سئلت كثيرا من جهات متعددة عن القرض من أجل السكن الذي تؤدي فوائده مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية، هل هذه المعاملة مما يجوز للموظف الإقدام عليها؟ أم أنها من الربا الحرام الذي يستوجب على المكلف تركها؟ وقد أجبت السائلين برأيي في العرض المقدم للموظفين من هذه المؤسسة شفويا، واليوم أضع ما ذكرته كتابيا لغرضين اثنين:
الأول: تأييد هذا الرأي من طرف أهل العلم إن كان ذلك هو رأيهم.
الثاني: تصويبه وتسديده إن كانت الأخرى هي نصيب ما أبديته.
ومما قلته في الجواب:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: إن المؤسسات البنكية مؤسسات مالية قائمة على الاسترباح لا على الإحسان والعمل الاجتماعي، وهي في غالبها اليوم تقوم على الإقراض بالربا. ولا يهمها أن تكون الفوائد مؤداة من طرف عمرو أو زيد من الناس. المهم أن تضمن الحصول على الفوائد في وقتها.
ثانيا: الربا كما هو معلوم تعريفها، هي: الزيادة في القرض لأجل النساء، وهذا النوع من أنواعها هو الغالب والشائع في أمرها. فيستفيد المقترض من تأخير الأداء عبر نجوم يؤديها كل شهر، وتستفيد البنك من الزيادة على مجموع القرض بنسبة محددة.
ثالثا: القرض لا يجوز أن يدخل باب الاتجار. فهو من المعاملات الإحسانية التي شرعها الإسلام للرفق بالناس، ونهى عن الانتفاع المادي منها، فإنها معاملات لم تشرع إلا لله خالصة. ورفضت الشريعة العبث بمجالات الإحسان. فمن أراد الاسترباح ففي الكثير من المعاملات العوضية مجال.
وغرض الإسلام أن تبقى العقود التبرعية بمنأى عن أحكام العقود العوضية، حتى لا يضيع الإحسان في حمئة الحرص على الربح. وهي التي نجدها في كتب أهل العلم قد نظموها بالقول:
عُقُودٌ مَنَعْنَاهَا مَعَ الْبَيْعِ سِتَّةٌ *** وَيَجْمَعُهَا فِي اللَّفْظِ جَصٌّ مُشَنَّقُ
فَجُعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شِرْكَةٌ *** نِكَاحٌ قِرَاضٌ مَنْعُ هَذَا مُحَقَّقُ
وأنت في الحقيقة إذا نظرت إلى هذا القرض، فهو اعتداء على مقصد تشريعه من جهة، واعتداء على اسمه من جهة ثانية. إذ أنه بيع للسيولة للمحتاجين إليها. وعوض تسميته بيعا ـ على عادة التحريف الذي تعرضت له مجموعة من الحقائق الشرعية ـ قالوا: إنه قرض. وبعضهم يكون صريحا، فيقول: هذا قرض بفائدة نسبتها كذا وكذا.
رابعا: إن الذي عليه العلماء في كل قرض استفاد منه المقرض فائدة كيفما كانت صفتها وجنسها، أنها من الربا الصريح. ولذلك قعدوها بالقول: كل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد وردت هذه القاعدة الشرعية بصيغ متعددة، منها:

  • كلُّ قرض جرّ منفعةً فهو وجه من وجوه الربا.
  • كلُّ قرض شُرط فيه أن يزيده، فهو حرام.
  • كلُّ سَلَفٍ جرّ منفعة فهو حرام.
  • كلُّ زيادة في سَلَفٍ، أو منفعةٍ يَنتفع بها الـمُسلف، فهي ربا.
    خامسا: إذا ذهبت بمفردك فأخذت قرضا بالفائدة من أية مؤسسة بنكية، فهذه معاملة ربوية لا أعلم خلافا بين أهل العلم فيها. لأن المبلغ المالي المقترض كان الشرط في رده هو أداء فوائد عليه تختلف بين زبون وآخر، بسبب اعتبارات عديدة تؤخذ بعين الاعتبار، منها: مدة سداد الدين، ومبلغ السداد…وغيرهما.
    سادسا: إذا ذهبت إلى هذه المؤسسة البنكية وأخذت قرضا بفائدة، تدفع أنت مبلغ القرض فقط، وتدفع عنك جهة أخرى هذه الفوائد. فهل هذه المعاملة جائزة بعلة عدم دفعك أي فائدة على هذا القرض، وإنما هناك وسيط يؤدي عنك هذه الفوائد؟
    والسؤال الذي وجب الحصول عليه، هو: هل الربا يتعلق بالمعاملة أم يتعلق بمن يدفعها؟
    بمعنى: هل إذا دفعتها أنت كشخص مفرد نقول لك: هذه معاملة ربوية محرمة. وإذا دفعها عنك غيرك، نقول: هذه معاملة غير محرمة؟ لأن المقترض ـ وهو أنت ها هنا ـ لم تؤد الفوائد، بل أديت مبلغ القرض دون زيادة أو نقصان!!
    ومن جهتي: لا أعلم من يفرق في القروض الربوية بين من يدفعها، أو يدفعها غيره ليكون المحلل للحرام للغير.
    سابعا: ويتأكد أن المعاملة ربا أيا كان مسدد أقساط الفوائد الربوية، حكمه صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر ، أنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه. وقال: هم سواء”(مسلم: باب لعن آكل الربا ومؤكله).
    فلم يحرم صلى الله عليه وسلم الربا ولعن المتعامل بها فقط، بل عمم اللعن والتحريم على كل من ساهم في الربا بأي وجه من وجوه الإعانة عليها.
    ومنها، أنه لعن مؤكله. قالوا: والمؤكل هو المعطي للربا أيا كان هذا المعطي. بل حتى الذي حضر هذه المعاملة فهو شريك في الجريمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: وشاهديه.
    فالربا التي حرمت تحريما مستبشعا، حتى وصفت أهله بالقول فيهم:﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾[البقرة:275]، وحرمته تحريما قاطعا وقع الإجماع عليه، فقال عز من قائل:﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا﴾[البقرة:275]. وأفصح العلي القدير على أن الدخول في الربا إعلان عليه، فقال عز من قائل:﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾[البقرة:278، 279].
    إن الربا التي هذه حالها، قد حرمت أصالة، وحرمت الذرائع إليها. وحرمت في اتجاه الذي ينطلق للتعامل بها تخفيفا عن نفسه، كما حرمت في اتجاه من يريد مساعدة المتعامل بها.
    ثامنا: إذا تأكدت حرمة الربا، وأن هذه المعاملة التي تقدم للموظفين معدودة من الربا. فإن المحتاج من الموظفين لاقتناء السكن وهو من ضروريات الحياة، عليه من أجل الاستفادة من الربا أن يكون مضطرا. والقواعد الشرعية تبيح ذلك للمضطرين، وهي قولهم: الضرورات تبيح المحظورات. وقد صيغت هذه القاعدة بأساليب مختلفة، منها:
  • عند الضرورات تباح المحظورات.
  • المحرم يباح للضرورة.
  • الضرورة ترفع التحريم.
  • لا محرم مع الضرورة.
    وأصل هذه القاعدة في إباحة المحرمات، قوله تعالى:﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة:173]، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[المائدة:3]، ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾[الأنعام:119]، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الأنعام:145]، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[النحل:115].
    تاسعا: إن هذه الضرورة كلمة شرعية وقع الاعتداء عليها كثيرا، وأصبح كل صاحب هوى في الربا يعلل أمره بالاضطرار، سواء أكان وصف الاضطرار يعنيه أو كان بعيدا عنه. ولذلك أقول للسائلين دائما: لا تفت نفسك، وأبعد الشبهة عنك، إما بسبب جهلك بالمصطلحات الشرعية، أو بسبب ضغط الحاجة عليك. واعرض نفسك على من تثق في ديانته وعلمه، يخبرك هل أنت من أهل الاضطرار، أم أنك لست منهم. فهذا أريح لك، وأضمن لإبعاد الأهواء عن الولوغ في المحرمات.
    والله الموفق والمستعان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version