم لم يخير في أحد الثلاثة؟ فقال: لو خيرته ‌وطئ ‌كل ‌يوم ‌وأعتق فلم ينكروا. وتعقب هذا فخر الدين بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه وقد اتفق العلماء على إبطاله، قال ابن عرفة: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى أن الأمير فقير وما بيده إنما هو للمسلمين”[13].
  • وما يسند أيضا اجتهاد الليثي في اختياره الكفارة المناسبة، أن بعض الفقهاء وخصوصا المالكية تكلموا في الكفارات وتحدثوا عن حكم التصرف فيها والاختيار من بينها، وعن تعلقها باختلاف الأوقات، جاء في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: “وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البداءة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإطعام، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث، وبعضهم قال: إن ‌الكفارة ‌تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدائد تكون بالإطعام، وبعضهم فرق بين الإفطار بالجماع، والإفطار بغيره، وجعل الإفطار بغيره يكفر بالإطعام لا غير، وهذا أقرب في مخالفة النص من الأول”[14]. وهو ما يبدو أيضا من خلال ما أورده ابن رشد: “فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين: هي مرتبة، فالعتق أولا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام. وقال مالك: هي على التخيير. وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه يستحب ‌الإطعام ‌أكثر ‌من ‌العتق ومن الصيام”[15]، وما أورده أيضا ابن جزي: “وهي على التخيير ككفارات الايمان، إلا ‌أن ‌أفضلها ‌الإطعام في المشهور”[16].
  • الجمع والإعمال أولى من الإهمال:

بناء على الرأيين والموقفين اللذين تم إيرادهما إزاء فتوى الليثي، وبعد التوسع في الأدلة التي تسعف كل رأي، فإن محاولة الفصل في هذا الموضوع وفي غيره من الخلافات الفقهية، هي بحسب الأصوليين تميل دوما إلى مسلك الجمع، فهو أول مسلك ينبغي الاهتمام به قبل اللجوء إلى الأخذ بأحدهما بالإطلاق ودحض الآخر، ومسلك الجمع هذا يقتضي إعمال الرأيين معا عوض إهمال أحدهما. وبذلك نقول باختصار، بأن ما صدر عن الليثي هو المنسجم مع خيارات الشريعة، لكن شريطة تحقق موجباته ودواعيه، وهو ما لم يتحقق في هذه النازلة أو على الأقل لا يمكن القطع به والجزم بتحققه، وإلا فتحقق الداعي كاملا مكتملا لا يسع معه إلا أن تكون فتوى الليثي صحيحة مليحة تعامل صاحب القصد الفاسد بنقيض قصده، بمعنى أن الأصل هو البراءة الأصلية، والأصل هو تخييره عملا بقول المالكية أو الترتيب عملا برأي الجمهور، لكن على أساس أن يترتب عن هذا التخيير أو الترتيب ما شرع لأجله من مقاصد، أما أن تحكم المكلف مقاصد أخرى سيئة، تخالف ما قصده الشارع بالقصد الأول، فهذا يفتح الباب لانتهاك الأحكام والتحايل عليها من خلال معاودة المخالفة مرات ومرات، وبذلك فتعمد هذه المعاودة يستدعي ويستوجب المعاملة بنقيض قصده الفاسد، إذ لا معنى من أن يعاود المكلف المخالفة بالتحايل والالتواء لمرات ومرات، ولا يتلقى من الأحكام ما يضمن المعالجة والردع من أجل المحافظة على صرح الشريعة ورونقها، وفق ترتيباتها وتفاصيلها التي قصدها الشارع، وإلا صار ذلك بتعبير الجويني ذريعة في الحقيقة إلى إبطال ‌أبهة ‌الشريعة[17].

وهذا يعني أن مدخل القول بمخالفة هذه الفتوى، ليس بالاعتبار الذي بنى عليه أهله موقفهم، ولكن باعتبار أن المناط الخاص الذي يحقق موجبات الحكم الإفتائي، لم يتحقق، وهذا أسلم، فإذا ما تحققت هذه الموجبات، صار تأييد فتوى الليثي أحكم.

فلا ينبغي رفض فتوى الليثي رفضا مطلقا، لأنها تحمل معنى مهما ينسجم مع كليات الدين، كما لا ينبغي قبولها قبولا مطلقا لأنها قد تفضي إلى خلل يستهدف تمييع هذه الكليات.

أما عن عدم تحقق موجبات الحكم فمن ذلك:

  1. أنه ورد في سياق الفتوى أن الحاكم ندم كما جاء في نقل القاضي: “وقع الأمير عبد الرحمن على جارية له في يوم من رمضان ثم ندم، وبعث في يحيى وأصحابه، فسألهم..”[18]، وهو ما جاء أكثر وضوحا في وفيات الأعيان، إذ وصف الندم بأنه كان شديدا، وترتب عنه حرص على التوبة والأوبة: “وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبا شديدا، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندما شديدا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته”[19]، وهذه قرينة قوية على أنه لم يكن متلاعبا بالحكم، ولم يقصد التحايل على الشرع، وبالتالي فإن قاعدة: “المعاملة بنقيض القصد الفاسد” لا تنطبق عليه، لأن شرطها وجود قصد فاسد، وهو غير متحقق هنا.
  2. ثم إنه – أي الملك- هو من بعث في طلب يحيى الليثي وبقية الفقهاء كما جاء أيضا في ترتيب المدارك ووفيات الأعيان، وهذا أيضا يدخل في باب القرائن التي تؤكد أنه كان صادقا في البحث عن حل وعن مخرج من المعصية التي أوقع نفسه فيها.
  3. استحضار قاعدة “الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة”[20]، يفتح في النظر إلى فتوى يحيى الليثي، بعدا اجتهاديا مهما، من جهة أن المجتهد إذا تردد بين مسلكين، أحدهما قد يفضي إلى قدر من التساهل، والآخر قد ينتهي إلى تشديد أو تغليظ قد يتجاوز المقصود الشرعي، فإن الاحتياط في باب العقوبات والزواجر يقتضي الحذر من مجاوزة الحد المشروع. وبناء على هذا المعنى، يمكن القول إن مناقشة فتوى الليثي لا ينبغي أن تنحصر فقط في نية تحقيق الردع، بل يجب أن تشمل أيضا سؤالا جوهريا: هل كان التشديد بتعيين ما هو أشق هو المسلك الأوثق شرعا، أم أن الوقوف عند ما هو منصوص أو أوسع دائرة أولى اتقاء لاحتمال الزيادة في الإلزام بغير موجب قاطع؟ لا شك أن تقديم العفو في مثل هذه المواطن يبدو أولى من جهة الاحتياط، لأنه لا يعني إلغاء العقوبة من أصلها ولا إسقاطها نهائيا، بل يبقي بابها قائما ومتاحا إذا ظهر ما يوجبها لاحقا، أو تجددت المخالفة على وجه يكشف عن قصد فاسد أو استهانة متعمدة، فالعفو هنا لا يلغي ولا يرفع مسلك الردع، وإنما يؤخره مع بقاء سلطة الزجر قائمة عند الحاجة. أما الحكم بالعقوبة أو التشديد، فإنها إذا وقعت رفعت مسلك العفو وألغته، واستنفدت خيار التخفيف، وربما أفضت إلى مجاوزة المقصود إذا تبين لاحقا أن حال المكلف أو قصده كان يقتضي قدرا من التوسعة. ومن ثم فإن العفو أوسع نظرا، لأنه يجمع بين إمكان الرحمة وبقاء الردع، بينما العقوبة تحسم الأمر من جهة واحدة، فإذا وقع الخطأ فيها كان أثره أشد وأصعب تداركا.
  4. ومن القواعد المصاحبة أيضا لقاعدة الخطأ في العفو، قاعدة “درء الحدود بالشبهات”[21]، وهي من المعاني الشرعية التي تدل على أن الاحتياط عند التردد يكون في جانب التخفيف لا التشديد؛ لأن الشريعة تتشوف إلى تجنب العقوبة الزائدة عند وجود احتمال أو شبهة معتبرة. فإذا كان هذا في الحدود، فمن باب أولى أن يستحضر معانيه في سائر مواطن الزجر والاجتهاد، بحيث يكون الميل إلى الأخف عند الاشتباه أسلم من المبادرة إلى الأشد. وبناء عليه، فإن تقديم العفو أو التخفيف عند قيام احتمال معتبر أقرب إلى روح الشريعة من التوسع في العقوبة، لأن الخطأ في ترك بعض التشديد أهون من الخطأ في فرض ما قد يتجاوز المقصود الشرعي.

