البرنامج التكويني في مادة: “قواعد المقاصد” ضمن مشروع : أكاديمية مقاصد.
تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي.
الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي
ملخص الحصة 28 بتاريخ: 5/11/2026
| القاعدة 66: اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه القاعدة67: المصلحة مقدمة على القياس |
نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق.
1- قال الإمام الغزالي:”ما دمنا نجد في المشروعات غنية؛ نكتفي بها، وندور عليها فلا نتعداها بالمصلحة المُتخيَّلة إلى ما عداها؛ بل نعلم أم مراسم الشرع-فيما أحاطت به- حاوية لجميع المصالح ومغزاها(…)[و] أن إيداع أمر في الشرع لا عهد به؛ لا وجه له؛ وأنَّا- في اتباع المصالح-نتردد على ضوابط الشرع ومراسمه” شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، ص:228-245
-قال الشاطبي:” فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم؛ وهو وجه المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا لا من حيث أهواءُ النفوس” الموافقات،2/39
2- قال الجويني في سياق بسط رأيه في قتل جماعة المجرمين بالواحد:” والذي يحقق الغرض في ذلك أن القواعد الكلية لا تَزحمها الأقيسة الجزئية، وإن كانت جلية” نهاية المطلب في دراية المذهب،1/33
تمهيد:
ملخص الحصة28
تقديم الأستاذة المسيرة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرحب بكم جميعاً، كما نرحب بفضيلة الدكتور أحمد الريسوني، شاكرين له جهوده العلمية وإسهاماته القيّمة في تأطير هذا التكوين. نلتقي في هذه الحصة لمواصلة مدارسة الباب الثامن، «قواعد في الاجتهاد المقاصدي»، ضمن برنامج التكوين في قواعد المقاصد، وسنواصل اليوم الوقوف عند القاعدتين السادسة والستين، والسابعة والستين، وهما: «اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه»، و«المصلحة مقدَّمة على القياس». فأهلاً وسهلاً بفضيلة الدكتور، ونتطلع إلى مواصلة الاستفادة من توجيهاته، وتأصيلاته العلمية. فليتفضل مشكوراً.
مداخلة الدكتور أحمد الريسوني:
تقديم:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا. الحمد لله على توفيقه وتيسيره، نحن اليوم مع الحصة الثامنة والعشرين؛ وكما سمعنا، عندنا قاعدتان تأتيان في سياق قواعد الاجتهاد المقاصدي، وهما: “اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه”، والقاعدة الثانية: “المصلحة مقدَّمة على القياس.”
وكما نلاحظ جميعاً، معظم هذه القواعد تتصل بالمصلحة؛ لأن الاجتهاد المقاصدي قائم على الاعتماد على المصلحة. فقواعد الاجتهاد المقاصدي معظمها يحوم حول هذا، وكذلك قاعدتانا لهذا اليوم.
القاعدة الأولى هي: «اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه»، وهي كما نرى تتعلق باتباع المصالح، حسب التعبير الوارد فيها، وتتعلق أيضاً باعتماد ما سمّاه الإمام الغزالي: صاحب هذه القاعدة ، وصاحب الصياغة طبعاً، الضوابطَ والمراسم. إذن استعمال المصالح والاعتماد على المصالح ممتزج ومتشابك مع ما سماه مراسم الشرع، وضوابطه. والقاعدة الثانية أيضاً فيها المصلحة والقياس: أيهما يُقدَّم، وأيهما يُؤخَّر، إذا وقع نوع من التعارض أو نوع من التنافي.
استعمال الأدلة لابد فيه من التجميع والتكامل:
فالقاعدتان معاً، وغيرهما، تؤكدان شيئاً أريد أن أبدأ بذكره، وهو أن استعمال الأدلة الشرعية لا يمكن أن يُعتمد فيه على نوع واحد من الأدلة، حتى لو كان هو القرآن. فالآية الواحدة من القرآن لا يمكن أن نعتمدها دون أن ننظر في بقية الآيات المتعلقة بالموضوع، وأحياناً نقول: لا بد أيضاً من النظر في السنة، وأحياناً يُنظر في المصلحة، والأدلة الشرعية، وإن كان للأصوليين كلام في ترتيبها: أنه يُبدأ بالقرآن، وبعد ذلك السنة، وبعد ذلك الإجماع، وبعد ذلك القياس، ثم يتبنّون أصولاً أخرى، فهذا الترتيب، وإن كان قد ورد في حديث معاذ الشهير: « أقضي بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي ولا آلو»، فالاجتهاد عملياً لا يستقيم ولا يَسلَم، أو قلّما يستقيم وقلّما يسلم، إلا إذا تتبع الناظر الأدلة؛ من قرآنٍ أو حديثٍ أو قياس، وهو يلتفت يَمنةً ويَسرةً إلى بقية الأدلة؛ لأن جميع الأدلة لها حجيتها في آن واحد، وحجية بعضها لا يتوقف على دليل آخر قبله.
ولذلك قال بعض المحدثين قديماً:«السنة قاضية على القرآن»، وإن كان في هذه العبارة نظر؛ فمنهم من يقبلها، ومنهم من يتحفظ عليها من حيث التعبير فقط: «قاضية على القرآن»، وإلا فالحقيقة أن المعنى المقصود صحيح. «قاضية على القرآن» أي أن المعاني القرآنية تتحكم فيها السنة إلى حد ما، أو تؤثر على فهمها. والسنة، كما رأينا في أمثلة كثيرة، تلتفت إلى المصلحة، والسنة نفسها قد استعملت القياس، بل حتى قياس العكس الذي يذكره الأصوليون إنما أخذوه ووجدوه في الاستعمالات النبوية. وكذلك لو عكسنا: النظر في السنة دون نظر في القرآن، أو استعمال المصلحة دون نظر في القرآن والسنة، كل هذا لا يستقيم معه الاجتهاد، وخاصة الاجتهاد المقاصدي.
فإذن يجب أن يُستحضر هذا المنهج، حتى إذا وجدنا العلماء يذكرون حكماً ويذكرون آية واحدة، فلا يعني ذلك أنهم لم يلتفتوا إلى غيرها، ولكنها الآية المباشرة، أو السريعة، التي يذكرونها ويجيبون بها. وإلا فلماذا شُرط في المجتهد أن يكون مطلعاً اطلاعاً واسعاً أو تاماً على القرآن وعلى السنة وعلى أقاويل الفقهاء؟ اشتُرط ذلك حتى تكون خريطة الأدلة الشرعية ماثلة في ذهنه.
والشاطبي قال: إن أكثر ما يزلّ العالِم المجتهد إذا غفل عن مقصود الشرع في المسألة التي يجتهد فيها. وقد رأينا من كبار التابعين من قال، مثلاً في نكاح المحلِّل: إن تحليل المطلقة لزوجها يكون بمجرد العقد عليها، بينما جمهور العلماء، وتقريباً الإجماع، على أنه لا بد من الدخول. فذكر ابن عاشور وغيرُه أن من قال بهذا هو سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير أيضاً، وهذا غفلةٌ عن الحكمة. والحكمة هي ردع هذا المتهاون، هذا المستخفّ بالطلاق، وهذا الردع لا يكون بمجرد العقد على زوجته. الردع والنكاية إنما يكونان بأن يتزوجها غيره ويقع الدخول، ثم تعود إليه، وهذا لا يرتضيه كثير من الناس، ويحسّون بأنه قد عوقب.
فإذن؛ المستدل يستدل بالسنة أو بالقياس أو بالقرآن؛ ولكن ينبغي أن يكون مستحضراً لخريطة الأدلة القرآنية والحديثية، وأقوال الصحابة في المواطن المراد الاجتهاد فيها باستحضار المصلحة المعتبرة.
هذه مقدمة عن القاعدة الأولى، والثانية.
القاعدة1: اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه:
معنى القاعدة أن الإنسان إذا أراد أن يستعمل المصلحة، فلا بد أن يستحضر غيرها من أدلة الشرع ودلالاته، وهي المقصودة بقوله: المراسم والضوابط.
