
من مقدمة الكتاب :
هذا البحث
إن اللطيف الخبير جعل في نصوص الخطاب الشرعي القابلية للتلاؤم مع الأزمنة والأمكنة، ومن يعيش فيها من أجناس مهما تغيرت ظروفهم وأحوالهم وأعرافهم وعوائدهم، وهذا التغير يتطلب- بالتأكيد- أحكاما وترتيبات، تتناسب مع طبيعة الزمان والمكان والإنسان.
وحتى تظل هذه الأحكام شرعية مؤطَّرة بنصوص الوحي المتعالي عن حدود الزمان والمكان، وحتى يبقى الإنسان- من حيث هو إنسان- داخلا في ربقة العبودية لله الواحد القهار، ومحققا للغاية التي من أجلها خُلق، وهي أن يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا؛ من أجْل كل ذلك لابد من بذل الجهد واستفراغ كل الوسع؛ لإيجاد الوسائل الكفيلة بجعل نصوص الوحي الكريم- وهذا هو اللائق بها- مستوعِبة، والأحكام المستفادة منها خادمة ومحققة لمقاصدها، وذلك بالتمييز بين الثابت والمتغير منها. ولا سبيل إلى بلوغ هذا المبلغ إلا بالتعمق في مقاصد الشريعة والخبرة الواسعة بأغراضها ومراميها، والاجتهاد في ضوء قواعدها، وقبل ذلك وبعده لابد للمكلف- وهو المعني بإجراء الأحكام وتطبيقها في نفسه والواقع من حوله- أن يُلائم مقاصده من تصرفاته، وبواعثه من أفعاله مع مقاصد الشارع وغاياته، حتى تحصل المطابقة بين أغراض الشارع الحكيم، وتصرفات العبد المنيب، في أفق تحقيق مقاصد الشريعة على كمالها.
ولقد أبانت أصول الاستدلال التي حكّمها المالكية وبنوا عليها الأحكام- ومنها مراعاة مقاصد المكلفين- عن وعي عميق بطبيعة رسالة الإسلام، ورسوخ في العلم عند جهابذة هذه المدرسة؛ لعل أبرزهم النظار المحقق، والمقاصدي المجدد: أبو إسحاق الشاطبي؛ لتميز علمه بالطابع التقعيدي المصوغ صياغة تجريدية محكمة، لولا استدعاؤه – في معرض الاستدلال وتفنيد الدعاوى لتقرير تلك القواعد – للأمثلة والتطبيقات الجزئية المناسبة لبيئته وزمانه؛ لحَسبته يعيش عصرنا، ويتفاعل مع وقائع زماننا!
وإنما ارتقى رحمه الله هذا المُرتقى؛ لاغترافه من النبع الصافي؛ المتعالي عن حدود الزمان، وعضِّه عليه بالنواجذ، وبنائه نظريتَه في المقاصد وفق مقررات هذا الوحي الكريم. ولذلك استحق بجدارة أن يكون ممثلا للمالكية المجددين، وناطقا باسم محققيهم المتقنين!
ولن يتم إثبات خاتمية الرسالة الإسلامية، وصلاحية الشريعة لكل عصر ومصر إلا باعتبار التعليل والأقيسة أمرا مسلَّما، ولذلك لم يكن مستغربا أن نجد نفاة التعليل، هم أبعد العلماء عن مراعاة المقاصد في الاستنباط؛ أعني مقاصد الشارع ومقاصد المكلف.
وأحسب أن هذا المسلك الاجتهادي لا ينسجم مع مقررات الوحي الكريم، ولا يسعف في توسيع دائرة دلالات النصوص الشرعية، بما يجعلها مستوعبة لمتغيرات الحياة؛ ومن ثم لا يُتصور تجديد للفقه- بالمعايير العلمية لا باالشعارات العارية عن التأصيل- يمكن أن يحصل بمنهج اجتهادي ينفي التعليل والأقيسة، ولا يستصحب القواعد المقصدية. وإنما الموفق من وفقه الله تعالى.
إن من الأمور المساعدة على إنضاج الفقه وتطويره على أسس راسخة، ودعائم متينة؛ عكوف المجتهدين على استنباط العلل، إذ بناء عليها يتسنى القياس، وتعدية الأحكام من الأصول إلى الفروع، بل إلى الوقائع اللامتناهية، فالتخريج واستنباط العلل هو المدخل للوصول إلى غايات الشريعة ومقاصدها، وإدراكُ المرامي والغايات هو الحارس للنصوص من أن يُستباح حماها إما بالجمود على ظواهرها – في جميع الأحوال – أو تقصيدها بغير بيّنات وقبل الاستقراء والتتبع، لأن نفي التعليل بإطلاق، أو التسرع في القطع بعِليّة حكم أو مجموعة أحكام، موقع بلا ريب في الزلل أثناء الاستنباط، وعند التنزيل من باب أولى وأحرى، والتريث والتأني، والتتبع والاستقصاء هو المورد الصعب، لكنه محمود الغِبّ، جارٍ على السَّنن القويم، إذ هو الملاذ الذي لجأ إليه الجهابدة الراسخون، وبه استطاعوا إدارة النصوص على مقاصدها، وتنزيلها على محالّها.
وإنما تتعدى الأحكام وتطّرد بالتنقير على المقاصد الحقة لا المُتوهمة، وبالبحث عن الغايات الشرعية، لا اتباع الأهواء والبواعث النفسية. وهذا هو السبيل إلى التجديد واستنباط الأحكام لما يُمكن أن يستجدّ ويطرأ من أقضية ونوازل.
ولقد امتازت المدرسة المالكية وروادها المجددون بالقدرة على استنباط العلل، ومن ثم توسيع دائرة أصول الاستدلال؛ حتى أضحت شجرة وارفة الظلال، يتفيؤها من أعنَتَهُ صهْد الجمود على ظواهر النصوص – وإن لم يكن الظاهر مقصودا – واستبعادِ بواعث المكلفين ومقاصدهم من تصرفاتهم، وأرهقهُ حرّ التحلل من ربقة العبودية وتجاوز مقتضيات الخطاب الشرعي، بتقصيد النصوص بغير أدلة، وتعليل الأحكام بغير أزِمَّة!
لتحميل الكتاب المرجوالضغط هنا


تعليقان
نفع الله به الناشر والمستفيد
عمل جيد ومبادرة مباركة نشكر مركز المقاصد القائم عليها