البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي
الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين
– نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق
| 1- قال الشاطبي:”من ابتغى في تكاليف الشريعة غيرَ ما شُرعت له؛ فعمله باطل”. 2-قال الشاطبي:” الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصدَ، آخذ في غير مشروع حقيقةً؛ لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أُخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم، فلم يأت بذلك المشروع أصلا. وإذا لم يأت به ناقض الشارعَ في ذلك الأخذ من حيثُ صار كالفاعل لغير ما أمر به، والتارك لما أُمر به” الموافقات،2/334 وقال أيضا:”فالحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها: ما هَدَم أصلا شرعيا وناقض مصلحة شرعية؛ فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا، ولا تُناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلة في النهي، ولا هي باطلة. ومرجع الأمر فيها أنها على ثلاثة أقسام: أحدها: لا خلاف في بطلانه، كحيل المنافقين والمرائين والثاني: لا خلاف في جوازه، كالنطق بكلمة الكفر إكراها عليها وأما الثالث: فهو محل الإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النُّظار من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقُه بالقسم الأول أو الثاني) الموافقات،2/387 قال أبو حامد الغزالي: “معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالةٌ للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع، والمسارعة إلى التصديق؛ فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميلُ منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد، ولمثل هذا الغرض استُحب الوعظ، وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص” المستصفى، ص:339. ملحوظة: نصوص الانطلاق نُقلت بالواسطة من مرجع المدارسة- قواعد المقاصد- للأستاذ المحاضر، ص:347وما بعدَها |
الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين
الحصة الثالثة والعشرون(23) ليومه الخميس :24 شتنبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) .القواعد: 53-54-55، من ص: 347الى ص:369 من كتاب ” قواعد المقاصد.
| القاعدة53: من ابتغى في تكاليف الشريعة غيرَ ما شُرعت له؛ فعمله باطل. القاعدة54: الحيل باطلة متى هدمت أصلا شرعيا القاعدة55: معرفة علل الأحكام أدعى إلى الانقياد لها، وتحقيق مقاصدها |
الحصة 23، إعداد: الأستاذ الحسين الموس، إضافات وتعقيب: الأستاذ أحمد الريسوني
بين يدي الملخص:
هذه الحصة تكلف بها الدكتور الحسين الموس نيابة عن الدكتور أحمد الريسوني الذي أبى إلا أن يساهم بتعقيب على مضمون قاعدتي الدرس، وإجابته عن الأسئلة، فضلا عن تفاعله مع النقاش الدائر في مجموعة التكوين رغم ظروفه الصحية، ضمانا للاستمرار، حتى لا تطول مدة الانقطاع؛ وتفعيلا لهذا المقصد أرسل مضمون القاعدة الثالثة التي لم يُسعف الوقتُ الأستاذَ الحسين لإدراجها، ولذلك سأدرج ملخصها أيضا مع نظيراتها تعميما للفائدة، وحفاظا على ترتيب البرنامج المسطر،نسأل الله العلي القدير أن تكون خدمته للعلم، وصبره ومكابدته بالحرص والمتابعة بلسما شافيا له، ومُعينا له بإذن الله تعالى على استعادة عافية بدنه، ومددا وعونا له، ولمجموعة التكوين على مزيد من التفوق ورجاحة العقول، ونور الأبصار والبصائر.
توطئة:
اقتصر الأستاذ المحاضر الدكتور الموس على تناول قاعدتين اثنتين هما القاعدتان 53و54 بترقيم كتاب المدارسة الذي اعتمده في بيان معناهما، مع تعزيز الحصة بقدر معتبر من النقول الإضافية، والتطبيقات المعاصرة المُجَلية لمضامينهما، وفيما يلي ملخص لكلام المحاضِر، وبَعده خلاصة تعقيب الأستاذ الريسوني على القاعدتين، وإضافته المتعلقة بقاعدة فوائد تعليل الأحكام وهي الثالثة في هذه الحصة، وأجوبة المحاضِريْنِ عن بعض سؤالات الحضور.
محاور الحصة: 23
– بين يدي الملخص
– توطئة
-القاعدة 1
-القاعدة2
-القاعدة3
-تعقيب الأستاذ الريسوني.
-الأسئلة وأجوبتها.
القاعدة الأولى: ” من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرعت له فعمله باطل” وهي قاعدة شاطبية كما ذكر أستاذنا، وقد جاءت بصيغة أطول: ” كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غيرَ ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعملُه في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له فعمله باطل”. وهي تلتقي مع بعض القواعد الفقهية، كقاعدة: (المعاملة بنقيض القصد السيء)، وشبيهتها : (من استعجل الشيء قَبْلَ أوانه عوقب بحرمانه) .
وهي للتذكير الوجه الآخر للقاعدة التي سبقتها:” قصد الشارع من المكلف: أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع” . وقد قال أستاذنا عنها: بأنها ” تُلزم المكلف أن يقصد بتصرفه المشروع ما قصده الشارع بشرع ذلك التصرف. بمعنى أن يجعل قصده هو عين ما قصده الشارع”. وهذا الربط من أعظم وأهم ما جاء به الشاطبي؛ أي أن يسعى المكلف ليكون قصده موافقا لقصد الشارع.
أما هذه القاعدة : (من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فعمله باطل)، فهي تقرر عدم مشروعية القصد المخالف والمضاد لقصد الشارع، حتى ولو كان الفعل في ذاته مشروعا، وأن هذا الفعل يقع باطلا، متى قصد به صاحبه خلاف ما قصده الشارع منه. وفي هذا المعنى يقول ابن العربي: «وكل من قصد باطلا في الشريعة نُقض عليه قصده، تحقق ذلك منه، أو اتهم به، إذا ظهرت علامته».
وكلام أبي بكر بن العربي المعافري في نقض القصد الفاسد أورده في أحكام القرآن انتصارا لمذهب مالك، في أن من لم يؤد زكاة ماله في حياته فإنها تعتبر دَيْنا وتؤخذ من الثلث فقط ولا يتجاوز بها ذلك، وعلل ابن العربي رأي مالك بأن الغاية من ذلك منع المكلف من تعمد عدم إخراج الزكاة لتستغرق كل المال ويبقى الورثة فقراء وقال في ذلك: ” لأنه ( أي الهالك) يتعمد ترك الكل ، حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله، فلا يبقى للورثة حق، فكان هذا قصدا باطلا في حق عبادته وحق ورثته، وكل من قصد باطلا في الشريعة نُقض عليه قصده ، تُحقق ذلك منه أو اتهم به إذا ظهرت علامته”. [1]
ورأى أستاذنا أن البطلان المذكور في كلام الشاطبي يراد به:
- ما يعتبر في حكم العدم الشرعي، فيكون التصرف كأن لم يكن، ولا أثر له البتة.
- وقد يراد به عدم الجواز، فيكون صاحبه آثما به.
- وقد يراد به عدم ثبوت القربة والثواب.
تأصيل القاعدة وأدلتها:
استدل مؤلف كتاب المدارسة” قواعد المقاصد” للقاعدة بأدلة نذكر منها:
- حديث الذي يقاتل أو يجاهد وله نية أخرى: روى البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»[2] وعلق أستاذنا على الحديث بقوله: ” دل الحديث على أن القتال إنما يكون في سبيل الله، أي مقبولا مأجورا، إذا كان بقصد أن تكون كلمة الله هي الأعلى. وأما القتال لأجل الغنيمة، أو للشهرة والذكر الحسن، أو للمكانة والزعامة، فليس شيء منه في سبيل الله، لأن هذه المقاصد كلها خلاف قصد الشرع.”. وأحب هنا أن أعرض بعض التقييد للحكم خاصة وأن الأمر لا يخص القتال وحده، وإنما تدخل فيه صور متعددة لنصرة الإسلام كالذي يجري في واقعنا اليوم ( النصرة السياسية، الإعلامية، الثقافية، الفنية..) وهي أمور قد يحصل فيها حظ للنفس أثناء القيام بها؛ وإن كانت النية الأصلية هي الجهاد، فهل وجود حظ الشهرة أو المغنم يبطل الأجر كاملا؟ وقد خصص الشاطبي مباحث متعددة حول العمل وحظوظ النفس. كما تناول ابن حجر الحديث سالف الذكر وعلق عليه بقوله: ” الحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء طلب المغنم، وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب؛ وكل منها يتناوله المدح والذم فلهذا لم يحصل الجواب بالاثبات ولا بالنفي”. وأضاف ابن حجر: ” يحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا. وبذلك صرح الطبري فقال إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك؛ وبذلك قال الجمهور” وهناك رواية في سنن أبي داود من حديث أبي أمامة أن رجلا : قال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال: لا شيء له، فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول لا شيء له ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتُغى به وجهه”[3]. ورأى ابن حجر جمعا بين الأدلة حمل حديث أبي أمامة على من قصد الأمرين معا على حد واحد. ويزكي هذه الأقوال ما قاله ابن العربي في أحكام القرآن: ” ويحق للرجل أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإن نوى في ذلك الغنيمة، وإنما المكروه في الحديث أن يكون مقصده المغنم خاصة”[4]
- الدليل الثاني حديث:” إنما الأعمال بالنيات..”عند البخاري ومسلم، وهو مرجع أساس في هذا القسم وسنراه مع قاعدة الحيل التي تهدم أصلا شرعيا. وفيه عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». ودقق أستاذنا هنا الاستنباط فقال: ” وأما من هاجر معهم، لكن بقصد مصلحة شخصية يطلبها فقط، فليس له إلا ما نواه وما هاجر لأجله، وأما الهجرة التي كانت واجبة حينئذ، فليس له منها شيء”.
- ثم أورد بعض ما ذكره الشاطبي من الأدلة العقلية على القاعدة ومنها قوله في الموافقات: ” إن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة؛ لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم؛ فلم يأت بذلك المشروع أصلا، وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به [والتارك لما أمر به]”[5].
نماذج وأمثلة تطبيقية:
المثال1: تقديم الهبات والتبرعات والأعمال للمساجد والمؤسسات الدينية وغيرها، متى أريد بها وجه الله أصالة فهي عمل مشروع ومأجور، لكن إن أريد بالقصد الأول مصلحة دنيوية، واستغلال ذلك لأجل استمالة الناخبين أو لأجل مصالح أخرى فالعمل باطل مردود. قال المؤلف: ” أما إذا فعلت مثلا لأجل الدعاية السياسية، أو الأغراض الانتخابية، ولكسب قلوب الناس وأصواتهم لفائدة أشخاص أو أحزاب أو حكومات، فهي أعمال باطلة، مردودة على أصحابها، حتى لو انتفع بها الناس، لكونها قصد بها غير ما قصده الشرع. ومن ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فعمله باطل).”
المثال2: نكاح التحليل، سنعود إليه عند تناول القاعدة الموالية
المثال3: إعلان وإظهار كلمة التوحيد لقصد غير قصد الشارع ( حفظ النفس، التجسس على المسلمين كما فعل بعض الفرنسيين إبان الاستعمار حيث أصبح يلقب بالحاج ويصلي بالناس…)
القاعدة الثانية: الحيل باطلة متى هدمت أصلا شرعيا.
الحيل لغة:
جاء في لسان العرب: ” الحَوْل الحِيلة والقُوَّة أَيضاً قال ابن سيده الحَوْل والحَيْل والحِوَل والحِيلة والحَوِيل والمَحالة والاحتيال والتَّحَوُّل والتَّحَيُّل كل ذلك الحِذْقُ وجَوْدَةُ النظر والقدرةُ على دِقَّة التصرُّف”. وفي المعجم الوسيط كما أورد المؤلف:”الحيلة: الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف في الأمور. ووسيلة بارعة تحيل الشيء عن ظاهره ابتغاء الوصول إلى المقصود”[6].
التعريف الاصطلاحي: والحيل في النظر الشرعي هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي وهي لا تذم بإطلاق. ورأى أستاذنا أن أقرب معنى إلى المعنى الاصطلاحي للحيلة هو أنها: ” وسيلة بارعة تحيل الشيء عن ظاهره ابْتِغَاء الْوُصُول إِلَى المقصود”. والحيلة المقصودة عند الشاطبي هي التحيل – بوجه سائغ مشروع في الظاهر، أو غير سائغ – على إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر، بحيث لا يسقط أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة، فتفعل ليتوصل بها إلى ذلك الغرض المقصود، مع العلم بكونها لم تشرع له”. وعرفها الشاطبي في موضع آخر بأن:” حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع”
وفصل أستاذنا في سياق هذه القاعدة في مقدمة باب:” مقاصد المكلفين” في الحصة الماضية ورأى ارتباطها بقاعدة: “الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات”. وأشار إلى استمداد الشاطبي لها من أصول المذهب المالكي، وأيضا من بعض ما كتبه ابن تيمية؛ خاصة كتاب:” بيان الدليل على بطلان التحليل”…
وقد شغل موضوع الحيل فقهاء المسلمين وانقسموا حياله قسمين كبيرين. فمنهم من يرى إبطال ها والتشدد في منعها وهو مذهب الحنابلة ثم المالكية، ومن يرى جوازها والاعتداد بها وهم الحنفية ثم الشافعية. والذي ميز الشاطبي رحمه الله في موضوع الحيل هو اعتداله وتوازنه فيما يقبل وما يرفض من الحيل حيث وضع لها قيد ” إذا هدمت أصلا شرعيا”. ونصه بتمامه في الموافقات هو: ” الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما هدم أصلا شرعيا، وناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة”[7]….
وقد خصص البخاري في جامعه الصحيح كتابا سماه: ” كتاب الحيل”، وكان أولُ باب منه هو ” باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها”. ورأى ابن حجر عند شرحه لأحاديث الباب أن البخاري ترجم مباشرة بعد كتاب الحيل بباب ” في ترك الحيل لئلا يظن ظان الجواز المطلق لها”، ولأن:” القول بجوازها عموما إبطال حقوق وجبت، واثبات حقوق لا تجب، فتحرى فيها؛ لذلك قلت وإنما أطلق أولا للأشارة إلى أن من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقا”.
ورأى ابن حجر أن حكم الحيل يختلف بحسب المقاصد، قال:” إن توصل بها بطريق مباح إلى ابطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة؛ وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة؛ أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة. ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا وباطنا أو يبطل مطلقا أو يصح مع الإثم، ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة كثيرة”[8]
ودقق الشاطبي بدوره في أمر الحيل، وما يرد منها لكونه يؤدي إلى إبطال حكم شرعي، وما يقبل منها. ورأى أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا خلاف في بطلانه، كحيل المنافقين والمرائين، وعلّل إبطال هذا النوع وأنه غير مأذون فيه، لكونه مفسدة أخروية بإطلاق، والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق، …معلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع؛ فكان باطلا، ومن هنا جاء ذم النفاق وأهله….
القسم الثاني:
لا خلاف في جوازه؛ كالنطق بكلمة الكفر إكراها عليها، فإن نسبة التحيل بها في إحراز الدم بالقصد الأول من غير اعتقاد لمقتضاها كنسبة التحيل بكلمة الإسلام في إحراز الدم بالقصد الأول كذلك؛ إلا أن هذا مأذون فيه لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق، لا في الدنيا ولا في الآخرة”.
القسم الثالث: هو محل الإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النظار من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثاني، ولا تَبيّن فيه للشارع مقصد يتفق على أنه مقصود له، ولا ظهر أنه على خلاف المصلحة التي وضعت لها الشريعة بحسب المسألة المفروضة فيه؛ فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازعا فيه،
قال الشاطبي: ” لا يصح أن يقال: إن من أجاز التحيل في بعض المسائل مقر بأنه خالف في ذلك قصد الشارع، بل إنما أجازه بناء على تحري قصده وأن مسألته لاحقة بقسم التحيل الجائز الذي علم قصد الشارع إليه؛ لأن مصادمة الشارع صراحة علما أو ظنا لا تصدر من عوام المسلمين، فضلا عن أئمة الهدى وعلماء الدين، نفعنا الله بهم، كما أن المانع إنما منع بناء على أن ذلك مخالف لقصد الشارع ولما وضع في الأحكام من المصالح…
وخلص أستاذنا إلى دقة القاعدة كما أوردها الشاطبي: ” وهو أن الحيل ليست باطلة بإطلاق، وإنما تبطل وتحرم متى كان مآلها أو الغرضُ منها هدمَ أصل شرعي ونقضَ مصلحة شرعية. وما لم يكن كذلك فهو جائز، لا سيما إذا كان يتوصل به إلى دفع ظلم، أو إحقاق حق، أو رفع حرج ….” والأمر يحتاج إلى بعد النظر وحسن تحكيم القواعد الشرعية.
أدلة القاعدة :
أدلة الحنابلة في إبطال جميع الحيل:
استدل الحنابلة للقاعدة ولتحريم الحيل بأدلة من الكتاب والسنة ومنها ما أورده البخاري في كتاب الحيل، نذكر بعضها:
أولا: حديث أبي هريرة مرفوعا والذي أورده ابن قدامة في المغني[9]: “ لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل” [10]ووجدت أن الألباني حسنه في صفة الفتوى، ومعناه ينسجم مع القاعدة من حيث استعمال الحيل لهدم أصل شرعي بتحليل الحرام.
ثانيا: نصوص القرآن الكريم في ذم أصحاب السبت وبيان عقوبتهم تشهد لمنع التحيل المؤدي إلى تحليل الحرام. وهو ما استنبطه ابن عاشور حيث قال: ” إن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم؛ فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة على الله تعالى “[11] ….
ثالثا: حديث البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه»
فالحديث يحذر من فعلة اليهود الذين باعوا الشحوم لغيرهم فأكلوا ثمنها،
ومن باب التدقيق نرى أن التحيل لإبطال أصل شرعي باطل ومردود، كما تقرره القاعدة، …لكن هل يحرم دهن السفن بها أو الاستضاءة بها؟ وهل في ذلك إبطال لحكم شرعي؟ إن السنة النبوية أباحت الانتفاع في غير الأكل بعد الدبغ لجلد الميتة. روى أصحاب الصحيح والسنن عن ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ: (تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، ” فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) (1) (فَقَالَ: أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا؟ , ثُمَّ دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟ “) (2) (فَقَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ: نَأخُذُ مَسْكَ (3) شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟ , فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّمَا قَالَ اللهُ – عز وجل -: {قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً , أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا , أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} (4) قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ) (5) (وَإِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) (6) (فَإِنْ تَدْبُغُوهُ) (7) (فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ “) (8) (قَالَ: فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ , فَأَخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا). فهل النهي في حديث البخاري عام أم يقيد، ولا يباح إلا ما استثني بالنص مثل جلد الميتة حين يدبغ؟ وهل تشترط الاستحالة أم يكفي الاستعمال في مجال لا ضرر فيه ( دهن السفن، الإنارة …)؟. قال ابن حجر: ” واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة؛ فالجمهور على الجواز .وقال أحمد وابن الماجشون لا ينتفع بشيء من ذلك. واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق” [12]
رابعا: النصوص الناهية عن المخادعة وعن التحايل المذموم من مثل قوله تعالى في المنافقين: { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]. وفضح أصحاب مسجد الضرار: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [التوبة: 107] مع أن بناء المساجد من أعظم القربات…وفضح بعض أنواع النفاق في سورة التوبة…
وسطية الشاطبي في أمر الحيل، وأن الذي يُذم منها ما أبطل حكما شرعيا:
ورأى الشاطبي كما سبقت الإشارة أنه : ” لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة”.
نماذج وأمثلة تطبيقية:
نموذج 1: بعض ما له علاقة بالأسرة
- التحيل لإرجاع الزوجة البائنة بطلاق الثلاث:
جاءت الشريعة بمقصد حفظ الأسرة، وبوضع القيود عن الطلاق الهادم لها. ولأجل ذلك شدد الشارع في شأنه؛ وقضى أن الزوج إذا طلق زوجته للمرة الثالثة تحرم عليه، ولا يحل له العقد عليها إلا بعد زواجها من زوج آخر ودخوله بها ثم طلاقها منه. فمقصود الحكم دفع الأزواج إلى التروي والاحتياط بعد الطلقة الثانية. لكن الناس يتهورون ويبحثون عن الحيل التي تخرجهم من المضايق، ولذلك ألف ابن تيمية رحمه الله رسالته كما ذكر أستاذنا في الحصة الماضية ” بيان الدليل على بطلان التحليل”.
وجعل البخاري هذا النوع أول أمثلة الحيل الباطلة وقال عنه ” من ذلك نكاح المحلل؛ فإنه تحيل إلى رجوع الزوجة إلى مطلقها الأول، بحيلة توافق في الظاهر قول الله تبارك وتعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230]؛ فقد نكحت المرأة هذا المحلل؛ فكان رجوعها إلى الأول بعد تطليق الثاني موافقا، ونصوص الشارع مفهمة لمقاصده، بل هي أول ما يتلقى منه فهم المقاصد الشرعية”. وأورد حجج المؤيدين وحجج المعارضين وهي عند البغدادي في شرح الرسالة
- نكاح الشغار:
عقد البخاري بابا تطبيقيا آخر بعنوان: ” باب الحيلة في النكاح”. ومثل فيه بنكاح الشغار حيث روى فيه عن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن الشغار» قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: «ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل وينكحه أخته بغير صداق» وقال بعض الناس «إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز والشرط باطل» . ورأى ابن حجر وجها لإبطاله لما فيه من التحيل الذي يوقع الضرر على أحد الأطراف مثل له بقوله” والذي يظهر لي أن الحيلة في الشغار تُتصور في موسر أراد تزويج بنت فقير فأمتنع أو أشتط في المهر فخدعه بأن قال له زوجنيها وأنا أزوجك بنتي فرغب الفقير في ذلك لسهولة ذلك عليه فلما وقع العقد على ذلك وقيل له ان العقد يصح ويلزم لكل منهما مهر المثل فإنه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر وحصل للموسر مقصوده بالتزويج لسهولة مهر المثل عليه فإذا أبطل الشغار من أصله بطلت هذه الحيل”
- نكاح المتعة:
وقد رجح كثير من أهل العلم أن الذي استقر عليه الحكم الشرعي هو بطلانها. ونكاح المتعة المنهي عنه هو أن يتزوج الرجل المرأة بشرط المفارقة بعد مدة محددة. وذكر البخاري هذا النوع في الحيل المذمومة وروى عن الحسن، وعبد الله، ابني محمد بن علي، عن أبيهما: أن عليا رضي الله عنه قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» وقال بعض الناس: «إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد». وقال بعضهم: «النكاح جائز والشرط باطل». قال ابن حجر: ” قال بعض الناس إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد أي أن العقد عقد نكاح متعة، والفساد لا يستلزم البطلان لإمكان إصلاحه بإلغاء الشرط فيتحيل في تصحيحه “….
وناقش الشاطبي مسألة أن يتزوج الفرد المرأة وفي نيته مفارقتها وإن لم يشترط ذلك عليها. ونقل ما قاله ابن العربي حول مبالغة مالك في منع نكاح المتعة، وأنه لا يجيزه بالنية؛ كأن يتزوجها بقصد الإقامة معها مدة وإن لم يلفظ بذلك، ثم قال: ” وأجازه سائر العلماء، ومثّل بنكاح المسافرين، قال: “وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك؛ فإنا لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي؛ لكان نكاحا نصرانيا، فإذا سلم لفظه؛ لم تضره نيته، ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة ورجاء الأدمة، فإن وجدها وإلا فارق، كذلك يتزوج على تحصيل العصمة، فإن اغتبط ارتبط، وإن كره فارق”، وهذا كلامه في كتاب “الناسخ والمنسوخ”.
وقال الباجي في المنتقى: ” وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا إِلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ يُفَارِقَهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ الْجَمِيلِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ”… ووجه التحيل في هذه المسألة أن المرأة تدخل الزواج بنية التأبيد وقد يكون الزوج ليس من بلدها، ثم تفاجأ بالطلاق المضمر لاحقا.
- نكاح اليتيمة بنية عدم القسط في مهر المثل:
وبوب البخاري باب ما ينهى من الاحتيال للولي في اليتيمة المرغوبة، وأن لا يكمل لها صداقها. وقد نزل القرآن بالقسط لليتيمات، وأمر بالزواج من غيرهن عند خشية عدم القسط حيث قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } [النساء: 3، 4]. ورى البخاري في جامعه سبب نزول الآية عن الزهري، قال: كان عروة، يحدث: أنه سأل عائشة: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت: ” هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق “.
وتوجد صور معاصرة للتحيل في أحكام المدونة:
- دفع المرأة لطلب التطليق للشقاق بأساليب متعددة فرارا من ترتب الحقوق على الزوج، وقد نهى الله تعالى عن أكل مالها بغير حق: ” ولا يحل لكم أن تاخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله…”
- التحيل في أمور الحضانة والزيارة وجعل الأبناء كبش فداء….
- التحيل في القيام بالتعدد، فهو مباح لكن لابد من سلوك مسطرته، ولا ينبغي أن يلجأ الفرد إلى التحايل لأجل الإذن به ( تزوير شهادة العزوبة، شهادة السكن…)
النموذج2: ما له علاقة بالمعاملات المالية
ويتعلق بقاعدة: منع الحيل إذا أبطلت أصلا شرعيا” مسائل متعددة في المعاملات المالية، ذكر بعضها البخاري في كتاب الحيل وبوب فيه: “باب ما يكره من الاحتيال في البيوع”. وأشار إلى بعضها الشاطبي أيضا في كتاب مقاصد المكلف، ومن أمثلة ذلك:
مثال 1 : الهبة عند حلول الحول تهربا من الزكاة
قال الشاطبي: ” وعلى هذا نقول في الزكاة مثلا: إن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح ومصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرضة للتلف، فمن وهب في آخر الحول ماله هروبا من وجوب الزكاة عليه، ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه؛ فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له، ورفع لمصلحة إرفاق المساكين؛ فمعلوم أن صورة هذه الهبة [ليست هي الهبة] التي ندب الشرع إليها؛ لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له، وتوسيع عليه، غنيا كان أو فقيرا، وجلب لمودته ومؤالفته، وهذه الهبة على الضد من ذلك، ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقا لمصلحة الإرفاق والتوسعة، ورفعا لرذيلة الشح، فلم يكن هروبا عن أداء الزكاة؛ فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصدا شرعيا، والقصد غير الشرعي هادم”.
مثال 2: التهرب من الزكاة من خلال التلاعب بما يملك
عقد البخاري في كتاب الحيل بابا للتمثيل بإبطال الحيل التي يراد بها التهرب من الزكاة فقال:” باب في الزكاة وألا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، خشية الصدقة”. وروى فيه عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر، كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة».
قال ابن حجر: قال بن بطال: أجمع العلماء على أن للمرء قبل الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة والذبح إذا لم ينو الفرار من الصدقة؛ وأجمعوا على أنه إذا حال الحول أنه لا يحل التحيل بأن يفرق بين مجتمع أو يجمع بين متفرق ثم اختلفوا فقال مالك من فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله صلى الله عليه و سلم: خشية الصدقة. وقال أبو حنيفة إن نوى بتفويته الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا تضره النية لأن ذلك لا يلزمه إلا بتمام الحول ولا يتوجه إليه معنى قوله خشية الصدقة إلا حينئذ. قال: وقال المهلب: قصد البخاري أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فان إثم ذلك عليه لأن النبي صلى الله عليه و سلم لما منع من جمع الغنم أو تفرقتها خشية الصدقة، فهم منه هذا المعنى وفهم من حديث طلحة في قوله أفلح إن صدق أن من رام أن ينقص شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح.
وقال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة”[13]
وقال الشافعي هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة؛ فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل؛ والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر…[14]
وقال ابن حجر ضمن فوائد حديث الجمع والتفريق: “واستدل به على إبطال الحيل والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن، وأن زكاة العين لا تسقط بالهبة مثلا”[15]
مثال 3 التناجش في البيع ، المصراة…
وأصل النجش إعمال الحيل لجلب الطيور لاصطيادها، وانتقل إلى البيع. وصورته أن يتواطأ الفرد مع التاجر لأجل ترغيب الناس في شراء البضاعة بثمن أعلى، حيث يمدح السلعة ويتظاهر بإعطاء ثمن أعلى مع أنه لا حاجة له في شراءها. وقد جاء في السنة النبوية النهي عن هذه المعاملة لما فيها من المخادعة وإلحاق الضرر بالمسلمين. وبوب البخاري: باب ما يكره من التناجش.
وروي عن مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن النجش». وروى مالك أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا”.
مثال4 : الاحتيال بالهدية المشروعة لإبطال حقوق وواجبات :
ومن الاحتيال الذي يهدم أصولا شرعية قبول بعض المسؤولين لهدايا مرتبطة بعملهم الواجب. والتحيل في الغالب يكون من معطي الهدية، لأنه يريد من المهدى إليه أن يخفف عنه ما وجب عليه لصالح المؤسسة أو الإدارة[16]. وبوب البخاري باب احتيال العامل ليهدى له” وروى عن أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك، حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا» ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ” أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ” ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه، يقول: «اللهم هل بلغت» بصر عيني وسمع أذني”[17].
مثال4: بيع العينة وإبطال القصد الفاسد بالتحيل على الربا
ومن التحيل الباطل في المعاملات المالية بيع العينة. عن مالك أنه بلغه أن صكوكا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار ، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مروان بن الحكم فقالا: أتحل بيع الربا يا مروان؟ فقال أعوذ بالله وما ذاك فقالا هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها فبعث مروان الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي الناس ويردونها إلى أهلها”[18].
وقال مالك وإنما فرق بين ألا يبيع الرجل إلا ما عنده وأن يسلف الرجل في شيء ليس عنده أصله أن صاحب العينة إنما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها فيقول هذه عشرة دنانير فما تريد أن أشتري لك بها فكأنه يبيع عشرة دنانير نقدا بخمسة عشر دينارا إلى أجل، ولهذا كُره وإنما تلك الدخلة والدلسة …”[19]
النموذج4: التحيل للتحرر من بعض التكاليف الشرعية
مثال1: إنشاء السفر مع دخول رمضان قصد الإفطار
وخاصة عندما يكون رمضان في الصيف، فيفطر ليقضي في وقت الشتاء وقصر مدة الصوم….
مثال2: تخلف المنافقين عن الجهاد والتحيل بالخوف من الفتنة
مثال3 : تزيين المحرمات والإغراء بها من خلال تسميتها بغير اسمها:
المشروبات الروحية ،أو الكحولية بدل الخمر.
العلاقات الرضائية بدل الزنا.
-اليناصيب والمسابقات، بدل القمار والميسر.
المثلية الجنسية، بدل الشذوذ الجنسي، أو فاحشة اللواط.
نماذج للتحيل المشروع الذي لا يهدم أصلا شرعيا
مثال1: تثبيت المودة بين الزوجين بالمعاريض والتحيل.
مثال2: تحيل يوسف لاستبقاء أخيه معه.
مثال3: التحيل في عدم حنث أيوب عليه السلام في قسمه.
مثال4: التحيل لأجل معرفة الحقيقة من طرف القضاة وغيرهم، وفيه قصة سليمان عليه السلام, روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى ” قال أبو هريرة: «والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية»[20].
مثال5: قصة نبي الله أيوب عليه السلام، في كفارة حنثه، هل يقاس عليها؟ وهل تصلح مثالا للتحيل المشروع؟
رأى الطاهر بن عاشور رحمه الله أنه لا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله تعالى في قصة أيوب ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبي لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة، ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه؛ لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك”
قال ابن عاشور:” وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى فَتْوَى أَيُّوبَ فِي كُلِّ ضَرْبٍ مُعَيَّنٍ بِعَدَدٍ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ، أَيْ فِي بَابِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَهُوَ تَطَوُّحٌ فِي الْقِيَاسِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَلِاخْتِلَافِ مَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَمَقْصِدِهَا مِنَ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَلِتَرَتُّبِ الْمَفْسَدَةِ عَلَى إِهْمَالِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ دُونَ الْكَفَّارَاتِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّسَامُحِ فِي الْحُدُودِ يُفْضِي إِلَى إِهْمَالِهَا وَمَصِيرِهَا عَبَثًا.[21]
القاعدة 3: “معرفة علل الأحكام أدعى إلى الانقياد لها وتحقيق مقاصدها”.
إعداد : أحمد الريسوني
السلام عليكم ورحمة الله معشر الإخوة والأخوات الكرام. حفظكم الله، هذاتوضيح أحاول أن يكون مختصراً للقاعدة التي لم نتمكن من إدراجها في المحاضرة الأخيرة التي قدمها أخونا الأستاذ الدكتور الحسين الموس، وأضفت إليها أيضاً ما سمح به الوقت، ومع ذلك لم نصل إلى القاعدة الثالثة. وأقدم هذا المختصر لإضافته إلى ما عندكم، وأيضاً ليطلع عليه أخونا الكريم الأستاذ البشير في عمله الذي يقدمه لنا جميعاً ويوضح فيه ويلخص، وبذلك نتجاوز هذه القاعدة في المحاضرة المقبلة حتى لا نبقى متأخرين.
أهمية القاعدة وعناية الأصوليين بها:
والقاعدة هي الخامسة والخمسون -بترقيم كتاب المدارسة- وعنوانها أو صيغتها: “معرفة علل الأحكام أدعى إلى الانقياد لها وتحقيق مقاصدها”. ولب هذه القاعدة وهي قاعدة أصولية ليست خاصة بالشاطبي، فكثير من الأصوليين ذكروها ورددوها وبنوا عليها. هذه القاعدة الأصولية توضح لنا أبعاد هذا الباب الذي عقده الإمام الشاطبي: أبعاده الحِكَمية، وأبعاده المصلحية؛ فمعرفة علل الأحكام شيء عظيم وجليل؛ ولكن مع ذلك لا نقول إن عامة المسلمين عليهم معرفة جميع علل الأحكام؛
. جميع علل الأحكام قد لا يعرفها حتى الفقيه؛ نعم، يعرفها الفقهاء بمجملهم. ولذلك اعتبروا عددا من الأحكام تعبدية، وأمضوها على ما هي عليه. ولكن نص كثير من العلماء، مذكورةٌ أقوالهم في شرح القاعدة في الكتاب لعل من أهمهم وأقدمهم القفال الكبير في كتابه: “محاسن الشريعة”، وهو مطبوع عدة طبعات بعضها محقق، وبعضها غير محقق. وكذلك الإمام أبو حامد الغزالي، وقد أوردتُ له نصا نفيسا يلخص هذه القاعدة، يلخص مضمونها، وعليه فيما أرى بنى كثير من الأصوليين الذين جاءوا بعده، كالآمدي وغيره، وذكرها كذلك، وذكر قيمتها- قيمة معرفة علل الأحكام في الامتثال وترشيد العمل بمقاصد الشريعة- ذكرها كذلك الشيخ أحمد زروق، ومن العلماء الذين يُكثرون تعليل الأحكام؛ أي بيان عللها وحِكَمها ومصالحها، وأسرارها، فضلا عن الشاشي القفال؛ الإمام القرافي في كتابه الذخيرة، وكذلك ابن راشد القفصي، في كتابه:” لبّ اللباب”، وقد ذكرتُ في امثلة الكتاب شيئا من تعليلاته. فهؤلاء وغيرهم مُجمِعون على أهمية أن يعرف المكلف علل الأحكام ما أمكن.
وإذا قلنا علل الأحكام يعرفها المكلفون؛ فمن باب أولى وقبل ذلك، يجب أن يعرفها الفقهاء والدعاة، لأن الدعاة إلى الأحكام بدون معرفة حِكَمها- عرض الأحكام بدون حكم فيه نقص كبير ولا يؤدي إلى تحقيق مقصود هذه القاعدة، وهي أن معرفة علل الأحكام أدعى إلى الانقياد لها وتحقيق مقاصدها. والأمثلة التي ذكرتُها متعددة تبين أن الانسان حين يعرف المقاصد ليتوافق معها وليعمل على تحقيقها يكون فعلا محقِّقا لما أراده الشارع من حُكم وحكمة، وإذا لم يعرف الحكمة قد لا يحققها وقد يحيد عنها، وقد يأتي بما يخالفها، وما يضادّها. فهذا المعنى ردده عدد من العلماء منهم أبو عبد الله المقّري في قواعده؛ الذي أُكثر من ذكره. وبنوا على ذلك أن هذا هو الأصل- الأصل هو التعليل- وعدمه إنما يكون عند العجز، والعجز عن التعليل إذا حصل لفلان، فإنه يتأتى لغيره. فلا ينبغي أن يكون تاما، وإنما هو استثناء في حق البعض ممن لا يستطيع إدراك حِكمة الحكم، وتعليله.
وأما ما يتردد من أن بعض الأحكام تعبدية، وأن يردد هذا جميع الفقهاء، فهذا تقصير يجب تجاوزه وخاصة إذا عرفنا أهمية معرفة علل الأحكام.
أدلة القاعدة:
وأما أدلة هذه القاعدة فمن أفضل من استدلوا لها وعليها ابن القيم في كتابه: “مفتاح دار السعادة…”وكذلك في كتابه: “اعلام الموقعين”، وفي كثير من كتبه.
ويُعد ابن القيم من أكثر المهتمين بتعليل الأحكام في القرآن والسنة؛ والدفاع عن هذا التعليل، فذكر رحمه الله أن تعليل الأحكام في القرآن والسنة يتجاوز الألف وفي القرآن بصفة خاصة، قال ولو كان نحو مئة أو مئتين لأوردناها جميعا ولكنها تفوق الألف، وذكر من تعليلات القرآن الكريم الآية الكريمة: “ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض” وذكر أن الله تعالى حينما أرد أن يجيب المتسائلين عن حكم الاتصال الجنسي في الحيض، قبل أن يذكر الحكم وهو فاعتزلوا النساء في المحيض، قال هو أذى؛ فقدم العلة على الحكم نفسه، والتعليل كثير وما لم يذكر تعليله ترك للاجتهاد والفهم والتدبر؛ لأن التدبر والاجتهاد في الأحكام الشرعية وفي معرفة حِكمها من مقاصد الشرع أيضا، خاصة في حق العلماء، وهم الذين يبينونه لغيرهم من عموم المسلمين.
والأمثلة كثيرة واردة في شرح القاعدة في الكتاب، وتجنبا للإطالة أذكر المثال الأخير غير المذكور عند الأصوليين، ووقفت عنده بحكم التعامل الدعوي مع السيرة النبوية، وهو مذكور بنصه في الحديث الشريف، وفي كتب الحديث، وقد أوردت رواية الإمام أحمد في المسند، ويتعلق بغزوة حنين[22]؛ [وخلاصة القصة أن الأنصار وممثلهم سعد بن عبادة رضي الله عنهم لما سمعوا مقالة رسول الله، وتعليله، ووجه الحكمة من تصرفه]؛ تفهموا وبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: حسبنا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً ونصيباً، أو كما قالوا رضي الله عنهم ،فقبل أن يعرفوا الحكمة ظنوا أن هذه غنائم تعطى بحسب الاستحقاق، وبحسب الأولوية، ولماذا لم يأخذوا هم مثل الآخرين، وكانوا يستحقون أن يأخذوا أكثر من الآخرين؛ لكن لما عرفوا حكمة ذلك وعرفوا قيمة ما أخذوه وقيمة ما وكلوا إليه ارتاحوا وخشعوا وبكوا وقالوا حسبنا يكفينا وإلى آخره فإذا قبل أن يفهموا كانوا متحفظين ومستائين ومغتاظين ولكن بعد أن فهموا انشرحت صدورهم وانشرحت قلوبهم واطمأنوا. هذا هو معنى هذه القاعدة أن معرفة علل الأحكام هي أدعى إلى الامتثال وأدعى إلى تحقيق مقاصدها وهذا المضمون موجود في شرح القاعدة وفي كلام عدد من العلماء الذين بينوا هذا. حفظكم الله وتقبل منكم.
تعقيب الدكتور الريسوني على القاعدتين الأوليين: 53-54
بسم الله الرحمن الرحيم
قاعدتا هذا اليوم تجعل الصورة واضحة. اتباع الشرع هو اتباع أحكامه ومقاصده معا. وليست الاعتداد بالصور والأشكال فقط. “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم “[23]. وهذا ما أكده الشاطبي: الأعمال المقبولة هي التي إذا أقام المكلف ظاهرها ومقصودها الذي قصده الشارع.
إذا قام الإنسان بما طابق أمر الشريعة ظاهرا، لكن قصده سيء لم يحقق لب هذه القواعد؛ لأن النية إذا صلُحت فهي منبع للخير، قد نسميه الضمير أو غيره، تُنتج فعل الخير. وإذا لم تكن النية صالحة قد يفعل المكلف الخير لكنه قد ينقلب.
وقد أوردنا كلام ابن الحاج عن ابن أبي جمرة في الحصة الماضية. أول ما يحرك الإنسان لفعل الخير ويدفعه عن الشر وهو نيته. الإنسان قد يجاهد، وضابط الجهاد وبوصلته ليست عنده؛ فيكون عمله باطلا. النية هي البوصلة الضامنة لفعل الخير والانفلات من الشر.
معركة ابن تيمية وتلميذه مع الحيل:
ابن تيمية رحمه الله ألف كتابه: “بيان الدليل على بطلان التحليل”، وله صولات في هذه المسألة. وابن القيم أيضا، وهما من أئمة المسلمين؛. ، الحيل باطلة بإطلاق كما ذكر ابن قدامة. ابن تيمية رحمه الله إذا تحمس لشيء خاض لأجله المعارك، في هذا المثال كانت هناك مبالغة[24]. والشاطبي رحمه الله توسط واعتدل.
وأقف عند حديث “التيس المستعار”” لعن الله المحلل والمحلل له”؛ ففهمه يفيدنا منهجيا. هذا الحديث فيه قاعدة أصولية كبيرة. هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟ هذا فيه خلاف بين الجمهور والحنفية. الحنفية قالوا النهي لا يقتضي الفساد. والجمهور قالوا النهي يقتضي فساد المنهي عنه، كونه نُهي عنه ليجتنبه الناس. وعند المالكية: النهي يقتضي الفساد تارة، وعدم الفساد تارة. صحيح من وجه وفاسد من وجه. وأشهر أمثلته الفقهية نكاح المحلل يقع صحيحا؛ وبعض الحنفية قالوا يكون المحلل مأجورا. الشافعي يدافع عن أدلة الحنفية، وعن وجهة نظرهم. لم يصرح بأن النكاح صحيح لكنه قوّى الموقف الحنفي. مالك قال عن نكاح المحلل هذا النكاح يفسخ وباطل قبل الدخول وبعده. الشاطبي رحمه الله برّز منطق الحنفية.
الحنابلة قالوا هذا زواج باطل لأن صاحبه قصد غير ما قصد الشرع؛ لأنه قاصد الطلاق. فناقض قصدَ الشارع.
المحلل غرضه أن ترجع المرأة إلى زوجها لا لقصد الطلاق كالمتعة. هذا الزواج يحقق القصد الشرعي. الشرع عاقب المطلق ثلاثا بنكاح زوجته غيرَه؛ نكاية فيه كما قال الطاهر بن عاشور رحمه الله. فالقصد الشرعي من هذه العقوبة تحقق بالزواج المراد منه التحليل. هذا الحديث فيه:” لعن الله المحلل والمحلل له”[25]. معناه هناك اتفاق بينهما، والقرار بيد من سيتزوجها. والحنفية على معنى أن اللعنة هي الزجر والتحذير وليس الطرد من رحمة الله.
الشاطبي أشار إلى أن بعض الحنفية قالوا إذا تم هذا بدون اتفاق يكون مشروعا. وفي هذا تخفيفا من غلواء كلام ابن تيمية. ولابن العربي كلام قال فيه:” وكل من قصد باطلا في الشريعة، نُقض عليه قصده، تحُقق ذلك منه، أو اتهم به إذا ظهرت علامته”. في الاجتهاد القضائي والفقهي ينبغي تحكيم القرائن. من قصد باطلا نُقض عليه قصده باستحضار التهمة والبحث عن ما يثبتها بالقرائن وما ظهرت علامته. فالتهمة على الفقهاء والقضاة أن يتحققوا منها بالقرائن ووسائل الإثبات.
الأسئلة وأجوبتها:
س1: هل الحيل القانونية التي يعتمد عليها المسؤول النقابي للدفاع عن العمال جائزة شرعا؟ لتخفيف العقوبة التي قد تصل الى الطرد.
مثلا تكييف الخطأ المهني حتى يبدو أنه كان غير مقصود.
ج: الدكتور الحسين الموس: في تفاعل مع سؤال الأخ الفاضل علي رادي : وهو قريب من سؤال آخر حول حيل المحامي أقول وبالله التوفيق:
الحيل كما ظهر في القاعدة لا تبطل إلا إذا هدمت أصلا شرعيا، وحسب الشاطبي هناك حيل متعددة مشروعة مباحة، وقد تكون واجبة، أو مندوبة. ومن ثم فلجوء النقابي إلى بعض الحيل المشروعة التي لا تتضمن كذبا لأجل التخفيف عن العامل وتجنب طرده مشروعة، ونفس الشيء بالنسبة للمحامي، فمع علمه بخطإ الموكل فهو يبحث عن حيل لأجل تخفيف العقوبة عنه.
الذي ينبغي الحذر منه هم التحيل لكسب مال حرام، أو لأجل الإضرار بالطرف الآخر مع العلم أنه هو المظلوم…
ج: د. أحمد الريسوني: أولا: نص القاعدة عند الشاطبي هو: “فالحيل التي تَـقدم إبطالُـها وذمُّها والنهيُ عنها: ما هدم أصلا شرعيا وناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغيرُ داخلة في النهي ولا هي باطلة”..
ففيها عنصران اثنان هما: هدم أصل الشرعي، أو مناقضة مصلحة شرعية.
والأصل الشرعي هو الأصل التشريعي الكلي؛ مثل: الأعمال بالنيات، وسد الذرائع..،
والمصلحة الشرعية: المراد بها المصلحة الجزئية في كل حكم وكل تصرف..
والنظر يكون فيهما معا، وليس فقط في الأصل العام..
وأنا اقتصرت في عنوان القاعدة على “هدم أصل شرعي”، رغبة في عدم تطويل العنوان، وأما عند التفصيل والتطبيق فالتفصيل والتمام ضروريان.
ثانيا: السؤال والجواب مبهمان؛ يعوزهما إعطاء أمثلة محددة، من خلالها يتضح ويتحدد ما يصح وما لا يصح.. أما مع الإجمال والإبهام، فالجواب يبقى عرضة للخلط وسوء التطبيق…، مثلا “تكييف الخطأ المهني”، الخطأ المهني قد يكون عملا مقصودا، وقد يكون غير مقصود، وقد يكون غشا، وقد يكون خيانة، وقد يكون له أضرار وعواقب وقد لا يكون، وقد يكون ضرره لرب العمل، وقد يكون ضرره للجمهور… وكل هذه وغيرها أحوال تختلف أحكامها ومدى قابليتها للاحتيال المشروع.. والله تعالى يقول: “ولا تكن للخائنين خصيما”
س2: عندنا قاعدة تقول إن العامل المجتهد معرض للخطأ، والعامل الكسول بعيد عنه.
بالتجربة الإدارة غالبا تكون قاسية مع العامل، وخاصة إذا كان العامل نقابيا، فهي تضخم الخطأ لتنزل به أقصى العقوبة،
ج: د. احمد الريسوني: خلاصة القول: التحايل يمكن استعماله لانتزاع أو استعادة حق مستحق، أو لدفع ظلم وتسلط غير مشروع، أو لتحقيق مصلحة لا ضرر فيها، ولا ظلم لأحد، على أن طرق الدفاع عن المستضعفين والمظلومين لا حصر لها.. وقد يكون الاحتيال هو آخرها وأضعفها.
س3: هل الاختلاف في قاعدة الحيل، والذرائع، والاستحسان وغيرها من القواعد المقاصدية والفقهية يدل على أنها قواعد ظنية؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف نوفق بين هذا وقطعية قواعد الأصول التي قال بها الشاطبي وغيره؟
ج:د. أحمد الريسوني: القواعد، أو الأصول، المذكورة كلها قطعية.. وإنما كان الاختلاف في البداية في المصطلحات المعبر بها عنها؛ لأنها مصطلحات طارئة استحدثت في الفقه وأصول الفقه.. فكان الاختلاف ناشئا عن عدم تحرير المصطلحات، وعن عدم استقرار الضوابط المعتمدة في كل أصل منها.. وعما يدخل فيه وما لا يدخل فيه من الصور التطبيقية… أما في العصور المتأخرة، فلا منازع فيها إلا الظاهرية.. وهو مذهب منقرض منذ قرون.
[25/09 17:10] د. احمد الريسوني: فأهم اختلاف باق في الأصول التشريعة، هو الاختلاف في تحقيق المناط، وهو باق إلى يوم القيامة.. وهو اختلاف قائم حتى في تطبيقات النصوص الشرعية الصحيحة الصريحة.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة الرابعة والعشرين(24) ليومه الخميس :1 أكتوبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) ق : 56-57-58 بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:371 إلى ص:390.
| القاعدة:56:”ليس للمكلف أن يقصد المشقة ما دام الشرع لا يقصدها” القاعدة:57:” الشرع لا يَعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح، مُحصِّل لمصلحة أو دارئ لمفسدة. القاعدة:58:”إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبَّب، قُصد ذلك المسبَّب أو لا. |
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.
[1]-ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت 543هـ)، مراجعة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 3، 1424 هـ – 2003 م، أحكام القرآن، ج1 ، ص 446 .
[2] – البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا، وأيضا في كتاب فرض الخمس، باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟
[4] – ابن العربي، أحكام القرآن، م س، ج 2، ص 381.
[5] – الموافقات، 2/233
[6] قواعد المقاصد، القاعدة:54
[7] الموافقات، 2/389، تحقيق عبد الله دراز
ابن حجر، فتح الباري. كتاب الحيل، باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى، ج12/342-343
. ولعله نقل مضمونه عن ابن القيم فقد ذكر قريبا من هذا المعنى في إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان، ولا يبعد أن يكون استفاده هو أيضا من شيخه ابن تيمية، وقريب من كلامهم جميعا ورد كلام الشاطبي بنوع من التدقيق والتمحيص والمراجعة [8] –
[9] ابن قدامة، المغني،4/43، طبعة دار الفكر
[10] قال ابن القيم في إغاثة اللهفان،1/355:” هذا الحديث إن لم يثبت سندا فهو صحيح معنى، وقد عمل به الصحابة” وحسنه الألباني بمجموع طرقه.
[11]، التحرير والتنوير، 1/527، الطاهر بن عاشور
[12] فتح الباري،ج4/496، طبعة دار المعرفة
[13]فتح الباري – ابن حجر (3/ 314)
[15] فتح الباري، كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين
[16] قلتُ وغالبا يكون من الآخذ الذي يبتز المرتفق بصور من التحايل كالمماطلة، واستصعاب الأمر، وادعاء التكلف وبذل الجهد الزائد، وغيرها من صور التحيّل لاستمالته للهدية=الرشوة.
[17] صحيح البخاري: كتاب الحيل، باب احتيال العامل ليهدى له، رقم الحديث6578
[18] موطأ مالك (4/ 975). ومن ذلك ما جاء في مصنف عبدالرزاق عن أبي إسحاق عن امرأته قالت سمعت امرأة أبي السفر تقول سألت عائشة فقلت بعت زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمان مئة درهم، وابتعتها منه بست مئة فقالت لها عائشة بئس ما اشتريت أو بئس ما اشترى أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يتوب. قالت أفرأيت إن أخذت رأس مالي قالت لا بأس من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف…”.
[19] مالك بن أنس،الموطأ، كتاب البيوع، باب جامع الدين والحول . وانظر المدونة الكبرء،ج3/ص: 135
[20] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:”ووهبنا لداوود سليمان”، رقم الحديث: 3427
[21] التحرير والتنوير،23/277
[22] – اختصارا للحدث السيري المتعلق بغزوة حنين، وتخفيفا لمتن الملخص بالإبقاء على مغزى الواقعة، وقصد الأستاذ من إيرادها، أحيل على التفصيل الذي أورده الأستاذ بنصه في هذا الهامش، تاركا وجه الشاهد منها في المتن تيسيرا على القارئ لضبط فائدة تعليل التصرف النبوي، وعوائده المحمودة على عقول الأنصار ومشاعرهم، حتى أذعنوا واستحسنوا التصرف لما عرفوا وجه حِكمته.وقد رواها أحمد في مسنده، رقم الحديث:11729، طبعة الرسالة،ج18/363. كما روى القصة الشيخان مختصرة. قال الريسوني:” وغزوة حنين كما نعرف جاءت في مرحلة الانتصارات الكبرى والنهائية للإسلام على عناد المشركين ومقاومتهم، وكانت فيها هزيمة مدوية للمشركين، فانهزموا تماما وفروا بعد أن كانوا قد جمعوا كل ما يستطعونه من المقاتلين ومن الزاد ومن الإبل ومن الأسلحة ومن الذخائر… فجمعوا كل ما يستطعون، ومع ذلك انهزموا وفروا وتركوا كل شيء. فكانت الغنائم عظيمة جدا فقسَمها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى قريشا الذين كانوا قد أسلموا حديثا، من كان قد بقي منهم أسلموا حديثا قبل غزوة حنين، وأعطى كثيرا من القبائل التي كانت حديثة عهد بالإسلام؛ أعطى المقاتلين من القبائل من قريش وغيرها، ولم يعط الأنصار شيئا؛ فجاءه سعد بن عبادة؛ وقال يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا في أنفسهم؛ لأنك أعطيت عطايا عظاما لقبائل العرب، ولقريش؛ وفهموا أنك آثرت قومك بعد أن رجعت إليهم، وبعد أن دخلوا في دعوتك….فقال له وأنت ما رأيك؟ ماذا تقول؟ قال بكل صدق وشفافية أنا واحد من قومي؛ بمعنى أنه أيضا يقول ما يقولون. قال اجمع لي قومك ….والواقعة والعبرة لا أطيل في تفاصيلها هي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرعهم، ولم يعنفهم بالقول، ولم يقل لهم: أنا رسول الله وليس لكم إلا أن تسمعوا وتطيعوا؛ بل تفهم وتقبل كلامهم، وحاورهم حوارا لطيفا حكيما؛ وكان مما ذكره في النهاية أنه إنما آثر هؤلاء المسلمين الجدد وربما المسلمين نضعها بين قوسين لأن بعضهم أسلموا أو يظهر كأنهم أسلموا أو كأنهم سيسلمون، حتى قال بعض من تحفظوا من الأنصار؛ أعطاهم وسيوفنا تقطر من دمائهم؛ بالأمس نقاتلهم واليوم أخذوا كل شيء، بالأمس نقاتلهم على الشرك، وعلى الدفاع عن الإسلام، واليوم أخذوا كل شيء. فلما بيّن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطاهم من لعاعة الدنيا ليتألفهم؛ وقال سيعود هؤلاء بالغنائم، وبشيء من الدنيا، وشيء من الأموال، ولكن أنتم ستعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني كأنما جعل القسمة هي أن هؤلاء يأخذون الغنائم، وأنتم أيها الأنصار تأخذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما أعطاهم تأليفاً لقلوبهم؛ وترَك الأنصار إلى دينهم، يعول على دينهم، هؤلاء دينهم راسخ وإيمانهم راسخ، فتركهم إلى دينهم هو غنيمتهم الكبرى ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو غنيمتهم الكبرى كذلك.
[23] – رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله، رقم الحديث: 2564
[24] – قال ابن تيمية في ص110 من “بيان الدليل..” معرفا الحيلة: “الحيلة: أن يقصد سقوط الواجب أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له… فهذا خداع لله واستهزاء بآيات الله وتلاعب بحدود الله، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة وإجماع السلف”، وابن القيم أفرد قسما كبيرا من “إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3 / ص 400- 450في إبطال الحيل. وقال: “الحيل الباطلة المحرمة هي التي يتوسل بها إلى إسقاط واجب أو فعل محرم”
[25] – روى ابن ماجة في سننه حديث:” ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له”، كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له، رقم: 1936.