وأما ما يجعلنا نرجح تأييد فتوى الليثي في حالة معاودة المخالفة وثبوت القصد الفاسد، فتؤسسه مجموعة من الحجج، لكن قبل بسطها والحديث عنها، فإني أنبه ابتداء إلى أن هذا المسلك لا يراد به بحال من الأحوال نسف النصوص باسم المصلحة، ولا فتح باب الانفلات من سلطانها تحت دعوى المقاصد، كما قد يتوهمه بعض من يخلط بين الاجتهاد المقاصدي المنضبط وبين التوسع المصلحي المنفلت، بل المقصود على العكس من ذلك: صيانة النص بحفظ مقصوده، وربط تنزيله بما يمنع التحايل عليه، دون أن يعني ذلك التساهل في تعطيله أو إهداره. ومن المهم تقرير هذا الأصل حتى لا يفهم الانتصار لفتوى الليثي في بعض الصور الاستثنائية على أنه انحياز مطلق إلى المصلحة ضد النص، إذ الواقع أن المنهج نفسه قد يقتضي في مواضع أخرى الانتصار للنص في مواجهة توسيعات مصلحية غير منضبطة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسألة توريث المطلقة في مرض الموت؛ إذ إن طائفة من الفقهاء توسعوا في توريثها بإطلاق، تأسيسا على قاعدة المعاملة بنقيض القصد، بناء على افتراض أن الزوج إنما قصد بطلاقه حرمانها من الميراث[22]، غير إن التحقيق الأعدل يقتضي ألا يحمل فعل المكلف على القصد الفاسد بإطلاق دون بينة، بل متى ظهر أن الرجل إنما طلق لسبب مشروع أو لغرض لا صلة له بحرمانها من الإرث، فإن الواجب هو إعمال النص في مقتضاه الأصلي، وإمضاء الطلاق على وجهه، وعدم إثبات الميراث بغير موجب متحقق، فهذا في حقيقته انتصار للنص، ورفض للتوسع غير المنضبط في قاعدة المعاملة بنقيض القصد الفاسد، لأن القاعدة لا تعمل إلا عند ثبوت موجبها، لا بمجرد التوهم أو الافتراض العام.

بل إن الحكم بالتوريث على الإطلاق، دون تفريق بين القصد الصحيح والفاسد، قد يفضي هو نفسه إلى مفاسد مقابلة، إذ قد يشجع على سوء الاستغلال، أو يفتح أبوابا من الجرأة والانحراف السلوكي، حين يأمن أحد الأطراف من تبعات بعض التصرفات اعتمادا على ضمانات مفترضة لا تستند دائما إلى مناط صحيح، فقد يجرئ النساء على الرجال، وقد يبيح لهن من التصرفات المشينة ما الله به عليم، خصوصا مع علمهن أنه مهما فعلن، فلن يستطيع الرجال النيل منهن ومنعهن من الميراث ولو بالطلاق. ومن هنا تظهر أهمية الانضباط في توظيف المقاصد، بحيث لا تتحول من أداة لحماية النص إلى وسيلة لتوسيعه خارج حدوده، فظهور معنى المعاملة بنقيض القصد لا يكفي دائما لتعميم الحكم، بل لا بد من مراعاة حدود الاعتبار الشرعي، ومدى انضباط المناسبة، وسلامة التطبيق من الإفراط، لهذا لم يتعامل بعض المحققين مع توريث المبتوتة باعتباره أصلا مقاصديا مطردا، بل خرجوه على أنه من قبيل “المناسب الغريب”، أي مما ظهرت فيه المناسبة من جهة، لكن لم يشهد له الاستعمال الشرعي العام بما يجعله قاعدة مطلقة، وفي هذا السياق قال الزركشي: “ومنه توريث المبتوتة في مرض الموت، إلحاقا بالقاتل الممنوع من الميراث، تعليلا بالمعارضة ‌بنقيض ‌القصد، فإن المناسبة ظاهرة، لكن هذا النوع من المصلحة لم يعهد اعتباره في غير هذا الخاص، فكان غريبا لذلك”[23].

والأمر نفسه يقال في مسألة إقراض المال أو إخراجه من الملك قبيل تمام الحول، إذ لا يصح أن يرتب ذلك تلقائيا الحكم بإلزام المزكي بالزكاة على أساس افتراض التحايل بمجرد الصورة الظاهرة، لأن الأحكام لا تبنى على التهم المجردة، ولا على إلغاء مقاصد الناس الصحيحة باحتمالات غير منضبطة، بل الواجب هو النظر في حقيقة القصد، واستقراء القرائن، وتمييز التصرف المشروع من التصرف الاحتيالي. فإذا تبين بقرائن معتبرة أن صاحب المال لم يقصد الفرار من الزكاة، ولا التنصل من الواجب الشرعي، وإنما صدر تصرفه عن حاجة حقيقية، أو مصلحة مشروعة، أو معاملة معتادة لا يراد بها إسقاط الحق، فإن الأصل يقتضي إعمال ظاهر تصرفه، وعدم مؤاخذته بقصد لم يثبت. أما تحويل كل تصرف سابق للحول إلى قرينة قطعية على التحايل، فذلك من التوسع غير المنضبط في قاعدة المعاملة بنقيض القصد، ويؤدي إلى مصادمة أصل البراءة، وإلى بناء الأحكام على مجرد الاحتمال، لهذا أشار الإمام مالك إلى أن نية الفرار هي التي تلزم بالزكاة، جاء في الجامع لأحكام القرآن: “إذا فوت من ماله شيئا ينوي به ‌الفرار ‌من ‌الزكاة ‌قبل ‌الحول بشهر أو نحوه، لزمته الزكاة عند الحول، أخذا منه بقوله عليه السلام خشية الصدقة”[24]، وجاء في المغني لابن قدامة: ” ومن كانت عنده ماشية، فباعها قبل الحول بدراهم، فرارا من الزكاة، لم تسقط الزكاة عنه..، وكذلك لو أتلف جزءا من النصاب، قصدا للتنقيص، لتسقط عنه الزكاة، لم تسقط، وتؤخذ الزكاة منه في آخر الحول، إذا كان ‌إبداله ‌وإتلافه عند قرب الوجوب. ولو فعل ذلك في أول الحول، لم تجب الزكاة، لأن ذلك ليس بمظنة للفرار”[25].

