Close Menu
MaqassedMaqassed
  • الرئيسية
  • من نحن
    • عن المركز
    • باحثون في المركز
    • تواصل معنا
  • التأليف والنشر
    • منشورات المركز
      • سلسلة دراسات
      • سلسلة قضايا علمية
      • سلسلة ندوات علمية
      • كتب أخرى
    • منشورات أعضاء من الهيئة العلمية
    • إستكتاب نشر الكتب
  • فعاليات المركز
    • ندوات
      • ندوات وطنية
      • ندوات دولية
    • قراءات في كتب
    • محاضرات
  • أبحاث ومقالات علمية
    • أبحاث
    • مقالات
    • تدوينات مختارة
  • خدمات بحثية
    • مشاريع أطروحات علمية
    • جديد الحالة العلمية
    • سلسلة أعلام المغرب
  • الإعلام
    • أخبار المركز
    • فيديوهات المركز
    • فعاليات سابقة
    • مواقع ذات صلة
فيسبوك يوتيوب
MaqassedMaqassed
  • شروط الاستخدام
  • تواصل معنا
فيسبوك يوتيوب
  • الرئيسية
  • من نحن
    • عن المركز
    • باحثون في المركز
    • تواصل معنا
  • التأليف والنشر
    • منشورات المركز
      • سلسلة دراسات
      • سلسلة قضايا علمية
      • سلسلة ندوات علمية
      • كتب أخرى
    • منشورات أعضاء من الهيئة العلمية
    • إستكتاب نشر الكتب
  • فعاليات المركز
    • ندوات
      • ندوات وطنية
      • ندوات دولية
    • قراءات في كتب
    • محاضرات
  • أبحاث ومقالات علمية
    • أبحاث
    • مقالات
    • تدوينات مختارة
  • خدمات بحثية
    • مشاريع أطروحات علمية
    • جديد الحالة العلمية
    • سلسلة أعلام المغرب
  • الإعلام
    • أخبار المركز
    • فيديوهات المركز
    • فعاليات سابقة
    • مواقع ذات صلة
MaqassedMaqassed
الرئيسية»أبحاث ومقالات علمية»مقالات»إصلاح الأسرة مدخل لمجتمع نموذجي ـ إكراهات وتحديات ـ
مقالات

إصلاح الأسرة مدخل لمجتمع نموذجي ـ إكراهات وتحديات ـ

إعداد:  الدكتور عثمان كضوار " باحث في الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة"
14 أكتوبر، 2026عثمان كضوار
فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن تيلقرام واتساب البريد الإلكتروني Copy Link

يندرج فقه المعاملات ضمن أقسام الفقه الإسلامي تحت مسمى “علم فروع الفقه” وهو بدوره يحوي قسمين أساسين، الأول “فقه العبادات”  المتضمن للأحكام العملية “الشعائر التعبدية: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج” لأفعال المكلف في علافته بربه، وأثرها الإصلاحي عليه دنيويا وأخرويا.

أما القسم الثاني فيرتبط “بفقه المعاملات” وهي جملة الأحكام الشرعية العملية المنظمة لعلاقة المكلف بالآخرين، كفقه الأسرة، فقه المعاملات المالية، الأحكام المدنية، المرافعات والحدود…

وقد بوب الفقهاء  المعاملات فصنفوها تصنيفا حتى نالت حظا أوفر من الاهتمام، غير إن الجانب المقاصدي منها غيب بشكل ملحوظ، بحيث تم التركيز على ما يرتبط بجانب الأحكام وما يترتب على اختلال الأركان والشروط وغيرها من الجزئيات، وقد يرجع سبب ذلك إلى اهتمام الفقهاء بما يندرج تحت تخصصهم، على اعتبار الفقه علم يدرس الأحكام الفرعية المرتبطة بأفعال المكلف عن طريق استخراجها واكتسابها من الأدلة التفصيلية كما هو معلوم.

موضوع الأسرة  من موضوعات فقه المعاملات، يعرف اليوم اختلالات حقيقية  بات الوقوف عليها من الضروريات، خاصة وأنها تمثل اللبنة الأولى للمجتمع، كما أن الوحي بمكونيه ركز في مناسبات عدة  على المجال الأسري وخطورته ابتداء من اختيار الشريكين لبعضهما، ولا شك أن أي إصلاح اجتماعي رهين بدرجة صلاح الأسرة انطلاقا من مسؤولية الأفراد داخلها كل من موقعه، والحقوق المتبادلة بين الأبناء والآباء، فكل اختلال في العلاقة التي تربط الأطراف داخل الأسرة يؤدي لا محالة إلى استنفار العلاقات داخل الأسرة،  وإحداث شرخ ينعكس سلبا على مصير الأسرة والمجتمع  لتتوسع دائرة الإفساد على أكبر نطاق، من هنا جاء اختيار مقاصد الأسرة أو مقاصد أحكام الأسرة، ذلك أن “انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك من أول ما عني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته بإلهام إلهي روعي فيه حفظ الانتساب من الشك في انتسابها …، وجاءت شريعة الإسلام مهيمنة على شرائع الحق، فكانت الأحكام التي شرعتها للعائلة أعدل الأحكام وأوثقها وأجلها”[1]، وعليه؛ يظهر الدور الذي تقوم به شريعة الإسلام في انتظام أمر العائلات وإحكام الأواصر المكونة للعائلة – آصرة النكاح، آصرة القرابة، آصرة الصهر، من خلال العلاقات التفاعلية الإيجابية داخل العائلة.

سأعتمد بحول الله المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن بحسب ما يقتضيه سياق الموضوع قيد الدراسة، كما سأعتمد على أقوال محمد الطاهر ابن عاشور باعتبار اهتمامه الإصلاحي في مجال الأسرة خاصة وشؤون الأمة الإسلامية عامة، فإلى أي حد استطاع محمد ابن عاشور تقديم مقاربة علمية لتقديم الأسرة كنموذج للإسهام في صلاح المجتمع من زاوية إبراز الدور الطلائعي الذي تؤديه من حلال مكوناتها؟ لهذه مباحث المشاركة العلمية: 

المحور الأول: مفهوم الأسرة -دراسة مقارنة-

المحور الثاني: أثر التربية الإسلامية على الأسرة والمجتمع.

