تلقى مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط نبأ وفاة العلامة الدكتور عبدالهادي حميتو رحمه الله تعالى بالتسليم والرضا بقضاء الله تعالى وقدره، وبهذه المناسبة الأليلمة يتقدم خالص تعازيه لنجله الدكتور حسن حميتو ولكافة أقرابه ومعارفه.
إنه بوفاته يفقد المغرب والأمة الاسلامية علما من أعلام القرآن الكريم ، كان قد نذر حياته لخدمته، ونشر علومه في كافة أرجاء الوطن. ولقد تتلمذ على يديه عدد من الباحثين والعلماء، ومن هؤلاء الدكتور البشير قنديلي عضو الهيئة العلمية لمركز المقاصد بالرباط، وكان قد أجرى معه حوارا مطولا سنقوم بنشره تباعا ضمن سلسلة التعريف بأعلام المغرب المعاصرين.
ويسر المركز أن ينشر مع هذه التعزية شهادة صدق ومحبة واحترام وتقدير من أحد أساتذة سوس الذين كانت لهم معه صلات متعددة هو الأستاذ بن الطاهر التناتي السوسي، وسنعود لاحقا لحواره مع الدكتور البشير قنديلي.
شهادة الأستاذ عبد الله بن الطاهر السوسي في حق الفقيد:
الدكتور سيدي عبد الهادي حميتو “موسوعة في عصر التخصصات”
كان العلماء قديما يتميزون بالتوسع في العلوم؛ فنجد العالم لغويا محدثا مقرئا مفسرا مؤرخا فيلسوفا شاعرا أديبا، اطلب ما شئت ممن شئت منهم فستجد الجواب الشافي الكافي الوافي الصافي؛ فهم قمة في جميع العلوم.
ثم في هذا العصر توسعت العلوم وكثرت الهموم وقصرت الهمم، فلم يستطع العلماء الوصول في كل شيء الى القمم؛ فظهرت التخصصات، وليس في علم من العلوم دون غيرها فقط؛ بل في علم واحد، حيث يقسم الى أجزاء تخصصية خاصة؛ فنجد في الفقه مثلا متخصصا في العبادات، وآخر في المعاملات؛ بل أكثر من ذلك متخصصا في فقه الأسرة وآخر في فقه الشركات وآخر في الميراث وآخر في الحج وآخر في الطهارة وهلم جرا…
إلا أن لكل قاعدة استثناء، والاستثناء هنا هو القلة القليلة التي تتميز بالنبوغ والتنوع، ومن هذا الاستثناء في هذا العصر شيخنا الكريم واستاذنا الجليل الدكتور سيدي عبد الهادي حميتو، الذي أستطيع أن أصفه بدون مجاملة بـ: الفقيه المحدث المقرئ المفسر اللغوي الأديب الشاعر المؤرخ المدرس لشتى الفنون والعلوم، وغير ذلك من الصفات العلمية الدقيقة التي ليست مدحا في فراغ؛ بل هي صفات لم أستطع أن أستوعب بها ما يتمتع به هذا العالم الجليل من الدقة والتدقيق والضبط والانضباط والتحقق والتحقيق.
وأنا لا أقول هذا من فراغ أو من مجرد لقاء عابر معه، كما أنه ليست نشوة عابرة ناشئة من حب عالم؛ ألم يقل قديما: “ما سمي السفر سفرا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال” فقد شاء الله أن يجمعني معه في سياحة قرآنية قطعنا بها مسافات في المغرب شماله وجنوبه شرقه وغربه، آلاف الكيلومترات بمعدل شهر من كل سنة لمدة ثلاث سنوات، حيث كنت معه في لجنة التحكيم لجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، نتتبع المحفظين في المغرب تقويما وتقييما وتوجيها وتنبيها.
وكنت السائق للسيارة، ويجلس الأستاذ بجانبي وهو بحر من العلوم تتلاطم أمواجه؛ فيتدفق حفظا وشرحا وتأويلا وإبداعا؛ وأحيانا -وأنا السائق- يرى أن العياء بدأ يتسرب الي بدني وأن السبات بدأ يداعب أجفاني، ولا يخفى ما في ذلك من الخطورة (السياقة والتعب) فيبادر بإنعاشي بمنعشات علمية وفوائد دقيقة؛ شعرا ونترا، لا تكاد تستوعب منه فائدة حتى يزودك بأخرى، يضرب في جميع الاتجاهات، فيجيب مفحما في المناقشات، مقنعا في الحوارات، مدققا في المعلومات…
فإن كنت أنسى فلن أنسى يوم خرجنا من عاصمة العلم في المنطقة الشرقية مدينة الراشيدية قاصدين العاصمة العلمية للمنطقة السوسية مدينة أكادير عبر طريق (الريصاني تزناخت) وهي يومها طريق ضيق خلاء لا تكاد تصادف فيه أحدا؛ فقد أنساني الشيخ تعب الطريق ووعثاء السفر وكآبة المسافر؛ بشعر بليغ شامل عبر محطات تاريخية؛ من الشعر الجاهلي إلى الاسلامي إلى الأموي والعباسي والأندلسي والمغربي القديم منه والحديث…
علاوة على تميزه في القرآن وعلومه وخصوصا القراءات، والحديث وعلومه وخصوصا علم الرجال، والفقه وأصوله وخصوصا الاستدلال والتعليل، والتاريخ والسير وخصوصا السيرة النبوية، واللغة وعلومها وخصوصا النحو والصرف، والشعر والشعراء فهو فيه المنشد والمنشئ؛ وكل ذلك كان منه لهجته وبهجته…
وباختصار فشيخنا سيدي عبد الهادي حميتو هو (الموسوعة في زمن التخصصات)…
حفظه الله. وحافظ به العلوم والفنون آمين….
16 ربيع الأول 1436 هج 8/ 1/ 2015م
عبدالله بنطاهر المشرف على مدرسة الإمام البخاري الخاصة للتعليم العتيق أمنه الله آمين


تعليق واحد
شهادة صدق وحق. تغمده الله العلامة بواسع رحمته ومغفرته واسكنه فسيح جناته