أبو حامد الغزالي قائل بحجية المصالح المرسلة:
القاعدة، مأخوذة من كلام الإمام الغزالي. ومرة أخرى آثرت أن أختار كلام الغزالي لإزالة الشبهة، أو الظن الذي يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن الإمام الغزالي رفض المصلحة واعتبرها وهماً. نعم؛ ربما يحتاج كلام الغزالي إلى تنسيق وتتبع وجمع، ولكن على كل حال، في النهاية، كلامه كثير في المستصفى، وفي شفاء الغليل، وفي إحياء علوم الدين، ومفاده: الاعتداد بالمصلحة؛ وقد أوردت قصداً في هذا الكتاب، في القاعدة الحالية والسابقة، عدداً من الاستشهادات بكلام الإمام الغزالي، وذكرنا في القاعدة السابقة قوله: «الفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت»، يعني حيث لا نص؛ الفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت. واليوم يقول في هذه القاعدة: «اتباع المصالح» لكن، بالضوابط والمراسم، وإلا فاتباع المصالح هو عنوان القاعدة في الحقيقة. إذن المصالح تُتَّبع؛ وذكر أن المصالح إذا كانت مراعية أو خادمة لمقاصد الشرع، فلا ينبغي الاختلاف في كونها حجة. إذن الإمام الغزالي صرّح بأنه قائل بحجية المصالح المرسلة، تماماً كما يقول السادة المالكية.
اتباع المصلحة لا بد له من ضوابط ومراسم:
لكن طبعاً، كغيره، وهو أولى بأن يضع الشروط: هذا الاستعمال للمصلحة، وخاصة المصلحة المرسلة، لا يكون بدون قيود ولا حدود، وإنما له حدود وقيود، هي في مجملها، كما يذكر الإمام: مراعاة واتباع ضوابط الشرع ومراسمه.
الضوابط كلمة معروفة ومتداولة جداً في الثقافة الفقهية والأصولية والشرعية بصفة عامة؛ فكل قاعدة تضبط، وكل حكم يضبط، فهو من الضوابط. هذا بصفة عامة، وهذا هو المعنى المقصود هنا، لأن هناك «الضوابط الفقهية» على وجه التحديد، وهي الضوابط الخاصة بأبواب معينة. وكذلك المراسم؛ فلا بد أن تُبنى المصالح، ويُبنى الترجيح المصلحي، على ضوابط الشرع ومراسمه.
المراسم والمراسيم:
والمراسم جمع مَرسَم، ويقال كذلك في الاستعمال الحديث: مرسوم؛ فالمرسوم جمعه مراسيم، والمرسم جمعه مراسم، والمعنى واحد، فقط اختيرت صيغة أخرى في الاستعمالات، ومع مرور الزمن وقع نوع من التمييز، ولكنها في الحقيقة شيء واحد: المراسيم، والمراسم بدون ياء، أو المرسم أو المرسوم، تعابير يُعبَّر بها عن أشياء لازمة في مجال من المجالات. ولذلك نقول اليوم: مراسم الاستقبال، ومراسم الدفن، ومراسم الحفل، والمراسيم التي تنظم الحياة على شكل قوانين، كلها مراسم أو مراسيم، وكلاهما صحيح.
فإذن مراسم الشرع هي الحدود التي حدّها، وهي الآداب التي سنّها، وهي الأحكام التي قررها، وهذه كلها لا بد أن تُراعى، ولا يمكن إغفالها ونحن نعمل بالمصلحة في اجتهاد من الاجتهادات. ولعلكم تذكرون الدورة التي افتتحنا بها دورات المقاصد في المغرب مع مؤسسة الفرقان، وكان موضوعها: «إعمال المقاصد بين التسيّب والتهيّب»، أي مراعاة المقاصد مع تجنب التهيب والتسيب، والخروج من الأمرين. هذا هو الذي يقوله الغزالي: استعمال المصالح بدون شك، واستعمال المقاصد بدون شك، ولكن بدون تسيب وبدون تهيب. كيف يكون ذلك؟ يكون ببناء الاجتهاد بالمصلحة والمقاصد على الضوابط والمراسم.
مراسم الشرع: ما رسمه الشرع؛ رسم له، يرسمه، أي حدّد له شيئاً، ورسم له مساره، أوأفُقه، أو نطاقه، أو ما إلى ذلك. فهي تقريباً لا تختلف كثيراً عن الضوابط. وقد بدأ الغزالي هذه القاعدة بقوله: «اتباع المصالح»؛ اتباع المصالح يُبنى على هذه الشروط وهذه الضوابط. وهذا أمر لا يُختلف فيه، كما سنرى.
إذن نبدأ بهذه المراسم، أو الضوابط، التي يشير إليها الإمام الغزالي باختصار، في شكل عناوين، وإلا فكل ما نصّ عليه الشرع، وكل قواعد الشرع، ومعانيه وأحكامه، تدخل في هاتين الكلمتين: ضوابط ومراسم، حتى ما نسميه بالآداب والعقائد. هي كلها، حسب موضوع القاعدة، وحسب موضوع المصلحة، وحسب موضوع الاجتهاد المصلحي، تحضر؛ يعني أشياء محددة في الشرع، لا بد من مراعاتها واعتمادها والبناء عليها؛ بدل هدمها؛ ولو بنوع من الغفلة. فإذن هذه الكلمة الجامعة، أعني الضوابط والمراسم، تجمع الأحكام والآداب والمعاني والقيم والمعتقدات التي جاء بها الشرع؛ كلها تُراعى، ولكن حسب موضوع الاجتهاد.
كذلك علم أصول الفقه إنما هو مراسم وضوابط للاجتهاد، للاجتهاد المصلحي ولغيره. فإذن القواعد الأصولية، والقواعد اللغوية، وكذلك القواعد الفقهية، كلها ضوابط ومراسم للاجتهاد المصلحي، حسب موضوع المصلحة. فليس مطلوباً، استحضار جميع هذه القواعد والمراسم في اجتهاد معين، ولكن كل مجتهد يعرف ما هي الضوابط والمراسم التي لا بد له من مراعاتها، وهو يجتهد في تقدير هذه المصلحة أو تلك، وهو يقرر، بناءً على المصلحة، أن هذا واجب، أو أن هذا لا يجوز، أو أن هذا مستحب، إلى آخره. فما يتصل بهذه المصلحة المعينة في المسألة المعينة لا بد من استحضاره وإعماله.
كذلك لا بد من مراعاة الضوابط والمراسم فيما أُجمع عليه، لأن الإجماع حجة بدون شك، وما استقر عليه الاجتهاد، فهذا لا يمكن تجاوزه. وهذه تقريباً قواعد ومراسم، يُحتاج إليها في أي اجتهاد، ولكنها في الاجتهاد المصلحي أكثر فأكثر.
وذكرت في المحاضرة الماضية ما استخلصه الإمام الشاطبي رحمه الله من ضوابط للمصلحة المرسلة، لأن المصلحة المرسلة كثيراً ما شنّع بعض العلماء على المالكية بأنهم اعتمدوها. والمصلحة المرسلة، إذا أرادوا التشنيع عليها، يقولون: هي مرسلة منفلتة، تعتمد على الذوق وعلى الرأي الشخصي…؛ هذه اتهامات موجودة، وانتقادات موجودة، وهي طبعاً غير صحيحة، وقد ردّدها أصوليو الشافعية، وفي مقدمتهم الإمام الجويني على جلالة قدره، لكن هذه النسبة محمولة على ما يمكن أن يحصل من الانفلات والاسترسال في المصلحة المرسلة.
المصلحة المرسلة أكثر احتياجا إلى الضوابط
فإذن؛ المصلحة المرسلة هي الأكثر احتياجاً إلى الضوابط. فلذلك ذكر الإمام الشاطبي، بعد الوقوف على الانتقادات الموجهة لهذه المصلحة المرسلة؛ بأن فيها نوعاً من التسيب أو الانفلات، الضوابط الثلاثة التي ذكرتها في المرة الماضية: أن تكون هذه المصلحة لا تنافي شيئاً من النصوص أو أصلاً من أصول الشرع في الكتاب والسنة، وأن تكون من الأمور المعقولة المعنى، وألّا تكون في العبادات، حسب ما ذكرته في نص أرسلته إليكم في الأسبوع الماضي.
