البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي
الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين
الحصة الثانية والعشرون(22) ليومه الخميس :03 شتنبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش+1) مقدمات ممهدات لابد منها-ق: 51، بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:333 إلى ص:339.
| – مقدمات ممهدات لابد منها تتعلق بباب مقاصد المكلفين. – القاعدة51: الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات |
محاور الحصة22
– توطئة بين يدي الملخص
– مقدمات ممهدات لا بدمنها تتعلق بباب بمقاصد المكلفين.
– القاعدة51: الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات
– الأسئلة وأجوبتها:
– نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق
| 1-“ الشاطبي هو الأول، ولحد الآن هو الأخير الذي جعل لمقاصد المكلفين قسما أصوليا مقاصديا ضمن نظريته في المقاصد، فلم يسبقه، ولم يلحقه في ذلك أحد لحد الآن؛ وما وقفتُ على قول ينتقد تقسيمه للمقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين، بل لم أرَ إلا من يشيد به؛ للارتباط الوثيق بين القسمين؛ إذ بدون اندماجهما تبقى مقاصد الشريعة حبرا على ورق، ولن تأخذ مسارها التطبيقي العملي. وهذا من القيم المضافة للشاطبي في مجال المقاصد” الدكتور أحمد الريسوني، من مقدمته للحصة:22 من تكوين قواعد المقاصد، الحصة الأولى من الباب السابع المتعلق بمقاصد المكلفين. 2- عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه” متفق عليه. |
توطئة بين يدي الملخص:
بعد افتتاح الأستاذ المسير للحصة الثانية والعشرين، وترحيبه بالحاضرين والمتابعين عن بُعد، بعد توقف للإجازة الصيفية شرع الأستاذ المحاضر في بيان ما يتضمنه الباب السابع من قواعد المقاصد؛ وهو المتعلق بمقاصد المكلفين، وفيما يلي تفريغ لمضمون كلامه الوارد في المحاضرة، مع تضمين الملخص مجمل الإفادات، والنّقول التي أرسلها فضيلته إلى مجموعة التكوين لإغناء الحصة، استدراكا لما تمت الإشارة إلى مجملاته، مما لم يتسع الحيز الزمني للتفصيل فيه، وأجدد التذكير بأني أحرص على إيراد كلام المحاضِر بنصه ما وسعني الجهد، ولا أعدل عن هذا المقتضى المنهجي إلا لضرورات التلخيص، لكي تتم المحافظة على أفكار، واختيارات الأستاذ المحاضِر كما هي دون تصرف في المضمون. وفيما يلي مضمون الحصة:
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن اتبع هداه.
– مقدمات ممهدات لابد منها تتعلق بباب مقاصد المكلفين.
نحن مع الباب السابع، المتعلق بقواعد مقاصد المكلفين. في الأبواب السابقة كنا في صميم المقاصد، وفي الباب السابق تدارسنا قواعد الوسائل للتمييز بين المقاصد والوسائل. وخلصنا إلى أن المقاصد ثابتة، والوسائل متغيرة وتابعة لمقاصدها، وأحكامُها تتحدد بحسب ما تفضي إليه من مقاصد، ولذلك يوجد في الوسائل من المرونة والقابلية للتغيير والاستبدال ما لا يوجد في المقاصد من سكون وثبات.
تميز الشاطبي وتفرده في التقسيم الثنائي للمقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف:
الشاطبي الإمام قسّم كتابه في المقاصد ضمن مؤلَّفه النفيس “الموافقات” إلى قسمين: مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف مبرزا بنفَسه التقعيدي مقاصد المكلف في تفاعل وارتباط مع مقاصد الشارع.
وهو في هذا- في تقديري- لم يسبقه أحد، ولم يلحقه أحد؛ فما رأيت مَن ينتقد هذا التقسيم، ولم أقف إلا على من يشيد بذلك، ولم أظفر بدراسة تناولت الربط بين قصد الشارع من التشريع، وقصد المكلف من تصرفاته- من ابن عاشور إلى اليوم- بالعمق والبعد المقاصدي بمثل تناول الشاطبي أو قريب منه. ومن الدراسات الحديثة الجادة في موضوع مقاصد المكلفين؛كتاب الدكتور الفلسطيني عمر سليمان الأشقر، وعنوانه:” مقاصد المكلفين فيما يُتعبد به لرب العالمين، أو النيات في العبادات” وهو رسالته للدكتوراه في الفقه المقارن، وله شقيقه الباحث أيضا: محمد سليمان الأشقر، له كتاب في أصول الفقه فيه جدة، عنوانه” أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية”[1].
