البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي.
الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي
| 59- لا يَبْلُغُ درجةَ الاجتهاد إلا من فَهِمَ مقاصدَ الشريعة وتَـمَكَّن من الاستنباط بناءً عليها 60-الاجتهاد المصلحي يلزم فيه العلمُ بمقاصد الشريعة دون اللغة العربية 61-الاجتهاد في تحقيق الـمَناط لا يَـفتقر إلى العلم بالمقاصد ولا اللغةِ العربية |
نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق.
1-قال الشاطبي رحمه الله:” إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين، أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها“.الموافقات،4\105▪︎106
2-وقال عن الاجتهاد وشروطه:” إن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص؛ فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة(…)[و]من فهم مقاصد الشرع من وضع الأحكام، وبلغ فيها رتبة العلم بها؛ ولو كان فهمه لها من طريق الترجمة باللسان الأعجمي؛ فلا فرق بينه وبين من فهمها من طريق اللسان العربي.”الموافقات،4\162▪︎163
3-وقال: “قد يتعلق الاجتهاد بتحقيق المناط فلا يفتقر في ذلك إلى العلم بمقاصد الشارع، كما أنه لا يفتقر فيه إلى معرفة علم العربية؛ لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه. وإنما يفتقر إلى العلم بما لا يُعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قُصدت المعرفة به” الموافقات4\165
توطئة الأستاذ المسير:
1- بسم الله والحمد لله، الأخوات الفضليات، والإخوة الأحبة الكرام أعضاء أكاديمية مقاصد مرحبا بكم في هذا الدرس الخامس والعشرين ضمن حلقات قواعد المقاصد، ونحمد الله تعالى إذ بارك في صحة أستاذنا الدكتور أحمد الرسوني وهو ولله الحمد يتعافى يوما بعد يوم، وسيقدم لنا درس اليوم من خلال قواعد ثلاث: القاعدة الأولى لا يبلغ درجة الاجتهاد إلا من فهم مقاصد الشريعة وتمكن من الاستنباط بناء عليها، والقاعدة التي تليها، والتي بعدها فيها نوع من التدقيق هل هناك حاجة إلى اللغة العربية؟ هل هناك حاجة إلى المقاصد؟ القاعدة الثانية الاجتهاد المصلحي يلزم فيه العلم بمقاصد الشريعة دون اللغة العربية، بينما القاعدة التي تليها الاجتهاد المرتبط بتحقيق المناط، الذي عرفه الشاطبي بأنه تنزيل الحكم على من يستحق أن ينزل عليه هذا الحكم. تحقيق المناط لا يفتقر لا إلى العلم بالمقاصد ولا إلى اللغة العربية، والنقاش الذي ظهر من خلال تجاوب الإخوة ضمن مجموعة الواتساب نقاش غني ومفيد حول التلازم، وقد أشار إلى ذلك أستاذنا؛ تلازم بين اللغة العربية وفهم النصوص وضبط مقاصد الشريعة. ولاشك أن المحاضرة ستُثري ذلك النقاش إن شاء الله تعالى. أعطي الكلمة لأستاذنا لكي يقوم بعرض هذه القواعد الثلاث، وأذكّر الإخوة جميعا أن المشاركة في الحوار داخل المجموعة يغني ويُثري.
مداخلة الأستاذ المحاضر:
2- بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
أما بعد، أهلا ومرحبا بالإخوة والأخوات، حفظكم الله القريبين والبعيدين مرحبا مرة أخرى بنا جميعا في وجبة أخرى من وجبات مائدة المقاصد التي يُعدّها لنا الإمام الشاطبي وغيره من الأئمة طبعا كما ذكرت في كلمة مكتوبة نحن اليوم ندخل الباب الثامن من أبواب الكتاب، ومن أبواب القواعد ثم بعده الباب الأخير. الباب الثامن حول قواعد الاجتهاد المقاصدي والباب الأخير حول قواعد طرق الكشف عن المقاصد وبهما نختتم إن شاء الله. وقد أشرت إلى أن هذين البابين يرتفع مستواهما أكثر فأكثر وإذا كانت الأبواب السابقة كلها والباب الأخير السابق بصفة خاصة حول مقاصد المكلفين كما ذكرت تتعلق بتجويد التدين وترشيده، والسعي إلى إقامة الإسلام الرفيع على حد تعبير الشيخ عبد الواحد بن عاشر الفاسي صاحب المنظومة الشهيرة؛ وهو صاحب مصطلح الإسلام الرفيع؛ فإذا كانت القواعد السابقة حول مقاصد المكلفين ترمي إلى رفع مستوى التدين؛ لتحقيق الإسلام الرفيع لعموم المكلفين عامتهم وخاصتهم؛ فإن قواعد هذا الباب الثامن بصفة خاصة تريد من المجتهدين السعي نحو تحقيق الإسلام الرفيع في اجتهاداتهم وفي فهمهم للشريعة.
فإذن الإسلام الرفيع إذا فهمه وحققه وضمِنَه المجهدون والفقهاء فيما يكتبون وفيما يستنبطون وفيما يفتون به، هذا أيضا يخدم الإسلام الرفيع لعامة المكلفين ولعامة المسلمين، ولكن الآن الإسلام الرفيع في حق المجهدين والفقهاء. فإذن فتاويهم، واستنباطاتهم، واجتهاداتهم، وأقاويلهم ومصنفاتهم لا ينبغي أن ترسل على عواهنها، فإنها إن لم تكن منضبطة بقواعد الفهم السليم، والاجتهاد الرشيد قد تسيء إلى الإسلام، قد تسيء الى الدين وقد تسيء الى المكلفين أنفسهم.
فالاجتهاد هو إحدى السكتين التي نسير عليهما؛ نسير على سكة النصوص، وسكة الاجتهاد، تجنبا للحوادث والاختلالات والانحرافات؛ لا بد من إقامة السكتين إقامة ثابتة وسليمة وسديدة؛ وهذا ما تحوم حوله قواعد هذا الباب
وطبعا نحن في جميع هذه الأبواب نتناول بعض القواعد؛ وتبقى قواعد أخرى كثيرة متفرعة أو مطابقة أو تضيف؛ ولكن ربما في كل باب نقدم أهم قواعده التي تحدث عنها أئمتنا أصحاب هذا الشأن.
القاعدة 1: لا يبلغ درجة الاجتهاد إلا من فهم مقاصد الشريعة، وتمكن من الاستنباط بناء عليها.
القاعدة الأولى في الغالب تكون هي الأم في بابها، وقاعدتنا الأولى في هذه الحصة كما معظم قواعد هذا الباب هي للشاطبي؛ تقول هذه القاعدة لا يبلغ درجة الاجتهاد إلا من فهم مقاصد الشريعة، وتمكن من الاستنباط بناء عليها.
فالشاطبي يذكر هنا ما به يتحقق وصف الاجتهاد للمجتهد؛ أي أهلية الاجتهاد التي تسمح للعالم أن يجتهد؛ وهي كلمة ثقيلة. يجتهد: يعني أن يحدد مقاصد النصوص، والاجتهاد قد يخالف ظاهر النص وقد يأتي بالمعنى اللغوي غير المعنى الذي يتبادر إلى الاذهان، وقد يأتي بتقييد النصوص أوبتخصيص لها؛ ثم بعد ذلك يأتي إلى القياس على النصوص، وبعد ذلك يأتي الاجتهاد الأخطر وهو الاجتهاد فيما لا نص فيه.
فمجالات الاجتهاد هذه كلها، لا تعطي أهلية الاجتهاد للعالم الفقيه الذي يصفه الناس بالإمام البحر …. لكن صفة الاجتهاد؛ أي التصرف في المعاني الشرعية وترتيبها وتوزيعها، وبيان حدودها، هو بيان لحدود الله كما قال الله تعالى: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) .
حدود النصوص، حدود ما أنزل الله، وليس الحدود الجغرافية أو حدود الممتلكات، لا، حدود ما أنزل الله؛ فالمجتهد هو الذي يحدد حدود ما أنزل الله.
أي ما تشمله وما لا تشمله؛ هذا معنى حدود الله، وهذا شيء جسيم جدا؛ إذ به تحدد أهلية الاجتهاد، ويتميز العالم وكفى، من العالم المجتهد؛ لأن الحديث عن المجتهد معناه الحديث عن عالم ارتقى في علمه وفهمه وكفاءته الفكرية والعلمية فارتقى إلى أن ان صار عالما مجتهدا؛ فما الذي يعطي هذه الأهلية؟
الشاطبي يذكر وصفين/ شرطين وهذا مخالف في الصياغة- على الأقل- ولكن الصياغة لها أهميتها؛ لأننا إذا نظرنا في شروط المجتهدين عند الأصوليين سنجد تعابير أخرى مختلفة، وفيها تفاصيل كثيرة، وعليها ردود؛ لكن الشاطبي ذهب إلى بيت القصيد؛ فالعالم عنده يكون مجتهدا إذا عرف ما يقصده الله تعالى بكل بساطة. إذا أصبح يعرف مقصود الشارع جملة وتفصيلا، وبعبارة أخرى إذا عرف مقصود الشارع في كل باب، وفي كل مسألة، عرف مقاصد الشارع في الجملة، وعرفها في كل باب، وفي كل مسألة؛ هذا هو الذي يقال له توكل على الله واجتهد فيما يحتاجه الناس.
هذا واجبك وهذا مأذون لك فيه؛ إذا أصبح فاهماً عالماً لمقاصد الشريعة في الإجمال عارفاً بمقاصد الشريعة في كل باب، عارفاً بمقاصد الشريعة في كل مسألة.
مقاصد النازلة أو الحكم الفقهي ما هي مقاصده؟
على سبيل المثال لماذا فرض الله تعالى على المطلِّق ثلاثا أنه لا يجوز له أن ينكح زوجته التي طلقها ثلاثا إلا بعد أن تنكح زوجا غيره؟ من لم يعرف مقصود الشارع فيها قد يجتهد اجتهادا غير سديد.
من المقاصد الجزئية: مقاصد الوضوء، مقاصد التيمم، مقاصد الصداق…. مقاصد تحريم كذا…
هذا الشرط الأول أن يصبح عارفا، عالما، فاهما لمقاصد الشريعة في كل باب وفي كل مسألة، خاصة المسألة التي يريد أن يجتهد فيها بصفة خاصة؛ وإلا فكل مسألة تؤثر معرفة مقاصدها على فهم مسائل أخرى ومقاصد أخرى.
الشرط الثاني أو الوصف الثاني بتعبير الشاطبي، هو أن يكون قادرا على الاستنباط بناء على هذه الثروة المقاصدية التي عرفها؛ وههنا يجب أن نفرق بين الوصفين:
الوصف الأول هو أن يعرف مقاصد الشارع، ويعرف الضروريات الخمس، ويعرف مقاصد النكاح، ومقاصد البيوع، ومقاصد الشارع التربوية…..
المجتهد المفتي موَقّع عن رب العالمين.
العلماء تحدثوا عن مقام المفتين، حتى وصفهم ابن القيم بالموقعين عن رب العالمين، وبعضهم يصفهم بأنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، يبلغون رسالته. وهذا يشهد له حديث: “العلماء ورثة الأنبياء”[1]
فإذن، هذا المقام الجليل والخطير يجب حفظه؛ خاصة في الأمور الاجتهادية فالاجتهاد يجب أن يكون اجتهادا محققا لأحكام الشرع ومقاصده، أو لأحكام الشرع وحِكمه. إذا حقق الأحكام دون حِكم؛ تكون فتاوى بدون روح وليست على الصراط المستقيم وليست على هدى من الله.
قال الشاطبي بحق:” المقاصد رواح الأعمال”
العالم يضبط ما قاله العلماء، ويتأمل، ويعرف مقصود الشارع في هذه الآية، وفي هذا التعبير، وفي هذا الحكم…هذه معرفة نظرية، هذه ثروة علمية نظرية نفيسة إذا حازها يكون قد حاز ذهبا، وحاز معادن نفيسة، وحاز ثروة؛ لكن ماذا يعمل بالثروة؛ توظيفها والانتفاع بها شيء آخر..لذلك هناك شرط آخر ، ووصف آخر
وهو حين يريد أن يجتهد يُحسن تشغيل واستثمار هذه الثروة؛ لأن هناك ناس قد يدرسون المقاصد، ولكن حين يجتهدوا يجتهدوا اجتهادا تقليديا لفظيا ظاهريا .
فإذن ثمة شيء مهم، وهو الخبرة العملية التطبيقية؛ هذه مشكلة تعرفونها جيداً ونعرفها جيداً كثير من طلابنا وعلمائنا يحوزون العلوم ويحفظون المنظومات ويحفظون كتباً بكاملها؛ يحفظون أقوال العلماء ولكن لا يستطيع الا جتهاد في مسألة واحدة؛ لأن الدربة العملية، والقدرة التطبيقية للمقاصد هي المؤهلة للاجتهاد؛ وبدونها أو بسوء استعمالها؛ تضيع تلك الثروة، وتفقد فائدتها.
من أمثلة ذلك أن كثير ا من الناس يحفظون النحو وقواعده، وباقي اللغويات من الناحية النظرية، ومن ناحية القواعد، ولكن إذا تكلم لم يحسن، وإذا أراد أن يكتب لم يحسن؛ فربما جاء كلامه ضعيفا ركيكا هزيلا، فيه أخطاء، وفيه لحن؛ فلا تظهر هذه العلوم في جودة كلامه، ودقته، وسموه، وجماله.
وإذا سألته معرفيا ونظريا سيعطيك ما تطلبه وأكثر مما تطلبه.
فإذن، لا بد من معرفة المقاصد معرفة جيدة تامة على كمالها، ولا بد من القدرة
التدريبية يعني المهارة؛ اكتساب المهارة.
حاجة المجتهد إلى توسيع مداركه الفكرية
ولكن أيضاً القدرة الفكرية لأن القدرة الفكرية للمجتهد مهمة، والأصليون يمرون عليها بشكل خفيف جدا،ً ويعبرون عنها بالنفَس-طول النفَس- وقد لا يذكرونها بالمرة. فالقدرة الفكرية أساسية في الاجتهاد لأنه كما نعرف، بعض العلماء بحور وكما قال الشاطبي كان يقال فلان وعاء من أوعية العلم، ويظن أن هذا تعظيم له؛ إذ بدون الاستثمار والإعمال، يكون نقصا: وعاء جمع العلوم وكفى، يقرأ القرآن يحفظه أو يقرأه أو يختمه في كل يوم أو في كل أسبوع، والكتب يحفظها وكتب السنة يحفظها وكتب المذهب يحفظها وكذا؛ ولكن لا يمكن أن يستثمر ذلك في فقهه واجتهاده وفتاويه… فهو وعاء تسأله ماذا قال فلان وماذا قالت كتب المذهب، وما قال المذهب الفلاني؟ يعطيك، يحفظ، لكن فقه الشريعة نظريا وتطبيقيا إذا حازهما العالم فهذا يكون قد حاز أهلية الاجتهاد.
هذه القاعدة كما هو واضح، منذ صاغها الشاطبي بهذه الصياغة وبهذا التحديد فهي محل تسليم، لا تحتاج إلى إطالة، ولكن لا مانع أن نقول إن العالم يجتهد فيما يريده الله تعالى، وفيما يريده الشرع، وهذه هي المقاصد؛ فإذا كان يفهم ما يريده الله تعالى، وما يريده الشرع، ويحسن تنزيل الدواء على الداء، ويعالج الأدواء، والآفات ويعالج المشكلات؛ هذا ما قاله الشاطبي.
بدل أن يطوف كما فعل كثير من الأصوليين بكثير من العلوم وفي كل علم مناقشات كثيرة، ما الذي يلزم منها….مع العلم أنه ثبت عبر التاريخ أن علماء كثيرين جمعوا من العلوم كما يوصف هنا حتى في بعض المؤلفات البحر الزخار، والعلامة والبحر الجامع وخاتمة العارفين، وخاتمة المحققين وغيرها من التحليات والأوصاف؛ ولكن لما نسأل ماذا اجتهد في قضايا عصره، وقضايا زمانه، وقضايا مكانه، لا نجد شيئا؛ وإنما عاش عالة على ما قاله من سبقوه في زمن الاجتهاد فينقله، وقد يضعه في غير موضعه تسأل الفقيه فيجيبك بالأبيات
هنا وهناك، في اللغة وفي الأصول وفي الفقه وغيرها من العلوم؛ ولكن أن يُشخص المسائل، ويضع الدواء على الداء؛ هذا ما لا يستطيعه؛ أو لا يحسنه؛ وإنما أطلتُ هنا لأن الشاطبي جمع فيه ما يذكره الأصليون في عشرة شروط، أو بضعة عشرة شرطا؛ ولكنها لا تفي بحقيقة الاجتهاد؛ ومما يتناقله الأصوليون من شروط: معرفة القرآن الكريم، وماذا يلزم منه: آيات الأحكام، أو غيرها؛ معرفة السنة: ما الذي يلزم منها: الكتب الستة أو تزيد أو تنقص، معرفة علم أصول الفقه معرفة اختلاف الفقهاء، ومواطن الإجماع، واللغة العربية…. فإذا عرف العالِم كل هذا لكن لم يجتهد يوما في مسألة من المسائل.
فلذلك الشاطبي رحمه الله ذهب إلى بيت القصيد؛ وهو أن هذه العلوم كلها إن لم توصل إلى معرفة المقاصد: مقصود الشارع، لا شيء لا شيء لم تفعل شيئا؛ أعني على صعيد الاجتهاد؛ ربما يكون صالحا لأن يدرِّس ويعلِّم؛ فهذا جيد ولا يُبخس؛ فرُب مبلّغ أو عى من سامع. لكن الشيء الاخر المهم هو القدرة، والأهلية الاجتهادية وهي تتطلب فكرا، وتدريبا وخبرة بالواقع؛ فمن ملَكة الاجتهاد أن يكون عند العالم تشخيص جيد لأحوال الأفراد إذا كان يفتي للأفراد، وبأحوال المجتمعات إذا كان يفتي للمجتمع.
فثمرة العلم هي ماذا اجتهدوا لحل مشكلات عصرهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وإلا فقصارى جهدهم أن ينقلوا كما قال الإمام الجويني “نَقلةُ المذاهب” إذن هذه هي قاعدتنا الأولى.
من أمثلة القاعدة:
من أمثلتها التي ذكرتها في الكتاب و تدل على أهمية معرفة المقاصد بالنسبة للمجتهد معرفة نظرية ومعرفة تطبيقية؛ ذكرت مثالا من القضايا المعاصرة كان محل نقاش دائماً حول:
كيفية التعبد بالصلاة والصيام في زمَنيْ الليل والنهار بالقطبين الشمالي والجنوبي:
حول مسألة مواقيت الصلاة والصيام في القطبين الشمالي والجنوبي؛ وبشكل أوسع في شمال الكرة الأرضية وجنوبها، وهو نقاش فرض نفسه؛ لأن المسلمين الآن في كل مكان، وقد كانوا في بلادهم يصلون ويصومون في أوقات معروفة معقولة؛ لكن لما هاجروا وجدوا على سبيل المثال أن الليل في الشتاء
يطول كثيرا؛ فلا يُبقي للنهار إلا ساعة أو ساعتين. هذا هو النهار الذي عليك أن تصومه في رمضان وربما في غير رمضان، وعليك أن تصلي فيه صلوات النهار كلها من الصبح إلى المغرب، ويبقى العشاء لليل يكاد يبتلع معظم ساعات اليوم والليلة. في الشتاء يطول الليل وفي الصيف يطول النهار بشكل غير متوازن وبغير المعتاد من التفاوت المعهود عندنا؛ فطول الليل-في نازلتنا- أن تربوَ مدته عن العشرين ساعة وتزيد…فهل ما بقي للنهار هو مدة الصيام المُتعبّد به، ومدة الصلاة المُتعبد بها، وما العمل إذا انعكس الوضع فطال النهار على غير المعهود وقصر الليل كثيرا؟
هذا هو الاستفتاء الذي وجهه المسلمون في هذه المناطق في القطبين المتجمدين الشمالي والجنوبي إلى فقهاء المسلمين.
رأي المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي:
تناول هذه النازلة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي التابعة للمملكة العربية السعودية، ومقره بمكة المكرمة، ولعله أول هيئة جماعية تتناول هذا الموضوع وتصدر فيه فتواها. وهو غير مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة الممثل فيه حوالي خمسين دولة إسلامية وتابع لمنظمة التعاون الإسلامي؛ وهي فتوى طويلة ومنشورة يمكنكم الرجوع إليها مطولة جدا لكن نتيجتها هي: “لا اجتهاد فيها” ومضمونها: إذا كان ليلكم ساعة واحدة، أو ليلكم ساعة واحدة فتعاملوا معهما أيها المكلفون كما تتعاملون مع الليل والنهار المعتادين، صلاة وصياما…
إذا كان نهاركم ساعة واحدة، ففي هذه الساعة تُصلون الصبح والظهر والعصر والمغرب، وإذا انعكس الوضع تصلون في ساعة من ليالي رمضان العشاء والتراويح، وتفطرون وتتسحرون؛ كل ذلك في ساعة واحدة أو ساعتين…. قالوا هذه تنطبق عليها النصوص(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)؛ والامساك من الفجر إلى الغروب.
رأي الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله:
هذا المجمع كان من أعضائه الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله خالف فتوى المجمع، ومبرراته كان منطلقها مقاصد الشريعة، ورفع الحرج، ومعقولية الأحكام، فكل هذا له حدود والتعبد له حدود، فكيف يتأتى للناس في ساعة واحدة أن يفطروا ويصلوا المغرب وبعده العشاء، ويصلون التراويح ويتسحرون…
ثم بعد ذلك يصومون 23 ساعة أو ما يقاربها. هل هذا هو الصيام الذي أنزله الله، وصامه المسلمون طيلة ثلاثة عشر قرنا؟ لهذا الاعتبارات خالفهم الزرقا رحمه الله وأردت في الكتاب خلاصة فتواه. أيضا ولكن لما أخرجوا الفتوى قالوا تقرر بالأغلبية ما ذكرته من مضمون فتوى المجمع. ولم يذكروا رأيه ولا رأي غيره ممن خالف؛ وقد يكونون من ذوي المكانة والوزن العلمي. ومن الأمانة العلمية كما يجري العمل به في مجمع جدة أن يُذكر الرأي المخالف باسم صاحبه، ويُشار إلى عدم موافقته، وفي نشر التقارير والبحوث المقدمة؛ يورَد بحثه ورأيه.
ولكن القرار مضى على خلافه. فعلى كل حال الشيخ الزرقا اعتمادا كما يقول ويكرر على مقاصد الشريعة قال عندنا أحد أمرين أمام هؤلاء المستفتين من هذه المناطق الاستثنائية:
1- إما أن نأخذ البلد الذي نزل فيه الدين واستقبل الرسالة أول مرة، وهو الحجاز ؛ نأخذ مواقيتهم فيأخذها المسلمون الذين عندهم أوضاع غريبة وأوضاع لم تكن تخطر على البال؛ فيأخذوا مكة المكرمة وهي مركز الإسلام والمسلمين ومركز الكرة الأرضية.
تؤخذ مواقيتها؛ فيصومون بصيامها ويفطرون بإفطارها، ويصلون بصلاتها ويعتبر أن حالتهم غير منصوص عليها، فهي من المسكوت عنه؛ وأن النصوص لا يستقيم انطباقها من يصوم عشر ساعات كانطباقها على من يصوم 23 ساعة. هذا الاختيار الأول بحسب رأي الشيخ الزرقا.
وهو أن نأخذ هذه حالة غير منصوص عليها، وحالة لا يمكن تسويتها مع الحالة التي يمكن تطبيق النصوص عليها. فالنصوص التي نزلت معقولة المعنى تنطبق الحالات المعهودة المعروفة حينما يطول النهار يكون 14 ساعة و15 ساعة، وكذلك حينما يطول الليل ؛ أما هذه فحالة مسكوت عنها. هكذا يقول إذن يمكنهم أن يأخذوا بما عليه المسلمون في البلد الذي نزل فيه الدين أول مرة.
2- وإما أن يعتدّوا بمواقيت المواقع التي وصلها الإسلام واستقر فيها المسلمون، وكان فيها فتاوى العلماء. الإسلام وصل إلى الأندلس والإسلام وصل إلى شرق أوروبا، يعني عدد من المناطق يشتد فيها هذا المشكل ولكن يبقى التمايز ليس هو ساعة وإنما قد يصل الليل إلى خمسة عشر أو ثمانية عشر ساعة والنهار عكس ذلك. قال يأخذون بما عليه هؤلاء وأوسع ما وصله الإسلام طبعا في زمن الدول المتعاقبة. ًوأما في الغرب الإسلامي فقد وصل الإسلام إلى جنوب فرنسا، وإلى الأندلس منذ وقت مبكر واستقر هناك ثمانية قرون. فإذن يؤخذ من هؤلاء.
هذه هي فتوى الشيخ الزرقا.
عودة إلى فتوى مجمع الفقه الإسلامي:(رأي الدكتور أحمد الريسوني في النازلة)
بالعودة إلى فتوى المَجمع الفقهي الإسلامي، إذا تأمنا بمنطق الدين ومنطق الشريعة أو بمقاصدها؛ حشر الناس في ساعة واحدة أو ساعتين تُجعل هي نهارهم بكل تكاليفه أو العكس؛ الليل بكل تكاليفه هذا شيء مستغرب جدا وتأباه الشريعة وتأباه مقاصدها؛ لأن هذا الصيام له مقاصد، وهذه الصلوات لها مقاصد؛ كيف الانسان يجمع صلواته في نصف ساعة أو ساعة، ويجلس بدون صلاة في 23، ساعة في 22 ساعة …، هذا غير معقول.
حشر الصلوات في ساعة والصيام كذلك؛ هذه أمور مقاصد الشريعة تأباها ومنطق العدل ومنطق الحكمة يأباها؛ وأنا أضيف شيئا لا أذكر أن الشيخ الزرقا ذكره وهو حديث الدجال؛ حديث الدجال وهو حديث ورد في عدد من كتب الحديث، ومدونات الحديث؛ حديث صحيح
قال النبي صلى الله عليه وسلم شيئا عن الدجال، فسأله سائل قال يا رسول الله كم تبقى فينا مصيبة هذه الفتنة؟ قال أربعين يوما؛ يومٌ كسنة، ويومٌ كشهر، ويومُ كجمعة، بمعنى أسبوع، وسائر أيامه كأيامكم.
قال السائل أو سائل آخر : يا رسول الله هذا اليوم الذي كسنة هل نصلي فيه صلاة يوم واحد، قال لا مع العلم أن هذا هو الظاهر ، الذي حكّم منطقه مجمع الفقه الإسلامي بمكة. فعلى المفتي بمنطق الظاهر أن يقول نعم؛ هذا يوم من أيام الله صلّ فيه خمس صلوات، وهو بتقدير زمن الفتنة فيه سنة
إذن نصلي خمس صلوات في سنة. سأله السائل، قال يا رسول الله: هذا اليوم الذي كسنة هل نصلي فيه الصلوات كيومنا؟ قال لا؛ اقدروا له قدره.
ألا نقول هذا في هذه المسألة التي نحن بصددها؟ ألا نهتدي بهذا الجواب النبوي ونمضي عليه؟ فهذا الجواب النبوي يراعي المقاصد؛ لأنه قدّر لليوم في زمن الفتنة حتى صار كسنة قدره” أقدروا له قدره”
فإذن، أشير في ختام هذه القاعدة إلى أن العالم لابد أن يكون خبيرا بمقاصد الشريعة يراعيها، ويُحكّمها؛ ولكنه قد يغفل عنها في مسألة ما؛ لذلك ذكر الشاطبي أن أكثر ما يزل العالم حين الغفلة عن مقاصد الشريعة في تلك المسألة التي اجتهد فيها.
فإذن، هذا لا يُفقد العالم أهلية الاجتهاد؛ هذه غفلة، وهذا قصور يقع فيه جميع العلماء، وجميع الناس، وكل واحد يؤخذ من كلامه ويُرد… فلذلك قد نجد بعض العلماء قد غفلوا، لم ينتبه إلى المقصد، وذهب مع ظاهر النص، أو تبادر إلى بادئ فهمه فقال به؛ فخالف النظر المقاصدي، وخالف مقاصد الشريعة ولكن هذا يقع له نادرا.
عودة إلى مثال المُطلِّق ثلاثا (البينونة الكبرى):
ومن هذا الباب يمكن أن ننظر – لفهم القاعدة- في المثال المتعلق بالآية الكريمة (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أي ثلاثا؛ فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجا غيره. فجمهور العلماء على أنها تنكح زوجا غيره، ويقع الدخول؛ وهذا يدل عليه أمران:
أولا -وموضوعنا المقاصد تدل عليه- حتى تنكح زوجا غيره، حتى يدخل بها ويطلقها طلاقا عاديا. لأن المقصد هنا كما قال عدد من العلماء ومنهم الشيخ الطاهر بن عاشور؛ هو معاقبة هذا الرجل، المستهتر ، المتهور ، المتسرع؛ معاقبته والنكاية به، وردعه، وردع أمثاله؛ حتى لا يتسارعوا إلى الطلاق باستمرار.
فلذلك هذه النكاية وهذا الردع لا يتحقق بمجرد العقد، أبدا؛ العقد لا شيء بالنسبة لموضوعنا؛ لا شيء، بمعنى لا يحقق نكاية ولا عقوبة. ولهذا رد جمهور العلماء ما ذهب إليه سعيد بن المسيِّب، وإن كان أيضا سعيد بن جبير، ولكن المشهور أكثر بهذا القول هو سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة؛ ومع ذلك قال: بمجرد العقد تحل لزوجها الأول. فابن عاشور قال وهذا ذهول، و شرود عن المقصد تأباه اللغة، وتأباه مقاصد الشريعة، وحِكمتها؛ حِكمة الشريعة أن النكاية لا تحصل إلا بالزواج والدخول بها؛ والدليل الآخر وهو حديث:” حتى تذوقي عسيلته ويدوق عسيلتك في قصة المرأة التي جاءت
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها الثاني الذي تزوجته لم تجده شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا وكان زوجها الثاني لم يطأها بعد؛ فهذا الحديث أيضا شاهد آخر؛ ولكن الشاهد الذي يهمنا هنا هو مراعاة المقصد.
فحتى لو لم يكن هذا الحديث؛ المقصد يدل على أنه لا بد من شيء وأن الشارع وضع حكما زاجرا؛ وأما مجرد العقد كما قال السعيدان ابن جبير وابن المسيب،
هذا ليس فيه ردع أبداً، ويقترب من العبث يعني يعقد عليها ويطلقها في نفس المجلس لأنه ليس له عليها عدة…
القاعدة الثانية: الاجتهاد المصلحي يلزم فيه العلمُ بمقاصد الشريعة دون اللغة العربية.
أريد أن أوضح أن المقصود بالاجتهاد المصلحي هنا وحسب عبارات الشاطبي أنا لم أتي بعبارته بنصها فقد أختصر كلامه؛ فهو قال: الاجتهاد في المصالح والمعاني المجردة عن النصوص، بمعنى أنها استقرت وصارت معلومة؛ كما نقول نحن الضروريات الخمس سواء أتينا بالنصوص أو لم نأت بالنصوص أصبحت مجردة ومقررة ومسلمة؛ أو نقول إخراج المكلف عن داعية هواه، أو نقول الآن؛
هذا المقصد الجزئي هو معاقبة وردع الأزواج المتسرعين والمسارعين إلى الطلاق …
هناك مقاصد مقررة يعرفها الناس، ويعرفها العلماء ويعرفون حتى من لهم إلمام بمقاصد الشريعة.
فإذن، الاجتهاد هنا ليس في المصالح المستنبطة، أو التي سنستنبطها من النصوص، أو التي سنجتهد فيها ونُعمل هذا النص وهذا النص وننظر في التكامل أو التعارض… لا، حديثنا عن الاجتهاد في المصالح، هذا الاجتهاد في المصالح الخالصة المقررة المسلمة، هذه المصالح تحتاج إلى نظر مصلحي.
فهذا حسب كلام الشاطبي يحتاج إلى معرفة المقاصد ولا يحتاج بالضرورة إلى معرفة اللغة العربية؛ لأنه لا يجتهد في النصوص ولن ينظر في النصوص، هو ينظر في المصالح.
مثلا حينما نأتي إلى المكلفين بقطاع الصحة، وزير الصحة والأطباء، المستشفيات… من يُسيرون، من يُقررون. نقول لهم مقاصد الشريعة في الصحة هي كذا وكذا، إذن أنتم ضعوا مخططاتكم بما يحقق هذه المقاصد ولا يخرمها. فيضعون، هذا لا يحتاج إلى اللغة العربية، ولا إلى النصوص؛ لأن الشاطبي قال: إما أنها مسلمة، و إما أنها مصالح معروفة ، وإما أنها سلمت من أصحاب النصوص، أصحاب النصوص سلموا لكم مجموعة من المقاصد، تُسلّم للقائمين على القطاع الصحي؛ هكذا يفعلون تقريبا في ماليزيا عندهم معيار المقاصد، كل الحكومات تتفاخر بأنها تحقق المقاصد، بل حتى الأحزاب في برامجها الانتخابية تقول نحن نحقق المقاصد من سعي لحفظ النفس، وحفظ الدين. وعلى كل حال حفظ الصحة، حفظ البيئة، حفظ الاقتصاد، حفظ المعيشة، حفظ الوئام …هذه مقاصد؛ إذا كانت مسلمة، فالذي يجتهد سياسي أو مسؤول مَرْفق اقتصادي؛ و في ميدان التعليم كذلك نقول: هذا ما نريده من التعليم
هذا مراد الشارع من التعليم؛ ها هي التزكية ها هي حفظ عقيدة النشء، ودينهم وأخلاقهم وتربيتهم وتهذيبهم…. فضعوا البرامج والفلسفة التعليمية والاستراتيجية التعليمية، أو الاستراتيجية الصحية على هذا الوِزان، ووفق ما يحقق هذه المقاصد. هذا هو المقصود بالاجتهاد في المعاني والمصالح مجردة عن النصوص. فالذي يجهد هنا: هو إما رئيس دولة، رئيس حكومة، وزير هيئة متخصصة، المجلس الأعلى لكذا…. هؤلاء إذا كانوا عارفين بمقاصد الشريعة؛ وضبطوها من خبرائها؛ فلا يطلب منهم معرفة تفاصيل العلوم من الحديث الصحيح والموضوع وتفسير الآيات، واللغة…. هذا حسب كلام الشاطبي لا يحتاجون إلى اللغة العربية، بل لا يحتاجون إلى النصوص التي تحتاج إلى العربية لفهمها؛ لأن التمرس بها ليس اختصاصهم؛ وأعطيت لهم مقاصد ومصالح معينة يجتهدون في تكييفها وتنزيلها؛ فربما اجتهدوا في هذا النطاق…
من أمثلة الساعة، مثال الساعة الإضافية:
مؤخراً تغيرت الساعة فنقصوا ستين دقيقة كانت قد زيدت في توقيت المغرب قبل سنوات. وقبل قرار زيادة الساعة أُنجزت دراسة تسربت بعض المعلومات عن هذا تقرير ها أفاد بأنه لا جدوى من تغيير الساعة. لكن في النهاية لم يؤخذ بهذه الدراسة.[2] فإنجاز دراسة هذا شيء مهم. والدراسة للأسف سُلمت للإداريين والمسؤولين السياسيين فعملوا بعكسها.
فعلى كل حال هذا أسلوب صحيح؛ أن الدراسات العلمية، والاختصاصات العلمية، والبحوث الجامعية هي التي تحدد المصالح، إذا أصبحت هذه المصالح محل اتفاق، ومحل قبول من العلماء؛ فليجتهد المجتهدون التنفيذيون والقائمون التنفيذيون، والمخططون يجتهدون ولا يُطلب منهم، ولا يُشترط فيهم أن يكونوا عارفين متحققين بشروط الاجتهاد المعروفة؛ سواء التي ذكرها الشاطبي في القاعدة الأولى أو التي ذكرها الأصوليون.
فإذن الاجتهاد في المصالح ليس المقصود به المصالح التي نُص عليها والاجتهاد
في تقييدها أو القياس عليها أو ما إلى ذلك؛ لأن هذه مصالح مسلمة مقبولة عند الجميع عند جميع العلماء، أو عند جمهور العلماء؛ والمنفذ والمتخصص يجتهد ليقدم لنا الرأي العلمي لشخصه أو لهيئته التي يشرف عليها، سواء كانت هيئة دراسية أو هيئة تنفيذية؛ فهذا هو الذي يقول الشاطبي لا يحتاج إلى العلم باللغة العربية؛ بمعنى أنه قد تكون ثقافته وتكوينه باللغة الفرنسية أو باللغة الإنجليزية أو باللغة الفارسية أو الأردية أو الكردية أو المالاوية ….. كل هذا ممكن؛ ونحن عندنا عبر التاريخ علماء ألفوا باللغة الفارسية، وعلماء ألفوا بلغات العالم الإسلامي. واليوم علماء أكفاء يكتبون باللغة الإنجليزية؛ فهؤلاء مقدّرون إذا كانوا على علم تام بمقاصد الشريعة فلهم أن يجتهدوا في السياسة الشرعية، وفي الاقتصاد، وفي الشؤون المالية….الآن رئيس وزراء ماليزيا تخصصه الاقتصاد
ولكنه على علم بالإسلام و بالشريعة الإسلامية؛ ولكن ثقافته الشرعية بالمالوية أو بالإنجليزية. اللغة العربية ضعيفة عنده لا يكاد يُبين. كان حوار بيني وبينه دائما بالمترجِم.
الشاطبي سبق زمانه، وفتح للاجتهاد بابا كاد يوصده الجمود
فالشاطبي بهذه القاعدة فتح الباب للمجهدين؛ وكأنه وضع هذه القاعدة لهذا العصر ؛ لأن الفقهاء قديما كانوا يخوضون في كل شيء؛ ولكنهم يضعفون أمام كثير من الأمور فلا يعرفونها؛ وخاصة في العصور المتأخرة؛ حين صاروا على هامش مجرى الأحداث ولا يعرفون الكفاية في القضايا السياسية، والأمور السلطانية لأنهم ابتعدوا عنها شيئا فشيئا؛ حتى قال ابن خلدون ما قال عن استدعاء الأمراء للعلماء تبرعا منهم؛ وإلا كثير من العلماء لم يعودوا فاهمين للواقع، وتحولاته. فحتى لو لم يُبعدهم السلاطين والحكام؛ يبعدهم القصور عن مواكبة ضبط المصالح المتطور ة بكيفية كبيرة جدا.
تعاظم التحولات، وتجدد النوازل وحاجة الفقه إلى المواكبة والضبط
التخصصات العلمية والدراسات العلمية أيضا تنمو بشكل كبير جدا، وهي أقرب إلى الواقع وإلى التشخيص المناسب للمصالح والمفاسد في مجالاتها، من نظر الفقهاء. ولذلك منهجية مجْمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة جيدة؛ ما من موضوع يبحثونه إلا ويأتون بالخبراء.
إذن هناك الفقهاء وهم أعضاء، وهناك الخبراء يُستدعون فيُدْلون بشهاداتهم في مختلف القضايا: في الفَلَك والطب، والقضايا المالية والمصرفية…. هذا شيء جيد. وإن كان أصحاب التخصصات والخبرات الواقعية؛ يحتاجون إلى مكانة أكبر ، وإلى عضوية تامة حتى يواكبوا هم أيضا، ويتمرسوا باحتياجات الفقه، ومنهجية الإفتاء. ولقد أصبح عند عدد من أرباب التخصصات من الأطباء والفلكيين، والمصرفيين نوع من الدربة والقدرة على الاستجابة، وإعطاء المعلومات المساعدة على التكييف الفقهي، وتقريب المعلومات التي يحتاجها الفقهاء والمُفتون.
فإذن المصالح المجردة خاصة في هذا العصر، وقد تطورت وتضخمت بشكل كبير جدا تحتاج إلى الفقهاء مع الخبراء، لا يستغني الفقهاء عن الخبراء.
تجزؤ الاجتهاد/ الاجتهاد التخصصي ومساهمته في حل مشكلة قصور الفقهاء عن مواكبة تضخم النوازل والمستجدات:
أو هناك حل آخر إلى حد ما يسد بعض المسد وهو ما يُعرف بتجزِّي الإجتهاد، يعني تجزؤه ويقال أيضا تبعُّضه، ويمكن أن نسميه بالإجتهاد التخصصي. هذا أيضا يحل
بعض هذه المشكلة وهي مشكلة أن الفقهاء لم يعودوا قادرين على ضبط ومعرفة
ما الذي يعطي مردودية أكثر ما الذي يعطي النتيجة أفضل في كل المجالات؛ هذه تخصصات علمية جامعية ومراكز ، ودراسات تجريها الدول والوزارات بصفة محددة في قضايا محددة؛ الفقهاء لا أحد منهم يستطيع مواكبة هذا؛ لكن هناك
نوع من التخصص بدأ يبرز ؛ قديما كان يبرز في مجال لكن الآن يتسع؛ وهو هذا الاجتهاد التخصصي فصار عندنا اليوم فقهاء مثلا في الشؤون المالية، وأصبح منهم اقتصاديون وخبراء في الصرف وفي الربا وفي المعاملات البنكية الدولية…..في أنحاء العالم الإسلامي.
هؤلاء فقهاء واكبوا، ولكن في جزء محدود، لا يستطيعون أن يواكبوا المصالح في كل المجالات، كذلك فقهاء تخصصوا في القضايا الطبية، وأصبحوا ينافسون الأطباء في معرفة الإشكالات، والقضايا والحلول للمسائل الطبية التي يطرحها المجتمع ويطرحها الأطباء أنفسهم في الجراحة، وفي المعالجة ما يجوز منها وما لا يجوز وفي ذلك تدقيقات كثيرة نوقشت في مؤتمرات وصدرت فيها فتاوي ودراسات.
هذا الاجتهاد المتبعض أو المتجزئ، أو الاجتهاد التخصصي هذا يسد بعض الشيء، ولكن هذا يكون محدودا حتى يتأتى للفقيه أن يسيطر على هذا الاختصاص أو ذاك، ويعرف إشكالاته. ومع ذلك قلما يستغني استغناء تاما عن أهل الاختصاص. لكن تصبح له دراية تمكنه من الاجتهاد والمشاركة في تقدير مصالحه ومفاسده. فبهذا يمكن أن نحقق هذا الذي ذكره الشاطبي الذي يبدو بهذه القاعدة متقدما عن زمانه رحمه الله. في الحاجة إلى معرفة نسبة القرافي لمالك اشتراطه بلوغ درجة الاجتهاد للتكيُّف بأخلاق الشريعة قبل التصدي للنظر المصلحي.
سأعرج سريعا على عرض نص نفيس للقرافي نسب فيه إلى الإمام مالك ما نسبه وأنا منذ قرأته ألفيْته نصا جيدا؛ وعبقرية القرافي ليست جديدة علينا، ولكن لم أستطع أن أعرف من أين نسب هذا إلى الإمام مالك؛ وقد ناقشنا شيئا من ذلك في مجموعة التكوين؛ ونترك الأمر لبحثكم وتفكيركم. وقول القرافي أورده في سياق حديثه عن المصلحة المرسلة المصلحة المرسلة التي حمل لواءها المالكية؛ وحمل لواء انتقادها ومهاجمتها الشافعية[3]. والقرافي طبعا هو أفضل من دافع عن المصلحة المرسلة بصفة محددة فأتى بهذا النص أن الإمام مالكا- وهذا فيه رد على الشافعية الذين يقولون المصلحة المرسلة هي في النهاية احتكام إلى الهوى …- يشترط درجة الاجتهاد حتى
يكون الناظر في النظر المصلحي وفي القضايا المصلحية متكيِّفا بأخلاق الشريعة؛ لأن عددا من العارفين بالسياسات لا يكونون عارفين بأصول الشريعة وأدلتها ومقاصدها؛ فيقعون ولو بدون قصد في مخالفتها؛ لأنهم ليسوا متكيفين بأخلاق الشريعة.
ولكن من أين بالضبط تأتى له أن ينسبه للإمام مالك؟ حبذا لو كان أفصح لنا عن ذلك حتى نستفيد.
القاعدة3: الاجتهاد في تحقيق الـمَناط لا يَـفتقر إلى العلم بالمقاصد ولا اللغةِ العربية:
بدأنا هذه الحصة بالقاعدة الأولى وهي المقاصد جملة وتفصيلا في كل باب، في كل مسألة، بما في ذلك طبعا ضرورة اللغة العربية والإمام الشاطبي ضليع في اللغة العربية ومدافع عن اللغة العربية[4]، القاعدة الثانية نقَص الحاجة إلى اللغة العربية في التقدير المصلحي فاكتفى بشرط الخبرة بمقاصد الشريعة؛ كما بيناه.
في هذه القاعدة استغنى عن شرط العلم باللغة العربية و المقاصد الشرعية معا. لكن في ماذا؟
في بيان سبب استغناء الشاطبي عن شرطيْ الخبرة بالعربية ومقاصد الشريعة في تحقيق المناط.
– في الفروق بين تخريج المناط، وتنقيحه، وتحقيقه:
تحقيق المناط يوشك أن يكون عملية تقنية، ولكنه نوع من الاجتهاد، وللبيان أكثر لابد من التفريق بين ثلاثة تراكيب متشابهة:
– تحقيق المناط سأعود إليه:، وقبله: تخريج المناط، وتنقيح المناط.
والمناط هو علة الحكم؛ أي العلة التي بني الحكم عليها وتقرر لأجلها .
تخريج المناط:
هو بحث العلماء والفقهاء عن مناط حكم غير منصوص، الحكم منصوص، لكن مناطه أي علته التي أُنيط بها الحكم غير منصوصة فالفقهاء يبحثون بجميع المداخل والمسالك العلمية لمعرفة ما أمكن، إذا لم يعرفوا هذا شيء آخر.
إذن هذا هو ما تحدث عنه الأصليون تحت عنوان مسالك العلة أو مسالك التعليل.
فالبحث خارج النص علة الحكم، حتى لو لم يكن لها ذكر ، أو إشارة في النص؛ في الآية أو في الحديث هذا تخريج المناطق أي البحث عن علة حكم خارج النص.
تنقيح المناط
هو أن يكون في النص عدد من الإشارات والقرائن تدل على العلة؛ لكنها متعددة ليست شيئا واحدا؛ فتنقيح المناط هو أن تُختبر تلك الإشارات الواردة في النص، حتى تبقى علة واحدة في النص.
تنقيح المناط إذن هو استخراج العلة من النص نفسه: من سياقه وسبب نزوله، أو سبب وروده، وإشاراته وتفاصيل الواقعة التي جاء فيها الحكم؛ أحيانا هذه الأمور هذه التفاصيل منها تفهم علة الحكم كما قلنا في المطلقة ثلاثا؛ هذا من النص
من النص نفسه؛ ليس هناك قرائن خارجية و قد تكون وتساعد، لكن من النص نفسه فُهم أن المقصود هو النكاية بالزوج؛ والقرائن تسعف في ضبط المقصد(حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك).
فهذا تنقيح المناط فنعرف العلة، وتخريج المناط هو البحث عن العلة من خارج النص.
فإذا عُرفت علة الحكم سواء بالتخريج أو بالتنقيح يبقى القياس عليه إذا أردنا أن نقيس فرعا أو فروعا معينة ننظر هل هذه الفروع فعلا يتحقق فيها هذا المناط؟ إذا كان هذا المناط يتحقق في وقائع وتصرفات أخرى غير منصوص عليها باسمها؛ حينئذ يصح القياس وإلا فلا.
فإذا تحقيق المناط هو النظر في مناط قد حُدد بالنص أو بقرائن النص، أو بغير ذلك من مسالك العلة؛ ويبقى النظر في فروع أخرى ونوازل أخرى هل هذا المناط متحقق فيها أم لا؟
مثال تحقيق مناط السرقة الموجبة للقطع:
قال تعالى:( السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) فمن هو السارق؟ استعمالات الناس متفاوتة وواسعة؛ هل تدخل السرقات الأدبية والعلمية؟ هل كل من أطلق عليه الناس سارقا فهو سارق؟
وكذلك الناس يسمون أحيانا بعض أنواع السراق بأسماء أخرى غير كالنباش والنشال الذي يخطف أمتعة الناس في غفلة منهم. هؤلاء هم سراق أيضا؛ ولكن سموا بمسميات فنحتاج إلى تحقيق المناط في مختلف التصرفات التي تشبه السرقة أو توصف بأنها سرقة هذا هو تحقيق المناط في موضوع السرقة على سبيل المثال، وحتى الزنا، ما هو الزنا؟ معروفة أوصافه؛ فمتى يتحقق الزنا؟ هل بمجرد مقدماته؟ فالزنا معروف بأوصاف دقيقة عند الفقهاء فتحقيقها هو تحقيق المناط الذي يقوم به القضاة أو المفتون لكي يرتبوا عليه آثاره. هذا تحقيق المناطق في الحالات المعينة، في الأصناف المعينة.
مثال تحقيق المناط لضبط المستحقين للزكاة:
قال الله تعالى:( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) فذكر الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وابن السبيل والغارمين لكن من هم الغارمون ومن يعرف الغارمين ومن هو ابن السبيل ومن يعرف ابن السبيل؟
المفتي يقول لك ابن السبيل يستحق الزكاة؟ لكن من هو ابن السبيل؟ هذا لابد له من تحقيق للمناط. فلابد من جهة تحققه؛ فتنظر في الحالات المختلفة للقول بأنها داخلة أو غير داخلة؛ ولذلك هذا عمل شبه تقني يقوم به الناس يحتاج إلى نوع من الخبرة وإلى نوع من التخصص أيضاً؛ أو نوع من الخبرة التلقائية، أو وسائل الإثبات…فالقائم على التوزيع على المستحقين لا يستطيع أن يحقق المناط في الحالات إلا بمساعدة أهل الخبرة لضبط الأمور بوسائل الإثبات، والقرائن؛ لضبط المناطات العامة، والمناطات الخاصة بالحالات والأعيان.
فالمقصود عندنا في القاعدة أن من يقوم بتحقيق المناطق؛ سواء كان فقيها، أو كان موظفا، أو إداريا…. هذا لا يحتاج لا إلى المقاصد ولا إلى اللغة العربية؛ لأنهم يجتهدون خارج هذه الدائرة وإنما في أمور عملية واقعية؛ والدليل على هذا- بحسب الشاطبي- أن هؤلاء لا يحققون المناط إلا إذا كانت لهم خبرة ؛ ولقد كان العلماء يستشيرون الفلاحين
ويستشيرون أصحاب الحرف ؛ ويستشيرون الأطباء، وليهم كثير من الفتاوى تقول بناء على قول الطبيب؛ فإذن الفقه يقول هذا الصيام إذا كان سيزيد المرض أو يؤخر الشفاء أو ينشئ المرض؛ بمعنى سيسبب مرضا بحسب المواصفات فهذا الصيام يضره.
وبناء على ذلك الفقه يقول: هذا يُفطر.
وكثير من الأمور اليوم تعتمد على شهادة الأطباء؛ وشهادة الخبراء في البصمات، الخبراء في الأمن، هؤلاء يحددون كثير ا من الأمور التي عليها تبنى الفتوى. هؤلاء ليس مطلوبا منهم أن يكونوا علماء لا باللغة العربية؛ ولا بمقاصد الشريعة؛ ولا بالفقه. هذا هو مقصود هذه القاعدة. وهي أيضا كما ذكرت في القاعدة السابقة؛ تفتح الأبواب للاستفادة من الخبرات الضرورية؛ وعدم الارتهان لرأي الفقهاء الذين أصبح أكثرهم أو كلهم تقريبا بعيدين عن الخبرات الواقعية حتى إذا كانت لهم خبرات فقهية وأصولية ومقاصدية. فحينما يتعلق الأمر بتحديد الواقع ومستحقاته وما يناسبه من الأحوال؛ حينئذ يجب أن يستدعوا العلماء؟ قديما كانوا يعتمدوا على ” المولّدات” مثلا للتأكد من وجود حمل أو عدم وجوده وكم مدته؟ فهذه أمور قد تترتب عليها مواريث؛ وقد تُرتب عدد من الأحكام على خبرة سيدة لا صلة لها لا بالفقه ولا باللغة العربية. هذه هي قاعدة المناط وعدم حاجة تحقيقه لا إلى العلم بالمقاصد؛ ولا إلى العلم باللغة العربية. وبالله تعالى التوفيق.
الأسئلة وأجوبتها:
س1: لما نقول بأن الاجتهاد يحتاج إلى فهم مقاصد الشريعة، وفهم مقاصد الشريعة يحتاج إلى معرفة النصوص الشرعية، ومعرفة النصوص تتطلب فهم اللغة العربية فيقول بأن هناك نوع من الاستلزام بلغة الرياضيات ؟
ج: هذه المسألة ضمنياً يوجد ما تتضمنه وما يدخل فيها؛ القاعدة الاولى فعلا ما ذكره الشاطبي وربما لما أطل فيه أن اللغة العربية فعلا الشاطبي معظم لشأن اللغة العربية معظم جدا للغة العربية ولدورها وله في ذلك اقوال وانتقادات على المفسرين لقلة اعتمادهم او مراعاتهم؛ وهو صاحب العبارة التي سنراها فيما بعد “اللسان العربي هو المعبر عن مقاصد الشرع” والامام الشاطبي ألف موسوعة لغوية، انا حين كتبت نظرية المقاصد كان الكتاب ما يزال مخطوطا لا اعرفه ولا أعرف حجمه، ولم اقف عليه؛ ولكنه طبع في مجلدات “المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية” شرح في هذا الكتاب منظومة ابن مالك ألفية ابن مالك ، وكلاهما من الأندلس؛ يعني يمكن أن نقول هذا أعظم كتاب في النحو العربي. فالشاطبي ضليع في اللغة العربية. ولذلك قال في نص أيضا سبق أن اطلعتُ عليه :”المجتهد في اللغة العربية يعني بلغ مرتبة الاجتهاد في اللغة العربية هذا يمكن أن يكون مجتهدا في الشريعة والمتوسط في اللغة العربية سيكون متوسطا في الشريعة والضعيف في اللغة العربية سيكون حتما ضعيفا في الشريعة” ولما كنت أدرس الأعاجم دائما أقول لهم أنت مهمتك اللغة العربية؛ الذكاء عندكم، الهمة التي أتت بك من ماليزيا وإندونيسا إلى المغرب عندكم ما شاء الله؛ قدوة في هذا استماتة تضحية دين تدين غير ة، هذا لا أحتاج أن أنصحكم به؛ أنصحكم بشيء واحد هو اللغة العربية. فإذن فهم الإسلام بصفة عامة، والاجتهاد فيه من باب أولى؛ كما يقول الشاطبي بحسب مرتبة الشخص في اللغة العربية ترتقي مرتبته في فهم الشريعة. هذا ينطبق على القاعدة الأولى وهذا موجود في الشرح موجود في الكتاب ؛ لكن القاعدة الثانية متعلقة بالاجتهاد المصلحي والاجتهاد المصلحي هنا ليس هو استنباط المصالح من النصوص؛ لا هذا يدخل في القاعدة الأولى؛ لكن الاجتهاد المصلحي بحسب عبارات الشاطبي هي المصالح الصرفة المحددة والمعروفة؛ فهذه تحتاج إلى خبراء سواء عرفوا اللغة العربية أو لم يعرفوها؛ سواء عرفوا النصوص أو لم يعرفوها؛ إذا عرفوا المقاصد ودرسوها بأي لغة، أو كانت لغتهم العربية محدودة؛ لكن تمكنوا من المقاصد؛ هؤلاء يجتهدون في المصالح؛ الاجتهاد في المصالح الطبية والتعليمية؛ والمناخية والإدارية والتربوية والسياسة الخارجية والسياسة الشرعية والسياسة الجنائية كل هؤلاء يجب أن يعرفوا مقاصد الشريعة، وإذا لم يعرفوا اللغة العربية لا حرج عليهم؛ إذا أتينا إلى القاعدة الثالثة كما شرحت أخيرا لا يتوقف هذا الاجتهاد في معرفة من تتحقق فيهم المناطات، لا يحتاجون لا الى المقاصد ولا الى اللغة؛ كما قلت في الشرح؛ أبرز مثال هو الناس والفقهاء الكبار يسألون المولدة لتحقق لهم المناط في معرفة الحمل لترتيب آثاره عليه.
فمن حدد الحمل من عدمه امرأة أمية؛ وهكذا في الأمثلة التي ذكرتها امور تحتاج الى اداريين؛ وتحتاج الى مهنيين وتحتاج الى حرفيين وتحتاج الى تقنيين. فهذا كلام الشاطبي فاذن اللغة العربية حينما يتعلق الامر بالاجتهاد في فهم النصوص؛ لا فهم للنصوص الا باللغة العربية ولا فهم للنصوص الا بالتبحر في النصوص،
ولا ننسى هنا العبارة الشهيرة للإمام الشاطبي حين قال “وعلى هذا فلا يسمح للناظر في هذا الكتاب أي الموافقات أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها منقولها ومعقولها غير مخلد إلى التقليد أو التعصب للمذهب” هذا فقط حتى يستفيد الإنسان من الكتاب بجدارة؛ وإن لم يكن كذلك؛ يقول الشاطبي في كلام بعد ذلك؛ فقد ينقلب عليه هذا الكتاب؛ وهذا العلم فتنة؛ قد ينقلب فتنة بالعرض وهو حكمة بالذات.
فإذن، اللغة العربية والتبحر في النصوص؛ والعيش مع النصوص هي التي ذكرها. أما الاجتهاد في تحديد المصالح فيحتاج إلى الخبير في تحديدها بحسب مجالها، وكذلك تحقيق المناط.
س2: الاجتهاد القائم على الجمع بين الخبراء المتخصصين في الجانب الطبي أو المالي مع الفقهاء قال بأن هذا النوع من التلفيق تكون ثمر ته ضعيفة. لماذا؟ يقول لأن إدراك جوهر المعاملة لا يكون إلا لمن تفقه فيها تفقها كاملا. كأنه يقول: بأن الفقيه وإن جاور الخبراء لا يستطيع أن يكون له التصور الكامل عن النازلة المالية مثلا لكي يعطي الفتوى الشرعية أو الاجتهاد المناسب. فما رأيكم؟
ج: هذه الأمثلة التي أشار إليها الدكتور الكريم ذكرتها في سياق أن الفقهاء نظرا للتطورات والتضخم الكبير جدا في مختلف المصالح ونظرا للتقدم الكبير في الدراسات العلمية في كل المجالات الدراسات العلمية الآن لا تترك شيئا إلا… وقديما كثير من المشاكل النفسية والاجتماعية والأسرية الفقيه يأخذها بخبرته وطول مراسه أو بممارسته القضاء لا الآن هذا كله لم يعد ينفع؛ القاضي أمي وأنا مثله في المشاكل الاجتماعية أو الصحية نحتاج إلى سوسيولوجي وغيره… هذا هو الأصل. ولكن قلت فكرة التخصص وهي أيضا بناء على التجربة فكرة الاجهاد التخصصي أو تجزي للجهاد ويقول بها الجمهور وهي فيها خلاف
بعض الأصولين يقولون هذا غير ممكن لأن المجتهد لا بد يكون ملما ومحيطا، يجتهد في الأسرة، ولكن هناك أمور في العبادات وفي فقه العبادات لها حضور ولها تأثير وهكذا ولكن مع ذلك الجمهور يقولون: المتخصص في فقه معين وفي باب معين إذا أتقنه وأتقن أدلته الشرعية واكتسب فيه خبرة يمكن أن يجتهد في هذا، ولكن أنا أضفت إلى هذا أنه في هذا العصر نعم يتخصص فقهيا في فقه الأموال أو فقه الأسرة …أو في السياسة الخارجية أو فقه الجهاد أو كذا ولكن يضيف إليه الخبراء ليتحاور معهم؛ هذا يصبح أقرب فإذا استغنى عن ذلك سيظهر ذلك في فتاويه وفي علمه وفي مؤلفاته وإلا رغم خبرته سيظل بحاجة إلى رأي الخبراء ليدمجه مع رأيه. بارك الله فيكم.
كلمة ختامية للأستاذ المسير:
أحب أن أذكر الإخوة وليذكر الشاهد منكم الغائب أنني أحرص باستمرار على أن أضع التذكير في المجموعة ولكن أقوم بإرسال رسالة خاصة لكل فرد عن طريق مجموعات النشر؛ و أدعو الإخوة والأخوات إلى أن تحرصوا جميعا على أن تشاركونا في المجموعة بالرأي والتدخل لكي تطلعوا على ما يروج وتطلعوا على ما ينشر .
كما أننا سنطلق الدورة الثانية ضمن أكاديمية مقاصد إن شاء الله وسنخبركم بترتيباتها وطبعاً لكم الأولوية على غيركم تقبل الله منا جميعاً.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة السادسة والعشرين (26)ليومه الخميس :15 أكتوبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) ق : 62-63بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:421 إلى ص:434.
| 62- النصوص بمقاصدها 63- استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطلٌ |
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.
[1]تتمة الحديث: عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء تيتك من المدينة مدينة رسول الله ﷺ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي ﷺ… فقال أبو الدرداء: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
“من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر”
رواه أبو داود: السنن، كتاب العلم، رقم: *3641* واللفظ له، ورواه غيره من أصحاب السنن، وترجم عليه *البخاري* في صحيحه تعليقا في كتاب العلم باب “العلم قبل القول والعمل” فقال: “وإن العلماء ورثة الأنبياء“
وهذا من العجائب في اتخاذ كثير من القرارات في البلاد المتخلفة، بل حتى الدراسات يُصار إلى تكييفها، وفق القرار المراد اتخاذه مسبقا، والضغط في اتجاه إخراج (الدراسة) على وزان القرار لإضفاء(الشرعية العلمية البحثية)[2]
[3] والظاهرية بشكل أكبر وأصرح
[4] قد يظهر ببادئ الرأي للمتسرع أن الشاطبي يعارض نفسه عندما يشترط الخبرة باللغة العربية لفهم الشريعة، والارتواء(ريان) من معينها، ثم لا يلبث أن يوهن من شأنها في مفاصل دقيقة من العملية الاجتهادية وهو تحقيق مناط الأحكام؛ لتيسير تنزيلها على محالّها بما يحقق مقاصدها، ويفي بأغراضها وحِكمها؛ لكن المتأني المتفحص لكلام الجهبذ يلفيه ناطقا بلغة عالمة تنم عن كونه ريان من علم الشريعة راسخا في تقعيد قواعد فهمها وتنزيلها بما يحقق مقاصد أحكامها. ضليعا في استشراف مآلات الوقائع والنوازل المحتاجة إلى الاستصلاح بهديها مهما اختلف الزمان والمكان واللسان، والنسب والعرق؛ لأن الأحكام المراد تحقيق مناطاتها وانسجاما مع خلود الرسالة وخاتميتها وشمولها؛ اللائقُ بمقاصدها أن تُستوعب وتستبين لهذه الأجناس في كل عصر ومصر، وعليه ففي المقدور تقدير المصالح من ذوي الخبرة والأهلية في المجالات والميادين المراد تنزيل الأحكام عليها بصرف النظر عن معرفتهم بالعربية، ولا حتى إلمامهم بالنصوص الشرعية؟ كأرباب المهن والصناعات والحرف ومختلف التخصصات المدروسة بقواعدها، وحتى بلغات غير اللغة العربية. مثال ذلك تحقيق مناط دواء يستعمله المرضى للعلاج، للحكم على استعماله أيجوز أو لا يجوز؟ فهل يقدر الفقيه على ضبط مكونات الدواء، ومعرفة نسبة علاجه، ومقدار الخطورة في الأعراض الجانبية لاستعماله؟ فأنى له أن يستطيع الموازنة بين مصالح هذا الدواء ومفاسده لترتيب الحكم على استعماله دون المرور عبر استشارة أهل الاختصاص، من ذوي الخبرة العلمية والمهارة التحضيرية له، وهل يلزم أن يكون هؤلاء الخبراء عارفين بلسان العرب، أو عارفين بمقاصد الشريعة حتى نستفيد من تقاريرهم العلمية عن بيانات الدواء واستعمالاته….. ولا تفوتني الإشارة إلى المنافحة والترافع القوي للشاطبي عن ضرورة ضبط اللغة العربية لفهم الشريعة. ولقد شرح رحمه الله ألفية ابن مالك شرحا مستفيضا أبان عن علو كعبه في الخبرة باللسان العربي. والكتاب بمجلداته التسعة موجود في المكتبات الرقمية. لنتبين أن قواعده ينبغي جمعها وضمها لبعضها لفهمها فهما تكامليا.