والآن نعود إلى بيان حجج تأييد فتوى الليثي في حالة معاودة المخالفة:        

  1. أن هذه المعاودة دليل وقرينة على تحوله إلى القصد الفاسد، بما يترتب عنه ضرورة معاملته بنقيض هذا القصد، وهو ما يتلاءم مع القاعدة الفقهية التي جاءت الإشارة إليها من قبل، وتعد عمدة في هذا الباب، وهي قاعدة “المعاملة بنقيض المقصود الفاسد”[26]، فمن قصد إلى ما فيه إبطال قصد الشارع عوقب بنقيض قصده، بمعنى أنها مشروطة بتحقق مناطها، وهو بدو وظهور المقصد السيء للمكلف، وأوردها ابن القيم بصيغة أكثر دقة “المعاقبة ‌بنقيض ‌القصد ثابتة شرعا وقدرا” [27]، فهذه القاعدة لا تبنى على مجرد الظنون المجردة، وإنما على ظهور مقصد سيئ يتجه إلى إبطال حكمة التشريع أو تفريغه من أثره، فإذا تبين أن المكلف لم يعد يتعامل مع الحكم بوصفه زاجرا يردعه، بل بوصفه مخرجا سهلا يتيح له معاودة الانتهاك دون اكتراث، فإن هذا التحول نفسه يصبح مناطا للاجتهاد في معاملته بما يسد باب تحايله، ويعيد إليه أثر الردع الذي قصده الشارع، وإلا ما قيمة أن يشرع الدين حكما عظيما في حجم الصيام تطهيرا للنفس وتغييرا للسلوك، إذا أمكن لذوي الثراء والسلطان أن يحولوه -عمليا- إلى مجرد تكلفة مالية محتملة لا تردعهم، فيغدو الانتهاك عندهم متيسرا، وتفقد العبادة أثرها وثمرتها. وهل سيبقى للصوم قيمة إن افترضنا أن الملوك والاثرياء يختارون العتق والإطعام، عوض الصيام؟
  2. حصر الحكم من تشريع الكفارة وضبط المقصودة أولا: إذ هناك حكم قصدها الشارع من تشريع الكفارة، وهي أساسا الزجر وتعظيم شعائر الله وعتق الرقاب وإطعام المساكين والحفاظ على شعيرة الصيام، إذ عند التأمل في هذه الكفارات وأساسها التشريعي، يظهر أن مقصدها الأول والأصيل هو الردع والزجر، أي إعادة المكلف إلى هيبة التكليف بعد انتهاك حرمة عظيمة، وردعه عن الاستهانة بها مستقبلا، ثم يأتي في الرتبة الثانية والثالثة المصالح الأخرى، أي العتق والإطعام، فهي ذات أهمية أيضا، لكن باعتبارها مقاصد تبعية وتابعة لهذا الأصل، لا مساوية لها في الرتبة، بمعنى أن العتق وإن كان متضمنا لمصلحة عظيمة، إلا أنه في هذا الموطن ليس هو المقصود الأول، بل هو أحد الأوعية التي تتحقق من خلالها الكفارة مع ما يصاحبها من مصالح إضافية، بدليل أن الشارع لم يجعل العتق غاية مستقلة لا بديل عنها في جميع الصور، بل رتب أو خير بين خصال متعددة بحسب القدرة، مما يدل على أن الجامع بينها هو معنى الزجر وتحمل التبعة، لا خصوص كل خصلة بعينها، فحيث تعذر بعض الصور انتقل المكلف إلى غيرها، وبقي المقصد الأصلي محفوظا، وهو تحمل مشقة التكفير بما يعيد الاعتبار لحرمة الحكم المنتهك.

ولا يستقيم بحال أن يقال إن الشارع قصد ابتداء من كفارة انتهاك حرمة رمضان تحقيق العتق لذاته، أو الإطعام لذاته، بوصفهما الغاية الأولى من التشريع، لأن لازم هذا التصور أن تصبح مصلحة تحرير الرقاب أو الإطعام مرتبطة -من حيث النتيجة- بوقوع المكلف في انتهاك حرمة الصيام، وكأن الشريعة تجعل من المخالفة طريقا أصليا إلى تحصيل تلك المصالح، وهو معنى لا ينسجم مع منطق التشريع ولا مع حكمة التكليف، إذ لو كان المقصد الأول من الكفارة هو نفس العتق أو الإطعام، لأفضى ذلك -من جهة اللزوم العقلي- إلى أن يكون تحقق هذه المصالح متوقفا على حصول المخالفة، بما يشبه جعل انتهاك الحرمة وسيلة إلى غاية محمودة، وهذا قلب واضح لأولويات الشريعة.

وبهذا فلا يمكن أن يكون القصد الأول من معاقبة انتهاك حرمة رمضان إلا إرجاع المكلف إلى دائرة التكليف المقصود، أي المحافظة على شعيرة الصيام، فإن تم بما يتحمله من كلفة الإعتاق تحقيقا لمعالم مقصودة ومصالح شرعية معتبرة أيضا فبها ونعمت، وإن خرجت عن دائرة الاستطاعة مر إلى الإطعام تحقيقا أيضا لمعالم ومصالح شرعية أخرى، وإن لم يقدر مر إلى الصيام.

أما إذا كان المقصود هو تحقيق مصالح كتحرير الرقاب أو سد حاجات الفقراء بالقصد الأول، فإن الشريعة لم تترك ذلك رهينا بالأحكام الاستثنائية المرتبطة بالمخالفات والكفارات، بل شرعت له أبوابا أصلية مستقلة، تتجه إليه ابتداء وبصورة مباشرة، وفي مقدمتها الزكاة والصدقات وسائر التشريعات المالية والاجتماعية. فالزكاة مثلا لم تشرع عقوبة على ذنب، وإنما شرعت ابتداء لإخراج المال على وجه يحقق جملة من المقاصد الاجتماعية والاقتصادية الكبرى في صيغة مصارف مضبوطة، منها ما يتعلق بعتق الرقاب، ومعالجة الفقر، وتحقيق التكافل والتضامن، وتقوية البنية المجتمعية. بمعنى أن الشارع إذا قصد تحرير الإنسان أو معالجة الاختلالات الاجتماعية قصدا أوليا، جعل لذلك نظاما تشريعيا أصيلا قائما بذاته، لا متوقفا على وقوع المخالفة أو انتهاك الأحكام، وإلا فلا يمكن التعويل على القضاء على واقع الاستعباد المقيت من خلال المراهنة على مخالفة هنا أو هناك، خصوصا أن المخالفة وانتهاك الحرمات كان مرجوحا في تاريخنا، نسبته ظلت ضعيفة وقليلة بما لا يفي بغرض تحرير وعتق الرقاب.