ويحضرني في هذا السياق أيضا كتاب “الأمنية في إدراك النية” للإمام القرافي رحمه الله، وهو ملهِم لمن بعده في هذا الباب، بحيث استفاد منه الذين جاءوا من بعده. وتجدون في مجموعة التكوين هذا الكتاب مع كتاب عمر سليمان الأشقر.
ويبقى الشاطبي رحمه الله هو الأول ولحد الآن هو الأخير. الذي جعل لمقاصد المكلفين قسما أصوليا مقاصديا من نظريته في المقاصد. وجعل هذا القسم في اثنتي عشرة مسألة.
ورغم أن الأمر يتعلق بمقاصد الناس والمكلفين؛ لكننا مع الشاطبي ندرك أن حديثنا عن مقاصد الشريعة يبقى حبرا على ورق إذا لم نربط مقاصد الشارع بمقاصد المكلفين. هذه هي القيمة المضافة للشاطبي.
مقاصد الشريعة لا تتحقق على كمالها إلا باندماج مقاصد الشارع مع مقاصد المكلف
مقاصد الشارع لا تأخذ مسارها إلا إذا اندمجت وكانت موجهة لمقاصد المكلفين، وعليه فمقاصد الشريعة لا تأخذ مسارها التطبيقي والعملي إلا باندماج مقاصد المكلفين مع مقاصد الشارع. وكل ما جاء به الشاطبي له تأصيله من النصوص الشرعية. وله استمداد وجذور من كلام العلماء الذين يذكر أغلبهم؛ فهو استفاد ممن سبقه؛ لكنه تفرد برؤيته العميقة الشاملة لموضوع المقاصد.
ومما هو معلوم أن العلماء عادة يكون عندهم علم غزير ولا يدونون منه إلا اليسير؛ لصعوبة التصنيف ومعاناته، وعادة يضعفون في آخر أعمارهم؛ وكثيرا ما يبدأون بعض المؤلفات ولا يكملونها. وفي باب المقاصد ثمة جهود سابقة لأئمة كبار؛ كالجويني، والغزالي، والحكيم الترمذي، وابن عبد السلام، والقرافي، وابن تيمية، وابن القيم، وأضرابهم؛ أسس عليها الشاطبي ولا شك؛ لكنه تميز بعمق نظرته وشموليتها؛ فاستثمر ونسق تراث سابقيه برؤية نسقية متميزة وفريدة.
وموضوع مقاصد المكلفين له أصول في المذهب المالكي؛ وهو الملهِم الأول للشاطبي في موضوع مقاصد
المكلفين.[2].
الاستمداد من أصول المذهب المالكي:
وقبل الأئمة المذكورين؛ كان المذهب المالكي بأصوله وقواعده واختياراته ملهِما؛ وابن تيمية وتلميذه يسميان المذهب باسمه الصحيح، وهو مذهب أهل المدينة. والشاطبي استفاد في صياغة نظريته في المقاصد من الاصول التشريعية المالكية عموما؛ ومنها المصالح المرسلة. ولكن في موضوعنا استفاد الشاطبي من أصل سد الذرائع[3]. الذي أعمله المالكية بشكل موسع. وابن حزم وقريب منه الشافعية شنعوا على من اعتمد هذا الأصل، بل إن ابن حزم شنع أيضا على من نسب لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله مقولته المعروفة “يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور”. وابن القيم رحمه الله من أكبر المدافعين عن سد الذرائع كما كتب ذلك في اعلام الموقعين. وقاعدة سد الذرائع هي أصل يَعتمد النظر والالتفات الى مقاصد المكلفين. وهنا يحسن أن نذكر القاعدة القانونية المعروفة في القانون المعاص، وهي:” التعسف في استعمال الحق”.
نعم المباحات لا حصر لها. لكن إذا أسيء استخدامها واستعمالها يجوز التقييد. والاستاذ الحسين الموس حفظه الله أنجز أطروحته عن “تقييد المباح”. فسد الذرائع أعطت للشاطبي هذه الإضاءات ليخوض في مقاصد المكلفين ببعدها المقاصدي، وليس فقط ببعدها الفقهي المرتبط بالنيات.
وهذا مفيد جدا للقاضي والمفتي والحاكم في إعمال التهمة ببعدها المقاصدي لحفظ الأحكام وصيانتها من التلاعب والتحايل، وما أكثر ما راعى الفقهاء التّهمة في الأحكام، ومنها: أبواب البيوع والأنكحة، والمواريث… والغريب أن الشافعي وابن حزم لا يستحضرون النيات، ومقاصد المكلفين.
والفقه المالكي نهل من فقه عمر رضي الله عنه، ثم أصبح بعد ذلك مذهبا قائما. وفيه استحضار المقاصد السيئة، والأخذ بالتهمة. وهذا من مراعاة مقاصد المكلفين.
وكثير من الاحكام عند المالكية تقوم على الاعتداد بمقاصد المكلفين وليس فقط بظواهر النصوص، وأشكال التصرفات؛ ومثال ذلك طلاق المبثوثة في المرض المخوف عند الفقهاء؛ فإنها تُوَرّث لأن المطلِّق ها هنا متهم. والزواج أيضا في المرض المخوف. فاستحضار القرائن المثيرة للريبة هو من مراعاة مقاصد المكلفين؛ فحينئذ تترتب الاحكام اللازمة على ذلك، حتى لا تتخلف مقاصد الشارع من تشريعه.
والشاطبي بنى على هذه الأصول، كما قرر ذلك الامام المقّري. وهو صاحب كتاب كبير في القواعد-ذكرناه مرارا لأهميته- وتميز رحمه الله بعلمه واجتهاده. وهو تلمساني الأصل، رحل إلى فاس، وانتقل إلى الأندلس وأقام في قرطبة وغرناطة، وتتلمذ عليه الإمام الشاطبي، وله مصنفات أخرى كثيرة، منها كتابه في” القواعد”، وهو مطبوع ومنشور في المكتبة الشاملة. وأول تحقيق له كان في دار الحديث الحسنية، حققه الأستاذ الدردابي. وتجدون في مجموعة التكوين ورقة تعريفية به وبمساره العلمي، ومهامه؛ أرسلها الدكتور “محمد عوام” مشكورا. وتجدون الكتاب أيضا.
بعده جاء تحقيق أحمد بن احميد. لكن تحقيق الدردابي تحقيق كامل للكتاب.
والمقري رحمه الله ذكر عددا من قواعد مقاصد المكلفين وتميُّزَ المالكية في مراعاتها. من ذلك قوله في القاعدة مئتين وستة وتسعين:” من أصول المالكية: المعاملة بنقيض المقصود الفاسد”.
والدكتور محمد صدقي بن أحمد البورنو أبو الحارث الغزي له أيضا “موسوعة القواعد الفقهية”[4].
من أمثلة اعتداد مالك بالمعاني لا بالألفاظ أن رجلا نفرت منه ناقته ففرت منه فقال لها أنت بدنة وهو نذر فلما وجدها، ذهب يسأل مالكا فقال له مالك بعدما قصَّده: لا شيء عليك. قصَّده مالك ليتأكد من مقصوده قبل إفتائه بما قصد وانعقدت عليه نيته، لا بما تلفظ به[5].
ومن القواعد ايضا القاعدة1082: “لسان الحال يتنزل منزلة لسان المقال”. فهذه من القواعد التي ذكرها العلماء في مصنفاتهم تبين الاعتداد بقصد المكلف من كلامه.
هل استفاد الشاطبي من ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية؟
هذه المقدمة الأولى عن استمدادات الشاطبي، وتأثره رحمه الله بمن سبقوه. وها هنا نذكر ما مدى استفادة الشاطبي من ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. وكنت في نظرية المقاصد قبل أربعين سنة استبعدت الاستفادة. أعني استفادة الشاطبي من ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. لكن بعد ذلك ظهرت دراسات وأبحاث حديثة أثبتت الاستفادة خاصة من كتاب ابن تيمية “اقامة الدليل على بطلان التحليل” لتطابق بعض عباراته مع عبارات الشاطبي، ومنها عبارة قاعدتنا الأولى:” الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات”
والشيخ بكر أبو زيد هو صاحب فكرة معلمة زايد للقواعد بالتشاور مع الحبيب بن الخوجة رحمهما الله. والشيخ بكر شنع عليه الغلاة ؛ لكونه أنصف عددا من العلماء منهم سيد قطب رحمه الله. وكانت وفاته سنة 2008م. كان عالما منصفا هو والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.
ومما ذكره الشيخ بكر أبو زيد أن الشاطبي لم يذكر ابن تيمية بالاسم للحملة التي كانت على ابن تيمية.[6]، فكنت أتصور أن الاستفادة لم تحصل للشاطبي من ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. لكن ظهر مع بكر أبي زيد أن الشاطبي استفاد من كتاب “اقامة الدليل على بطلان التحليل”.
هناك خيط آخر يمكن الاستفادة منه، وهو أن الإمام المقري لقي ابن القيم. ولا يستبعد أن يكون حصل منه على شيء من كتاب “اقامة الدليل…” لابن تيمية.[7] ومما ذكره ابن تيمية في الكتاب أن الحيل فيها صدام شديد بين المالكية والحنفية من جهة، وبين المالكية والشافعية من جهة أخرى. وابن تيمية أنكر الحيل وشن عليها حملة. لكن الشاطبي رحمه الله غلّب الانصاف والتوازن والاعتدال بميزانه المقاصدي الدقيق، فرفض الحيل الباطلة. كان منصفا إنصافا نادرا، ودافع عن وجه من آراء الحنفية المتّهمين بتساهلهم في فتح الباب للحيل. وهذا المنهج – منهج الانصاف والاعتدال- نحتاجه. فلابد منه في الحكم على الناس عموما، وعلى العلماء، وعلى المذاهب، والمؤسسات؛ فالشاطبي وابن تيمية رحمهما الله، لكل منهما فضله وتميزه.
القاعدة1: الاعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات:
القاعدة الاولى التي تشابه فيها كلام ابن تيمية مع كلام الشاطبي:” الاعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات”[8]هي على الجملة، وإلا فبعض التصرفات لا يُعبأ فيها بالنية ؛ كحقوق العباد قد تؤخذ بالإكراه. أما حقوق الله فلابد فيها من النية والقصد. فالنية أصل كبير جدا. هذه هي القاعدة الاولى والأم في هذا الباب[9].
والمقري رحمه الله ذكر من قواعده الغزيرة؛ القواعد الخمس الكبرى المعروفة، وأهمها قاعدة:” الامور بمقاصدها”. الأولى في الفقه وفي المقاصد وفي العبادات. وأدلتها لا تُحصى.
ولقد أطال الشاطبي النفَس في الاستدلال على قاعدة: إنما الاعمال بالنيات…”ذكر من ذلك قول الله عز وجل: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). وحديث عمر رضي الله عنه المعروف المتفق عليه:” إنما الاعمال بالنيات”. وغيرها من الأدلة النقلية والعقلية.
ومما اشترك ابن تيمية والشاطبي في تقريره: أن النية هي ما يميز بين العبادة والعادة. والنية هي ما يميز من العبادات الواجبة والمندوبة: الفرض والنفل. ففي الصدقة مثلا نميز بين الزكاة المفروضة وبين الصدقة التطوعية. والتفريق في الجنايات أيضا بين العمد وبين القصد. فالبواعث والنيات تدخل في جميع التصرفات. فالسجود قد يكون لله وقد يكون للصنم، وهو نفس الفعل، لكن القصد مختلف، كما ذكر الشاطبي في مستهل قسم مقاصد المكلفين من كتاب المقاصد.
وقد أرسلت اليكم كلمة ابن الحاج. وفيها قول ابن أبي جمرة وهو شيخ ابن الحاج الفاسي[10]، وهما مغربيان. ماتا في القاهرة وعاصرا الامام القرافي. وإذا قرأنا كتاب القرافي:” الأمنية في إدراك النية” ستظهر لنا أهمية الموضوع، والسبق أيضا.
الفرق بين النيات والمقاصد:
المقاصد والنيات في الغالب يستعملان بمعنى واحد؛ لكن ظهر لي- بنظر أولي في التفريق بين اللفظين: لفظ النية و لفظ القصد- أن النيات فيها الإجمال والمقاصد فيها التفاصيل.. في انتظار مزيد من النظر والتأمل حول الفروق الدقيقة بين النيات وبين المقاصد.
في بعض الفروق بين استدلالات ابن تيمية وبين الشاطبي على القاعدة:
استدلالات ابن تيمية رحمه الله يغلب عليها الطابع الفقهي؛ لكن الشاطبي لما جاء لإثبات القاعدة كان عنده المنطلق المقاصدي حاضرا بقوة؛ ومن منطلقاته المقاصدية البديعة:
1- أن الشريعة انما جاءت لمصالح العباد، وعلى المكلف أن يراعي هذه المصالح المعتبرة في تنفيذه لتكاليف الشريعة.
2- الشريعة جاءت لحفظ المصالح الثلاث، وعلى المكلف أن يحافظ عليها بمراتبها وأولوياتها فهذا هو الدليل الثاني.
3- الدليل الثالث هو أن الانسان مستخلَف في هذه الأرض لعمارتها؛ وعليه أن يقصد ما يقصد مستخلِفه وهو الله تعالى. وهذا يقتضي مطابقة المكلف لقصده في التصرفات مع قصد الشارع الحكيم من التشريع.
وبهذا يتبين الفرق المنهجي بين تناول الفقهاء وهو مسلك ابن تيمية وابن القيم، وبين تناول الشاطبي رحمه الله وطبيعة استدلالاته.
توقف لصلاة المغرب.
السيد المسير: لقد أسهب الاستاذ حفظه الله في التقديم لقواعد مقاصد المكلف، وهي مقدمات لها أهميتها. ونظرا لضيق الوقت سنرجئ الحديث عن القاعدة الثانية من هذه الحصة وهي قاعدة:” قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع” إلى الحصة المقبلة.
الأسئلة وأجوبتها:
س1: هل المطلوب موافقة القصد تماما أم موافقته في الجملة؟ (مثال من يجمع في صومه بين نية التعبد ونية نقص الوزن).
ج: ذكرت أن التفريق الذي بدا لي حتى الآن ولم يستقر، هو ان النيات فيها الاجمال نية التعبد مثلا؛ لكن النظر إلى المقاصد يقتضي النظر في تفاصيل الأحكام. في الصيام مثلا الله تبارك وتعالى قال “لعلكم تتقون” وفي الحديث: “الصيام جُنة” ثم قال شراح الحديث: جُنة من النار. نعم هذا المعنى مراد؛ لكن لماذا الاقتصار عليه، وحصر قصد الصيام فيه دون غيره من المنافع والمصالح الدنيوية أيضا ؟ والاصوليون عندهم قاعدة: “أن حذف المتعلّق يدل على العموم”. والآية تؤكد هذا. فلو أراد الشارع أن يقصر الأمر على الوقاية من النار لأضاف كلمة دالة على حصر المعنى: “الصيام جنة من النار” لكن لما حذف المتعلق دل ذلك على العموم، فصار المعنى عاما. ولذلك فالصيام وقاية صحية ونفسية ووقاية من العادات السيئة. والصيام يكسر العادات المألوفة وفي ذلك تربية وتدريب؛ فنحن ننوي العبادة، ونوسع مقاصدها، ولا نضيق على الشرع ولا على أنفسنا. وسنأتي الى قاعدة عظيمة من قواعد الشاطبي وهي “واضع الأسباب قاصد إلى المسببات”، فإذا حقق الصيام منفعة فما المانع من اعتبارها من مقاصد تشريعه.
س2: هل معرفة القصد شرط لصحة العمل؟
ج: لا ليس شرطا. ما نستفيده من قواعد مقاصد المكلفين، أن المكلف عليه أن يقصد ما قصد الشارع. فعلى الانسان أن يجتهد في معرفة القصد التي بلغت القطع او قاربت القطع.كما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله .
كثير من الناس في رمضان مثلا يأكلون أكثر مما يأكلون في غيره. فهل تحقق مقصود الصيام أو على الاقل جزء من مقاصد الصيام عند هؤلاء؟ بالتأكيد لم يتحقق جزء من قصد الصيام؛ لأن من مقاصده تقليل الطعام، وتحقيق الحمية للجسد. وكل ذلك يكون عونا على التقرب إلى الله ويكون أيضا دافعا لتحقيق مقصد التقوى. فمعرفة المقاصد تجعل التصرف سديدا وغيابها يجعل أعمال المكلف عرضة للاختلالات. والله تعالى أعلم وأحكم.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة الثالثة والعشرين(23) ليومه الخميس :10 شتنبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش+1) القواعد: 52-53-54 بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:341 إلى ص:362.
| القاعدة 52: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع القاعدة53: من ابتغى في تكاليف الشريعة غيرَ ما شُرعت له؛ فعمله باطل. القاعدة54: الحيل باطلة متى هدمت أصلا شرعيا |
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.
[1] ثمة رسالة للماجستير من قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عنوانها” مقاصد المكلفين عند الأصوليين” من 1039 صفحة. كما أن رسالتي للدكتوراه من جامعة القاضي عياض بمراكش تحمل عنوان” الاجتهاد المقاصدي عند مجددي المالكية من خلال مراعاتهم لقصد المكلف وأثر ذلك في استنباط الأحكام وتنزيلها”وهي متاحة رقميا بموقع مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط.
[2]من الإفادات التي أغنى بها المحاضِر الحصة، مما أرسله في مجموعة التكوين :”قال ابن رشد الجد
“الأَيْمان تُـحمل على بساطها، وعلى المعاني المفهومة من قصد الحالف بها، لا على ما تقتضيه ألفاظها في اللغة. وهو أصل مذهب مالك رحمه الله”. وقد دعم فتواه بنظائر لها عن الإمام مالك، وتلميذه ابن القاسم، ثم قال: “وأهل العراق يخالفون في ذلك ويرون الحالف حانثًا، لما لفَظَ به في يمينه، ولا يعتبرون في ذلك نية ولا بساطا ولا معنى. وذلك خطأ بين في الفتوى. لأن الأحكام إنما هي لمعاني الألفاظ المعتبرة المفهومة منها، دون ظواهرها. ولو اتبعتْ ظواهرُها دون معانيها المفهومةِ منها في كل موضع لعاد الإسلام كفرا، والدين لعبًا”.
ثم مثل لهذا المآل الشنيع الذي يفضي إليه التمسك بالظاهر، وإهمال المقاصد، بقوله تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 3، بحيث إذا أخذ على ظاهره أدى إلى الكفر والشرك، ولكن مقصوده النهي والوعيد. وذكر نظائر أخرى لهذا، من الآي الكريمة.
[3]العلامة فريد الأنصاري في سياق تحريره للمصطلح الأصولي عند الشاطبي اهتدى إلى أن ” سد الذرائع” قاعدة كبرى متفرع عن أصل” اعتبار المآل”، أنظر تفصيل ذلك في رسالة الدكتوراه:” المصطلح الأصولي عند الشاطبي، الفصل الثالث: مصطلح المآل من ص:413 إلى نهاية الفصل،ص:494.
[4] توجد نسخة رقمية منها في مجموعة التكوين لمن أراد الاطلاع والاستفادة والإفادة
زاد الأستاذ المحاضر الأمر بيانا وتوضيحا في سياق متابعته للحصة عن بُعد عبر مجموعة التكوين، فقال في هذا الصدد:”[5]
الجديد الذي أردت توضيحه وتثبيته هو: أن الكلام إذا لاح له مقصد غير ما في ظاهر ألفاظه، فالمعول عليه مقصوده دون لفظه، وهذا من مقتضيات القاعدة الكبرى: (الأمور بمقاصدها) أو: (المقاصد والنيات معتبرة في التصرفات.)
وأعيد التذكير بفتوى الإمام مالك التي ذكرتها في المحاضرة.. فقد روى ابن حبيب، “أن أعرابيا نفرت ناقته وهربت، فقال لها: أنت بدنة، يعني هديا إلى بيت الله. ثم سأل مالكًا، فقال له مالك -ليتأكد من قصده قبل إفتائه-: أردتَ زجرها بذلك؟ فقال: نعم. قال: لا شيء عليك. قال: أرشدك الله يا ابن أنس”.
فكلام الباري تعالى، ثم كلام الناس، مليآن بالتعابير المجازية، والتعابير الساخرة، والمعاريض، والعام الذي أريد به الخصوص، والخاص الذي أريد به العموم.. وفي كل هذه الحالات ونحوها يبقى القصد متى ظهر وثبت هو المعول عليه، ولو على خلاف ظاهر الكلام، الذي يظهر أنه غير مقصود. ألا ترون من قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هو كفر بحسب اللفظ، ولكنه محض الإيمان بحسب القصد..
من ذلك قول ابن القيم في أعلامه:
“والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، والإحالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر. (1/219-220).
: [6] – من إفادات المحاضر لمجموعة التكوين ما يلي: ” قال الشاطبي في (الاعتصام)
“قال بعض الحنابلة (5): لا تعبأ بما يفرض من المسائل، ويدعى فيها الصحة بمجرد التهويل، أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحدا قال فيها بالصحة فضلا عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يعذر المخالف فيها”.
(5) قال المحقق: هو شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وكلامه هذا في “إقامة الدليل على بطلان التحليل” المطبوع ضمن “الفتاوى الكبرى” (3/ 370). أفاده الشيخ بكر أبو زيد في مقدمته لكتاب “الموافقات” للشاطبي (1/و). قال: “وربما أن الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ لم يسمه، ولم يسترسل بذكره والنقل عنه؛ اتقاء لما وقع في الخلوف من عداوته، والنفرة منه”. اهـ.
[7]-من إفادات المحاضر ومتابعته للحصة التكوينية عن بُعد هذا النقل الذي أرسله حفظه الله إلى مجموعة “الواتساب”:(نقل شهاب الدين أحمد المقري التلمساني من بعض مؤلفات جده الأعلى أبي عبد الله المقري يصف رحلته المشرقية
“أخذت على الشام، فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تيمية، وصدر الدين الغماري المالكي، وأبا القاسم ابن محمد اليماني الشافعي، وغيرهم، وببيت المقدس الأستاذ أبا عبد الله ابن مثبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه المذكر أبا عبد الله ابن عثمان، وغيرهم.
ثم رجعت إلى المغرب فدخلت سجلماسة ودرعة، ثم قطعت إلى الأندلس، فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلة ومالقة وبلش والحامة، وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة، وفي علم الله تعالى ما لا أعلم، وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهى كلام جدي رحمه الله تعالى في الجزء الذي ألفه في مشيخته، وقد لخصه لسان الدين في الإحاطة…”
نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب تحقيق إحسان عباس (5/ 254)
[8] وقفتُ على نص كلام ابن تيمية من” بيان الدليل على بطلان التحليل” ص:54، طبعة المكتبة العصرية الأولى: 2007م.في مستهل الوجه الثاني عشر من ” الأدلة على تحريم الحيل وإبطالها” قال فيه:” المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فتجعل الشيء حلالا أو حراما، وصحيحا أو فاسدا، أو صحيحا من وجه، فاسدا من وجه، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، وصحيحة أو فاسدة”؛ كما وقفتُ على نص كلام الشاطبي في مستهل المسألة الأولى من القسم الثاني من كتاب المقاصد” فيما يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف”. قال رحمه الله:” إن الأعمال بالنيات، والمقاصدَ معتبرةٌ في التصرفات من العبادات والعادات والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر. ويكفيك أن المقاصد تُفرق بين ما هو عادة وما هو عبادة؛ وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب؛ وفي العادات بين الواجب والمندوب، والمكروه والمحرم، والصحيح والفاسد، وغير ذلك من الأحكام. والعمل الواحد يُقصد به أمر فيكون عبادة، ويُقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك” الموافقات،2/246.
[9] أطال الشاطبي النفَس في الجواب على اعتراض محتمل، قال فيه: لا يقال: إن المقاصد وإن اعتُبرت على الجملة، فليست معتبرة بإطلاق وفي كل حال” ثم شرع في بسط الأدلة المنطقية على رد هذا الاعتراض، لتسلَم له قاعدة” الأعمال بالنيات….” إجمالا. أنظر الموافقات،2/247 وما بعدها.
مما أفاد به المحاضِر مجموعة التكوين في إطار المتابعة عن بُعد:” قال ابن الحاج الفاسي في أول كتابه (المدخل):
“وبعد: فإني كنت كثيرا ما أسمع سيدي الشيخ العمدة العالم العامل المحقق القدوة أبا محمد عبد الله بن أبي جمرة يقول: وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يُعَلم الناسَ مقاصدَهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا…”
قال العلامة ابن فرحون:
“وصنف كتاباً سماه (المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة) وهو كتاب حفيل جمع فيه علماً غزيراً. والاهتمام بالوقوف عليه متعين”.
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون (2/ 322)

