الحصة الخامسة والأخيرة شهادة الدكتور البشير قنديلي في حق الفقيد
الدكتور عبد الهادي حميتو كما عرفتُه.
الدكتور عبد الهادي حميتو كما عرفتُه.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه، ومجتباه من رسله وأنبيائه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
إلى عهد قريب كنتُ أحتفظ ببعض المذكرات الصغيرة المتضمنة لتقييدات يرجع تاريخها إلى الفترة التي كنتُ فيها تلميذا بالإعدادي وعمري آنداك أربعة عشر ربيعا، أي في سنة:1985م، ومنذ ذلك الحين وأنا أعتبر نفسي تلميذا يتحين أي فرصة أتيحت للإفادة من علم الشيخ الذي كنا معجبين بسعة علمه، وكريم خلقه، وتواضعه الجم. ورغم قلة الدروس التي كان يُلقيها المحتفى به، وعدم انتظامها؛ إلا أن قرب بيتنا من المسجد الصغير بالجريفات الذي كان الشيخ إماما فيه لسنوات، بعد أن سهر بمعية أهل الفضل والخير على توسعته؛ ساعدنا على معرفة الأوقات التي يكون فيها واعظا ومدرسا ومربيا. بعد العصر إلى قُبيل المغرب في رمضان لأعوام متتالية، وبين العشاءين في غير رمضان لسنوات طوال.
ولقد كانت أوقات دروسه لحظات مباركة نغترف فيها من علم الشيخ وأدبه، إذ كان يُربّينا بصغار العلم قبل كباره، وهذه من شيم العلماء الربانيين الحكماء، ورغم فُتوّة أناملنا، وقلة استيعابنا لكثير مما كان يُلقى من معارف وعلوم، لم أكتشف قيمتها إلا بعد انفتاحي على العلوم الإسلامية خلال سنوات الطلب بعد البكالوريا؛ فقد كان حرصنا على متابعة دروسه شديدا.
ولقد كُنتُ أستشعر- شهد الله- صدقا منا في الطلب، وصدقا وتجردا فيمن نتتلمذ عليه، فكان حفظه الله يمنحنا بعض علمه ونصائحه؛ لأجل الإفادة ورغبة في تربية الملَكة العلمية لدينا، لا لأجل تسجيل الحضور !
وما أجود ما نقله المناوي في خاتمة شرحه لمقدمة كتاب الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير عن ابن الكمال، قال: (ولما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره، لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما تباشره أبدانها من الأعمال، فكل عمل بنية صادقة رحمانية عن هيئة نورانية؛ صحبته بركة ويمن وجمعية وصفاء، وكل عمل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة غاسقة ظلمانية صحبه محق وشؤم وتفرقة)[1].
ولعلي لا أكون مجانبا للصواب إن قُلتُ بأن الشيخ عبد الهادي لم يكن يهمه طبيعة الحاضرين، ولا مكانتهم الاجتماعية، أو ألقابهم ومسؤولياتهم التنظيمية، بل كان يهمه المحتوى العلمي والمعرفي الذي بين يديه- وغالبا ما يكون كتابا-، ويتغيى الإفادة منه.
وربما توقف عن الدروس لفترات قد تطول وقد تقصر، وأُقدّر أنه كان يفعل ذلك عندما يُحس بضعف الهمم وانصرافها عن الطلب والتحصيل؛ ولم نكن وقتها نعرف سبب التوقف، قد يكون من الأسباب ما هو ذاتيّ، لكن من المؤكد أن للأسباب الموضوعية أيضا أثرا في تعثر انتظام الدروس لفترات، إذ يكون الشيخ بين ظهرانينا إماما للصلوات الخمس قبل أن يُسند المهمة لمن تعاقبوا على الإمامة والتدرير، وآخرهم هو الحافظ المتقن لرسم القرآن، ذو الخلق الرفيع السيد عبد السلام كادي[2] أطال الله عمره، وعوضه الله في فقد ولده عبد الله، خيرا وأجزل له المثوبة والأجر، آمين.
لحظات ممتعة، وكتب نافعة:
مازالت الذاكرة تحتفظ ببعض المقاطع من المنظومة الفقهية المسماة “المرشد المعين على الضروري من علوم الدين” لمؤلفها عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر المالكي التي كانت من أوائل ما سمعته من دروس الشيخ، وقد كانت أبيات المنظومة تُقرأ بشكل جماعي قبل شروع الشيخ في شرح بعضها بأسلوب سهل ومفيد، مقرّب للصناعة الفقهية.
كما كان حفظه الله يستعرض بعض الفقرات من متن الآجرومية” لأبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، ولد في فاس سنة 672 هـ، وتوفي فيها سنة 723 هـ، ويشرحه رغبة في تقويم لغة مَن بين يديه من التلاميذ رغم قِلّتهم.
وكان له مع كتاب “مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”[3] لمؤلفه علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين المصري القاهري الحافظ. ولد سنة (735 هـ) وتوفي سنة (807 هـ) وقفات، يا ليت الناس كانوا على وعي بقيمتها فاقتنصوا فوائدها وفرائدها
ولم يفت عالمنا الجليل الإفادة من “علم” التفسير، فكان له مع الحافظ ابن كثير رحمه الله وتفسيره أيضا وقفاتٍ وحصصا غنية بالفوائد، حُرم منها من زهدوا فيها واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وآثروا الإخلاد إلى الدعة، و تزجية الأوقات فيما لا يُجدي نفعا.
وأختم بالإشارة إلى ما أفادنا به الشيخ من تأملاته ونظراته في علوم الحديث ونصوصه، من خلال مؤلَّف حديثي ما فتئ حفظه الله يُشيد بجهود جامعه، وهو الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي؛ يتعلق الأمر ب: ” اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان”
فانظر كيف كان الأستاذ المربي حفظه الله يرتب موضوعات العلوم الإسلامية دون أدنى وعي منا آنذاك؛ إذ لم نكن وقتها نميز بين فقه وحديث ولغة وتفسير وقراءات…
ولا تفوتني الإشارة إلى لحظة نُقشت في ذاكرتي نقشا يوم كنا بضعة أشخاص في المسجد نقرأ( السّْوار) وتحديدا الحزب:20 المستهل بقول الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان…)[4] فصعد الشيخ عبد الهادي قبل أذان المغرب وجلس يقرأ معنا في تواضع جم كأنه واحد منا، فلما وصلْنا إلى مطلع الثُّمن الرابع المُستهل بقول الله تعالى:( فلا تُعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا…)[5]، توقفنا وذكّرَنا بالرمز( فلال) والمكوَّن من الحروف الملونة بالأحمر لضبط الآية وتمييزها عن نظيرتها في نفس الحزب، وهي قوله تعالى:( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)[6] التي استُهل بها الثمن الثامن من نفس الحزب. ومثل هذه الرموز والأنصاص، كانت من الوسائل التعليمية المساعدة على الضبط وتمييز المتشابهات اللفظية، خاصة مع ضعف طلبة القرآن في العربية نحوا وصرفا وتراكيب….. ورغم قلة حديثنا مع الشيخ، غير أن قليلا منه كان يكفينا؛ لأن قليله هذا لم يخل من نصائح وتوجيهات؛ لعل أجمعَها: الحث على التحصيل، واستغلال الأوقات، وتقوى الله. وأنعم بها من وصايا جامعة لا يُسديها إلا من أراد بالنشء والناس خيرا.
أسأل الله جلت قدرته أن يُمتع عالمنا بموفور الصحة، وطول العمر، وأن يُبارك في علمه ووقته، ويرزقه الصبر على تحمل معاناة وآلام التحصيل والضبط والتحقيق، وأن ينفع بعلمه.والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
والله من وراء القصد
[1]– فيض القدير، 1/39.
[2] – عبد السلام كادي أحد أعضاء لجنة المصحف المحمدي، واسمه مثبت في آخر المصحفقبل فهرس السور ضمن أعضاء اللجنة التي كان يترأسها مُترجَمُنا
[3] – هذا الكتاب سفر ضخم من كتب السنة تضمن في طياته كثيرًا من الأحاديث محذوفة الأسانيد، دبج عليها جامعها ديباجة تحوي تخريجها, وعزوها إلى مواطنها الأصلية, ولم يكتفِ بذلك فحسب؛ بل ذكر الحكم على الحديث من حيث القبول أو الرد، ويتكلم أحيانًا على علة الحديث، وقد رتب الكتاب ترتيبًا موضوعيًّا على الموضوعات والأبواب الفقهية، كما اشتمل الكتاب على زوائد الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة على الكتب الستة البخاري ومسلم وابن ماجه وأبي داود والنسائي والترمذي، وقد بلغ تعداد الأحاديث في الكتاب (18776) حديثًا، عن موقع:www.al-eman.com
[4] – سورة التوبة، جزء من الآية: 34
[5] – سورة التوبة، الآية:55.
[6] – سورة التوبة، الآية:86.