وما يعزز هذا الكلام، استدعاء ما قاله الشاطبي في سياق حديثه عن بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها، ففي المسألة الثانية عشرة قال: “الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق ‌الوسط ‌الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال، كتكاليف الصلاة، والصيام..، فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادا إلى ‌الوسط ‌الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر، ليحصل الاعتدال فيه..، فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين”[28]، لهذا كانت كفارات انتهاك رمضان بأكملها محققة للزجر والردع، آخذة بطرف التشديد، سواء على أساس التخيير أو الترتيب، لكن مع تمايز في القوة والشدة، فلو اختار المكلف أيسرها بالنسبة إليه على مذهب التخيير، تظل جالبة للمشقة ولو كانت أدنى درجة من مشاق أخرى.

ولعل من أقوى ما يمكن أن يستأنس به في تأصيل قدر من المرونة الاجتهادية في تنزيل الكفارة، سواء في اتجاه التشديد إذا ترجحت قرائن الاستهانة والاستخفاف وظهر ما يهدد مقصد الردع، وهو ما سبق بيانه، أو حتى في اتجاه التخفيف كذلك إذا قامت أسبابه المعتبرة وموجباته الشرعية، حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي واقع أهله في نهار رمضان: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: هلكت، قال: «ولم؟» قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: «‌فأعتق ‌رقبة» قال: ليس عندي، قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، قال: «فأطعم ستين مسكينا» قال: لا أجد، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: «أين السائل؟» قال: ها أنا ذا، قال: «تصدق بهذا» قال: على أحوج منا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، قال: «فأنتم إذا»”[29].

ومن ثم، إذا كان النص النبوي قد أظهر هذه المرونة الواضحة في جانب التخفيف عند قيام موجباته، فإن ذلك يكشف من جهة التأصيل أن تنزيل الكفارة ليس عملا آليا محضا، بل هو مجال يتفاعل فيه الحكم مع حال المكلف بما يحفظ المقصد الأصلي للشريعة، وهو الارتداع، إذ لما تبين للنبي صلى الله عليه وسلم تحقق المقصود الشرعي في حق السائل، وظهر من حاله ما يقتضي التخفيف دون أن يناقض أصل الردع أو يهدم غاية الكفارة، وقع التخفيف مراعاة لموجباته القائمة، لا إلغاء للمقصد ولا تعطيلا للحكم، فكان ذلك دليلا على أن تحقق الغاية الشرعية قد يفتح مجالا للتخفيف إذا وجدت أسبابه المعتبرة، ما دام هذا التخفيف لا يفضي إلى إبطال مراد الشارع، بل يظل منسجما معه ومحققا له في حدود الحال الخاصة.

  • إذا كان علماء الأمة بين قائل بترتيب خصال الكفارة لمن انتهك حرمة نهار رمضان بالجماع، وقائل بالتخيير، فإن تعيين خصلة من تلك الخصال لمناسبة خاصة لا يعد قولا ثالثا مناهضا ورافعا للقولين السالفين، إنما يتنزل منزلة التفصيل بينهما، وما كان كذلك فإنه يجوز القول به عند المحققين من أهل العلم، فالقول بتقييد التخيير لمناسبة، ليس مصادما من كل الوجوه لمن ذهب إلى التخيير في خصال الكفارة، ولا يلزم منه رفع القولين السالفين، فليس كل تقييد لبعض صور التخيير، أو توجيه لاختيار خصلة معينة عند قيام موجب خاص، خروجا عن بنية الخلاف السابق أو مصادمة له من كل وجه، بل قد يكون نوعا من تنزيل الأقوال القائمة على وقائع مخصوصة بحسب ما يقتضيه تحقيق المناط. وعليه، فلا يوصف بأنه خالف الإجماع، وهو ما أشار إليه الشوكاني في مسألة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ حيث ذكر خلافا بين الجواز مطلقا والمنع مطلقا ثم أضاف رأيا ثالثا: “إن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز، وروي هذا التفصيل عن الشافعي واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاجب، واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه”[30].
  • أن عمدة القواعد التي يستند إليها في مثل هذه النوازل، ما يتعلق بأصل مراعاة المناط الخاص، وما يرتبط به من مراعاة اعتبار المآلات، قال عنه الشاطبي: “تحقيق ‌المناط ‌الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل”[31]، إذ ليست العبرة بمجرد معرفة الحكم في صورته العامة، بل الأهم هو مدى انطباق علته ومقصوده على النازلة الجزئية المعروضة. ومن هنا يبرز أصل “تحقيق المناط الخاص” باعتباره أداة دقيقة لتنزيل الأحكام على الوقائع بحسب خصوصياتها المؤثرة، ويبرز بالتبع الأصل المتفرع عنه، وهو اعتبار المآلات باعتباره من أهم المعالم التي تحدد الفتوى المناسبة، ففقه المآلات كما قرره الأصوليون، يقوم على أن المجتهد لا يقتصر على معرفة الحكم المجرد، بل ينظر أيضا في نتائج تطبيقه، وما إذا كان سيحقق مقصود الشارع أو يفضي إلى خلافه.

وكل ذلك تدل عليه شواهد غزيرة من صميم تراثنا الفقهي والأصولي، هي بمثابة نظائر وأشباه من السنة وأفعال الصحابة لما نحن فيه، منها:

مسألة الأخذ بالقرعة والتخيير بين الأبوين عند التنازع على الولد بحسب النص، أم المصلحة؟:

فعن أبي ميمونة سليمان، مولى لأهل المدينة قال: كنت عند أبي هريرة فجاءته امرأة، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بولدي، فقال أبو هريرة: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءته امرأة، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بولدي أو بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما، فجاء زوجها، فقال: من ‌يخاصمني ‌في ‌ولدي أو في ابني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت» وقد قال أبو عاصم: فاتبع أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به”[32].

قال ابن القيم: “فمن قدمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك، لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا..، فإذا كانت الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله، والآخر مراع له فهو أحق وأولى به…، وسمعت شيخنا رحمه الله –ابن تيمية- يقول: ‌تنازع ‌أبوان ‌صبيا عند بعض الحكام، فخيره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه، فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم، قال: أنت أحق به”[33].

وقال الشوكاني في السياق نفسه: “واعلم أنه ينبغي قبل التخيير ‌والاستهام ملاحظة ما فيه مصلحة للصبي، فإذا كان أحد الأبوين أصلح للصبي من الآخر قدم عليه من غير قرعة ولا تخيير”[34]، وما كلام الشوكاني وقبله ابن القيم إلا إقرار بمركزية الأخذ بالمصلحة في هذا الباب، فكما أن ظاهر الحديث في نزاع الأبوين قد يفيد التخيير أو القرعة، لكن المحققين قرروا أن ذلك ليس مقصودا على الإطلاق، بل يعمل به ما دامت مصلحة الولد متحققة، فإذا ظهر أن مصلحته في خلاف اختياره أو خلاف مقتضى القرعة قدمت المصلحة لأنها روح الحكم ومقصوده. وكذلك الأمر في فتوى الليثي، فإن ظاهر خصال الكفارة قد يبقى على أصله ما دام محققا لمقصد الردع، أما إذا ظهر في واقعة خاصة أن بعض صور الظاهر قد يفرغ الحكم من غايته بسبب التحايل أو الاستهانة، خصوصا عند معاودة المخالفة كما أسلفنا، فإن النظر حتما ينبغي أن يتحول إلى ما يحقق مقصد الشارع الأصيل.

مسألة التسعير بين النص الملغي والمصلحة الموجبة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ‌سعر ‌لنا، فقال «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال»”[35].

قال الدكتور الريسوني: “فمقتضى الحديث أن ‌التسعير ظلم، وأنه ليس للحاكم أن يسعر على الناس، وأن الأمر بيد الله، ليس لأحد أن يتدخل فيه، وليس فيه تفريق بين تسعير وآخر. ومع هذا رأة عدد من الفقهاء -وخاصة من المالكية والحنابلة- أن هناك حالات يجوز فيها التسعير أو يجب! وليس هذا إلا تفسيرا مصلحيا للحديث، عن طريق النظر العقلي. فقد رأوا أن الحديث يعتبر التسعير ظلما، ثم وجدوا حالات يكون عدم التسعير فيها هو الظلم، ويكون التسعير فيها عدلا ومصلحة عامة”[36].

ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، دل النص بوضوح على أصل كلي، وهو الامتناع عن التسعير ابتداء في الأحوال المعتادة التي تجري فيها الأسواق على سننها الطبيعي، حيث أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتدخل تدخلا مجردا يفضي إلى ظلم أو جور، فقال: «إن الله هو المسعر…»، فكان ذلك انتصارا لأصل الحرية السوقية المنضبطة، وحفظا لمقصود عام يتمثل في منع التحكم الجائر، ورفع الظلم، وصيانة أموال الناس من الأثرة والتعسف. غير إن هذا النص لا يفهم على أنه منع جامد وصوري لكل صور التسعير في جميع الأحوال، بمعزل عن تغير الواقع أو ظهور ما يهدد مقصد العدالة نفسه. ولذلك لم يفهم المحققون المراعون لمقاصد النصوص هذا الحديث على أنه إغلاق مطلق لباب التسعير، بل رأوا أن الامتناع النبوي كان متعلقا بحال مخصوصة لم يظهر فيها ظلم احتكاري أو عبث يقتضي التدخل. ومن ثم، فإذا تحول السوق إلى مجال للاحتكار، أو التلاعب، أو الإضرار العام، أو صار ترك التسعير سببا في تفويت مقصد العدل الذي من أجله امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن التسعير ابتداء، فإن التدخل حينئذ قد لا يكون معارضة للنص، بل سعيا إلى تحقيق مقصوده الأعمق. فالنص هنا يؤسس الأصل: منع الظلم والجور، لا مجرد ترك التسعير كيفما كانت النتائج، فإذا كان الامتناع عن التسعير في ظرف ما يحقق العدالة، عمل به، وإذا صار في ظرف آخر وسيلة إلى الظلم، فإن تحقيق مقصد النص قد يقتضي صورة مختلفة من التنزيل.

فلا يقال إن اعتبار المصلحة هنا نسخ للنص، كما لا يقال إن الجمود على ظاهر النص مع تغير الواقع هو عين الوفاء له. بل الوفاء الحقيقي للنص يكون بحفظ غايته التي شرع لأجلها، وهي العدل ومنع الجور. وهذا هو جوهر المنهج المقاصدي المنضبط: لا تعطيل للنص باسم المصلحة، ولا تعطيل للمصلحة باسم القراءة الحرفية المجردة، وإنما تنزيل للنص بما يبقيه محققا لروحه ومقصوده في مختلف الأحوال.. وهذا المعنى هو نفسه ما يجعل كثيرا من الاجتهادات المقاصدية المقبولة ليست خروجا عن النص، بل سعيا إلى حماية روحه من أن يتحول تطبيقه الشكلي إلى ما يناقض حكمته، وهو ما حكم أيضا يحيى الليثي في فتواه السابقة خصوصا مع استحضار حال معاودة الحاكم للمخالفة.

مسألة العدول عن التغريب في عقوبة الزاني للمصلحة:

عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنه أمر فيمن زنى، ‌ولم ‌يحصن ‌بجلد مائة، وتغريب عام”[37]. وروى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: “غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: ‌لا ‌أغرب ‌مسلما بعد هذا”[38].

وهذه أيضا من المسائل المنبنية على مراعاة المناط، والدالة على حضور المصلحة في تنزيل النص من حيث التصرف فيه بشكل مخصوص، وهي مسألة التغريب في عقوبة الزاني غير المحصن؛ إذ دل حديث زيد بن خالد رضي الله عنه على أصل ظاهر، وهو أن من زنى ولم يحصن يعاقب بجلد مائة وتغريب عام، فالنص هنا قرر العقوبة بما يحقق الردع والزجر وصيانة المجتمع من انتهاك الحرمة. غير إن الفقهاء -مع تسليمهم بأصل النص- بحثوا في كيفية تنزيله عند ظهور ما قد يجعل بعض جزئياته مؤديا إلى ضد مقصوده. فقد يطرأ ما يجعل التغريب نفسه سببا في زيادة الفساد لا في تقليله، كما لو كان المنفى موطنا يزداد فيه الانحراف، أو كان التغريب في حق بعض الأشخاص مظنة انفلات أشد، أو ترتبت عليه مفاسد أعظم من المقصود بالعقوبة، وهو ما بدا مع تصرف سيدنا عمر رضي الله عنه. وهنا برز عند بعض أهل العلم النظر المقاصدي في إمكان العدول عن صورة التغريب أو تقييده إذا ثبت أن المقصود الأصلي -وهو الردع والإصلاح- سيتعطل أو ينقلب إلى ضده، فليس البحث هنا في إنكار النص، وإنما في تحقيق علته: هل التغريب في هذه الحال يحقق الردع فعلا، أم يفوت المقصد؟

ولعل مسألة العدول عن التغريب في عقوبة الزاني غير المحصن تعد من أشد الصور التي يبدو فيها -من حيث الظاهر- قدر من المجاوزة لصورة النص المباشرة مراعاة للمصلحة، بل قد تبدو أوضح في هذا الباب من كثير من المسائل الأخرى، لأن محلها ليس دائما مرتبطا بطارئ استثنائي ظاهر يغير طبيعة الواقعة ذاتها، كما هو الشأن في بعض النوازل التي يفرض فيها الواقع المستجد موجبا مباشرا لإعادة النظر في التنزيل، مثل فتوى الليثي بحكم أن الليثي لم يأت بما يخالف الكفارة أصلا، بل اختار من بين ما ورد فيها بما يحقق المصلحة المقصودة أولا، ومثل تأخير إقامة الحد في أرض العدو خشية لحوق المحدود بالعدو أو تقوية صفه، ففي تلك الصورة الأخيرة، يظهر الطارئ بوضوح: ظرف الحرب، واحتمال الانضمام إلى العدو، وما يترتب عليه من مفسدة أمنية وعسكرية راجحة، فيبدو التعليل أكثر مباشرة من جهة تغير الملابسات.

أما في مسألة التغريب، فإن وجه الإشكال أشد، لأن النص ورد بذكر الجلد والتغريب في أصل العقوبة، مما يجعل العدول عن أحد جزئياته كما جسده عمر رضي الله عنه أقرب إلى معارضة الصورة المنصوصة ذاتها، لا مجرد تأجيلها لعارض خارجي واضح. ومن هنا يمكن اعتبار هذه المسألة من أكثر المواطن حساسية في النقاش الأصولي بين ظاهر النص ومقتضى المصلحة، إلى حد أنه لو صدر نظير هذا الاجتهاد اليوم عن فقيه من آحاد أهل العلم، في بيئات يغلب عليها الاندفاع وقلة فقه الخلاف، لتتابعت عليه سهام التضليل والتبديع، وربما جاوزها بعض الغلاة إلى ألوان من التكفير والتحريض والتشنيع.

مسألة تضمين الصناع على خلاف الأصل حماية للمصالح:

ومن النماذج الفقهية الدالة على مشروعية مراعاة المناط عند تنزيل الأحكام، مسألة تضمين الصناع، إذ إن الأصل أن الأجير الأمين أو الصانع لا يضمن ما تلف في يده من غير تعد ولا تفريط، باعتبار أن يده يد أمانة لا يد ضمان، وهو الأصل الذي دل عليه حديث: “لا ضمان على مؤتمن”[39]، وذهب إليه عدد من الفقهاء[40]، غير إن عليا بن أبي طالب لما رأى ما طرأ على أحوال الناس من تغير، وما نشأ عن ترك التضمين من ضياع أموالهم وفتح باب التهاون، مال إلى تضمين الصناع حفظا للحقوق، وصيانة لأموال الناس، ومراعاة للمآلات بقوله: “لا يصلح الناس إلا ذاك”[41]، فهو بهذا لم ينقض الأصل الشرعي من حيث هو، ولم يلغ قاعدة الأمانة ابتداء، وإنما نظر إلى تغير المناط، وتحول الحال، وما أصبح يقتضيه حفظ المقصد الشرعي في ظرف مغاير. وهذا المعنى يقترب -من جهة معتبرة- من فتوى الليثي خصوصا على احتمال معاودة المخالفة، إذ كلاهما يقوم على أساس أن الحكم في صورته الأصلية قد يبقى هو المعتمد ما دامت علله ومقاصده متحققة، لكن إذا ظهر من أحوال المكلفين أو من تغير الواقع ما يهدد تلك المقاصد أو يفرغ الحكم من أثره، فقد يبرز مجال لاجتهاد خاص يعيد ربط الحكم بمقصوده الأصلي، فعثمان لم يضمن الصناع لأن النص أو الأصل قد بطل، بل لأن بقاء الحكم على صورته الأولى في واقع متغير قد يؤدي إلى تفويت مقصد الحفظ. وكذلك الليثي على فرض المعاودة، فليس القصد إبطال خصال الكفارة، بل النظر إلى حالة مخصوصة سيصبح فيها ظاهر الحكم غير محقق للغاية الزاجرة المقصودة. 

وخلاصة هذا الكلام أن حجم الإنكار الذي ووجهت به فتوى الليثي لا يبدو -عند التأمل المقارن- متناسبا دائما مع موقعها داخل خارطة الاجتهاد الفقهي، إذ توجد في التراث اجتهادات أخرى لا تقل عنها جرأة، بل قد يظهر بعضها أقرب إلى مجاوزة الصورة المنصوصة أو إلى رفع بعض مقتضيات الحكم دون طارئ خارجي ظاهر بالقوة نفسها، كما في نموذج القول بإسقاط التغريب، ومع ذلك لم تتلق في النقد الفقهي العام القدر نفسه من الاستهجان الذي انصب على فتوى الليثي. وهذا يثير أن المسألة لم تكن مرتبطة فقط بميزان الدليل، بل أيضا بطبيعة تلقي الاجتهاد، وسياقه، وحساسية الباب الذي ورد فيه.

ففتوى الليثي وقعت في موطن شديد الصلة بحرمة رمضان والكفارات، وهي منطقة تتسم بقدر كبير من التحفظ، مما جعل أي تصرف يبدو فيه عدول عن الصورة المشهورة أقرب إلى إثارة رد فعل حاد، حتى لو أمكن لبعض المحققين تخريجه على أصول معتبرة من تحقيق المناط أو اعتبار المآل أو المعاملة بنقيض القصد الفاسد، بينما اجتهادات أخرى، قد تبدو من زاوية معينة أشد مساسا بظاهر الحكم، لكنها لم تقابل بما قوبلت به، بل لم ينكر عليها، إما لاختلاف السياق، أو لطبيعة المصدر الذي أنتجها، أو لكونها أدرجت لاحقا ضمن مساحات الاجتهاد المقبول.

وبذلك، فربما كان من قدر فتوى الليثي أنها صارت عنوانا رمزيا للاجتهاد المثير للجدل، أكثر من كونها المثال الأوحد أو الأشد في بابها. لكن القراءة المنصفة، تقتضي ألا يجعل شيوع الإنكار في التراث الفقهي وحده برهانا نهائيا، بل يوازن ذلك بسياقات فقهية أخرى، حتى لا يتحول بعض الاجتهادات إلى مواضع إنكار استثنائي يفوق ما يقتضيه ميزان المقارنة العلمية.

  • ينضاف إلى ذلك أنه لا يخفى على أحد من المسلمين -فضلا عن العلماء- ما أولاه الشرع الحنيف لشهر رمضان من تعظيم ظاهر واعتناء باهر، حيث جعله غنيمة جامعة للعبادات القلبية والسلوكية، من صيام وقيام واحتساب، ومن تعلق بالله تعالى وتخلق بأخلاق الإيمان، فإن ما يترتب عن هذه الشعيرة العظمى من مقاصد سامية، تتمحور حول تقوى الله، يفوق في سعته واستيعابه ما يمكن أن تحيط به المقالات، أو تستوفيه المصنفات. وليس غريبا، تبعا لذلك، أن يطلق عليه بعض العلماء وصف “المدرسة”، لما يثمره من آثار عميقة في تهذيب النفس، وتزكية الروح، وإعادة بناء السلوك الفردي والجماعي، فضلا عما يترتب عنه فيما يخص الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من صور التكافل والتكامل.

وانطلاقا من هذه المكانة المركزية لشهر رمضان، فإن الشريعة قد قصدت قصدا أكيدا إلى صيانة حرمته، وتعظيم شعائره، وحماية أجوائه، من كل ما من شأنه أن ينال منها أو يفرغها من مضمونها الروحي، وامتدادها التربوي، وبعدها الاجتماعي. وليس هذا القصد مقصورا على الدعوة إلى الالتزام الفردي فحسب، بل يتعداه إلى إرساء نظام من الزواجر التي تحول دون الاستهانة بحرمة هذا الشهر أو المجاهرة بانتهاكه. ذلك أن فتح باب الاستهانة -ولو من فرد واحد- من شأنه أن يفضي إلى تجرؤ الآخرين، ومن ثم إلى إضعاف هيبة الشعيرة في الوجدان العام، وهو ما يتنافى مع مقصد التعظيم الذي أراده الشارع.