المحور الثالث: عوائق الإصلاح الأسري وانعكاساتها على المجتمع.

المحور الأول: مفهوم الأسرة دراسة مقارنة

بالرجوع إلى  الدراسات اللغوية لمفهوم الأسرة نلحظ تعدد تعاريفها تبعا لاهتمام المختصين بهذا المجال، فوردت تعريفاتهم على النحو التالي:

التعريف الأول : يقصد بالأسرة “الوحدة الوظيفية المكوّنة من زوج وزوجة وأبناء، يرتبطون معا برباط الدم وأهدافهم مشتركة.

التعريف الثاني: هي :عيش رجل وامرأة معا على أساس العلاقات الجنسية التي أقرّها المجتمع، وتقديم الواجبات التي تترتب على ذلك كرعاية الأطفال المُنجبين وتربيتهم.

التعريف الرابع: وحدة اجتماعية إنتاجية تمثل مركزاً للنّشاطات الاقتصادية والاجتماعية، وهي تقوم على الالتزام المُتبادل بين جميع الأطراف بالمودّة.

التعريف الخامس: مجموعة مُعينة من الأفراد يجتمعون معا ويتفاعلون فيما بينهم، وهي في علم الاجتماع الخلية الأولى في المجتمع، كما أنها الخلية الأساس”[2].

من خلال التعاريف سالفة الذكر، نلمس تكرار بعض الألفاظ من قبيل ” الوحدة، الاجتماع، المجتمع، مجموعة” وكلها معاني تفيد معنى التكتل والاستقرار التي ترمي الأسرة تحقيقها ضمن مجموعة عناصر تحت قيادة الزوجين.

وبصورة قريبة مما ذكر، يشير المتخصصون من الغربيين مثل “كونط” على أن الأسرة “الخلية الأولى والأساس في جسم المجتمع؛ وهي النقطة الأولى التي يبدأ التطوّر منها، وهي الوسط الطبيعي الذي يترعرع ويحيا فيه الفرد”[3].

كما عرف “دينكن ميتشيل” الأسرة  بأنها “المجتمع القائم بالفعل الذي يشتمل على بناءات أسرية في صورة من الصور، وهي ضرورة حتمية لاستمرار الجنس البشري، والجماعة الأوليّة التي ينتمي ويرجع إليها الطفل دون اختيار، وهي الجسر الذي ينقله ويعبر من خلاله إلى المجتمع”[4].

إن ما لفت انتباهي من خلال التعاريف السابقة على اختلاف مرجعيات أصحابها، تلك العلاقة التفاعلية  بين الأسرة والمجتمع التي لا تكاد تخلو من تعريف، وهي مؤشرات على الدور المتميز الذي تؤديه الأسرة في جانب الإصلاح إذا ما بنيت على أسس ودعائم صلبة بناء على ما سطره ديننا الحنيف، من خلال العلاقات التي تربط بين أفرادها  والحقوق والواجبات المتبادلة بينها.

ومن جهة أخرى ما سجلته عن التعريفات سالفة الذكر؛ أن بعضها كرس العلاقة بين الزوجين فيما هو جنسي غايته إنجاب الأطفال، وهي لا شك نظرة تضيق من دور الأسرة لتجعل منها وعاء ينتج أفرادا بيولوجيين، في حين أن الغاية الأسمى تكمن في عمارة الأرض ليستمر الاستخلاف على الوجه الذي أراده الشارع عز وجل، فمتى اختل هذا المقصد  فشلت الأسرة في تأدية الدور المنوط بها، خصوصا إذا استحضرنا كلمة الأسرة من الجذر اللغوي أدركنا أن المعنى ينصرف إلى الدرع الحصينة، فالإسار ما شد به وهو القيد ومنه الأسير “ومعاني الشد والربط كأنها تدل أن الأسرة يشد أطرافها بعضها بعضا، وتربطهم أواصر قوية تجعل علاقتهم محكمة”[5]، فالتحديد المعجمي و الاصطلاحي لا يختلفان من حيث المقصود العام للأسرة  وأثرها على الفرد والمجتمع،  وهذا ما سأحدد معالمه في المطالب القادمة بحول الله.

المحور الثاني: أثر التربية الإسلامية على الأسرة والمجتمع

أشير ابتداء إلى أن لفظ التربية  يدور في دلالته اللغوية على معاني النمو والزيادة والحفظ والرعاية والإتمام والإصلاح، وهي ألفاظ كلها تفيد التنشئة والإصلاح، فعند ابن فارس تفيد ربي” الزيادة والنماء والعلو، تقول من ذلك ربا الشيء يربو، إذا زاد وربا الرابية يربوها  إذا علاها، وربا: أصابه الربو، والربو معناه علو النفس، والربوة تعني المكان المرتفع”[6].

أما في لسان العرب نجد “ربا الشيء: بمعنى زاد ونما، وربيته وأربيته: نميته، وربيت فلانا أربيه تربية: غدوته، ويقال هذا للولد وللزوج ونحوه”[7].

والتربية الإسلامية ارتباطا بالأسرة حددت في مجموعة من الضوابط والمعالم  أشبه ما يكون بالنظام المتماسك، بحيث إذا فقدت حلقة منه اختلت بنياته وأتلفت، وقد اطلعت على عدد مهم من المصادر والمراجع خاصة الحديثة منها، فوجدتها غير مختلفة من حيث تحديدها لمفهوم للتربية و أثرها  الإصلاحي على مستوى الأسرة والمجتمع.

يعرف علي عبد الحليم محمود التربية بأنها “نظام اجتماعي يحدد الأثر الفعال للأسرة والمدرسة في تنمية النشء من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية، حتى يتمكن الفرد بتلك التربية من أن يحيا حياة سوية في البيئة التي يعيش فيها، فالتربية عملية عامة لتكييف الفرد حتى يتلاءم مع تيار الحضارة التي يعيش فيها”[8].

والتربية أيضا يقصد بها أيضا “تلك الجهود التي يبذلها الفرد بمساعدة المربي لكي يرتقي في اعتقاده وتفكيره وسلوكه بما يجعله صالحا مصلحا في مختلف جوانب حيات الفردية والجماعية، ومجالات عمله في محيطه القريب والبعيد، فهي تواصل واع بين المتلقي والمربي يسعى من خلاله الثاني إلى إعانة الأول على بناء أو تصحيح تصوراته وأفكاره، وتزكية أعماله واختيار أنماط سلوكه، ثم إعانة الأول على نقل هذا الصلاح إلى الآخرين، فيكثر أهل الصلاح  ويكون صالحا ومصلحا”[9].

وقد نبه إلى هذا الأمر ابن عاشور رحمه الله  عندما جعل الاهتمام بإصلاح الفرد وتربيته أساسا لكل إصلاح “فإصلاح عقل الإنسان هو أساس إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغال بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين الإصلاح الاجتماعي”[10].

فدعوته رحمه الله إلى إصلاح عقل الفرد وجميع خصاله  إنما هي إشارة قوية إلى إعادة تربيته حتى يستقيم على فعل الصلاح، كما هي تنبيه إلى أن عملية التربية التي يعتبر الإصلاح جزءا منها غير محصورة بمرحلة زمنية، بل هي إنشاء مستمر من الولادة حتى الوفاة، وذلك لأن “التربية بأوسع مفاهيمها هي عملية طويلة، أولها المهد وآخرها اللحد، وتشمل الإنسان على طولها، تتمثل في كل مجالات النشاط الإنساني”[11]، والعملية التربوية قد لا تظهر نتائجها ضمن الإطار المحسوب لها، فلا بد من معاودة الأمر، لأن جزءا من الهداية يبقى خارجا عن طاقة المربي، على اعتبار الفوارق والظروف المحيطة بكل فرد، وكذا الثقافة المتوارثة والمناخ الأسري، كل هذه العوامل وغيرها تجعل الأمر عسيرا ومعقدا.

إن غاية التربية داخل المنظومة الإسلامية هي تأهيل الأفراد لتحقيق الصلاح والإصلاح داخل الأسر الممثلة للمجتمع، تستطيع مدافعة الأخطار  ومقاومة كل أشكال التراخي والإباحية، ويأتي في مقدمة التربية الإسلامية التربية الخلقية، على اعتبار أن ” الغرض الخلقي الذي يجب أن يرمي إليه المربي  هو الغرض الحقيقي من التربية التي يصح أن نطلق عليها هذا الاسم”[12].

ولا يمكن للتربية الخلقية أن تثمر ما لم يتحقق التوازن بين طاقة الجسم وطاقة الروح،  بمعنى التوازن بين الحياة الدنيا والآخرة قال تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا  وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .

فيذكر ابن عاشور بأن “النهي في “ولا تنس نصيبك” مستعمل في الإباحة، والنسيان كناية عن الترك، أي لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا، أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة، وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ، لأنهم لما قالوا لقارون وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات، فأفيد أن له استعمال بعضه في ما هو متمحض لنعيم الدنيا إذا آتى حق الله في أمواله”[13].

فالتربية الإسلامية دعت إلى التوازن بين الفرد و المجتمع، بحيث ربت الفرد تربية ذاتية بقدر ما ربته تربية اجتماعية، حتى يستشعر المسلم بأنه جزء من أمة إسلامية  متعددة الأقطار، يكون مستعدا بأن يقوم بأي واجب تفرضه عليه ظروف هذه الأمة الإسلامية  مادام قادرا عليه.

 إن التربية الإسلامية مسؤولية فردية وجماعية، الكل فيها مسؤول، قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 92- 93].

هكذا يتضح لنا الأثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في بناء الشخصية الإسلامية الإنسانية داخل الأسرة والمجتمع، بحيث تصوغها صياغة ربانية تمس كل موطن من مواطنها، لينخرط الفرد بكل كيانه وطاقته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه على هدى منه، وهي صياغة نجدها مغيبة في التربية الحديثة “الغربية” بسبب نكرانها للروح أو الحاجات الروحية للإنسان، لكونها انطلقت من فلسفة ملحدة في الأصل ثائرة على الدين والإله، كما رفضت أي ثابت وانطلقت من التطور والتغير هربا من الدين والقيم الدينية المعروفة الثابتة، حيث يعتبرون “الفكر والقيم هي من إنتاج الإنسان نفسه، وعلى أن الضمير والأخلاق لا علاقة لهما بالله، وأن الأخلاق اجتماعية بكل معنى الكلمة تنشأ في البيئة ومن البيئة  وبالتفاعل مع هذه البيئة، وكذلك الضمير ينشأ ويتكون ويأخذ مقوماته من هذا التفاعل مع البيئة، والضمير بذلك ليس كما يقول “روسو” هبة من الله منحها للفرد، ولا يستطيع بشر أن يمنحها لبشر”[14].

فعلى خلاف ما يتبناه الغرب؛ التربية تنبثق من عقيدتنا  فتدرس على ضوء الإسلام وتخضع لقيمه ومقاييسه، مع الاحتياط في التعامل مع تجارب وأفكار الآخر- الغرب- “فالمسلم يأخذ من معطيات التفكير في العلوم الإنسانية بحذر، وبالقدر الذي لا يتعارض مع أصول عقيدته”[15].

التربية لا ينبغي أن تنفك عن فكرنا تحقيقا لأي إصلاح أسري واجتماعي، حيث الفكر الوحيد الذي وضع الإنسان في مكانه هو الفكر الإسلامي، والتربية الحديثة بحاجة إلى أن تطور مفاهيمها حتى تصل إلى مستواه… إن في هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم، لا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا كي لا يتزهد الزهد، الذي يهمل الحياة ويضعفها”[16].

الحاصل:

انطلاقا من هذا المنهج القويم تحقق التربية الإسلامية المقصد العام الذي يتمثل أساسا في تكوين أفراد يؤثرون في المجتمع ويتأثرون به، إلى تكوين شخصيات إنسانية اجتماعية تتوافق مع طبيعة المجتمع الذي تعتبر الأسرة أولى لبناته.

إن طريقة الإسلام في التربية تسعى إلى معالجة الكائن البشري معالجة شاملة لا تترك منه شيئا، ولا تغفل عن شيء، عن جسمه وعن روحه، عن حياته المادية والمعنوية وعن كل نشاطاته.

المحور الثالث: عوائق الإصلاح الأسري وأثرها على المجتمع

بات من الملاحظ بشكل مثير فشل عدد كبير من الأسر الإسهام في العملية الإصلاحية داخل مجتمعاتنا الإسلامية، فكانت نسبة النتائج السلبية بمقدار غياب أساليب التربية وآليات تسيير الأسرة كمؤسسة تحكمها ضوابط بناء على قواعد وأسس، بحيث نتج عن غيابها اختلال التوازن ومن تم انسحاب الأسرة من دورها الرائد داخل المجتمع.

وقد اطلعت على عدد من المصادر والمراجع فعاينت حقيقة قد لا ينتبه إليها الكثير أسهمت في عملية فشل الأسرة في الإصلاح، يتعلق الأمر بالمسارعة إلى تطبيق النصوص الشرعية دون تردد عندما يتعلق الأمر بموضوع الطلاق، مع غياب تام لمقاصده ودواعيه والاستبصار إلى خطورته.

تعاني المجتمعات الإسلامية من أمية دينية  ملحوظة، أدت إلى تفكك عدد كبير من الأسر  بتشرد أفرادها  أبناء وآباء، ولا شك أن ذلك كله يعود  على المجتمع بالفساد والإفساد، وهي نتيجة حتمية تنم عن غياب الضوابط الشرعية في التعامل مع الطلاق.

هناك كذلك أسباب داخلية وخارجية أسهمت بدورها في إعاقة دور الأسرة المسلمة، سأذكرها بتفصيل لاحقا بإذن الله.

أولا: الأمية الدينية داخل الأسرة المسلمة -الطلاق نموذجا–

أصبح الطلاق في أوساط المجتمعات الإسلامية يمثل ظاهرة خطيرة مدمرة للأبناء والأخلاق واستقرار الحياة بوجه عام، ذلك لأن الشقاق بين الزوجين يشكل مناخا غير صحي للتنشئة الاجتماعية للأبناء، فالطلاق هو الإعلان الرسمي لفض الحياة الزوجية وفق مقتضى الشريعة الغراء، لكن بالرغم من إباحته إلا أنه ينبغي أن يكون هو الملاذ الأخير، فهو أبغض الحلال عند الله “الإنسان الذي يمارس هذا الحق -الطلاق- ، ينبغي أن يمارسه وهو منفتح على الله، وهو يرغب في محبة الله، فإذا كان قد أحل الطلاق لمصلحة في الواقع الإنساني، فإن على الإنسان أن لا يأخذ الأمر بشكل مزاجي عفوي، لأنه وإن كان حلالا فإنه الحلال الذي يبغضه الله”[17].

فكل تسرع في الطلاق يعكس في الحقيقة أمية دينية لما أباحه الله من السبل المؤدية إلى التفريق بين الزوجين عند الضرورة، وبعد استيفاء كل وسائل الإصلاح، فالملاحظ أن الناس يسارعون إلى الطلاق لأوهن الأسباب، لا يأخذون أنفسهم لما أمر الله به من المعاشرة بالمعروف، وعدم الاستجابة لمشاعر الكراهية والنفور وتحري الوقت الصحيح لإيقاع الطلاق.

“إن الأمية الدينية في أحكام الطلاق من أسباب تفكك الأسرة وتمزقها، على أن ظاهرة كثرة الطلاق تعد تمرة طبيعية للزواج الذي لم يستوف شروطه المشروعة”[18]، يبرز ابن عاشور الغاية والمقصد من آيات الطلاق{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 228-229]. فيقول: “وحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لعبا في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقا … وقد رتب الله على الطلقة الثالثة حكمين وهما سلب الزوج حق المراجعة  بمجرد الطلاق، وسلب المرأة حق الرضا بالرجوع إليه إلا بعد زوج، واشترط التزوج بزوج ثان بعد ذلك لقصد تحذير الأزواج من المسارعة بالطلقة الثالثة؛ إلا بعد التأمل والتريث الذي لا يبقى بعده رجاء في حسن المعاشرة  للعلم بحرمة العود إلا بعد زوج، فهو عقاب للأزواج المستخفين بحقوق المرأة”[19].

فكما هو معلوم في كتب الفقه لا يلزم الإقدام على الطلاق دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة بما في ذلك: الوعظ والإرشاد والأخذ بالتي هي أحسن، ثم بعدها الهجر في المضجع وهي عقوبة نفسية، ويليها الضرب غير المبرح – على اختلاف التفسيرات في موضوع الضرب – ثم أخيرا اللجوء إلى التحكيم بواسطة عقلاء، مصداقا لقوله تعالى:{اللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا  وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[20] [النساء: 34- 35].

يذكر ابن عاشور “وقوله: فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل…. وقوله:” فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا” احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحو ما تقدم في ضمائر “تخافون ” وما بعده، والمراد الطاعة بعد النشوز، …،. ومعنى “فلا تبغوا عليهن سبيلا ” فلا تطلبوا طريقا لإجراء تلك الزواجر عليهن، والخطاب صالح لكل من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدم …. “واللاتي تخافون نشوزهن” أي تخافون سوء مغبة نشوزهن  ..، وأن إسناد (فعظوهن) على حقيقته، وأما إسناد “واهجروهن في المضاجع “فعلى معنى إذن الأزواج بهجرانهن”[21].

فأهم ما يمكن التنبه إليه هو استحضار التدرج في الخطاب التأديبي؛ بما يحقق المصلحة المرجوة في كل خطوة بعيدا عن الاندفاع والتسرع، “والحاصل أنه لا يجوز الهجر والضرب بمجرد توقع النشوز قبل حصوله اتفاقا، وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة أزواجهم النواشز بواحدة من هذه الخصال الثلاث، وكان الأزواج مؤتمنين على توخي مواقع هذه الخصال بحسب قوة النشوز وقدره في الفساد، فأما الوعظ فلا حد له، وأما الهجر فشرطه أن لا يخرج إلى حد الإضرار بما تجده المرأة من الكمد، وقد قدر بعضهم أقصاه بشهر، وأما الضرب فهو خطير وتحديده عسير، ولكنه أذن فيه في حالة ظهور الفساد، لأن المرأة اعتدت حينئذ، ولكن يجب تعيين حد في ذلك يبين في الفقه، لأنه لو أطلق للأزواج أن يتولوه  وهم حينئذ يشفون غضبهم، لكان ذلك مظنة تجاوز الحد”[22].

لا يجب الإغفال عن مراعاة البعد النفسي في الإصلاح الأسري، بحيث لا يحق للزوجين تجاوز حدود تجعل العلاقة مستنفرة  فيزيد الأمر تعقيدا، خصوصا ما يرتبط بالجانب النفسي الذي يبقي وقعا في نفسية الزوجين.

       لقد أبان ابن عاشور من خلال تحليله الفقهي المرتبط بموضوع الطلاق عن غفلة عدد من المكلفين من الأزواج عن مقاصد الأساليب التي يلزم تفعيلها لحظة الخلاف بين الأزواج، بحيث يعتبر الطلاق آخر ما يطرق بابه، فبالأحرى الإسراع إلى جعله ورقة ضغط وتهديد كما يفعل البعض، معتقدا أن ذلك من شأنه ردع زوجه وتخويفها، وأحيانا من باب المزاح مستهترا غير آبه بخطورة ذلك على العلاقات الزوجية، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو هريرة :[ ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة][23]، والحديث كما هو صريح فيه تحذير من المهاترات والهزل في هذه الأمور، لأنها تتعلق بالأعراض التي يجب حفظها.

ثانيا: العوائق الإصلاحية للأسرة: -الخلاف وعدم الاستقرار نموذجا-

هناك عدة  إكراهات وعوامل تعيق دور الأسرة في إصلاح الأفراد الذين يشكلون عمدة المجتمع، وهي تنقسم إلى عوامل داخلية ترجع إلى درجة قدرة الزوجين على القيام بواجبهما الأسري، وأخرى خارجية لا تقل خطورة عن سابقتها.

يقول ابن عاشور: “ولما استقام معنى قداسة عقدة النكاح في نظر الشرع أمر الزوجين بحسن المعاشرة وبالقوامة على النساء… ولا شك عندي في أن حفظ النسب الراجع إلى صدق انتساب النسل إلى أصله سائق النسل إلى البر بأصله، والأصل إلى الرأفة والحنو على نسله سوقا جبليا وليس أمرا وهميا، فحرص الشريعة على حفظ النسب وتحقيقه ورفع الشك عنه ناظرا إلى معنى عظيم نفساني من أسرار التكوين الإلهي، علاوة على ما في ظاهره من إقرار نظام العائلة ودرء أسباب الخصومات الناشئة عن الغيرة المجبولة عليها النفوس، وعن تطرق الشك من الأصول في انتساب النسل إليها والعكس”[24]

لقد حدد الرجلدعامتين أساسيتين لاستقرار الأسرة، الأولى حسن معاشرة الزوجة على اعتبار دورها الأساس في استقرار أمن الأبناء، والثانية درء الخصومات الناشئة عن الغيرة المجبولة عليها النفوس، باعتبارها تؤدي معنى نفسانيا عظيما.

فواجب الآباء أن يجعلوا بيوتهم هنيئة ويتجنبوا الخصام من جهة، وأن يقبلوا أطفالهم بمحاسنهم ومساوئهم، ويسعوا لإصلاحهم بالحكمة “المربي بسوء تصرفه لا يسيء إلى العلاقة التي تربطه بأبنائه فقط؛ بل تتعدى الإساءة إلى الأمة التي ينتسبون إليها، ومن ثم يعرض نفسه لسخط الجميع وغضبه، وأي حسرة أعظم من حسرة والد يصبح علة شقاء مواطنيه، لأن أبناءه  قدوة سيئة لأبنائهم”[25].

فظاهرة الخلاف بين الزوجين من أعظم المخاطر التي تهدد كيان الأسرة المسلمة، ذلك أن الأسر التي تفتقد إلى الاستقرار تكون نتيجة حتمية للنزاع والإهمال حيث تتولد لدى الأبناء نفسية التحقير ” إن الطفل الذي يكون دائما للتحقير والتشهير والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخلقه، وإن ظاهرة الخوف ستبدو في تصرفاته وأفعاله، وقد يؤول به الأمر إلى الانتحار أحيانا أو إلى مقاتلة أبويه أحيانا، أو إلى ترك البيت نهائيا تخلصا مما يعانيه من القسوة الظالمة والمعاملة الأليمة”[26].

إن للخلاف وغياب الاستقرار آثارا وخيمة على الدور الفعال للأسرة، حيث فساد العلاقة بين الزوجين وتأثير ذلك على الأبناء، فلا ينتظر من ذلك إلا الإفساد بدل الإصلاح، الخراب عوض البناء، ولهذا نجد الشرع قد وضع وسائل لانحلال الأواصر إذا تبين فسادها دفعا للضرر “قد جعلت الشريعة لكل آصرة وسيلة لانحلالها إذا تبين فساد تلك الآصرة أو تبين عدم استقامة بقائها، وهي مندرجة في المقصود العام من ذلك المذكور في مقصد العقود والفسوح… وكان النكاح قد وضع في منزلة أسمى من منازل العقود…لذلك اشتهر عند الفقهاء “النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة”[27].

إن انحلال العلاقة بين الزوجين وانفلاتها في كثير من الأحيان وانعكاس ذلك على الأبناء ومن تم على دور الأسرة داخل المجتمع، يعكس بصورة واضحة غياب الأسس  الفكرية والعملية التي تعتبر قوام بناء الأسرة المسلمة، حيث البعد عن العقيدة والبعد عن التطبيق السليم للشريعة الإسلامية، وهو أمر بات يؤثر بصورة سلبية ليس على الأسرة فحسب؛ وإنما على جميع المجالات التي تربط الإنسان المسلم بالحياة العامة “إن ما أصاب المسلمين اليوم من هوان وذلة وخزي  وانحلال وانفكاك وضعف؛ إنما هو حصيلة قرون طويلة  من التخلي التدريجي المستمر عن حقيقة الإسلام، ونتيجة فساد لا ينحصر في السلوك وحده؛ وإنما يتعداه إلى المفاهيم والتصورات، وذلك أخطر بكثير مما لو كان الفساد في السلوك وحده مع صحة التصور وسلامة المفهوم، مفهوم لا إله إلا الله، مفهوم العبادة، مفهوم القضاء والقدر، ومفهوم الدنيا والآخرة، مفهوم الحضارة وعمارة الأرض، مفهوم التربية ذاته، وكثير غيره من المفاهيم الإسلامية الأصيلة….فإذا كان الفساد واقعا في المفاهيم الأصيلة بالإضافة إلى الفساد الكثيف في السلوك؛ فليس من طبائع الأشياء أن يتم في سنوات قليلة إصلاح ما حدث من الفساد في قرون”[28].

فالإصلاح عموما  كما أشرنا من قبل في خطاب الطاهر ابن عاشور يحتاج ابتداء إلى الإحاطة بكل جوانبه الفكرية والعقدية والعملية، ولا شك أن الإصلاح الأسري هو جزء من العملية الإصلاحية، يلزم تضافر الجهود من الناحية التوعوية لدى جميع الأفراد أصولا وفروعا، لإدراك الدور المنوط بهم حتى تؤدي الأسرة دورها على أحسن حال، لأن ما تعيشه اليوم من تفكك يعيق العملية التنموية للإصلاح، لذلك نجد رسول الله  عليه الصلاة والسلام يوزع مسؤولية الرعاية داخل الأسرة بحسب دور كل عنصر داخلها، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على بيته راع وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته][29].

فالرعي كما هو معلوم لغويا هو حفظ الشيء وحسن التعهد به، بينما الراعي فهو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وبالتالي كل ما تحت مسؤوليته أمر وجب تخصيصه بالعناية والرعاية تحقيقا للإصلاح الدنيوي المحقق للإصلاح الأخروي، وكل إهمال تكون عوائده وخيمة، والحديث تضمن مسؤولية واسعة ارتبط بالحاكم أو الأمير في علاقته بالرعية، وأخرى ضيقة تخص الأسرة من جهة دور الوالدين، غير إن العلاقة بينهما وطيدة ومتماسكة  على اعتبار التداخل الحاصل بينهما، فالأسرة والمجتمع من حيث علاقتهما بالإصلاح يعتبران وجهين لشيء واحد.

أما الأسباب الخارجية التي أدت دورا سلبيا في إعاقة دور الأسرة الإصلاحي، فيمكن إجمالها في ” ما يبذل أعداء الدين أعداء الأمة الإسلامية من جهد مكثف بجذب أبنائها بعيدا عن الدين والقيم والتقاليد، مستخدمين من أساليب التشويق مايزين لهم طريق الغواية والانحراف بدعوى الحرية والاستقلال في الرأي”[30].

“لقد وجهت إلى نظام الأسرة سهام كثيرة بغية استبدال أنماط اجتماعية بها، وبغية تكسير حواجز الهيبة والحشمة والوقار والحياء القائمة عليها، وعقدت مؤتمرات وندوات ولقاءات سعت إلى هدم هذا الحصن الحصين تحت عناوين براقة من مثل «القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة» أو “تقييد الحرية الشخصية” … حتى يتسع المجال لغيرها من الأنماط الأسرية التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي تهدف أساسا إلى تغيير خلق الله وسنته وفطرته التي فطر الناس عليها”[31].

إن واقع المجتمعات الإسلامية تشهد على هذه التصريحات، حيث إن ممارسة الشباب تعكس ظاهر التشبت بالغرب من خلال المحاكاة والتقليد، كما أن الارتباط بعادات الغرب والسير على خطاهم ودربهم بإحياء سننهم الباطلة والتأثر بنجومهم من خلال الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية، والحرص على الاقتداء بهم في كل صغيرة وكبيرة بما يعود على ثوابتنا الدينية والأسرية بالفساد والإفساد.

من هذا المنطلق وجب السعي إلى محاربة كل أشكال الغزو التي تؤشر على خطورة الموقف، بواسطة الحملات التوعوية داخل الأسر والمؤسسات التعليمية، وكذا من خلال المنابر وخطب الجمعة إسهاما في تحقيق الوعي لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتقويمه، فالكل مسؤول من موقعه كما سلف الذكر.

أشار الشيخ ابن عاشور من خلال حديثه عن  مقاصد أحكام الأسرة – أو أحكام العائلة كما يصطلح عليها- إلى أن نظام الأسرة في حضارة الأمة هو أساس حضارتها  وانتظام جماعتها، ولذلك كان الاعتناء بضبطه كبيرا، وكان هذا الضبط مقصدا من مقاصد كل الشرائع السماوية.

إن الدور الفعال للأسرة في إقامة حضارة الأمم دفع بالغرب إلى إعداد العدة للقضاء على هذا الدور داخل المجتمعات الإسلامية، فسارعت إلى استهداف مكوناتها من خلال حملات التبشير، لتنقل بذلك عدوى الانحلال والتفكك الذي تعاني منه الأسرة الغربية، حيث صار التحلل وانحلال الأخلاق إحدى خصائصها، وبالفعل قد أفلح الغرب في التأثير على المجتمعات الإسلامية من خلال التبعية، بحيث لم تعد الأسر المسلمة – على الأغلب- “تدافع عن نفسها وعلى احترام خصوصيتها، وعلى فرض بعض مميزاتها …أصبحت متفككة ليست لها استمرارية  بين محتوى تكونها، بين ما يروج داخلها، وما يروج في المجالات الأخرى”[32]، ومن نتائج هذا التأثير “تشتت وتعدد النماذج فيما يخص العلاقات الأسرية… فالوضعية التي يتسم بها الغرب في الظروف الراهنة هي وضعية تتسم بتعدد الأنماط الأسرية وبتشتتها”[33].

لقد أشار ابن عاشور إلى الأسباب التي  هددت كيان الأسرة من خلال ما عانت منه من اختلالات على المستوى التربوي داخل المؤسسات التعليمية، و التي تعكس الخطر الذي هددها من قبل الغرب، حيث كان لذلك الأثر السلبي في محاربة الدور التربوي للأسرة وهدمه، ليعيش أفرادها انفصاما على مستوى التعاليم التي يتلقونها بين الأسرة والمدراس والمعاهد، يقول رحمه الله “إذا بحثنا أسباب تأخر التعليم وجدناها نوعين، نوعا يرجع إلى الأسباب العامة التي قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم … ونوعا يرجع إلى تغير نظام الحياة الاجتماعية في أنحاء العالم تغيرا استدعى تبدل الأفكار والأغراض، والقيم العقلية”[34]

ما ذكره ابن عاشور جدير بالاهتمام؛ بحيث تتفاوت درجة التأثير بين البلدان الإسلامية، فهناك من البلدان ما نجدها موغلة في مشاكل سياسية واقتصادية داخلية انعكست على مردودية الأسر، وأخرى كان للغزو الفكري عاملا أقوى مما تعانيه داخليا، ليبقى التأثير الكمي بين الداخلي والخارجي يتفاوت من بلد إلى آخر.

   خاتمة:

   أهم ما يمكن أن أخلص إليه من خلال هذا المبحث  يكمن في الحاجة الماسة للأسرة المسلمة إلى مزيد من الاهتمام اعتبارا لدورها الإصلاحي داخل منظومة المجتمع الإسلامي، فإذا كان الشارع قد فصل في مجالاته الفقهية حرصا منه على الأهمية التي تكتسيها الأسرة؛ فإن  العلماء بدورهم قد أولوا عناية خاصة لتفعيل بنودها على أرض الواقع، حيث يمثل ابن عاشور أحدهم انطلاقا من  كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” ، من خلال محور عنونه بـ”مقاصد أحكام العائلة” ضمن القسم الثالث من الكتاب تحت عنوان “في مقاصد التشريع التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس“[35].

لقد باتت الأسرة اليوم في أكثر من يوم مضى محطة أنظار المهتمين بالشأن المجتمعي، لذلك يدعو العديد إلى إعادة النظر في مجموعة من القضايا التي تمس الأسرة  المغربية على سبيل المثال من زاوية العائد النفعي على المجتمع وذلك من خلال النظر في الثابت المتفق عليه، والمتغير المختلف فيه من أحكام الأسرة بغية استثمار مقصد حفظ النسل في تربية الناشئة وتحقيق كيان الأسرة، وذلك بالاستناد إلى ثوابت الأمة المغربية في الرقي بمستوى الأسرة.

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الأسرة وعوامل نجاحها  لنبيل حليلو، الجزائر: جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الطبعة الأولى، 2013م.

الأسرة في التصور القرآني: لجميلة تلوت مركز الدراسات الأسرية والبحث في القيم والقانون، الدار البيضاء الطبعة الأولى، 2015م.

الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية: لعبد السميع حربلي، دار النشر جوج شهلا، الطبعة الأولى، بيروت، 1955م.

أليس الصبح بقريب  لمحمد الطاهر ابن عاشور( 1394هـ/ 1868م)، دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1427هـ/ 2006م. 

أصول النظام الإجتماعي في الإسلام  لمحمد الطاهر ابن عاشور، تونس، الدار التونسية  للتوزيع،  الطبعة الثانية، 1985م.

تفسير التحرير والتنوير لمحمدالطاهر ابن عاشور( 1394هـ/ 1868م) تونس: الدار التونسية للنشر، 1948م. 

التغريب وانعكاساته على المؤسسات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المغربي المعاصر لمحسن بن زاكور -دبلوم الدراسات العليا – كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، المغرب، 1995م.

تأملات إسلامية حول المرأة لمحمد حسين فضل الله، دار الملاك، الطبعة الرابعة، 1994م.

حق الأبناء على الآباء فهل أنصفنا أبناءنا؟  للجيلاني المزوار، مطبعة النجاح الجديدة،2016م.

سنن أبي داود: لأبي داود السجستاني (275هـ)، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا– بيروت، الطبعة الأولى.

صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، (256هـ)، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة الطبعة الأولى، 1422هـ.

 صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج النيسابوري (261هـ) القاهرة: دار ابن الهيثم، 2001م.

لسان العرب،لمحمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الافريقى (711هـ)، دار صادر،  الطبعة الثالثة – 1414هـ 2003م. 

منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب (2014م)، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1982م. 

موسوعة أخلاق القرآن لأحمد الشرباصي، بيروت: دار الرائد العربي، الطبعة الثانية: 1987م. 

معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي  (711هـ) تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، الطبعة الأولى، 1411هـ/ 1991م

من معين التربية الإسلامية: لمنير محمد الغضبان، مكتبة المنار، الطبعة الثانية، 1982م.

سلسلة مفردات التربية الخلقية: لعلي عبد الحليم محمود، دار التوزيع والنشر الإسلامية، بدون سنة النشر.

نقائص الأطفال وطرق إصلاحها: لمحمود مهدي الاستانبولي، مكتبة النور، الطبعة الأولى، 1989م.

مقاصد الشريعة الإسلامية: لمحمد الطاهر ابن عاشور
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر
الطبعة الأولى، 2004م.

نظرة مقاصدية – في مباحث الأسرة (2/1) «مؤسسة الزواج أنموذجا»: لزكرياء لمرابط، مقال، المحجة، 3 نوفمبر, 2014  في العدد 426.


[1] . مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 152.

[2] .  الأسرة وعوامل نجاحها: لنبيل حليلو،  الجزائر: جامعة قاصدي مرباح ورقلة ، الطبعة الأولى، ص 1 – 5  الملتقى الوطني حول ” الاتصال وجودة الحياة في الأسرة” 9-10 أبريل  2013م.

[3] . المرجع نفسه: ص 6

[4] . الأسرة وعوامل نجاحها: لنبيل حليلو،  الجزائر: جامعة قاصدي مرباح ورقلة، ، الطبعة الأولى، ص 6، الملتقى الوطني حول ” الاتصال وجودة الحياة في الأسرة” 9-10 أبريل  2013م.

[5] . الأسرة في التصور القرآني: لجميلة تلوت،مركز الدراسات الأسرية والبحث في القيم والقانون، الدار البيضاء  ط 1، 2015م، ص 20

[6] . معجم مقاييس اللغة: ابن فارس، مادة ربا، ج 2/283.

[7] . لسان العرب: لابن منظور، مادة ربا. ج 6/92.

[8] . سلسلة مفردات التربية الخلقية: لعلي عبد الحليم محمود، ص 27.

[9] . الرؤية التربوية: لحركة التوحيد والإصلاح، 2002 ص 11 .

[10] . أصول النظام الاجتماعي: لابن عاشور، ص 45.

[11] . الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية: لعبد السميع حربلي، ص 36.

[12] . التربية الأسرية: لمحمد قطب، ، دار الشروق، 1998م. ص 18.

[13] . التحرير والتنوير: الجزء الحادي والعشرون، ص 179.

[14]  .من معين التربية الإسلامية: لمنير محمد الغضبان، ص 23.

[15] . المرجع نفسه: ص 25.

[16] . خصائص المنهج الإلهي في ظلال القرآن، المجلد 1، ص 406.

[17] . تأملات إسلامية حول المرأة: لمحمد  حسين فضل الله، ص 145.

[18] . منار الإسلام: لمحمد الدسوقي، ص 45، العدد السادس.

[19] . التحرير والتنوير: الجزء الثاني،  ص 416.

[20] . سورة النساء: الآية  34- 35.

[21] . التحرير والتنوير: الجزء الخامس، ص 43.

[22] . المصدر نفسه: ص 44.

[23] . سنن أبوداود: كتاب الطلاق، باب الطلاق على الهزل، الحديث رقم 2194.

[24] . مقاصد الشريعة  الإسلامية:  ص 158، 159.

[25] . حق الأبناء على الآباء فهل أنصفنا أبناءنا: للجيلاني المزوار، ص 30.

[26] . نقائص الأطفال وطرق إصلاحها: لمحمود مهدي الاستانبولي: مكتبة النور، الطبعة الأولى، 1989م. ص 37-38

[27] . مقاصد الشريعة: ص 162.    

[28]  . منهج التربية الإسلامية: لمحمد قطب، ص 8 ، الجزء الثاني ، دار الشروق،  الطبعة الثالثة ، 1982م

[29] . صحيح البخاري: كتاب العتق، باب العبد راع في مال سيده، الحديث رقم 2409  .

[30] . التربية الإسلامية للطفل المراهق: لعبد الله الأشهب، ص  13- 14.

[31] . نظرة مقاصدية – في مباحث الأسرة (2/1) -مؤسسة الزواج أنموذجا-: لزكرياء لمرابط، مقال، المحجة  ، 3 نوفمبر, 2014  في العدد 426.

[32] . التغريب وانعكاساته على المؤسسات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المغربي المعاصر: لمحسن بن زاكور، ص 194.

[33] . نفسه: ص 194.

[34] . أليس الصبح بقريب؟: ص 100.

[35] . مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 141.

تابعونا على تابعونا على
شاركها. فيسبوك البريد الإلكتروني تويتر بينتيريست لينكدإن تيلقرام واتساب Copy Link
عثمان كضوار

الاسم الكامل: عثمان كضوار من مواليد 1978 مدينة ٱسفي. أستاذ بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي ، أستاذ زائر بالمدرسة العليا للتربية والتكوين. دكتوراه في مجال الفكر المقاصدي . عضو بمركز المقاصد للدراسات والبحوث. عضو بهيئة تحرير مجلة الدراسات المقاصدية المعاصرة( محكم) عضو محكم بمجموعة من المجلات الدولية المحكمة (ASJP) شارك في عدة ندوات ، وله عدة مقالات وإنتاجات علمية منها: كتاب: معالم الفكر المقاصدي عند العلامة أحمد الريسوني. كتاب: الفكر الإصلاحي وعلاقته بمقاصد العقيدة ومقاصد الشريعة. كتاب: اضاءات مقاصدية. كتاب: الحوار عند المسلمين وغير المسلمين ، أية علاقة ؟ كتاب: تحرير المقال في علم أصول الفقه

المقالات ذات الصلة

الروح وحدود المعرفة في الفكر الإسلامي

3 أكتوبر، 2026

الفتوى والاجتهاد | حوار مع الدكتور أحمد الريسوني

14 سبتمبر، 2026

العبادات منها المطْلق، ومنها المقيَّد، وليس المطلَق كالمقيَّد

25 أغسطس، 2026
اترك تعليقاً إلغاء الرد

المنشورات الجديدة

14 أكتوبر، 2026

إصلاح الأسرة مدخل لمجتمع نموذجي ـ إكراهات وتحديات ـ

14 أكتوبر، 2026

ملخص الحصة 24 ضمن أكاديمية مقاصد

5 أكتوبر، 2026

تسجيل الحلقة 24 ضمن أكاديمية مقاصد

5 أكتوبر، 2026
تابعونا
  • Facebook
  • YouTube
أخبار خاصة
أخبار المركز 1 أكتوبر، 2026

تسجيل الحلقة 23 ضمن أكاديمية مقاصد

البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد التي يشرف على تنظيمها مركز المقاصد للدراسات…

تسجيل الحلقة 16 ضمن فعاليات أكاديمية مقاصد

19 سبتمبر، 2026

تسجيل الحصة 13 ضمن تكوين أكاديمية مقاصد

19 سبتمبر، 2026
الأكثر قراءة
مقالات 18 أغسطس، 2026

مقالات 3 أكتوبر، 2026

الروح وحدود المعرفة في الفكر الإسلامي

أبحاث ومقالات علمية 13 أغسطس، 2026

بين كسوف الشمس وكسوف الأخلاق

النشرة البريدية

Maqassed
فيسبوك يوتيوب
  • من نحن ؟
  • شروط الاستخدام
  • تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز مقاصد للدراسات و البحوث © 2026

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter