الحلقة الرابعة
كلمات مضيئة للشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو ومستخلصات من بعض آرائه.
يُكنّ الشيخ حميتو للراسخين في العلم حبا خاصا، وشغفا بتألقهم ونبوغهم، وإنما يحذو حذو الكبار الأكابر، ويعرف الفضل لأهله أهل الفضل، فها هو يعبر عن بعض ذلك صراحة في مقدمة كتابه “معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني إمام القراءات بالمغرب والأندلس” بمناسبة الذكرى الألفية لظهور مدرسته في القراءات قائلا:( وإني لأكتب ما أكتبه في هذه الذكرى عن مشايخ هذا الإمام، وأنا خجِل معترف بالتقصير، شاعر بقلة المساعد والنصير، بعد أن انقطع الإسناد، وتفرق أهل المنزل والناد، وذهب الطارف من أمجادنا والتلاد أو كاد، فليعذرنا هذا الجهبذ الفذ؛ لأننا وإن بذلنا غاية الجهد، لم نستطع أن نفي له بمعشار ما له على كل قارئ منا من عظيم المنة وثقيل الدَّيْن، وما له من فضل على الأمة جمعاء.
بيدَ أني وأنا تلميذه الشادي، المدين لتراثه العلمي، كنتُ وما أزال ولن أزال بعون الله أحمل له في نفسي ودادا لا يبلى، وأضعه من أئمة هذا الشأن في منزلة لا تسامى، وتتجاذبني نحوه في كل آن آصرة من أواصر القربى في درب القرآن الكريم وعلومه، لاتدانيها أواصر الأنساب، ولا تُجاريها جواذب اللحم والدم، أو وشائج الأرحام والأصلاب)[1].
ثم يُحلّيه في أبيات شعرية بأوصاف تليق بمقامه قائلا:
( يا حافظ الدنيا ومن بهر النُّهى = تيسيرُه وبيانه والجــــامع
وبمقنع بذ الفحول ومحكــم = بده العقول فما لديه منــازع
وبديع إسناد كأن رجالـــه = فيه البدور سمت لهن مطــالع
من كل حبر للمقارئ بــارع = بر تخيره إمام بــــــارع
يتفجر التنزيل بين ضلوعـــه = كالنبع يدفق سيبه المتدافــــع)[2].
ويقول عنه في سياق آخر مشيدا بإمامته وريادته:
(شهدت له الصِّيد الجهابذ ُ بل غدوْ = في إثْره كالإلدة التُّبعاء
أعني أبا عمرو وما أدراك مـــا = هذا الإمام الفذ في النبلاء
أعني أبا عمرو إمام الغرب بـــل = أستاذ كل مجود تلاّء(…)
وسَميّ ذي النورين حامل هديه = وسمي ورش سيد العمداء
لله من بحر تلاطم موجـــه = بالذكر واستعلى على النُّظراء
ذهب الأماثل وهو باق ماثل = في كل محضرة وكل خِباء
ولكل كاتب مصحف من نقله = نهل يشد رسومه بهجاء
مرحى أبا عمرو عليك مراحم الـ = رحمن هامية بدار بقاء)[3]
* إسهام الشيخ عبد الهادي حميتو في مباحث علم القراءات، وتتبع مراحل تطوره، وتحقيق بعض مسائله.
الدكتور عبد الهادي حميتو فارس من فرسان علم القراءات، وخِرّيتٌ في مباحثها؛ شهد له بذلك الأباعد والأقارب، ومؤلفاته في هذا المجال شاهدة على رسوخه وتمكنه في هذا الفن من فنون العلوم الإسلامية[4].
يقول حفظه الله في سياق حديثه عن أهمية الاشتغال بالقرآن وعلومه:( إن أشرف العلوم ما يتصل منها بكتاب الله، وأسناها قدرا وأجلّها ما عليه تتوقف تلاوته وينتظم به أداؤه، وهو علم الرواية المصحح لنقل القرآن، الضابط لطرق النقل وقواعد الأداء، إذ لا سبيل إلى تفهم القرآن والفقه في أحكامه، والنفاذ إلى أسراره، دون تحقيق حروفه ومعرفة كيفية أدائه، ومواضع وقفه وابتدائه، وقواعد رسمه وضبطه، وخصوصيات كتابته وخطه، وما يتعلق به.
وذلك أمر لا ينتهض به إلا أهل الهمم العالية من الصفوة الباقية، الذين هم في كل جيل، حلية أهل العصر، ونخبة النخبة في كل صقع ومصر، فهم السفرة الكرام في تحصيل هذه العلوم، والبررة المنتدبون لحفظها والذود عنها، والمعلمون القيّمون عليها نشرا وتعليما، وتوجيها وتفهيما، وتقريبا وتيسيرا؛ لتستمر بذلك رسالة السلف في تربية الخلف، على ما فهمه وعلمه علماء هذا الشأن في هذه العلوم بمختلف شعبها وفروعها، من جريانها على التوقيف والأخذ، لا على الاجتهاد والرأي والاختراع وإعمال الفكر)[5].
وجريا على عادة العلماء في التدقيق والتحقيق، وخشية أن يُفهم كلامه على أن ضبط الرسم وطرق النقل والأداء هو الغاية والمنتهى؛ لم يفته التنبيه( على ما آلت إليه الحال في القرون الأخيرة من العودة إلى الاقتصار على حفظ القرآن الكريم والمهارة في رسمه وضبطه وحفظ رواياته، دون زيادة على ذلك من علوم العربية والفقه في الدين، وقد انعكس ذلك وخاصة عند قراء البادية في إهمالهم لقواعد التجويد ومعرفة إعراب القرآن، وزهدهم في تعلم ذلك ونفورهم منه، كما انعكس في جهلهم بأحكام الدين وأمور العقيدة حتى سرى ذلك إلى سيرهم وأخلاقهم)[6] وقال حفظه الله متحدثا عن رواية الإمام أبي سعيد ورش التي شغف بها المغاربة، باسطا معاناته مع بحث المقومات البنائية والمدارس الأدائية في قراءة نافع عند المغاربة من هذه الرواية:( لعل القارئ الكريم يجد فيه ما يتعلل به منه ولو بالقليل، إن لم يصل إلى شفاء الغليل، وتتبعتها في مسارها غداة دخولها برواياتها، وخاصة منها تلك الرواية التي ارتضع المغاربة أخلافها؛ فدرّتْ عليهم بأزكى اللبان، ووردوا مناهلها في أرض الكنانة فانبجست لهم منها أعاذب العيون، وأطايب الخلجان، أعني رواية الإمام أبي سعيد ورش عميد المدرسة النافعية في بلاد مصر. فتتبعتُ مسارها في سراها نحو الديار المغربية في ركاب أهل الرحلة من طلابها، أتنقل معهم عبر القرون من عصر إلى عصر، وعبر الآفاق أتجشم معهم عناء السفر من قطر إلى قُطر، أتوقل الأوعار حينا من توقلها وأعتسف المجاهل آنا آخر مع من اعتفسها(…)[وقد]صرَفتُ في ذلك أعواما عديدة أُجافي جنبي طويلا عن مضجعه، وقد هجَعتِ النفوس ونامت العيون، فأبقى إلى الهزيع الأخير من الليل، أُسامر السراج وأُنادم الكتاب، أرجع البصر في سفْر عتيق، أو أفحص في المظانّ عن قارئ مغمور، أو أُنقّب عن أصل من أصول الأداء، أو أُنقّر ترجمة أخذتني من جرائها البرحاء.
ولربما بكَّرتُ بعدها إلى مثل ذلك بُكور الغراب، فأصبحتُ وأمسيتُ في بيتي لأيام معدودات” رهين المحبسين”: الكتابة والكتاب، يمر بي الشهر الكامل لا أميز بين أعجازه وهواديه[7] والأسبوع الحافل لا أُفرق بين مفاريده ومثانيه، تستبد بي فكرة لاحتْ، أو تسنح لي فائدة سنحت وأسعفت بعد أن اعتاصت عليّ زمانا وامتنعت، فتتملكني نشوة الظفر، تملك من أحرز قصب السبق وقضى اللبانة وأدرك الوطر)[8].
ومما ينم عن متابعة الأستاذ لمجال البحث العلمي في مجال الدراسات القرآنية وعلم القراءات تحديدا، ورغم تقدمه في السن وما تبع ذلك من ضعف القوى، تشميره عن ساعد الجد، وهرعه إلى الرد العلمي على بلاغ مفاجئ متسرع صدر عن اللجنة العلمية لمراجعة مصحف المدينة النبوية بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 25/05/1434هـ مضمونه أن كتاب” التعريف في اختلاف الرواة عن نافع” للحافظ أبي عمرو الداني(ت444هـ) تضمن أوجها قرائية شاذة مخالفة للمُتلقّى بالأسانيد المتواترة عن أهل الأداء الثقات كما جاء في البلاغ. فكان هذا “سبب نزول” لتأليف كتاب من مجلدين كبيرين قال عنه الدكتور:( أما بعدُ فهذا كتاب كشف القناع عن تواتر الطرق العشر النافعية في المغرب ورد ما رُميت به من شذوذ وانقطاع) وهو بحث مستفيض دُعيت إلى جمع مادته وتأليفها على عجل، على خلاف ما يقتضيه البحث الرصين في مثل هذا الموضوع الضارب في أغوار التاريخ القرائي، والأرجاء المترامية من أقطار المغرب، من التريث والترسل، وإطالة النفَس في المباحث، والسعي إلى استكشاف ما في العصور الخالية والمناطق النائية مما من شأنه أن يلم شتات الموضوع ويصل عرى البحث فيه، ويساعد على تجميع عدد أوفى من وثائق الإثبات التي تغطي ساحة الإقراء ولو بصورة تقريبية، وهي استجابة مني لمسيس الحاجة الداعية إلى معالجة هذا الموضوع على غير أهبة ولا استعداد أو فراغ)[9]، فلله دره من بحّاثة منقر صبور بحث من 1300 صفحة أنجز على عجل ومن غير أهبة ولا استعداد! إنه توجيه علمي صادق يهم مناهج البحث، وقواعد الدراسات العلمية مفيد جدا لهذا الواقع؛ في زمن الذكاء الاصناعي، والمنهجية الفريدة العجيبة؛ منهجية(نسخ-لصق)! بلا نظر ولا تأمل ولا نصب ولا كَبد مُنتج…
وقال في سياق حديثه عن الكُتّاب والمحضرة وما واجهته مدارس التعليم الإسلامي الأصيل من تهميش وتراجع:( إن رياح التطور الاجتماعي والسياسي والفكري التي هبّت منذ أوائل القرن الماضي[10] من جهة الشمال عاتية مع الهجمة الاستعمارية التي اجتاحت بلادنا، والتي قصّت قبل ذلك أطراف المغرب وهيمنت على جيرانه في الجزائر وتونس وليبيا، قد عملت عملها في محاولة اقتلاع الأمة من جذورها، وتحويل خط سيرها، وتدمير هويتها الحضارية، وقيمها الدينية وروحها المعنوية، وذلك عن طريق طرح البديل الغربي في جميع المجالات، وصرف الناس إليه بالترغيب والترهيب، وتجفيف الينابيع التي تغذي التعليم الإسلامي، وسد الآفاق في وجهه، الأمر الذي كان له أثره البليغ مع الزمن في تراجع الاهتمام به، حتى أدى في كثير من الحواضر إلى اندثاره والاستبدال به)[11].
وقال في سياق حديثه عن الوشائج التي ربطت بين علم القراءات والدرس الفقهي عند المغاربة:( ولقد عقد القارئ المغربي مع المذهب[12] ميثاقا لا ينفك، وذلك منذ استشعر مسيس حاجته إلى الفقه في الدين وأن إتقانه لعلم القرآن لا يكتمل إلا بالتفقه في أحكامه والرسوخ في مختلف علومه)[13].
وفي تعقُّب منضبط بأدب الاختلاف، وينم عن حس نقدي، وحصافة في الرأي؛ يستدرك الشيخ على الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله في جزئية تتصل بمذاهب القرّاء في القراءة وتأثيراتها على مذاهبهم في الفقه واستنباط الأحكام، فبعد إيراده لقول ابن عاشور بأن:( القُراء لم يكونوا في قراءاتهم يقرأون حسب نزعاتهم الفقهية، وأن مذاهب القراء ليست بمعدودة من أدلة الفقه، وإنما قراءاتهم سنة متبعة في قراءة القرآن)[14]؛ قال معقبا ومحققا: (هذا رأي ابن عاشور في كون القراء لا يقرأون حسب نزعاتهم الفقهية، ولكن يقرأون بحسب ما تلقّوه بالرواية عن الشيوخ، وهو قول صائب وسديد، إلا أنه في نظري لا ينبغي أن يُعمم على كل القرّاء، ولا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه بالنسبة إلى قراءات الأئمة الكبار من القراء الفقهاء كالقراء السبعة وأئمة المذاهب الثلاثة الذين جمعوا بين الإمامة في القراءة والفقه، وهم مالك والشافعي وأبو حنيفة)[15].
ولما كان لكل فن أهله، ولكل مجال رواده والمتخصصون فيه؛ لم يفت الأستاذ عبد الهادي الخبير برسم القرآن، المبرز في فنه، المُحكَّم في قضاياه؛ التنبيه على ضرورة احترام التخصص؛ لئلا يتطاول على الصناعات مَن ليس من أهلها، ففي سياق حديثه عن جهود العلماء في رسم القرآن يقول:( إن الجهة المخولة للبت في قضايا الرسم وقضايا القراءة عموما هي جهة أئمة القراء من علماء الفن وذوي الرسوخ فيه(…) ثم يلي أئمة القراء في الاعتبار بأقوالهم أئمة الدين من الفقهاء والمفسرين وأئمة اللغة والنحو، ولا سيما مِن اولئك وهؤلاء مَن كان إماما في هذه الفنون جميعا من أهل الرسوخ في علوم الدين من العارفين والحُذّاق فيها)[16].
* بعض الجوانب الفقهية في فكر الشيخ عبد الهادي حميتو
وللدكتور عبد الهادي احميتو مشاركات في المجال الفقهي، ومن لم يتتبع كتاباته ويستقرئ فتاويه في المجال، يصعب عليه استنتاج المنهج الاجتهادي الذييعتمده، فأحيانا تحسبه سالكا مسلك الظاهرية في الاستنباط، وتارة تظنه مقاصديا مستوعبا، وتارة أخرى يظهر لك جامعا بين المنهجين في توفيق عزّ من يُحكمه؛ لأنه مزلة أقدام ومدحضة أفهام.
وقليلو العلم هم من يجعلون حاجزا سميكا بين الاتجاهين، ويعتبروهما خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا، أما الراسخون في العلم فلا تقصيد عندهم إلا بدليل، ولا تعارض عندهم البتة بين النص والمصلحة؛ لأن كل ما في الشريعة معلل وله مقصوده ومصلحته، ولذلك كانت المقاصد عندهم( قِبلة المجتهدين من توجه إلى جهة منها أصاب الحق) [17].
وأحسب أن الشيخ عبد الهادي من هذا الصنف- رغم أنه أحيانا يُغلظ القول لمشايخ من هذا الاتجاه؛ ربما لعدّه إياهم انزلقوا إلى الاتجاه التقويلي[18]؛ بحسب التقسيم الثلاثي الذيأعطاه الدكتور الريسوني للاتجاهات في تعاملها مع نصوص الخطاب الشرعي- أي أن العلامة حميتو يعض على النصوص بالنواجذ؛ لكنه لا يقف عندها جامدا بل يتطلع إلى آفاقها ومآلاتها، وهذا من النظر المقاصدي الرصين المنضبط.
يقول الشيخ عبد الهادي:( إن الفقهاء ليسوا مؤهلين شرعا- مهما يكن موضعهم من الفقه- لأن يُبطلوا دلالات النصوص الصريحة الصحيحة على الأحكام، ولا أن يتأولوها حسب الهوى والمصلحة الشخصية فضلا عن أن يفعلوا ذلك استجابة لدعاوى الرعونات النفسية، فإن الله عز وجل قد جعلهم أمناء على وحيه، ونصبهم منارات للهداية إلى حقائق دينه، ولم يجعل لأحدهم كائنا من كان أن يجتهد في موارد النصوص[19] تحت أي شعار، إذ لو فتح الشرع هذا الباب لكان ما جاء به محمد قد انتهى منذ زمان بتصرف العلماء والفقهاء في التحليل و التحريم على نحو تصرف الأحبار والرهبان في التوراة والانجيل)[20]
ورغم أن الشيخ منافح عن المذهب المالكي ومعجب بأعلامه، غير أن ذلك لم يمنعه من التحقيق والتدقيق في بعض اجتهادات رواده، وهذا من مميزات أهل العلم الحكماء المنصفين. أنظر مثلا إلى تعقيبه على فتوى الإمام ابن العربي المعافري(ت543هـ) التي ذكرها في سياق تفسيره لقول الله تعالى: ( قل أحل لكم الطيبات وما عَلمتم من الجوارح مكلبين )إلى قوله: ( أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب) قال ابن العربي:( دليل قاطع على أن الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله عز وجل ، وهو الحلال المطلق ، وإنما كرره الله سبحانه ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات[ ولكن الخواطر الفاسدة هي التي توجب الاعتراضات ] ، ويخرج إلى تطويل القول .
ولقد سُئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها : هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه ؟ وهي : المسألة الثامنة : فقلت : تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا ، وكل ما يرون في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا ، إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه
ولقد قال علماؤنا : إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكا في الصلح فيحل لنا وطؤهن ، فكيف لا تحل ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة)[21]. قال الشيخ حميتو معقبا ومنتقدا:( رحم الله أبا بكر بن العربي فإن هذا القياس الذي بنى عليه قياس فاسد، فنكاح نسائهم منصوص الحلية، قال تعالى🙁 والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) عطفا على قوله سبحانه🙁 وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم).
وخنق الدجاجة حتى تموت أو فتل عنقها منصوص الحرمة في قوله تعالى🙁 حرمت عليكم الميتة…)إلى قوله: (والمنخنقة والموقوذة). فكيف يقاس منصوص الحلية على منصوص الحرمة؟(…) وأما تعليل القاضي ابن العربي لتجويزه أن تُؤكل الدجاجة التي فَتل النصراني عنقها بأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، فهو أيضا من غرائبه، ويرده أن الخنزير أيضا من طعامه وطعام أحباره ورهبانه، فهل نأكله كذلك؟)[22]. وهو هنا يرد ضمنيا على من تبنى رأي ابن العربي في هذه الجزئية، وخص منهم الدكتور يوسف القرضاوي ، وأسند رأيه بقول لابن العربي نفسه ذكره بمضمونه، ونصه:( فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟
فالجواب: أن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم، وهو حرام علينا)[23].
غير أن تعقّب أقوال الشيخ القرضاوي والاستدراك عليها، وعلى رأي ابن العربي الأول الذي بُنيت عليه، لم يمنع الشيخ عبد الهادي – على عادة المنصفين من أهل العلم الفضلاء- من التنويه بمجهودات الشيخ القرضاوي.يقول الدكتور حميتو:( وأريد أن أنبه هنا على أني لا أتهم الشيخ د. القرضاوي-حفظه الله- بقصده إلى تحليل ما حرمه الله في كتابه المذكور[يقصد كتاب الحلال والحرام في الإسلام]، وإنما عبرتُ عن موقفي مما ذكره في هذه القضايا ومن قضايا أخرى لم يتسع الموضوع لذكرها جميعا، وركزتُ على هذا الكتاب (…) لما أعلمه من سعة انتشار الكتاب في سائر البلدان الإسلامية وغيرها، نظرا لشهرة مؤلِّفه، وعمله المحمود في مجال الدعوة، ومواقفه الموفقة في كثير من قضايا الأمة)[24].
وقد سلك حفظه الله ذات المسلك- مسلك المدققين المحققين- مع فتوى للإمام أبي إسحاق الشاطبي التي ذكرها الإمام الونشريسي في” المعيار ” حول القراءة الجماعية للقرآن، ودقق في محتوى كلام مالك – في العُتبية – الذي أسند به الشاطبي فتواه – بقوله: ( وأما ما نقله أبو إسحاق(…) نقلا عن العتبية عن مالك أنه سئل عن القراءة في المسجد فقال:” لم يكن بالأمر القديم”، فقد زاد فيه الشاطبي تفسيرا لم يُفسره به مالك، وهو قوله(…): ” يعني القراءة على وجه مخصوص كالحزب ونحوه”، وهذا لم يقله مالك قطعا”، وهذا التعقّب للفتوى والاستدراك عليها، بل وردُّها، لم يمنع الشيخ حميتو من تحلية أبي إسحاق بقوله: (والإمام الشاطبي إمام جليل القدر، فلعل هذا مُدرج في فتواه)[25]. ولقد مدحه في قصيدة عمودية رائعة تنم عن تقدير كبير، ورفع للملام عن الأئمة الأعلام، وهي تُبرز منحاه المقاصدي في التعامل مع نصوص الخطاب الشرعي. قال حفظه الله:
| خذ النص مشفوعا بحُكم وحكمة | ولا تَغدُ بالحكم المجرد قانعا |
| فإن تَعْشُ عن سر النصوص وقصدها | جهلت المعاني واعتسفت المرابعا |
| فما الفقه في الأحكام سرد أدلة | وتجميع أقوال تخص الوقائعا |
| ولكنه فقه المقاصد إذ به | مفاتيح تنزيل تصيب المواقعا[26] |
وثمة مثال آخر يُظهر النظر التحقيقي عند الشيخ عبد الهادي، ومنزعه المقاصدي، ويتعلق برأيه في حكم تناول لحوم الخيل[27]. قال: (ولقد سُئلت مرات كثيرة عن لحوم الخيل التي تباع في بعض المدن المغربية، فقلتُ: إنها حرام باتفاق، فيقال لي: إن من الأئمة من يرى إنها حلال، فأقول: الأمر كذلك، ولكن أنا أتحدث إليكم عن لحوم الخيل التي في الواقع لا التي في الكتب؛ فتلك التي في الكتب كانت تُؤخذ من الحيوان بعد أن يذبح من موضع الذبح وهو الحلقوم، وهذه التي تباع اليوم مقتولةٌ إما بالرصاص في الجبهة، وإما بالشاقور يُشدخ به رأس الحيوان فهي ميتة على أي حال)[28].
[1] – معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني إمام القراءات بالمغرب والأندلس، جمع ونقد لما وقع في تراجمهم من أخطاء المؤلِّفين والمحققين، ص:3
[2] – معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني إمام القراءات بالمغرب والأندلس، جمع ونقد لما وقع في تراجمهم من أخطاء المؤلِّفين والمحققين، ظهر الكتاب.
[3] – إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي، ص: 120
[4]– من الكتب التي صدرت له في هذا المجال: اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام- إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي- معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني إمام القراءات بالمغرب والأندلس، جمع ونقد لما وقع في تراجمهم من أخطاء المؤلِّفين والمحققين- معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني- القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب، بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ- الإمام أبو القاسم الشاطبي زعيم المدرسة الأثرية في القراءات وشيخ قراء المغرب والمشرق، دراسة عن قصيدته حرز الأماني في القراءات وإشعاعها العلمي وتعريف بشروحها التي زادت على مائة شرح- جهود الأمة الإسلامية في رسم القرآن الكريم- قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش. مقوماتُها البنائية ومدارسها الأدائية إلى نهاية القرن العاشر الهجري- حياة الكُتّاب وأدبيات المحضرة، صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية- قُرّاء وقراءات، وهو من أحدث إصدارات الرابطة المحمدية للعلماء- كشف القناع عن تواتر الطرق العشر النافعية في المغرب ورد ما رُميت به من شذوذ وانقطاع، في(1300) صفحة.
[5] – قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش. مقوماتُها البنائية ومدارسها الأدائية إلى نهاية القرن العاشر الهجري،ص:7-8.
[6] – إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي، ص:97.
[7] – أي أوائله وأواخره، المؤلف: الهامش1،ص: 10.المرجع السابق.
[8] – قراءة الإمام نافع…، مرجع سابق، ص:10، ولله در محبر هذا الكلام النفيس الذي تُشد إليه الرحال، فما أشبهه بكلام الصفوة من رواحل العلم، والجهابذة الراسخين. تغمده الله بواسع الرحمة والمغفرة
[9] كشف القناع عن تواتر الطرق العشر النافعية في المغرب ورد ما رُميت به من شذوذ وانقطاع، في(1300) صفحة. ص:7
[10] – يقصد المؤلف القرن العشرين الميلادي.
[11] – حياة الكُتّاب وأدبيات المحضرة، صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية،1/13.
[12] – يقصد المذهب المالكي.
[13] – إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي،ص: 48.
[14] – التحرير والتنوير، للعلامة الطاهر بن عاشور،1/146.
[15] – اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام، ص: 340-341.
[16] – جهود الأمة الإسلامية في رسم القرآن الكريم، ص: 6-7.
[17] – الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، للإمام السيوطي، ص:96، وقد نقل القولة عن الإمام الغزالي.
[18] – أُنظر هذا التقسيم في كتاب الفكر المقاصدي قواعده وفوائده للدكتور أحمد الريسوني.
[19] – الظاهر من خلال تتبع آراء المؤلف، أنه يقصد النصوص الصحيحة الصريحة في دلالتها على الأحكام، فهذه هي التي لا اجتهاد في مواردها؛ لا النصوص الظنية في دلالتها، إذ من المسلّم به، والمقطوع به عند أهل العلم أن ليست كل النصوص الصحيحة في ثبوتها قطعية في دلالاتها، فلو كان الأمر كذلك لما اختلفت أنظار جهابذة العلم وفطاحل التأصيل، ولما كان للاجتهاد مساغ.
[20] – الأدلة الشرعية على مصافحة المرأة الأجنبية، ردا على الفتوى الزمزمية لسائلة من الرشيدية، ص: 112
[21] – أحكام القرآن، 2/44.
[22] – مفهوم الطيب والخبيث في الإسلام، مجلة الفرقان المغربية، ص:114-115.
[23] – أحكام القرآن، 2/43.
[24] – مفهوم الطيب والخبيث في الإسلام، مجلة الفرقان المغربية، ص:116
[25] – القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب، بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ، ص:27. لمزيد من الاطلاع يُراجع تعقُّب العلامة عبد الهادي احميتو لفتوى الشاطبي، خاصة ما يتعلق بتوجيه أبي إسحاق لكلام مالك؛ فقد أطال حفظه الله النفَس في الاستدراك والتحقيق، مما ينم عن تمكن أستاذنا الجليل من الصناعة الفقهية، وقد عهدناه باحثا خِرّيتا محقِّقا في مجال القراءات؛ ولا غرو فالصلة بين الدرس الفقهي وعلم القراءات لا تخفى، و هذا يذكرنا بما كان عليه جهابذة العلم، وأئمة التأصيل من إحاطة بمختلف جوانب العلوم الإسلامية، ومشاركات في فنونها المتنوعة، تصل عند بعضهم إلى الموسوعية. مناقشة فتوى الشاطبي، وتحليته ب” الإمام الجليل القدر”، ذكرها المؤلف في بحث من سبعين صفحة من القطع الصغير طبعه المجلس العلمي الأعلى بالمغرب مرفقا بالعدد المزدوج:10-11 من مجلة المجلس وعنوانه:” القراءة الجماعية للحزب الراتب في المغرب، بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ
[26]– على بساط الشاطبي، قصيدة أعدها الشيخ للمشاركة بها في ندوة المقاصد التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء بالرباط بمقر الندوة بفندق فرح بتاريخ: 06/06/2012م.
[27] – الظاهر من سياق الكلام أنه يقصد لحوم الخيل المُعلبة المستوردة، ولا شك أن الحكم لا ينطبق على سائر لحوم الحيوانات، مما يجوز أكله إذا ذبح بالطريقة الشرعية.
[28] – مفهوم الطيب والخبيث في الإسلام، مجلة الفرقان المغربية، ص:116، وهذا من تحقيق المناط المعروف عند الأصوليين، وعلى إحكامه تنبني صحة الفتوى وتنضبط، وتحقيق المناط هذا هو الذي استند إليه الشيخ عبد الهادي في ترتيب أحكام معاملة أهل الكتاب المعروفة على اليهود والنصارى من سكان العالم اليوم.