إذن؛ هذه هي المراسم والضوابط التي لا بد من مراعاتها. فهذه القاعدة اشترطت ضوابط ومراسم، واشترطت مراعاتها والبناء عليها. وفي هذه النقطة بالذات لا يمكن الاختلاف، فهي غير قابلة للاختلاف؛ لأنه إذا كان فهم القرآن، وفهم السنة يحتاجان إلى ضوابط، فكيف بالمصلحة المرسلة التي ليس فيها نص مباشر؟ فاشتراط الضوابط والمراسم الشرعية شيء لا بد منه، لأن إعمال المصلحة حتى في القوانين، في السياسات الوضعية غير المتقيدة بالشريعة، يضع له أصحابه ضوابط موافقة له، ومناسبة له: يضبطونه بالتشريع السابق، ويضبطونه بالدستور، وبثوابت البلاد، وما إلى ذلك. فجميع من يعملون بالمصلحة لهم ضوابطهم ولهم مراسمهم. فالاختلاف الذي وُجد في فترة من الزمن هو اختلاف في حجية هذه المصلحة نفسها، أما إذا سُلّمت حجيتها وسُلّم اتباعها، كما هي عبارة الإمام، فهنا تأتي المراسم والضوابط. وإذا كان العاملون بهذه المصلحة يشترطون ضوابط ومراسم، فالمتحفظون لا بد أنهم يشترطون ذلك أكثر فأكثر. لذلك فأدلة هذه القاعدة تُعدّ من البداهة بمكان، ولا غبار عليها عند العقلاء، فضلاً عن سائر العلماء.
أدلة القاعدة:
ننتقل إلى الأمثلة. والأمثلة طبعاً كثيرة جداً. وحينما نأتي بقاعدة، تكون في حال ما إذا أخذنا بالقاعدة، وفي حال ما إذا لم يُؤخذ بالقاعدة أيضاً، ليظهر الفرق وليظهر الأثر.
– مسألة ضرب المتهم ذي السوابق؛ بين مالك والمالكية؛ والغزالي
ومن هذه الأمثلة الشهيرة، التي ذكرها الإمام الغزالي نفسه: مسألة ضرب المتهم إذا كان معروفاً بالسوابق. أقول هذا لأن البعض فهم أن الإمام مالكاً قال بضرب المتهم مطلقاً، ولا يضعون هذا التوضيح. أما الذي ليس له سوابق، المعروف بالفضل والصلاح، فحتى مجرد رفع الدعوى ضده أمام القضاء؛ فيه نظر: هل تُقبل الدعوى أو لا تُقبل؟ لأنهم يقولون: إن بعض السفهاء قد يعمدون إلى اتهام أحد العلماء وذوي الفضل ليجرّوه ويهينوه أمام القضاء. فإذن القاضي، حتى إذا كانت المسألة لها موضوع، ينظر في صاحب هذه الدعوى، وصاحب هذه الشكاية، وصاحب هذه القضية؛ فإذا كان من السفهاء، وكان المدعى عليه من أهل الفضل، لا يقبل هذه الدعوى بسهولة، وعلى كلٍّ فالمسألة فيها نقاش.
فلذلك ضرب المتهم الذي قال به الإمام مالك هو إذا كان من أصحاب السوابق، بتعبير القانون المعاصر، بمعنى إذا كان معروفاً على كل حال بانحرافاته، أو بجرائمه، فهذا إذا اتُّهم بالسرقة، فالإمام مالك يقول: يُضرب حتى يعترف، وإذا اعترف سيدلي بمعلومات تفصيلية؛ فهذه القضية، على كل حال، منسوبة إلى الإمام مالك، وثابتة عنه بدون شك، وبها قال عدد من الفقهاء، وخاصة المالكية، لأن المتهمين، وخاصة في السرقة، يعمدون إلى الإخفاء وإلى التخفّي وإلى التلبيس وإلى تغطية أعمالهم، فكثير من حالات السرقة يصعب إثباتها. فإذا كان الشخص معروفاً بسرقات أخرى وبانتهاكات أخرى، جاز استنطاقه بضربه؛ هذا هو القول.
الإمام الغزالي عارض هذه الفتوى، ومعارضته طبعاً قوية، وليس وحده من عارضها، فالجمهور على منع ذلك: المتهم، حتى لو كان صاحب سوابق، لا يُعذَّب ولا يُضرب، وقصارى ما يقوله الفقهاء أنه قد يُسجن أياما للتحقيق، عسى أن تظهر الحقيقة. فالإمام الغزالي يقول: هذه مصلحة: إثبات التهمة، وإحقاق الحق، وإعادة المال إلى صاحبه، ومعاقبة السارق أو المعتدي، هذه كلها مصالح لا شك في ذلك. ولكنه قال:
– براءة الذمة هي الأصل؛ والخطأ في العفو على المذنب خير الخطإ في معاقبة البريء.
هذه المصالح مرجوحة أمام مصلحة براءة الشخص، لأن الأصل هو براءة الذمة، وبراءة الناس من أي تهمة. فالبراءة هي الأصل، فلا يمكن تعذيبه، وقد يظهر في النهاية أنه بريء، فنكون قد عاقبنا بريئاً. وهذا من الغزالي مقبول وصحيح. ورحم الله الإمام مالكاً الذي قال: «كل أحد يؤخذ من كلامه ويُردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم».
فإذن؛ ضرب المتهم مصلحة، لكن، حسب ما ذهب إليه وحققه الإمام الغزالي، وذلك مقبول منه، ضربُ المتهم تردّه ضوابط الشرع ومراسمه، وضوابط الشرع ومراسمه هي أن حرمة الإنسان البريء وبراءته ثابتة، والبراءة هي الأصل، وما دام الأصل البراءة فلا يُعذَّب. وقال العبارة التي تُعتبر قاعدة فقهية وقاعدة قانونية أيضاً: إن ضرب غير المذنب أشد من عدم ضرب المذنب. وبصيغة أخرى: «لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». إذن القاعدة معمول بها، وهي صحيحة لأنها تعتمد الأصل. فالشبهة لا تكفي؛ الشبهات تتيح لك التحقيق، أما أن تبادر إلى العقوبة فلا. ما الفرق بين المشتبه به، والمتهم الحقيقي الذي ثبت الجرم في حقه؟ من ثبت الجرم في حقه يُعاقَب، جلداً أو قطعاً أو غرامة، أو ما إلى ذلك. لكن المشتبه به كيف يُعاقب بالشبهة؟ والشبهة لا تبيح العقوبة قبل التثبت، وقبل صدور الحكم، وإلا كانت عقوبة قبل أوانها، وعقوبة في غير محلها. هذا هو المقصود بالمثال.
فإذا أردنا أن نراعي المصلحة، مصلحة الناس المعتدى عليهم، الذين تعرضوا للسرقة أو غيرها من الجرائم، فالمصلحة هي أن يثبت القضاء التهمة على أصحابها، الفاعلين وأن يعاقبهم، وأن يصل إلى الحقيقة، وأن يحمي الناس الذين لم يتعرضوا بعدُ لشيء؛ هذه كلها مصالح، ولكن هذه المصلحة لا ينبغي تحقيقها بعقوبة المتهم قبل أن تثبت التهمة عليه، لأن ذلك إعمال للمصلحة بمخالفة بعض مراسم الشرع وضوابطه.