وبناء على ذلك، وتحقيقا لمقصد التحصين والحماية، شرع الإسلام من وسائل الحفظ ما يكفل صيانة هذه الشعيرة من جهة العدم، فجعل لها من الزواجر ما يحفظ حرمتها ويمنع انتهاكها، وذلك في صورة كفارات تجمع بين الزجر والجبر، تلزم من انتهك حرمة الصيام بما يردعه عن العود ويجبر ما أحدثه من خلل. ولا ريب أن هذا يعني أن المقصود الأول من الكفارة هو التربية على المحافظة على حرمة الصيام، والمقصود الثاني يتعلق بالمعاني الخارجة عن الصيام المتضمنة في الكفارات سواء على حال الترتيب الذي قال به الجمهور، أو التخيير الذي اختاره المالكية، وهي عتق الرقاب وإطعام المساكين، فهي أيضا مقصودة شرعا لرعاية أحوال المجتمع وتكريس مبادئ حقوق الإنسان، وهذا من طبيعة التشريعات التعبدية التي تكون لها امتدادات اجتماعية واقتصادية وغيرها. لكن لا يستقيم بحال أن يقال أن الهدف من تشريع الصيام وما يرتبط به من كفارة مانعة من انتهاك حرمته هو عتق الرقاب وإطعام المساكين، لأن هذه عقوبات الغرض منها الزجر وإرجاع المكلف إلى صواب المحافظة على شعيرة الصيام، أي أنها وإن كانت مقصودة لذاتها بحسب ما قد يصدر من آراء، فلا ننسى أيضا أنها في الآن نفسه مقصودة لغيرها.

  • الكفارات من المكملات التابعة للمقصد الأصلي، فلا يجوز أن تنقلب إلى ما يعود على الأصل بالإبطال أو الإضعاف، ومعنى وصف الكفارات بأنها مكملات، أنها شرعت لسد الخلل الطارئ على المقصد الأول كما قال الدكتور أحمد رفيع: “المكملات تسد النقص الطارئ على المقاصد، كما في التعويضات والكفارات”[42]، لا لتتحول إلى باب يفرغ ذلك المقصد من محتواه، أو يفتح للمكلف طريق الالتفاف عليه، فلم يقصد بها استقلالا إنشاء أحكام منفصلة عن المقصد الأصلي، بل جاءت لجبر ما وقع من إخلال بحرمة العبادة، وصيانة الأصل الذي انتهك، وترميم ما أصابه من نقص، لا لتصبح منفذا يجعل المكلف يستهين بالشعيرة اعتمادا على سهولة الجبر أو إمكان التكرار، وإلا صار المكمل وسيلة للانقلاب على وظيفة الأصل وإبطاله، إذ بدل أن يسد النقص، صار مدخلا لتوسيعه، وبدل أن يحمي الأصل، صار سببا في تهوينه وتوهينه.

لذلك كانت الكفارات تجمع بين معان ثلاثة متكاملة: العقوبة، والزجر، والجبر؛ فهي عقوبة للمخل بالطاعة، وزجر لغيره عن الوقوع فيما وقع فيه، وتكميل للنقص الحاصل بسبب الإخلال، وهذا ما أشار إليه محمد بن المختار الشنقيطي في قوله: “الكفارة عقوبة شرعية، اختلف العلماء رحمة الله عليهم فيها: فبعض العلماء يقولون: إن الله شرعها عقوبة للمخل بالطاعة، كما هو الحال في الصيام فيمن جامع أهله في نهار رمضان، ومنهم من قال: شرعها الله جبرا للنقص الموجود في العبادة، ومنهم من جمع بين الأمرين فقال: الكفارات تعتبر عقوبات ‌وزواجر ‌ومكملات، فهي عقوبة لمن فعل، وزجر لغيره أن يفعل، وتكميل للنقص الموجود بسبب الإخلال في العبادة”[43]، وهو تقرير بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل النظر من التعامل مع الكفارة كغاية مستقلة، إلى فهمها بوصفها جزءا من البنية التكميلية التي تحمي المقصد الأعلى وتحفظه من الإبطال، وهنا يظهر وجه القوة في مثال الليثي خصوصا في حال معاودة المخالفة، إذ لا معنى لتشريع عبادة ذات أهمية بالغة، يتم إبطالها بما يلزم منه تكميلها وإصلاحها. وبذلك فمفهوم المكملات يفرض قاعدة دقيقة، وهي أن كل حكم تكميلي شرع لجبر الأصل وصيانته لا يجوز أن يطبق على نحو يسمح بإضعاف الأصل أو التحايل عليه. فالمكملات المقاصدية إنما تعتبر ما دامت خادمة للمقصد الأول، لا ناقضة له من حيث لا يشعر المكلف أو يتعمد.

  • إن إلزام الحاكم بما هو أشد ردعا عند ظهور معنى التحايل لا يتعلق بعقوبته الفردية فقط، بل بحفظ هيبة الدين في وعي الأمة كلها، لأن السلطان قدوة، والرعية تتأثر بأفعاله قبل أقواله، فإذا ظهر أن صاحب السلطة يستطيع انتهاك حرمة عظيمة ثم يتحلل منها بصورة قد تفهم على أنها مخرج سهل، سيرسخ في النفوس معنى خطيرا، وهو أن التكاليف يمكن الالتفاف عليها بحسب النفوذ والقدرة.

ومن ثم، فالمشكلة ليست في ضياع مصلحة العتق وحدها كما قد يقال، بل في فتح باب أوسع قد يفضي إلى تهوين جميع التكاليف بما فيها عتق الرقاب، وإشاعة ثقافة التحايل على الشرع. أما التشديد عليه بما يحقق الردع الأبلغ، فقد يكون حفاظا على أصل الدين وهيبة أحكامه، وصيانة لتشريع الكفارات نفسه من أن يتحول إلى وسيلة تضعف المقصد الذي شرع لأجله.

  • لا أظن أنه يصح تعليل الإنكار على الليثي بموجب أن فتواه بمثابة أخذ بالمصلحة الملغاة -وإن كنت أقول هذا على استحياء لجلالة قدر من قال بذلك بدءا من الغزالي (مع العلم أن الإرهاص الأول كان مع الجويني) الذي ربط الفتوى بالمصلحة الملغاة، مرورا بمن تابعه بالتمام والكمال، أي فخر الدين الرازي وأبو إسحاق الشاطبي، والحجة في هذا الرأي أن مخالفة النص في جزء منه بمنظور مصلحي يحتمله جزء آخر من النص نفسه، لا يندرج بالضرورة في ما ألغاه النص من مصالح مرجوحة بحكم غلبة المفاسد ورجحانها، وإلا انطبق على الليثي القول بالمصلحة المرجوحة أمام المفسدة الراجحة، فصار مثاله مثال من قال بجواز شرب الخمر من منطلق ما فيه من مصالح مادية تتعلق بالمتاجرة فيه، أو تتعلق بالانتشاء بشربه، ولعل أضعف الأدب يجعلنا ننزه من سماه مالك بعاقل الأندلس، عن القول بمثل ذلك. وبذلك لا يمكن القول بأن الإفتاء برأي الصيام وإلزام المستفتي به، باعتباره من الخيارات التي نص عليها الشرع، هو أخذ بمصلحة ملغاة، وإنما هو أخذ بمصلحة معتبرة مقصودة بالنص ذاته، على أن النقاش ينبغي أن يندرج في رتبتها المقصودة شرعا، وإمكانية تغيير هذه الرتبة، لا في اعتبار الشرع لها أو إلغائه لها، لأنها مقصودة بالنص نفسه، لكن الملغاة لا تكون مقصودة بالنص نفسه، بل بنصوص أخرى هي بمثابة البديل، فالمصلحة المادية في الخمر مثلا، غير مقصودة بآية الخمر، بل بأوجه أخرى كآيات إباحة المتاجرة والبيع وغير ذلك. وإلا، فإذا حكمنا على المصلحة التي راعاها الليثي بأنها مصلحة ملغاة بإطلاق، لزمنا أن نعمم هذا الحكم على نظائر فقهية كثيرة جرى فيها اجتهاد داخل الباب نفسه، وحينئذ سنجد أنفسنا – بنفس المعيار – أمام لوازم ثقيلة، منها أن الإمام مالك نفسه يكون قد بنى على مصلحة ملغاة حين استحب الإطعام في كفارة الصيام، مع أن الباجي نص على أن مقتضى الحديث التخيير، ثم قال: “إلا أن مالكا استحب الإطعام في كفارة الصيام”[44]. فمالك هنا لم يخرج عن موضوع الكفارة، بل اجتهد في داخل نفس المسألة، مرجحا صورة على أخرى لما رآه من معنى معتبر، وهو نفس صنيع الليثي.

