البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط.
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط.
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي
الحصة6: الخميس 12مارس 2026م، ساعة الانطلاق:16 بتوقيت المغرب. مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات: ساعة ونصف
بين يدي الملخص: نصان تطبيقيان”وضعية مؤطرة”:
| قال ابن القيم رحمه الله(ت751هـ): “الشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة، لم يكن تخلُّفُ تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم، بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها”.إعلام الموقعين: 2/56 قال الشاطبي:” الأصل الكلي إذا انتظم في الاستقراء، يكون كليا جاريا مجرى العموم في الأفراد(…)لأنه إنما استُنبط من أدلة الأامر والنهي الواقعين على جميع المكلفين، فهو كلي في تعلّقه؛ فيكون عاما في الأمر به والنهي عنه للجميع)الموافقات،1/28 |
محاور العرض:
– تمهيد:
– القاعدة9:” كليات المصالح لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات”
– القاعدة10: ” حفظ المصالح يكون من جانب الوجود ومن جانب العدم”
– الأجوبة على الاستفسارات.
– تمهيد:
هناك تطابق بين كلام الشاطبي وكلام ابن القيم رحمهما الله، ولحد الآن لستُ أدري إن كان الشاطبي وصله تراث ابن القيم واطلع عليه أم لا؛ وبعض الدارسين يشير إلى اطلاع الشاطبي على تراث ابن تيمية شيخ ابن القيم؛ ومعلوم منزلة ابن تيمية عند تلميذه.
قاعدتنا الأولى في هذه الحصة وهي التاسعة من مجموع ما نتدارسه، ولفظها :” كليات المصالح لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات”مأخوذة من كلام الشاطبي، وابن القيم يقول عنها: هذه قاعدة الشريعة، ولئن جاءت في باب المصالح والمفاسد؛ لكنها عامة تنطبق على الأحكام والنصوص….
– القاعدة9:” كليات المصالح لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات”
– معنى القاعدة:
إذا تقرر الحكم بصفته الكلية لا يضر تخلف بعض أفراده وجزئياته، وهي الاستثناءات النادرة التي قد تشذ عن القاعدة كما سيأتي في الأمثلة. والكليات الثلاث عند الشاطبي هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات؛ فالشريعة عنده جاءت بحفظ جميع المصالح برتبها الثلاث.
فإذا وجدنا حكما جزئيا، أو عنَّ لناظر أن فردا ما من آحاد المسائل، وجزئية معينة لا يظهر حفظها للمصالح؛ فإن الكليّةَ تمضي، ولا يمكن أن نوقفها، بل تمضي على حالها، ولا يضر تخلف آحاد الأفراد حتى لو سلمنا بأنه لايخدم مصلحة من المصالح! فهذا الفرد وهذه الجزئية يُنظر فيها على حدتها.
وهذا شبيه بمسألة المحكم والمتشابه، فما ظهر أنه من المتشابه يُنظر فيه على حدة، والمحكمات تبقى هي الأصل في مكانها دون أن تؤثر في المحكم. وفي موضوعنا الحكم الكلي والقطعي اليقيني الثابت باستقراء
الأدلة، ومجموعها؛ لا يتوقف سريانه. ثم بعد ذلك ننظر في الفرد الجزئي من حيث تأويلُه أو توجيهه في ضوء الكُليّ؛ فالأحكام تُبنى على الغالب الطبيعي المستقر؛ وإلا فالغريب والفريد والاستثناء قد يوجد؛ لكن يُنظر فيه ويقدر بقدره؛ فلا ينخرم الكلي بوجوده؛ لأن الاعتراض بالجزئيات والحالات الخاصة لا أثر له.
وما أكثر الفهوم والجزئيات التي قد تشذ عن أحكام الكليات في تصرفات وفتاوى واجتهادات حتى عند الصحابة رضي الله عنهم.
قضايا الأعيان:
في السنة حالات يسميها العلماء” قضايا الأعيان”، سُميت بهذا الاسم لتفردها حتى لا تُعمم أحكامها، ولا تنسخ كُليا؛ وإنما يُعمل بها في موضعها، ولا يُتجاوز بها محلها، فهي”قضية عين” لفلان أو لحالات خاصة معدودة لا يُتجاوزُ محلها إذا جاءت على خلاف الكليات.
والمالكية أكثر عناية بقضايا الأعيان ونظرا إليها؛ لأنهم أكثر إذعانا للكليات ويأتي بعدهم الحنفية.
أمثلة للقاعدة:
أدلة القاعدة كثيرة، ودل عليها الاستقراء، والشاطبي أورد منها مما يوجد بعضه في “كتاب المدارسة”.
– من الضروريات: العقوبات المشروعة مزاجر أو زواجر، من الزجر وغايتها صيانة الضروريات وحفظها، لكن أحيانا قد قد يتخلف الانزجار ولا يحصل الردع عند بعض الحالات، فحكم الزجر كلي يمضي ولا يُعطله عدم ارتداع أفراد وحالات محدودة معدودة؛ وهذا أمر لا يخص الشريعة وحدها؛ وإن كان يظهر فيها بشكل أكبر
لتنوع مقاصد العقوبات؛ ومنها البُعد الأخروي فيها، فهي فضلا عن حفظها لمصالح العباد، بزجر الجناة المعتدين الظالمين؛ فإنها كفارات في نفس الآن لمن وقعت عليهم.
– من الحاجيات:
معلوم أن الرخص المخففة معدودة من الحاجيات، ومنها رخص السفر لتخفيف مشاقه؛ لكن تخلف المشقة أحيانا وعند أفراد معينين هل يقدح في مشروعية الرخصة ومقصدها، وحكمها الكلي؟ فبناء على القاعدة: الرخصة ماضية بمناطها وهو السفر مظنة المشقة؛ وتخلفها عند بعض الأفراد كحالة الملِك المُرفّه في سفره التي يذكرها الفقهاء؛ لا يخرم القاعدة وإنما يُنظر في الفرد المستثنى على حدته؛ لأن وجود حالات الاستثناء لانتفاء عللها وحِكَمها لا يُبطل الحكم الكلي.
– من التحسينيات:
الطهارات “لتجنب الأحوال المدنسات”[1] على مذهب من يَعُدها من التحسينيات، ومنهم من يعُدها من الحاجيات وظيفتها التنظيف والتطهير( وثيابك فطهر)(إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، فإذا جئنا إلى التيمم، وقد يكون بالتراب قد لا تحصل به الطهارة الحسية لما قد يشوبه من الملوثات[2]، فالحكم الكلي القاضي بكون التيمم مطهِّرا يمضي. فالأحكام الأغلبية تمضي ولو وُجدت المستثنيات.
ملحظ:
أرى أن قاعدتنا استُدعيت ردا على الظاهرية، فابن حزم يذكر أمثلة مضادة ليدحض نظرية المصلحة التي يعتبرها قضية” ملعونة”، وقد أطال ابن القيم النفَس في الرد على منهج أهل الظاهر في” إعلام
الموقعين”وخاض معركة اعتبرها” حامية الوطيس” مفندا مزاعمهم، داحضا حججهم[3]، والشاطبي عاش في غرناطة بالأندلس وكان للمذهب الظاهري فيها انتشارا قبل الشاطبي؛ فكأن القاعدة ترد على مضمون كلام لابن حزم قال فيه:( “وأما قولهم: إنه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده فإن الله تعالى أكذبهم بقوله {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]… فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا، بل ما عليهم في ذلك إلا أعظم الضرر وأشد المفسدة ولقد كان أصلح لهم لو لم ينزل وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط”
فاستشهاد ابن حزم بفئة معينة من الظالمين، وهذا فرد جزئي. فكونهم لم ينعموا بمقتضى الحكم الكلي الذي هو شفاء العموم بنزول القرآن وهداياته، بسبب ظلمهم، وهذا معناه إقامة حجة إضافية عليهم، فالظالم الذي لم يبلغه القرآن، ليس كمن بلغه وتمادى؛ فالحجة عليه أكبر؛ وعليه فلا وجه لاستدلال ابن حزم بفرد جزئي تخلف انطباق الحكم الكلي
عليه لحيثيات واعتبارات، وعليه يبقى القرآن شفاء ورحمة، ومن لم يُشف به، ولم تنله الرحمة به، فذلك لأمر يخصه، واعتبارات حجبت عنه الشفاء والرحمة. فالقاعدة إذن عامة وتنطبق على معظم الشريعة، والشارع يعترف بالاستثناءات، ويجد لها مخارجها وتفسيرها، فربما اندرجت تحت قواعد أخرى.
– القاعدة10: “حفظ المصالح يكون من جانب الوجود ومن جانب العدم”
للقاعدة امتدادات عند علماء المقاصد من زمن الجويني مرورا بالغزالي إلى أن نصل الشاطبي، وهو صاحب هذه الصياغة.
في معنى الحفظ:
الحفظ في تعريفه البسيط هو صيانة الشيء، وتعهده، والعناية به؛ لكن في اصطلاح علم المقاصد، وفي باب المصالح والمفاسد تحديدا يعني المحافظة على المصالح الموجودة، وتكثيرها؛ إبقاؤها وإيجاد المفقود منها، فما كان قليلا نكثره” حفظ الموجود وإيجاد المفقود”. وهذا يعني جلبا ودرءً، جلبا للمصالح ودرءً للمفاسد؛ لأن المفاسد مما يُضيع المصالح ويُفقدها، وللجويني عبارة خاصة يقول فيها: ” للشريعة أغراض نفعية ودفعية”، والبعض يستعمل التحصيل والتحصين؛ وهي سياسة تشريعية استصلاحية؛ فالعمل بمقتضى الشريعة يجلب المنافع ويدفع المفاسد في الدارين، ومما نحفظ به مصالحنا شُكرُ المُنعِم سبحانه( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).
وجهان للحفظ:
الحفظ يكون من وجهين، وهي عبارة الأصوليين، وبعضهم ركز على حفظ الموجود فقط، ولم ينتبهوا إلى التكثير ومزيد الجلب.
وجماع المصالح وهو الضروريات؛ بإقامة أركانها، ودفع خوارمها وما يُتلفها. وهنا ترِد قاعدة: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” وهي بهذه الصيغة المشتهرة ليست مسلمة، فالجانب الإيجابي والإيجادي أولا، وسنعود إلى القاعدة بتفصيل في باب الموازنة والترجيح.
أمثلة للقاعدة:
الشرع يبدأ بالحفظ من الوجهين، فلحفظ الدين وهو أول الضروريات أمر بالإيمان أولا للتحصين، وحرم مفسداته من الكفر والشرك والنفاق…ولحفظ النفس شرع الزواج، والاستمتاع بالطيبات، ثم جاء تحريم الظلم والاعتداء والقتل، فالأول من جانب الوجود والثاني من جانب العدم.
ولحفظ المال حث على الكسب الحلال، ونهى عن المحرمات المضرة بالمال وكسبه( ياأيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وفرض العقوبات الزواجر؛ ومنها حد الحرابة وفيها استهداف الأموال – خاصة- وإذا وقع فيها قتل فَحُش الأمر ( قطاع الطرق، والعصابات، ومحترفو جرائم الأموال…)، وعُرف عن القاضي بن العربي(ت543هـ) وهو من كبار علماء المقاصد أنه كان يُطبقه في المدن أيضا حماية لأموال الناس. وحد الحرابة منصوص، وقصده إشاعة الأمن والأمان بين الناس، وحفظ مصالحهم المادية والمعنوية.
قال تعالى:( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يُقَتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلُهم من خلاف او يُنفوْا من الارض) وهذا حفظ من جانب العدم، وجاء فيه حكم مغلظ مشدد لصلته بحفظ الأمن العام.
حفظ المصالح إذن يكون من جانبي الوجود والعدم لإيجادها وتكثيرها أولا؛ ثم درء المفاسد والأضرار عنها لحمايتها.
– الأجوبة على الاستفسارات
س1: ما تفسيركم لرأي ابن حزم حول مقاتلة المار بين يدي المصلي؟
ج: الغلط في كلام ابن حزم حول هذه الجزئية واضح وجلي، وكلمة المقاتلة مستعملة عند الفقهاء بمعنى المدافعة، ومحاولة المصلي الحيلولة دون المارّ أمامه، وما ذكر من تفاصيل تتعلق بالتبعات على القاتل والمقتول كل ذلك تكلّف، وخروج عن دلالة النصوص اللغوية والشرعية. وأكثر الفقهاء على كراهة التصرف، وربما قرنوا الحكم بمن لاسترة أمامه؛ بمعنى أن المارّ أصر على الاقتحام بسوء أدب وجفاء؛ والخلاصة أن المقاتلة ليست على ظاهرها.[4]
س2: تقدير بعض المصالح بناء على الدافع الفطري الجِبِلّي؟
ج: سيأتي تفصيل ذلك في القاعدة العشرين من الكتاب: وفيها تفصيل عن اعتبار الشارع للدافع الطبْعي في كثير من الأحكام.
س: حول نص لابن القيم يتعلق بالحصة السادسة: ذكرتَ أستاذي في أمثلة القاعدة التاسعة: “كليات المصالح لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات” قول الإمام ابن القيم، ولم أفهم لماذا قال: لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم.
الحكمة الأولى من ترتيب عدة الطلاق بثلاثة قروء هي براءة الرحم، وهذه الحكمة لا يختلف فيها سواء كان الطلاق الأول أو الثاني أو الثالث. أفيدوني جزاكم الله خيرا.
تعقيب المسير الدكتور الحسين الموس بعد عرض السؤال:
وقد رجعتُ لنص كلام ابن القيم مفصلا في إعلام الموقعين (2/ 90)
حيث قال في الحكمة في عدة المطلقة ثلاثا : ” فإن قيل فهب أن هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور فإنه لا يسلم معكم في المطلقة ثلاثا فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة والقصد مجرد استبراء رحمها …”
يظهر من خلال كلام ابن القيم أن الجمهور رأوا أن العدة بثلاثة قروء تحقق مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي، أي يعطى فرصة متعددة للإمساك بزوجته ورجعتها، وفي الذي طلق ثلاثا فإن المصلحة من الاعتداد بثلاث قروء غير محققة لأنه ممنوع منها حتى يتزوجها غيره زواجا صحيحا ثم يطلقها، فههنا تخلفت المصلحة لكن بقي اطراد الحكم وإن لم تحصل ولذلك قال ابن القيم : ” فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين أعطيت حكمهما ليكون باب الطلاق كله بابا واحدا فلا يختلف حكمه والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها”
لكن استدرك ابن قيم الجوزية ورأى وجها آخر لفرض العدة بثلاث قروء مع تخلف المصلحة الأولى حيث هناك مصلحة زجرية من ذلك وقال: ” فكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية نظرا للزوج ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها وههنا كان
تربصها عقوبة له وزجرا لما اوقع الطلاق المحرِّم لما أحل الله له، وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان..”
س: حكم ما يُعرف بالتسويق الشبكي؟
ج: هو صور وأشكال عديدة، والقاعدة أن الشرع لا يرِد بتحريم ما لا مفسدة فيه، فهل هذا البيع لا مفسدة فيه؟ الأمر يحتاج إلى استشارة أهل الشأن، والفقيه يعطي المبدأ وهو أن العبرة بالمصلحة أو المفسدة المعتبرة الموجودة فيه، ولا بد من التنبيه إلى أن الإفتاء بالمنع ورعا واحتياطا ليس منهجا سليما، فلا بد من التحقق وعدم الاستسلام للقول بالمنع ورعا وسدا للذريعة؛ فالتحريم المبني على الاحتياط منهج غلط، ومن عجز
يقول لا أدري. الورع والاحتياط في باب التدين الشخصي نعم، أما عند إفتاء العموم فلا بد من التمحيص.[5]
س: الاستثناء في القواعد؟
ج: الاستثناء موجود، لكن تتم المبالغة فيه، وأنا منذ القديم أنتقد هذه المبالغة، والتكلف في إيراده غير صحي، فالأصل في القواعد أنها عامة وأكثرية، خاصة المتفق عليها، فإذا كثرت الاستثناءات تصنف ويُبحث لها عن مكان اندراجها ضمن قواعد أخرى، حتى تبقى للقواعد وظيفتها؛ وإلا انخرمت. وبعض القواعد صيغ بصيغ استفهامية إشعارا بالاختلاف فيها.
مثال ذلك قاعدة رفع الحرج، وقاعدة الاحتياط في الدين، هذه قاعدة وتلك قاعدة، فعوض التسرع بادعاء الاستثناء نبحث عن مكان اندراج الاستثناء بعد تصنيفه، وتحقيقه.
س: مالمراد بالمصلحة التحسينية؟
الشاطبي جعل من التحسينيات الطهارة وستر العورة، وفي حفظ المال مثلا: توثيق الديْن، وفي الجنايات المماثلة في القصاص(ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل)، أن يُقتص من القاتل بمقدار ما فوّت وانتهك.
س: حول إثبات نسب ابن الزنا، والجوانب المصلحية في الإثبات.
ج: ابن الزنا لا لوم عليه، ويجب أن يحظى بكامل الحقوق، والنسب من الحقوق ؛ فالأصل هو ان لاتزر وازرة وزر أخرى، والحماية الشرعية للمصالح أوسع من الحماية القانونية غير المستمِدة من التشريع الإسلامي.
س: ذكرتم في الحصة الماضية أن الأوامر والنواهي ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي أو التركي، بمعنى أن الأوامر تتبع المصالح فما كان في رتبة الضروري ناسبه الوجوب. وسؤالي: بما أن الزواج يحفظ ضروري النسل، فلماذا كان الأصل فيه الإباحة.
ج: بادر بالجواب في مجموعة التكوين الدكتور مصطفى قرطاح بقوله: أقتحم الجواب بعد أخذ الإذن من شيخنا الفاضل، وأقول: لما كان للزواج دافع جبليّ فُطر عليه الإنسان، وهو[ميل الذكر للأنثى وميل الأنثى للذكر وسكونهما إلى بعضهما] فقد اكتفى الشارع الحكيم بإباحته على أصل التشريع مجردا من الاقتضاء الخارجي؛ تعويلا على أن الدافع الجِبلّي كفيل بإقامته بين الناس. واستحسن المُحاضر الجواب، فكان تعقيبه: تماما أحسن الله إليك، وتفصيل ذلك سيكون في القاعدة 20 إن شاء الله[6].
س: هل الأوامر لها ارتباط بالحفظ من جانب الوجود والنواهي لها ارتباط بالحفظ من جانب العدم؟
ج: هذا هو التصنيف السهل، الأوامر تحيل على الحفظ الإيجادي، والنواهي تحيل على الحفظ من جانب العدم، لكن المباح بالشرع قد يصير واجبا بالطبع؛ لأن المصالح الدنيوية كلها تقريبا تُجلب بالمباحات.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قاعدتي الحصةالسابعة(7) ليومه الخميس 26 مارس 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب( غرينيتش+1)
القاعدة11:” مقاصد الشريعة: ضروريات وحاجيات وتحسينيات”
القاعدة12: ” المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية”
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله الموفق
– العبارة للشاطبي في سياق تعريفه للتحسينيات في الموافقات.[1]
2- قُلتُ وقد يحتوي التراب منظفات تزيل بعض النجاسات الدقيقة العالقة بمواضع التيمم وهي الأيدي ومحيط الأنف والعينين والأذنين، وقد تنكشف بعض المصالح الدقيقة لأهل تخصصات الإحياء في ذلك، ومما يهدي إلى بعض الإشارات في هذا المعنى ما ورد من الدعوة إلى غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب مرات إحداها مسحه بالتراب. وأشارت بحوث معاصرة إلى الحكمة” التعقيمية ” من ذلك، وعليه إذا ثبتت المصلحة التطهيرية للتراب فإن المثال لا يُعد استثناء تتقرر به القاعدة، بل يكون مندرجا ضمن أصل القاعدة، ولا يكون ضمن آحاد الجزئيات المتخلفة عنها، ويمكن في هذا السياق استدعاء مثال: مزاعم تراجع المردودية الإنتاجية في شهر رمضان بسبب طارئ الصيام بما قد يحصل للبعض من الخمول والكسل، وتغير المزاج، أو صعوبة الصيام لحالات ممن يزاولون أعمالا ووظائف يشق معها الصيام؛ فهذه مسائل جزئية، ينبغي أن تقدر بقدرها، ويمكن أن تندرج ضمن قواعد أخرى بعد تحقيق مناطاتها العامة والخاصة. أما أن تُؤخذ- وهي أفراد وجزئيات- أمثلة ومعايير نخرم بها حكما كليا عاما- قاعدة الشريعة- وهو فرضية الصيام وما فيه من المصالح الكثيرة الغالبة؛ فهذا ليس من هدي الشريعة ولا من فهم محققيها الراسخين الريانين من دقائقها، وما أكثر هواة الشريعة الذين يخرجون في الفضاءات العامة بدعاوى ومقولات عريضة منكرة من قبيل الانتاج والاقتصاد أولا، والصيام من كوابح عجلته. فلتفتح الدولة الباب على مصراعيه للفطر، فهذا أشبه ما يكون بمثال ابن حزم الذي أراد منه- ومن غيره من الجزئيات- عندما استشهد ب ، عندما استشهد بآية:( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) لدحض المقاصد المصلحية للتشريع بقوله:” فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا) كما سيذكر الدكتور الريسوني مما سأثبته في متن الملخص..[2]
– من العناوين الجديرة بأن تكون موضوعات لبحوث الدراسات العليا” المنحى المقاصدي في فكر العلامة ابن قيم الجوزية(ت751هـ)”، وقد أنجز قريب من هذا عن شيخه ابن تيمية تحت عنوان” مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، وهو عبارة عن رسالة دكتوراه صدرت عن دار النفائس سنة(1421هـ/2000م) للدكتور يوسف أحمد محمد البدوي. [3]
-[4]قال ابن عبد البر رحمه الله(ت463هـ): “وقوله في الحديث: “فإن أبى فليقاتله” فالمقاتلة هنا المدافعة، وأظنه كلاما خرج على التغليظ، ولكل شيء حد. وأجمعوا أنه لا يقاتله بسيف، ولا يخاطبه، ولا يبلغ منه مبلغا تفسد به صلاته، فيكون فعله ذلك أضر عليه من مرور المار بين يديه، وما أظن أحدا يبلغ بنفسه إذا جهل أو نسي فمر بين يدي مصل، إلى أكثر من الدفع، وفي إجماعهم على ما ذكرنا ما يبين لك المراد من الحديث.” التمهيد: 3/ 285
[5]– قال ابن تيمية رحمه الله:( والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله؛ بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته”. (مجموع الفتاوى 28/585، 386).
6- وأنا أضيف أن الزواج، إنما تعتريه الأحكام التكليفية الأخرى بحسب عِظم المصالح التي تتحقق به، واندفاع المفاسد به، فيتدرج حكمه بناء على هذا الوِزان من الحكم الأصلي وهو الإباحة بالجزء، وقد يصل إلى الندب أو الوجوب بالكل إذا صار ضروري النسل – عن طريق الزواج المشروع- مهددا بالتناقص الحاد بسبب العزوف الملفت للانتباه عن الزواج واستهجان تأسيس الأسر السّوية الطبيعية، وانفتاح الباب مشرعا أمام الفساد لتلبية الرغبات على غير الوجه المشروع، وما ينجم عن ذلك من مآلات،كما هي بوادر ذلك في بعض دول الغرب…[6]