عودة إلى فتوى يحيى بن يحيى الليثي
ومن هذا الباب أيضاً يمكن أن ندرج مثالاً ذكرناه في سياقات مختلفة، ويُذكر مراراً، والإمام الغزالي يذكره كذلك، وقد ذكره في المستصفى، وأظن أنه ذكره حتى في شفاء الغليل، وهو فتوى يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي تلميذ مباشر للإمام مالك، تتلمذ عليه في آخر عمره لأنه ذهب إليه متأخراً. وهي فتوى معروفة: أن أمير الأندلس وقع على جارية، أو على امرأته، في نهار مضان، فجمع الفقهاء ليسألهم: ماذا يلزمه؟ والفقهاء يومئذ كلهم مالكية، لأن المذهب امتدّ مع الدولة الأموية في الأندلس. فسكتوا جميعاً، وفيهم شيخهم وإمامهم المقدَّم يحيى بن يحيى الليثي، سكتوا وتركوا له الجواب. فقال له: يلزمك أن تصوم شهرين متتابعين. وسكت الآخرون، وربما فاجأهم الجواب، ولكنهم سكتوا، فلما خرجوا قالوا: كيف هذه الفتوى؟ المذهب المالكي فيه التخيير، ومذاهب أخرى فيها الترتيب.
يعني الكفارات ثلاث: العتق، وصيام شهرين، والإطعام. فعند مالك هي على التخيير: من أفطر عمداً في رمضان فهو مخيَّر بين هذه الكفارات الثلاث، يأخذ واحدة منها كما يشاء. وعند غيره، بحسب روايات الحديث، هي على الترتيب: كذا، ثم كذا، ثم كذا؛ فالقول بالترتيب عند الجمهور، والقول بالتخيير عند مالك. لكن صاحبنا يحيى بن يحيى الليثي لم يُفتِه لا بالتخيير ولا بالترتيب، لأنه لو أفتاه بالترتيب لكان العتق أولاً، ثم الصوم بعد ذلك، ثم الإطعام. فلا هو أفتاه بالترتيب، ولا أفتاه بالتخيير الذي هو مذهب مالك. فقال لهم يحيى ما يدل على نظر مصلحي واجتهاد مصلحي، والنقاش ما زال قائماً إلى الآن: هل هو نموذج لاجتهاد مصلحي سليم أو غير سليم؟ لأن من المعاصرين اليوم، مالكيةً وغيرَ مالكية، من يرى أن له وجهاً من الاجتهاد. قال لهم: هذا الأمير، صاحب الإمكانات وصاحب الأموال، لا يردعه عن الإفطار في رمضان إلا صوم شهرين؛ إذا قلنا له: أعتِقْ، فإنه يُعتِق ولا يبالي، وإذا قلنا له: أطعِمْ، فالأمر عليه أيسر. فإذا أردنا كفارة رادعة فليس هناك إلا أن نحكم عليه بصيام شهرين متتابعين.
كان هذا هو جوابه، ولكن هذه الفتوى انتقدها المالكية أنفسهم من أول لحظة، وإن سكتوا تقديرا لشيخهم، ثم استنكروها، وما زالت مستنكرة إلى الآن، واستُنكرت في المذهب الشافعي بصفة خاصة، لأن الموضوع يتعلق بالمصلحة، والمصلحة فيها خلاف شهير بين الشافعية والمالكية بصفة خاصة. فهل خالف يحيى بن يحيى الليثي مراسم الشرع؟ ومراسم الشرع هنا هي الحديث. والحديث ورد بصيغتين: إحداهما يُستفاد منها التخيير، والأخرى يُستفاد منها الترتيب، أي أننا نبدأ بالعتق، فإن لم يكن فالصيام، فإن لم يكن فالإطعام. وليس فيه ما يخرج عن التخيير والترتيب. وفتوى يحيى بن يحيى ليس فيها تخيير ولا ترتيب ولا مراعاة للترتيب. فهل هي مراعاة لمراسم الشرع أو مخالفة لها؟ طبعاً يحيى بناها على المصلحة، وهو عالم بالحديث، وهو أحد رواة الموطأ، ويعرف الأمور تماماً، ولكنه، كما ذُكر، رأى أن المصلحة، وهي المحافظة على حرمة رمضان وحرمة الصيام بعدم التجاسر عليها وعدم الاستخفاف بها، تقتضي الحكم بهذا، وكأن التخيير هنا تخيير للمجتهد. هذه وجهة نظر يحيى؛ يعني إذا قلنا إن بعض روايات الحديث فيها التخيير، فكأنه رأى أن التخيير هو للمجتهد، وليس فقط للمكلف. فعلى كل حال، هذا نموذج للنقاش: هل خالف يحيى المراسم والضوابط أم لم يخالفها؟ الإمام الغزالي يورد هذا المثال على أساس أن فيه مخالفة لمراسم الشرع وضوابطه، وليس وحده في ذلك؛ بل حتى جمهور المالكية […]، ولكن بعضهم يعبّر عن احترامه لها، وأنها فتوى لها وجه نظر جدير بالاحترام، ولها أساس، ولكن دون الذهاب إلى مساندتها وتبنّيها ضمن فقه المذهب.
– فتوى الشيخ مصطفى الزرقا حول هبة المنفعة دون الذات للزوجة :
مثال ثالث لهذه القاعدة- ونحن نأتي هنا بالأمثلة لإظهار ما قصده الإمام الغزالي بضوابطه – فتوى الشيخ مصطفى الزرقا، وقد نقلت فقرات منها في الكتاب، وهي أن سائلاً أتاه يسأله؛ يريد أن يكتب لزوجته ويهبها منزلاً، مسكناً، يكون باسمها، ولكن لا تتسلّمه؛ تسكنه ويكون ملكاً لها، لكن لا يكون التسليم نهائياً إلا إذا تُوفّي، أي يبقى له مدى الحياة، فاحتفظ لنفسه بالملكية. فقال له الشيخ الزرقا: هذه ستصبح وصية؛ إذا كان تملّكها له لا يتم إلا بعد وفاتك فهذه وصية، وهي وارثة من الورثة، ولا وصية لوارث. قال له: ماذا أفعل؟ قال: إن شئت فهبها في حياتك، هذا من حقك، أنت تتصرف في مالك، تهبها هبةً ناجزة وتسلّمها وتملّكها، بغض النظر عن الاستعمال، ويصير ملكها في حياتك. قال: أخشى أن تموت قبلي، فيأتي أقاربها فيرثون ويأخذون داري، وأنا أنظر ؛ وما زلت على قيد الحياة. قال: إذن دعك من هذا كله، وارجع إلى مراسم الشرع، ودع هذه الأمور تمضي، يعني بعد الوفاة يأخذ كل ذي حق حقه.
فالسائل هنا أراد الخروج عن مراسم الشرع ؛ لعله يجد حلاً ولو على خلاف الأحكام الشرعية، وهو أن يهبها، ولكن الملكية، تبقى باسمه، و في هذا مخالفة؛ فلذلك نصحه وقال له: أفضل ما تفعله هو أن تبقى الأمور على ما شرعه الله تبارك وتعالى.
هذه الفتوى الأخيرة للشيخ مصطفى الزرقا مبنية على مراسم الشرع وضوابطه، بخلاف المثالين الأول والثاني، ففيهما النقاش الذي ذكرته، والأصح والأحوط هو عدم الأخذ بمسألة ضرب المتهم، وبمسألة الفتوى بأن المفطر في رمضان ليس له إلا أن يصوم شهرين. أما فتوى الشيخ الزرقا فواضحة، وهو فقيه كبير جداً من فقهاء العصر، وابن فقيه، فوالده الشيخ أحمد الزرقا، وفتواه سليمة، والتوضيح الذي قدمه لهذا السائل كذلك سليم؛ لم يُرد أن يسايره في دعوى المصلحة لهذه الزوجة، وإنما أرجعه إلى قواعد الشرع وضوابطه ومراسمه.
-فتوى الشيخ يوسف القرضاوي حول سن الدولة الحديثة لقانون الشغل وما يرتبط به من تشريعات تفصيلية.
وفتوى أخرى كذلك من هذا القبيل، وهي نموذج للفتوى المبنية على قواعد الشرع ومراسمه، وفيها أن الأساس في هذه القاعدة هو اتباع المصالح، اتباع المصالح إذا لم تعارضها ولم تنفِها ضوابط الشرع ومراسمه. وكانت فتوى مطوّلة، وجوابها مطوّل أيضاً، في كتاب «فتاوى معاصرة»، وهو كتاب من أربع مجلدات. فكان السؤال حول هذا الذي أصبح جارياً العمل به في تشغيل الناس، موظفين أو عمالاً أو مستخدمين، أيّاً كان الاسم، حيث أصبح ربّ العمل مفروضاً عليه أن يشغّلهم بحدود وضوابط كثيرة ملزمة، حتى لو لم تُذكر فيما بين المشغِّل والمشغَّل، فهي ملزمة، ومن حق الدولة أن تُلزم بها، وأن تزيد فيها، وأن تعدّل فيها، وهي تتعلق مثلاً بتحديد ساعات العمل، وتحديد الإجازات، وتحديد الحد الأدنى للأجر، والضمان الصحي، وما إلى ذلك من الحقوق ومن الضمانات ومن المكتسبات الأخرى. فأجاب الشيخ يوسف القرضاوي بأن للدولة الحق في هذا، في حدود العدل وفي حدود الموازنة بين المصالح المختلفة، فتعتمد كل هذا الذي ذُكر، وكل هذا الذي جرى به العمل، ولو أنه لم يرد له ذكر في الشرع. ربما بعض الأمور مذكورة في الشرع، مثل إعطاء العامل أو الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، و ما إلى ذلك، لكن ما ذكرته، وما ورد في هذه الفتوى، أشياء كثيرة نعرفها الآن: هناك قانون الشغل، وهناك محاكم الشغل، وهناك إدارة تتابع هذه الأمور، وهناك أقسام في المحاكم لهذه الأمور. فإذن صارت حقوق كثيرة جداً وضمانات كثيرة، وأكثرها معتمد عالمياً، عند المسلمين وغير المسلمين. فالشرع يؤيد هذا، ويقبله، ويضفي عليه المشروعية، ما دام فيه مصلحة، وما دام لم يخالف شيئاً من مراسم الشرع. فهذا مضمون فتوى الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله.
القاعدة2: المصلحة مقدَّمة على القياس
القاعدة الثانية من قواعدنا هي قاعدة: «المصلحة مقدَّمة على القياس». وهذه قاعدة ليست مشتهرة، ولا هي مقررة عند الأصوليين بشكل واضح، لكنني تتبعتها كثيراً، خاصة عند كبار العلماء والأئمة، وهذا مفاد ما يقولون به. وذكرت في الكتاب أقوالاً للجويني والقرافي ولابن العربي وغيرهم، وكلهم يؤكدون أن المصلحة مقدمة على القياس. ومذهب مالك أصوله بمجملها مبنية على هذا الأساس، لأن الإمام مالكاً هو الذي قال: «تسعة أعشار العلم الاستحسان»، والاستحسان عند المالكية بالدرجة الأولى هو تقديم المصلحة على القياس؛ لأن القاعدة الكلية يُعتبر حكمها حكماً قياسياً.
لذلك فهذا من باب الإنصاف لهذه القاعدة وللقائلين بها، ومن باب التوضيح، لأن القاعدة معمول بها عند المالكية بلا شك، ومعمول بها إلى حدٍّ ما عند الحنفية بدون شك، ذلك لأنهم يقدمون الاستحسان على القياس، والاستحسان قد يكون استحساناً مصلحياً، فالاستحسان عند الحنفية له أشكال عديدة. لكنها لم تتقرر، ولم أجدها مقررة، بشكل واضح. ولكن البحث والنظر في تصرفات الفقهاء، كما ذكرت سابقاً، يدل على أن تصرفات الفقهاء متقدمة على تنظيرات الأصوليين، وهذا لا شك فيه. ولذلك يجب أن نقول إنه في الأصول يجب أن يتبع الأصوليون الفقهاء. ولا أقول إن الأصول تتبع الفقه، فمن حيث المبدأ؛ علم أصول الفقه مقدَّم، ولكن كثيراً من الأصوليين، لقلة اشتغالهم بالفقه وتركيزهم على المنهج النظري الكلامي، لأنهم متكلمون، جعلهم ذلك متخلفين عن الفقهاء. فكان الفقهاء من الناحية الأصولية أنضج وأضبط وأسدّ من كثير من الأصوليين، إلا الأصوليين الذين كان لهم اشتغال كبير بالفقه أيضاً.
إذن هذه القاعدة، كما قلت، قاعدة مسلّمة في المذهب المالكي، وحاضرة بكثرة في المذهب الحنفي ، وبشكل محتشم، كالعادة، في المذهبين الآخرين. طبعاً الظاهرية دائماً على خلاف هذا الذي نقرره ويقرره جمهور الفقهاء والأصوليين، لكن المذاهب الأربعة، إذا تتبعناها من حيث تطبيقات فقهائها، فكلهم عاملون بها بدرجة متفاوتة، يتقدمهم المالكية، لأن هذه الأصول التي تميز بها المالكية كانت عندهم واضحة صريحة، وهذا هو الفرق. أما المذاهب الأخرى ففيها نوع من التردد في المصلحة، وفي الاستحسان، وفي سد الذرائع، فعملوا بها على استحياء، أو بشيء من التردد والتأرجح.
هذه القاعدة معناها أن القياس يُؤخَّر عن المصلحة، بمعنى أنه إذا كان هناك قياس يقتضي حكماً، قياس وليس نصاً، ولكن هذا الحكم القياسي، وليس النص ولا المنصوص، يؤدي إلى فوات مصلحة، أو إلى الوقوع في مفسدة، بشكل محقق، فحينئذ نضع القياس جانباً، ونتّهم أنفسنا في هذا القياس، بأنه قياس لم يتم على الطريقة السليمة، وبشروط سليمة؛ لأن القياس وسائر الأدلة، إذا تم تحقيقها وتنزيلها كما ينبغي، لا يمكن أن تتعارض؛ فلا يوجد تعارض بين النص والمصلحة، ولا بين القياس والمصلحة. لكن نقول: هذا قياس فيه نظر، لأن القياس، كما نذكر في أدلة القاعدة، ظني، يعني على الأقل تسعة أعشاره ظنية في الغالب، لكن المصلحة يمكن التحقق منها بسهولة؛ المصلحة التي يشهد لها الشرع، والتي هي موافقة أو ملائمة للشرع، ولمصالح الناس. إذا كانت مصلحة دنيوية فالناس يعرفون ما يصلح لهم، وإنما يحتاجون فقط إلى عدم وجود منافٍ شرعي.
المصلحة مقصد والقياس وسيلة؛ والمقصد مقدم على الوسيلة.
فالمصلحة قطعية من ناحية ثبوتها، ويمكن أن تكون قطعية حتى في الحالات الجزئية والحالات المعينة، بينما القياس يظل ظنياً. والقياس جزئي والمصلحة كلية، والمصلحة مقصد والقياس وسيلة؛ المصلحة مقصد شرعي، بينما القياس وسيلة، وآلية علمية، معتمدة طبعاً في جميع العلوم؛ ففي جميع العلوم يوجد القياس: في الرياضيات، وفي الفقه…... والقياس منهج كبير، وله أثر كبير في تطور الفكر البشري والحضارة البشرية، ولكن مع ذلك يبقى آلية للاجتهاد، بينما المصلحة مقصد؛ المصلحة بذاتها يريدها الشرع ويريد أن تتحقق. فلذلك كان تقديم المصلحة على القياس.
-كلام الإمام نجم الدين الطوفي عن المصلحة ومرتبتها غير مسلّم إلا بقدر كبير من إحسان الظن، والتأويل
ولكن هذه مناسبة للإشارة إلى من يقدمون المصلحة على كل شيء. وهنا نستحضر رأي نجم الدين الطوفي رحمه الله، الذي قال بأن المصلحة تقدَّم على الكتاب والسنة والإجماع، إلى آخره. ولكن، كما قلنا في الإمام الغزالي، فالطوفي أيضاً إذا تتبعنا كلامه بتمامه في كتابه الذي شرح فيه حديث «لا ضرر ولا ضرار»، قال فيه كلاماً طويلاً، كرر فيه أن المصلحة تقدَّم على الكتاب والسنة والإجماع، ولكنه قال بعد ذلك: تقدَّم على سبيل التقييد والتخصيص، وليس بإلغاء هذه الأدلة بحيث لا يُلتفت إليها. فإذا أخذناه بإحسان الظن، نجد أن للطوفي قولاً لم يوضَّح بما فيه الكفاية، فجاء كلامه فيه كثير من المجازفة، وكرر تقريره- دون أن يقيّد، أو يستدرك، أو يتحفظ- أن المصلحة هي الدليل الأقوى، بل قال إنها منضبطة في ذاتها، والكتاب والسنة فيهما احتمالات وظنون وتفسيرات. وعلى كل حال، كلامه يحتاج إلى كثير من حسن الظن حتى يُقبل، وإلا إذا حُمل على ظاهره، فمعنى كلامه هو المشتهر عنه، من أنه يقدّم المصلحة على النصوص. وللإنصاف، هو استثنى العبادات والمقدَّرات، والمقدَّرات هي التي فيها تحديد مقدار شرعي، كالعقوبات: ثمانين جلدة، ومئة جلدة، وكالزكاة التي فيها مقادير محددة، إلى آخره. قال: هذه لا يُعمل فيها بالمصلحة.
الطوفية الجدد -بتعبير القرضاوي رحمه الله- دليلهم الوحيد هو المصلحة
بينما اليوم عندنا من سمّاهم الشيخ يوسف القرضاوي «الطوفية الجدد»، والطوفية الجدد هم الذين يضعون المصلحة ولا شيء فوقها، وهؤلاء طبعاً لو سمع بهم الطوفي لتبرأ منهم، وربما لألغى كلامه الذي يُحتمل منه تقديم المصلحة على النص. فعندنا الآن كثير من المفكرين ممن ينتسبون إلى الإسلام وإلى الأصول الإسلامية، وأذكر هنا الجابري رحمه الله، هذا رأيهم: أن المصلحة هي التي ينبغي أن تعلو، وهي المرجع الأكبر للإسلام. هذا كلام شبيه بكلام الطوفي، ولكنه يؤدي إلى إلغاء جميع الأدلة الشرعية مهما كانت صريحة، حتى لو كانت في المقدَّرات. ربما يستثني العبادات؛ لم يذكرها، ولكن العبادات مستثناة بالضرورة. لكن لا مقدرات ولا أشياء تعبدية، بل كل شيء: المصلحة تعلو ولا يُعلى عليها.
قلت إن الإمام مالكاً شخصياً، مما نُقل عنه بالسند المتصل، قال إن «الاستحسان تسعة أعشار العلم». والاستحسان -عند المالكية- أكثره ومداره، على المصلحة، وهذه المصلحة ترد بأشكال متعددة، ولكنها في النهاية مصلحة، بينما الاستحسان عند الحنفية يكون للمصلحة ولغير المصلحة، ومنه استحسان الضرورة. بينما من الاستحسان عند المالكية رفع الحرج، و تقديم المصلحة. وهذا كله قد يؤدي إلى اعتبارات كثيرة. فمن الاستحسان عندهم دليل:”مراعاة الخلاف”، ومراعاة الخلاف هي أن يترك المالكي دليله لدليل غيره، بشروط وتفاصيل، تؤدي في النهاية إلى حفظ المصلحة. فإذن الاستحسان عند المالكية، وعند الإمام مالك، هو مراعاة المصلحة، واستثناء بعض الأحكام التي تقتضي هذا الاستثناء، لأن الاستثناء يحقق المصلحة، وعدمه يؤدي إلى هدر المصلحة، كما سنرى في بعض الأمثلة الآتية.
ومن الأقوال المنقولة عن مالك بالسند: «إن المُغرِق في القياس يكاد يفارق السنة»؛ أي إن المغرق في القياس، أو المبالغ في القياس، يكاد يخالف السنة؛ ومعناه أن السنة في كثير من الحالات لا تساير القياس الشكلي الصوري، لأن القياس آلية، وكل قياس أدى إلى تضييع المصلحة، وتفويت المصلحة، والإيقاع في المفسدة، ينبغي تركه. هذا مفاد قول الإمام مالك.
من أمثلة القاعدة:
المثال الأول: استبعاد المحاسبة على تفاصيل الحرب؛ لحقن الدماء ووأد الفتنة؛ مراعاة لمصلحة الصلح.
بعض الأمثلة لهذه القاعدة: المثال الأول، وقد أرسلت بصدده نصاً قصيراً لابن العربي، القاضي المالكي الكبير، حول حالة الاقتتال بين المسلمين، إذا جنحوا إلى الصلح[1]. طبعاً الاقتتال أدى إلى دماء، وإلى أرواح، وإلى أموال، وإلى دمار، وإلى خسائر، فكثيراً ما يجنح الطرفان إلى الصلح، لكن إذا بدأنا نحاسبهم على الأرواح والدماء والجرحى والمبتورين والمعطوبين، وعلى المنازل التي هُدمت، وعلى الحقول التي أُحرقت، وما إلى ذلك، فلن نصل إلى حل، وحينئذ يقول كل واحد: سيفُنا هو الحَكَم، ولا صلح، إلى آخره، فيفشل الصلح. فالقياس هنا أن هذه الدماء، وهذه الأموال، وهذه الجرائم التي ارتُكبت، والاغتصابات التي تقع في الحروب، يُحاسَب أصحابها واحداً واحداً، وهذا يحتاج إلى مئات القضاة، والزمان لا ينتهي، وفي النهاية سنُفشل هذا الصلح، إلى آخره. فإذن القياس يقتضي القصاص؛ القياس يقتضي أن كل من ضيّع مالاً، أو أفسده، أو خرّبه، يعيده أو يعوّضه، والقياس أن كل الخسائر يُتتبَّع أصحابها، ويُحاسَبون، ويُحكم عليهم بما يجب شرعاً، إما بأحكام الحرابة، أو بأحكام السرقة، أو بأحكام القتل، أو بالأحكام المدنية أو الجنائية. لكن عدداً من الفقهاء، والمالكية بصفة خاصة، يقولون: إذا جنح الطرفان إلى الصلح، فهذه الأمور تُطوى، لأنها ارتُكبت على تأويل أولاً، ولأنها ستُفسد الصلح، وتعيد الفتنة جذَعة، وتعيد تأجيج الحرب. لهذا تُطوى هذه الأمور، وأصحاب خسائر الأموال يمكن أن يُعوَّضوا من بيت المال، أو بأي كيفية حسب الإمكان، وتُطوى التفاصيل. هذا قول طبعاً قدّم المصلحة على القياس، لأن القياس هو القصاص، القياس هو أن يُعوِّض من أضرّ وأفسد وأحرق…..وإذا كان ذلك غير ممكن، أو يصعب تحقيقه، فقد قدّمنا الاستحسان، والاستحسان هو مراعاة المصلحة: إصلاح ذات البين، وإنهاء هذه الفتنة، وإنهاء الحرب، وإنهاء الاقتتال.
وهذه الحروب، للأسف، نجدها دائماً، الآن في اليمن، وفي السودان…. ففي حالة ما إذا جنح الطرفان إلى الصلح، تُطوى هذه الأمور وتعالج بكيفية إجمالية، ولا ندخل في القياس الفرضي ومتابعة كل من انتهك أو ارتكب جُرماً أو جناية ليُقتصّ منه ويُعاقَب. هذا هو المثال الأول.
المثال الثاني: قتل الجماعة بالواحد
والمثال الثاني هو قتل الجماعة بالواحد. فهذه كذلك نصّ عدد من الفقهاء على أنها تركٌ للقياس، وهذا ما ذكرت نصّه في الكتاب عن محمد بن الحسن الشيباني، الذي يقال إنه الرجل الثالث في المذهب، ولكن بتعبير الحنفية، وتعبيرنا: هو الإمام الثالث في المذهب الحنفي، لأن المذهب الحنفي، وإن كان يُنسب إلى أبي حنيفة، له ثلاثة أئمة، ثلاثة أقطاب، يكادون يكونون متساوين تقريباً. حتى ذكر محمد بن الحسن نفسه أن صاحبَي الإمام أبي حنيفة، أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، كانا يناقشانه ويجادلانه ويشاركانه في كل الأمور، فإذا قال: أستحسن، لا يكاد يجادله أحد، لعمق نظره، و لأن الاستحسان لخفائه ، كانوا لا يجارونه فيه.
فعلى كل حال، محمد بن الحسن يقول: القياس ألّا تُقتل الجماعة بالواحد. وقتل الجماعة بالواحد هو أن يشترك جماعة في قتل شخص واحد. والحادثة ذكرناها سابقاً، وهي في الموطأ وفي غيره: أن خمسة، وقيل سبعة، اجتمعوا واشتركوا في قتل شخص واحد في اليمن، في صنعاء، فكتبوا في ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه والنازلة جديدة وغريبة، بحيث إنها ليست مخالفة لظاهر الشرع فقط، بل حتى عند العرب: أن يجتمع خمسة ليقتلوا واحداً، أو يجتمع سبعة ليقتلوا واحداً، فحتى أخلاق العرب كانت تأباها، يعني شهامة العرب تقول لك: إذا كنت رجلاً فكن واحداً لواحد، حتى نرى شجاعتك، أما أن تجمع جماعة وعصابة لتقتل واحداً، فهذا ليس من الشجاعة……
فكانت الحادثة غريبة، وأُرسل الخبر والاستفتاء والاستشارة بشأنها إلى عمر رضي الله عنه، وهو الخليفة، فأمر الوالي على اليمن بقتل المتمالئين على قتل الضحية جميعاً، هؤلاء الذين اعترفوا وثبتت التهمة في حقهم. فقتلهم جميعاً، مع أنهم قتلوا واحداً، والقياس ألّا يُقتل إلا واحد بواحد، النفس بالنفس، فإذن عمر رضي الله عنه تجاوز هذا المنطق القياسي إلى المنطق الاستحساني، إلى المنطق المصلحي، إلى بُعد النظر: أنهم إذا تُركوا بدون قصاص لأنهم سبعة، فمعنى ذلك أن القصاص متعذر، لا يمكن؛ لو كان مالاً لقسمناه عليهم، لكن القصاص لا يمكن قسمته. إذن سيذهبون بدون قصاص، وهذا سيشجع كل من أراد أن يقتل على أن يأخذ معه ولده، أو خادمه… فيقع الاشتراك في القتل، فيتعذر القصاص، فتسقط حرمة الدماء.
فإذن، في النهاية، ليس عمر وحده، بل جمهور الفقهاء على أنه إذا اشترك جماعة في قتل واحد يُقتلون جميعاً، سواء كانوا سبعة أو خمسة أو ثلاثة. وهذا نظر مصلحي، أو نظر استصلاحي، وهو على خلاف القياس، بمعنى أن المصلحة قُدّمت هنا على القياس[2].
المثال3 [3]:
وردت أحاديث كثيرة في النهي عن عددٍ من البيوع والمعاملات المشتملة على الجهالة والغرر، فاقتضى ذلك أنَّ كلَّ ما فيه غررٌ من بيوعٍ وإيجاراتٍ ونحوها لا يجوز ولا يصحُّ، قياسًا على البيوع المنهيِّ عنها نصًّا.
ولكنَّ طرْد القياس في جميع حالات الغرر سيصيب كثيرًا من المعاملات والمصالح بالتعطُّل والضرر، لكونها لا تخلو من الغرر؛ فالمباني يغيب عنَّا باطنها وأساساتها وشيءٌ كثيرٌ من خفاياها، والثمار في المزارع والبساتين لا يمكن معرفتها وتقدير جودتها وسلامتها إلا على وجه التقريب.
وأمَّا الخضار التي ثمارها تنمو تحت الأرض، كاللفت والجزر والفجل، وهي المسمَّاة بالمقاثي، فاحتمال الغرر في بيعها وشرائها قبل جنيها أكبر وأظهر. والحال أنَّ المنتجين لها- كما هو حال الناس اليوم- كثيرًا ما يحتاجون إلى بيعها قبل جنيها؛ والباعة أيضا يحتاجون شراءها في الحقول، ويتكلفوا بجنيها وتسويقها….
فمن هنا ذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى رعاية المصلحة وتقديمها على مقتضى القياس، وذلك بتجويز البيوع والمعاملات التي فيها بعض الغرر، إذا كانت مصلحتها كبيرةً، والحاجة إليها ماسَّةً، وكان الناس يتسامحون فيها. وتمسَّك فقهاء آخرون بالقياس، فمالوا إلى التشديد والمنع.
قال الإمام ابن تيمية: «وأمَّا الغرر فأشدُّ الناس فيه قولًا أبو حنيفة والشافعي». ثم قال: «وأمَّا مالكٌ فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز بيع هذه الأشياء، وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقلُّ غرره بحيث يُحتمل في العقود، حتى يجوز بيع المقاثي جملةً، وبيع المغيَّبات في الأرض كالجزر والفجل ونحو ذلك»[4].
فلذلك تجاوز الفقه في هذه الأمور بالنظر المصلحي الذي اقتضى التجاوز فيها، وعدم تطبيق القياس بحذافيره، إلا في الغرر الكبير؛ ففي الغرر الكبير قد يُبطَل البيع إذا تبين الضرر ؛ لكن الأمور التي جرى عرف الناس بالتسامح فيها والتساهل فيها، أو التي تقل فيها المنازعة والضرر فيها، والغبن فيها قليل، هذه تمضي، ولا نوقف هذه الأعمال، فلا بأس بذلك، تمضي هذه الأمور وتصحّ هذه البيوع. هذا هو الاتجاه المالكي، وغير المالكي أيضاً، بينما الشافعية بالعكس، هم المتشددون في هذه الأمور. فإذن هذه البيوع أُجيزت بناءً على المصلحة، وخلافاً للقياس.
خاتمة بتنبيه وتوضيح:
القياس في هذه المسألة التي نتحدث فيها، وفي كثير من الاستعمالات الفقهية، قد يعني قياس الجزئي على الجزئي، وهذا هو المشهور، وقد يعني طرد القاعدة العامة، وهو المقصود هنا: فطرد القاعدة العامة، أو الحكم العام، بشكل مستمر يعتبرونه من القياس، لأن القواعد العامة ما وُضعت إلا لتُنفَّذ بالكامل وبعمومها. ولكن هذا الطرد للقاعدة العامة، أي «طرد القياس» كما يقولون، بشكل مستمر دون الالتفات إلى المصلحة، غلط، كما قال الجويني، فطرد القياس دون النظر إلى المآلات وإلى المصالح المعتبرة، التي هي مقدَّمة، يؤدي إلى إشكالات أكبر من “مصلحة” المحافظة على القياس، لذلك يُترك القياس. والحنفية عندهم عبارة: إن طرد القياس بشكل مستمر يؤدي إلى الشناعات، هذه عبارتهم.
فإذن؛ القياس قد يكون فيه خطأ، قد يكون في سوء تقدير، لأن القياس قِيس لعلة، والحكم قد يكون مبنياً على علة أخرى غيرها. لذلك فالمعيار هو المصلحة، وميزان المصلحة هو الذي يبيّن سلامة القياس؛ فالقياس الذي لا يُغفل مصلحة ولا يجلب مفسدة، هذا من شروط القياس الصحيح. فيكون القياس صحيحاً ليس فقط باستيفاء أركانه: الأصل، والفرع، والعلة، وما إلى ذلك، ولكن القياس الصحيح هو الذي لا يُضيّع مصالح حقيقية، ولا يأتينا بمفاسد حقيقية. لذلك ينبغي أن يكون هذا من شروط القياس. وبالله التوفيق. ومرحباً إذا كانت هناك بعض الأسئلة.
المسيرة:
شكراً لفضيلة الدكتور أحمد الريسوني على ما تفضّل به من تقصٍّ وتوضيح للقاعدتين موضوع الدرس: القاعدة السادسة والستون، والقاعدة السابعة والستون. والآن نفتح باب الأسئلة.
يتفضل الأستاذ الحسين بعرض سؤال تركيبي تكررت صيغه في مجموعة التكوين؛ قال فيه:
يظهر أن الوقت سيداهمنا، ولن نستطيع أن نعطي الأسئلة حقها. وأقتراح: أن نحتفظ ببقية الأسئلة لتداولها في المجموعة، ولكن هناك سؤال مهم، وردت بخصوصه ثلاث مداخلات، وأنا أيضاً أحببت أن أتحاور مع أستاذي حول فتوى الإمام مصطفى الزرقا رحمه الله في قضية العُمرى، أو الهبة للزوجات أو للبنات. فإن كبار الفقهاء، والآن في المدونة و في قانون الالتزامات والعقود، يتحدثون عن العُمرى، وهي نوعان: إما أن يهب المنفعة وتبقى له الرقبة؛ وإذا وهب المنفعة، فمعنى ذلك أن الزوجة أو البنت أصبحت لها المنفعة، وهو لا منفعة له، ولكن تبقى الرقبة له، فإذا ماتت المستفيدة من العمرى تعود الرقبة له، أو تعود إلى ورثته. والنوع الثاني هو العكس: أن يحتفظ لنفسه بالمنافع، والرقبة يهبها للزوجة أو للبنت[5]. فما تقولون، أستاذنا، في هذا؟ لأن كثيراً من الأخوات يسألوننا عن هذه المسألة، فلو أجبتنا عن هذا السؤال. وأعتذر للأستاذة، والأسئلة الأخرى سنكتبها في المجموعة إن شاء الله، ونتناولها في النقاش جميعاً، وبالله التوفيق.
الجواب:
العُمرى والرُّقبى أولاً لم يُحدثهما الإسلام، بل كانتا قبله، ومعمول بهما، بشكل أو بآخر في زماننا. كل هذا نوع من الإرفاق، ونوع من الإحسان بين الأقارب وغيرهم من الناس. فقد كانت معمولاً بها عند العرب، ولذلك اختلف فيها حتى فقهاء المذاهب: هل تصح أو لا تصح؟ والجمهور صرّح بصحتها، وهو ما عليه الجمهور، وقد يرِد عليها نهي؛ مثل النذر، فهو مشروع، ولكن فيه نهي أيضاً، يؤكد أنه ليس شيئاً محبَّذاً. ولكن على كل حال، الجمهور على هذا الأساس. وإنما ذكرت أن العُمرى والرُّقبى أشياء موجودة بأسمائها قبل الإسلام، لأقول إنها ليست شيئاً ملزماً، لأن الإسلام شرع وجوهاً أخرى من الإحسان، ومن تبادل الخيرات، ومن الإرفاقات، قد تغني عن هذه. بمعنى أنه لو قام المشرّع الآن، أو قبل الآن، في المغرب أو في غيره، بإلغائها[6]، والاكتفاء بصيغ أخرى، أو بأشكال أخرى، أو الاكتفاء بالوصية والهبة وما إلى ذلك، فهذا لا يشكّل مشكلة.
إذا أصبح التعامل بها هو نفسه مشكلة. وما أظنه كذلك إلى هذه الدرجة في واقعنا. ولكن تقييدها وتنظيمها بكيفية تمنع المنازعات، هذا يمكن أن يكون، ولا بأس به، لأنها، كما قلت، لم تكن تشريعاً، بل كانت عرفاً معمولاً به، يعكس رغبة الناس. ومعلوم أن هذه العُمرى، إذا كانت لأحد الورثة، وصُرّح فيها بأنها تمتد إلى ما بعد وفاة المُعمِر، أي صاحب الهبة، فإنها تبطل، لأنها صارت وصية؛ ولا وصية لوارث، على الأقل فيما بعد وفاة صاحبها. لذلك فهي في الغالب تكون لغير الورثة. فإذا نصّ التشريع المعاصر مثلاً على أنها لا تكون للورثة، نكون قد أخرجنا الناس من هذه المنازعات.
ومن جهة أخرى كذلك، هذه العُمرى إذا كانت فيها محاباة بين الأولاد،”الإخوة”، فهذا طبعاً كما في حديث النعمان بن بشير، حينما أرادت أمه، وقَبِل أبوه، أن يهبه شيئاً، فذهب أبوه بشير، والراوي هو النعمان بن بشير، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يُشهده، وقال: إني أريد أن أهب لولدي هذا كذا وكذا، فقال: «أكلَّ ولدك نحلتهم مثل هذا؟» قال: لا، قال: «لا تُشهدني على جور». إذن هذا ظلم، يمكن، إذا تم إثباته أو الاعتراف به، أن يُبطَل قضائياً، وإذا لم يُبطَل قضائياً فصاحبه محاسَب عليه، لأنه يفرّق بين الإخوة بدون أساس. وكذلك صاحب عدة زوجات، إذا كان سيُعمِر زوجته، فيجب أن يراعي العدل المطلوب في القرآن، في التسوية، إلى آخره. فإذن في هذه الحالات يمكن تقييدها، حتى لا تقع هذه الشكاوى.
نعم، يجب التسوية في الهبة ، والعُمرى نوع من الهبة، شكل من أشكالها. أما إذا كان التفريق بين الإخوة لأسباب واضحة ومعقولة وعادلة: مثلاً واحد عنده أولاد، أحد أبنائه موظف ويعطيه كل شهر نصف راتبه، أو ثلثه، أو كذا، والآخر عاطل، أو موظف ولا يعطى شيئاً، فهنا يكون تخصيص أحد الأبناء نوعاً من التعويض والمكافأة. أو أحد الأبناء معاق، أو أصابته طوارئ أحوجته؛ فخصّه بشيء، أو كذا، فهذا يكون شيئاً معقولاً. وهذا الكلام نفسه يقال في الزوجتين: إذا خصّ إحداهما بشيء لسبب معقول وموجب وواضح، فهذا لا بأس به، لكن إذا كان لمجرد أن هذا أحب إليّ من سائر أبنائي، أو هذه أحب إلي من زوجتي الأخرى، أو كذا، فهذا لا، هذا هو الذي يمكن إبطاله، وإذا لم يتم إبطاله قضاءً فهو باطل شرعاً، وصاحبه يكون محاسباً عليه. هذا ما بدا لي وتيسّر، والله أعلم.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة(29)
الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة التاسعة والعشرين(29) ليومه الخميس :12نونبر2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) ق : 68-69 بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:467 إلى ص:483.
| القاعدة68: لا نسخ في الكليات. القاعدة69: الأحكام تختلف بحسب الكلية والجزئية |
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.
[1]أرسل الأستاذ نص كلام ابن العربي المعافري(ت543ه) إلى مجموعة التكوين: قال ابن العربي في (أحكام القرآن):
“قوله تعالى: [فإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ]، ومن العدل في صلحهم ألا يطالَبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلِفَ على تأويل. وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح، واستشراء في البغي. وهذا أصل في المصلحة”.
وهو بلفظه عند القرطبي..
[2] يراجع النقل النفيس عن الإمام الجويني من كتابه:” نهاية المطلب في دراية المذهب،16/33 الذي أورده الأستاذ المحاضر في الكتاب المقرر للمدارسة” قواعد المقاصد، ص: 463. النسخة الرقمية.
[3] -ملخص هذا المثال الثالث اعتمدت فيه على ما ورد في كتاب المدارسة؛ بسبب الانقطاع المفاجئ لصبيب الأنترنت، ولم أعتمد منطوق المحاضرة على غرار سائر محتوى الملخص، وبعد استدراك البث؛ تم الإكمال من المحتوى المباشر للمحاضرة
[4] قواعد المقاصد، ص: 464-465 بتصرف يسير
[5] هذا النوع الثاني هو إلى الوصية أقرب لبقاء المنافع تحت تصرف الواهب طيلة حياته؛ وبعد موته تنتقل الذات إلى الموهوب له زوجة كانت أو بنتا أو غيرهما. وهذه وصية في حقيقتها بغض النظر عن تسميتها…
[6] لما قد ينجم عن سريانها في واقع الناس من المفاسد؛ من قبيل العداوات والتباغض، وضياع الحقوق والمحاباة… ونحو ذلك من التنزيلات التي قد تحيد بالتصرف المحمود في أصله عن مقاصده وغاياته.