[1] – جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، لمحمد بن فتوح الأزدي الحميدي، ص383

[2] – ترتيب المدارك وتقريب المسالك، للقاضي عياض، 3/ 386

[3] – غياث الأمم في التياث الظلم، ص222

[4] – المستصفى، ص174

[5] – المحصول، 6/163

[6] – الاعتصام، 2/ 609 و610

[7] – نفائس الأصول في شرح المحصول، 9/ 4086

[8] – شرح مختصر الروضة، 3/ 216

[9] – الاعتصام للشاطبي، 2/ 609

[10] – الدر الثمين والمورد المعين، ص486

[11] – الاعتصام للشاطبي، 2/ 609

[12] – مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، 2/435

[13] – التاج والإكليل لمختصر خليل، 3/ 363، والمختصر الفقهي لابن عرفة، 2/ 88

[14] – إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، 2/ 15

[15] – بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 2/ 67

[16] – القوانين الفقهية، ص84

[17] – البرهان، 2/162

[18] – ترتيب المدارك وتقريب المسالك، للقاضي عياض، 3/ 386

[19] – وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان، 6/145

[20] – أورد هذه القاعدة مثلا ابن عبد البر في الاستذكار 7/554، وابن الوزير في العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، 8/143، والمباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، 4/573

[21] – وهي تستند لحديث “ادرءوا ‌الحدود ‌بالشبهات”، الذي جاء تخريجه في مسند أبي حنيفة، كتاب الحدود، رقم 4 ، وحديث ” ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطيء في العقوبة”، وجاء تخريجه في السنن الكبرى للبيهقي، ‌‌باب ما جاء في ‌درء ‌الحدود ‌بالشبهات، رقم 17057

[22] – شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الرازي الجصاص الحنفي، 5/119

[23] – البحر المحيط في أصول الفقه، 7/277

[24] – الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 9/236

[25] – المغني لابن قدامة، 4/137

[26] – أشار إليها مثلا القرافي في الفروق، 2/78، والشاطبي في الموافقات، 1/538

[27] – إعلام الموقعين عن رب العالمين، 2/ 123

[28] – الموافقات، 2/279

[29] – صحيح البخاري، باب المجامع في رمضان، رقم 1937، وصحيح مسلم، باب تغليظ تحريم الجماع، رقم 1111

[30] – إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، 1/ 229

[31] – الموافقات، 5/24

[32] – مسند الدارمي، باب في تخيير الصبي بين أبويه، رقم 2339

[33] – زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، 5/424

[34] – نيل الأوطار، 6/ 393

[35] – سنن الترمذي، باب ما جاء في التسعير، رقم 1314، ومسند أحمد، مسند أنس بن مالك، ريم 14057

[36] – نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص259 و260

[37] – صحيح البخاري، ‌‌باب شهادة القاذف والسارق والزاني، رقم 2649

[38] – الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، الآية 16 من سورة النساء، 5/88

[39] – سنن الدارقطني، كتاب البيوع، رقم 2961، والسنن الكبرى للبيهقي، باب لا ضمان على مؤتمن ، رقم 12700

[40] – أحكام القرآن للجصاص، 3/173، والمغني لابن قدامة، 5/389، والاعتصام للشاطبي، 2/ 616 

[41] – مصنف ابن أبي شيبة، ‌‌في القصار والصباغ وغيره ، رقم 21051، والسنن الكبرى للبيهقي، باب ‌‌باب ما جاء في تضمين الأجراء، رقم 11664

[42] – مكملات المقاصد الشرعية، لأحمد رفيع ص24

[43] – الكفارات أحكام وضوابط، ص 21

[44] – التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله المواق المالكي، 3/363

تابعونا على تابعونا على
شاركها. فيسبوك البريد الإلكتروني تويتر بينتيريست لينكدإن تيلقرام واتساب Copy Link
الدكتور كريم عيار

الأستاذ كريم عيار. خريج دار الحديث الحسنية2004 ، ثم دكتوراه 2014 بفاس عن تحقيق مخطوط الخطب المنبرية لخطيب السلطان محمد بن عبد الله أبي مدين الفاسي. ثم دكتوراه 2021 بمراكش حول المصالح المرسلة وطرق استثمارها في فقه الجالية

المقالات ذات الصلة

تكريم الدكتور أحمد الريسوني بماليزيا : تأكيد على النبوغ المغربي وتجسيد للسفارة العلمية.

18 يونيو، 2026

“الغباء الاصطناعي” أيضا..

20 مايو، 2026

الرسوني ودوره في تقعيد المقاصد

6 أبريل، 2026
اترك تعليقاً إلغاء الرد

المنشورات الجديدة

دراسات مقاصدية 6: فتوى كفارة منتهك حرمة رمضان بين غلو النقض، وهامش الأخذ. في الحاجة إلى إعادة المدارسة

24 يونيو، 2026

تكريم الدكتور أحمد الريسوني بماليزيا : تأكيد على النبوغ المغربي وتجسيد للسفارة العلمية.

18 يونيو، 2026

تلخيص الخصة 17 ضمن البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد”

17 يونيو، 2026

مراسيم حفل تكريم الدكتور أحمد الريسوني بماليزيا

17 يونيو، 2026
تابعونا
  • Facebook
  • YouTube
أخبار خاصة
أخبار المركز 17 يونيو، 2026

مراسيم حفل تكريم الدكتور أحمد الريسوني بماليزيا

كما سبقت الإشارة  في مقال سابق فقد قررت دولة ماليزيا منح العلامة أحمد الريسوني حفظه…

ماليزيا تقرر منح الدكتور أحمد الريسوني جائزة شخصية الهجرة النبوية الدولية لسنة 1448 هـ

12 يونيو، 2026

تسجيل الحصة 14 من قواعد المقاصد

9 يونيو، 2026
الأكثر قراءة
خدمات بحثية 26 أبريل، 2026

ملخص الحصة 11 ضمن البرنامج التكويني في:”قواعد المقاصد”

مقالات 20 مايو، 2026

“الغباء الاصطناعي” أيضا..

مقالات 18 يونيو، 2026

تكريم الدكتور أحمد الريسوني بماليزيا : تأكيد على النبوغ المغربي وتجسيد للسفارة العلمية.

النشرة البريدية

Maqassed
فيسبوك يوتيوب
  • من نحن ؟
  • شروط الاستخدام
  • تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز مقاصد للدراسات و البحوث © 2026

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter