الحلقة الأخيرة: كتاب الاجتهاد والتقليد مع الخاتمة والملاحظات
باب الاجتهاد والتقليد
تقديم الباب
وفيه إشارة إلى تاريخ العناية بالاجتهاد، وأهميته، وموقعه من خريطة علم أصول الفقه حيث يعد أحد أقطاب هذا العلم، وكذا وجه الارتباط بين الاجتهاد والتعارض والترجيح.
أضف إلى ذلك التأكيد على أن “التعارض إنما ينجم عن نظر المجتهد وتنزيله للأدلة الشرعية،”[1]، ثم ذكر مباحث هذا الباب وجعلها ثلاثة، يأتي التفصيل فيها فيما يلي:
الفصل الأول: الاجتهاد
المبحث الأول: في معنى الاجتهاد وحكمه
الاجتهاد لغة واصطلاحا
وفيه تعريف الاجتهاد عند بعض الأصوليين كالغزالي والزركشي، وكذا الإشارة إلى وجه الارتباط بين العلمي والجهد الفكري والاجتهاد، وكذا بيان حكم الاجتهاد، وهو الوجوب الكفائي الذي يصير إلى الوجوب العيني في حالات معينة، مع ذكر الأدلة الشرعية على هذا الحكم.
أضف إلى ذلك الحديث عن مكانة الفقهاء في الإسلام.
المبحث الثاني: مجالات الاجتهاد
يشير المبحث إلى أن أمور الدين تنقسم إلى قسم غالب يستطيع الناس معرفته بطرق متعددة كالاطلاع على كتب التفسير والفقه، وقسم آخر يدخله الاجتهاد ويتطلب جهدا علميا من العلماء وهو ما يسمى مجال الاجتهاد، وقف المبحث عند قاعدة لا اجتهاد مع النص، وعند بعض مسمياتها الأخرى،” لكن قد يَرِد النص في المسألة، ويبقى معه مساغٌ ومجال للاجتهاد: في فهمه وحسن تنزيله.”[2]، ثم مساغ ومجال هذا الاجتهاد
المبحث الثالث: شروط المجتهد
جمع المؤلف شروط المجتهد ضمن ثلاثة عناصر كبرى، وهي: العنصر المعرفي، العنصر الفكري والعنصر الخلقي[3]، ثم ذكر بعض أقوال العلماء التي تتضمن شروط المجتهد.
ومن بين الشروط التي توسع المؤلف في الحديث عنها: استقلالية المجتهدين والمفتين، وفيه يرى أن:” من لم يكن مستقلا في فكره ورأيه ومواقفه، فليس موثوقا في اجتهاده.”[4]
المبحث الرابع: طبقات المجتهدين ومسألة تبعض الاجتهاد
تناول المبحث طبقات المجتهدين وجعلها ثلاثا كبرى، طبقة عليا، طبقة وسطى، وطبقة دنيا.
ثم أسهب في الحديث عن مسألة “تبعض الاجتهاد” بمختلف مسمياتها. وكذا المراد بها، وبين أراء الأصوليين حولها ورأي جمهور العلماء الذين يرون صحة وجواز هذا النوع من الاجتهاد، كما عرض أدلة مشروعيته، ودواعيه والحاجة إليه في عصرنا اليوم.
كما عرف المؤلف بالمجتهد الخاص وما ينبغي أن يكون عليه حاله.
الفصل الثاني: مسائل التقليد
في هذا المبحث إشارة إلى وجه الارتباط والتقارب بين الاجتهاد والتقليد، واستبعد من موضوع التقليد موضوع التقليد في العقائد وأصول الدين، وذم التقليد. ليخلص إلى التأكيد على أن موضوع التقليد الذي يعنيه هو التقليد الفقهي ومسائله الأصولية.[5]
المبحث الأول: تعريف التقليد وحكمه
وفيه ذكر لبعض التعريفات الأصولية، والتعقيب عليها بكونها” تحمل معنى سلبيا، إن لم يكن قدحيا عن التقليد.”[6]
وإبراز لتعريف أقرب للترفق والانصاف وهو تعريف الشيخ عبد الحميد بن باديس.
حكم التقليد من المسائل التي جاءت في هذا المبحث حيث هناك حديث عن أسباب تحريم التقليد وذمه والاختلاف في حكمه، ثم تعريف التقليد الفقهي، وأن التقليد في الباطل مقطوع بمنعه، “وأماالتقليد في الحق فأصل من أصول الدين،….”[7]
الاختلاف بين العلماء في جواز التقليد في مسائل الأصول أما الفروع فلا خلاف في جوازه، بل وجوبه.
ـ التقليد فرضٌ على العامي إذا نزلت به نازلة، وعلى العالم كذلك في أحيان معينة.
ـ مسألة تتبع الرخص، حيث عرض المقصود بهذه المسألة، وحكى الاتفاق على ذمها وعدم جوازها.
الفصل الثالث: التعارض والترجيح
بين المؤلف لماذا يندرج التعارض والترجيح ضمن مباحث الاجتهاد، كما فعل الإمام الغزالي.
المبحث الأول: معنى التعارض والترجيح
وفيه تعريف لغوي واصطلاحي لكل من التعارض والترجيح.
وتطرق المؤلف لحقيقة التعارض بين الأدلة وأسبابه فذهب إلى القول بأن الأدلة الشرعية لا تعارض بين ٌ في ذاتها، وإنما منشأ التعارض يرجع إلى نظر المجتهدين لأنهم غير معصومين من الخطأ.[8]
المبحث الثاني: مسالك رفع التعارض
وفيه عرض وتفصيل لأهم مسالك رفع التعارض بين الأدلة، وهي:
أـ الجمع والتوفيق بين الدليلين: وفيه ذكر لبعض الأمثلة من الجمع بين الأدلة من القرآن والسنة.
ب ـ النظر في احتمال النسخ عند التعارض، مع أمثلة مناسبة له، وفي هذا الصدد يؤكد المؤلف على أنه:” لابد ـ قبل اللجوء إلى طَرْق باب النسخ ـ من استنفاذ إمكانات الجمع والتوفيق.” [9]، ومثل لذلك بما يناسب من الأمثلة.
يختم المؤلف حديثه في هذا المضمار بالقول” والخلاصة: متى أمكن الجمع بأي وجه، لا يصار إلى النسخ، ولا إلى الترجيح.”[10]
ج ـ النظر في الدليل الأقوى ثبوتا ودلالة على ما دونه، مع تقديم الأمثلة المناسبة في هذا الصدد.
سادسا: مزايا الكتاب
ـ يتضمن الكتاب ثروة من الاحكام الفقهية العملية والجزئية، ويظهر هذا الأمر حين الحديث عن الأحكام التكليفية[11].
ـ لغة الكتاب وأسلوبه يتسمان بالبساطة، فهو يعرض قضايا أصول الفقه بلغة بسيطة تقترب من كثير من المهتمين بهذا الفن من فنون الشريعة الإسلامية.
ـ من المهارات الأساسية في تدريس مادة التربية الإسلامية بالنظام التربوي المغربي[12]، مهارة استخراج الأحكام الشرعية، وحيث إن الكتاب تناول في جزء منه باب الاحكام الشرعية وفصل في كثير من جزئياته، فإن مطالعة هذا الكتاب تعد وسيلة من وسائل تجويد تدريس هذه المادة الدراسية. خاصة وأن الكتاب أشار إلى جانب مهم في باب الأحكام وهو كون أغلب آيات القرآن الكريم، آيات أحكام. الشيء الذي يزيد من تسهيل مأمورية تدبير التعامل مع المهارة المذكورة.
ـ علم أصول الفقه مادة من المواد الدراسية الجامعية، وقد جرت قواعد التعليم الجامعي أن يرشد الطلاب إلى بعض المصادر والمراجع المتعلقة بكل مادة دراسية، والكتاب الذي بين أيدينا، يمكن إدراجه ضمن خانة مراجع مادة أصول الفقه. كما أن الكتاب مرجع أساس كذلك لكل المقبلين على مباراة التعليم في مادة التربية الإسلامية خاصة.
ـ من مميزات الكتاب الجدة والجودة في طريقة عرض مادته، وهذا ما عبر عنه المؤلف، حين حديثه عن الأركان الثلاثة لفهم دلالات الخطاب، ” موضوع هذا المبحث غير معهود عند الأصوليين، وغير مندرج على هذا النحو في تناولهم لمباحث الدلالات،…”[13]
ـ الانفتاح على مختلف المذاهب الأصولية والفقهية والأخذ منها، واختيار أرجحها عند المؤلف، من دون تعصب لمذهب على آخر، المهم عنده منها ما كان أكثر اقترابا من الصواب في الموضوع الذي يتناوله.
ـ غالبا ما يركز المؤلف على ضرب الأمثلة لتتضح المعاني والمقالات، وهذه ميزة طبعت مختلف أبواب الكتاب، ونجد من الكتاب والباحثين والمؤلفين من يَضْعُفُ عنده أسلوب ضرب الأمثال في التأليف.
ـ التقويم [14] واحد من الأسس والركائز التي تقوم عليها المنظومة التربوية سواء المدرسية أو الجامعية بالنظام المغربي، والكتاب حافل بالنصوص أو الاسناد [15]التي يمكن اعتمادها في تقويم الطلاب أو التلميذ.
سابعا: ملحوظات حول الكتاب
ـ الجرأة العلمية والنقد وإبداء الرأي في القضايا العلمية، سمات مميزة لصاحب الكتاب، إلا أن الملاحظ هو غياب إبداء الراي في بعض القضايا، ومثاله الحديث عن مفهوم اللقب واستبعاده من قبل القائلين بمفهوم المخالفة، حيث لم يظهر للمؤلف موقف شخصي من هذا الاستبعاد، فينتظر منه معرفة رأيه في الموضوع.
ـ صرح المؤلف، بأن من مهام هذا الكتاب:” تجديد المادة الأصولية وتحديث الصياغات الأصولية، لتقريبها من زمانها، وتقريب زمانها منها”.[16] ، وواضح من خلال تتبع متن الكتاب الجهد الكبير والمتميز في تجديد المادة الأصولية وتحديث صياغاتها الأصولية، إلا أن بلوغ هدف تقريبها من زمانها، وتقريب زمانها منها، لم يتحقق بالقدر المطلوب والمرجو من المؤلف، وهو الفقيه الأصولي، فالمتأمل في متن الكتاب قل أن يجد استثمار مادة أصول الفقه في معالجة قضايا مستجدة ومحاولة إيجاد الحلول لها بناء على المرجعية الأصولية، مقارنة مع ما قدمه في كتاب ” مراجعات فقهية وأصولية”، [17]حيث يجد فيه القارئ مجموعة من القضايا المعاصرة مثل موضوع إمامة المتغلب في عصرنا، وموضوع:” هل يجوز إقراض الفقراء من مال الزكاة لتمويل مشاريعهم الاستثمارية؟”.
ـ سبقت الإشارة في معرض الحديث عن مزايا الكتاب، إلى أن مما يميز هذا الأخير، هو اعتماد أسلوب ضرب الأمثلة، إلا أنه أحيانا يلاحظ غياب هذا الأسلوب، وما يدل على ذلك مثل ما ورد في سياق الحديث عن مخصصات العقل[18]، حيث لم يقدم المؤلف أمثلة توضيحية تقرب القارئ من المراد من هذا المخصص.
ثامنا: خاتمة
ختاما، فقد جاء الكتاب على ذكر لأهم المباحث الأصولية بشكل مختصر مفيد غير مخل، تأكد من خلاله إمكانية إعادة النظر وتجديد الصياغة الأصولية لمباحث هذا العلم.
إن من شأن هذا الكتاب، أن يفتح باب الاجتهاد لكل الباحثين والدارسين والمهتمين بهذا العلم، والبحث في قضاياه خاصة في الشق المتعلق بتقريب علم أصول الفقه من زمانه وتقريب زمانه منه، ومحاولة استخلاص البعد المنهجي الكامن في كل مبحث من تلك المباحث، استكمالا للورش الرامي إلى استنطاق هذا العلم واستخراج الكنوز المنهجية التي يحتوي عليها.
لائحة المصادر والمراجع
ـ https://raissouni.net .
ـ https://www.islamweb.net/ar/article/
ـ https://www.men.gov.ma/Ar/Documents/Examens_2024/
ـfile:///C:/Users/pc/Downloads/admin,+Volume+3A+article+3. pdf
ـ أبجديات البحث في العلوم الشرعية (محاولة في التأصيل المنهجي) ضوابط ـ مناهج ـ تقنيات ـ آفاق” ، الدكتور فريد الانصاري ،دار الكلمة للنشر والتوزيع ـ مصر ـ المنصورة، الطبعة الأولى 1423ه / 2002م.
ـ المختصر الأصولي، للدكتور أحمد الريسوني، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر القاهرة، الطبعة الأولى 1440ه/ 2019م.
ـ مراجعات فقهية وأصولية، الدكتور أحمد الريسوني، الدار المغربية للنشر والتوزيع ـ المغرب، الطبعة الأولى، 1445ه/ 2024م.
[1] ـ المختصر الأصولي ، ص240
[2] ـ المختصر الأصولي ، ص 246
[3] ـ المختصر الأصولي ، ص247
[4] ـ المختصر الأصولي ، ص251
[5] ـ المختصر الأصولي ، ص257
[6] ـ المختصر الأصولي ، ص 258
[7] ـ المختصر الأصولي ،ص259
[8] ـ المختصر الأصولي ، ص 262ـ 263
[9] ـ المختصر الأصولي ، ص 273
[10] ـ المختصر الأصولي ، ص264
[11] ـ ينظر، المبحث الخاص بالأحكام التكليفية، المختصر الأصولي ، ص 47، وما بعدها
[12] ـ ينظر، https://www.men.gov.ma/Ar/Documents/Examens_2024/ تاريخ زيارة الموقع/21/09/2024م
[13] ـ المختصر الأصولي ،ص173
[14] ـ ضمن الرابط مقال يتحدث حلو عملية التقويم في المجال التربوي. file:///C:/Users/pc/Downloads/admin,+Volume+3A+article+3.pdf
[15] ـ كلمة يقصد بالسند في هذا السياق مجموعة النصوص الشرعية والفكرية التي تكون محور تقويم المتعلم، وذلك باعتمادها في الامتحانات وتذييلها بأسئلة يتطلب الجواب عنها الرجوع إلى تلك الأسناد.
[16] ـ المختصر الأصولي ، ص5
[17] ـ مراجعات فقهية وأصولية، الدكتور أحمد الريسوني، الدار المغربية للنشر والتوزيع ـ المغرب، الطبعة الأولى، 1445ه/ 2024م.
[18] ـ المختصر الأصولي ، ص 222

