كتب الأستاذ والناشر محمد أبو عجور هذا المقال مع اختتام فعاليات معرض الكتاب باستامبول يوم امس، وهو يعالج مشكلة صلة الناس بالكتاب، ننشره في الموقع تعميما للفائدة.
الموقع
ها هو معرض الكتاب يطوي أيامه، وتغلق الأجنحة أبوابها، وتعود الصناديق إلى مخازنها، ويحمل الزوار ما اشتروا من كتب إلى بيوتهم. لكن السؤال الحقيقي ليس: كم كتابًا اشترينا؟ بل ماذا سيبقى من المعرض بعد أن ينتهي؟ فإذا كان معرض الكتاب مجرد أيام نزورها، وكتب نشتريها، وصور نلتقطها، ثم تعود الكتب إلى الرفوف حتى المعرض القادم، فقد انتهى المعرض بانتهاء أبوابه. أما إذا غيّر علاقتنا بالكتاب والمعرفة، فهنا فقط يكون المعرض قد بدأ.
من موسم الكتاب إلى عام الكتاب
هذه هي الفكرة التي أتمنى أن نحملها معنا حتى المعرض القادم: لا تجعلوا للكتاب موسمًا.. اجعلوا العام كله معرضًا للكتاب. لسنا في حاجة إلى أن ننتظر عامًا كاملًا حتى نتذكر القراءة، فالكتاب ليس مناسبة، والمعرفة ليست موسمًا، وبناء الوعي لا يحدث في عدة أيام، بل هو مشروع يومي طويل. ولذلك فإن أفضل ثمرة نخرج بها من المعرض ليست أكياس الكتب، وإنما عادة معرفية تستمر معنا طوال العام.
……ماذا لو كان بين كل معرضين مشروع؟
تخيل أن كل واحد منا خرج من المعرض وفي ذهنه مشروع معرفي صغير حتى المعرض القادم؛ ليس المطلوب عشرات الكتب ولا ساعات طويلة كل يوم، وإنما أن تحدد قضية تريد أن تفهمها، ومجالًا تريد أن تتقدم فيه، وعددًا محدودًا من الكتب الجيدة تقرؤها بوعي. كتاب كل شهر يعني اثني عشر كتابًا في العام، وقد لا يبدو الرقم كبيرًا، لكن اثني عشر كتابًا مختارًا بعناية في مجال واحد يمكن أن تغير مستوى معرفة الإنسان تغييرًا حقيقيًا. المشكلة ليست دائمًا في قدرتنا على القراءة، وإنما في غياب الاستمرار.
…….لا تجعل الكتب مقبرة للأموال
من المشاهد المتكررة بعد المعارض أن نشتري كتبًا أكثر مما نستطيع قراءته؛ يعجبنا عنوان ثم آخر، ونعود بحصيلة كبيرة، ثم تمر الشهور ويبقى كثير منها على الرفوف. وهنا يتحول الكتاب من وسيلة معرفة إلى قطعة أثاث. قيمة الكتاب لا تبدأ عندما تدفع ثمنه، بل عندما يدخل عقلك. لذلك ليس السؤال: كم كتابًا تملك؟ بل: كم كتابًا أصبح جزءًا منك؟ كم فكرة تغيرت؟ وكم مفهومًا تصحح؟ وكم قرارًا راجعت؟ وكم سؤالًا جديدًا وُلد لديك؟
…….المعرفة التي لا تتحول إلى شيء ناقصة
لقد تحدثنا طوال أيام المعرض عن القراءة والكتابة والوعي والتدوين والسؤال، لكن كل ذلك يقود إلى معنى أخير: ماذا سنفعل بما عرفناه؟ فالقراءة التي لا تؤثر في الإنسان تصبح ترفًا، والمعرفة التي لا تحسن قرارًا أو سلوكًا أو مشروعًا تظل ناقصة. اقرأ في التربية فغيّر شيئًا في تربيتك، واقرأ في الإدارة فأصلح شيئًا في مؤسستك، واقرأ في التاريخ فراجع تفسيرك للحاضر، واقرأ في الفكر فاختبر مسلماتك، واقرأ في السيرة ثم اسأل نفسك عن نصيبها من حياتك. هكذا يغادر الكتاب الرف ويدخل الواقع.
…ليكن لكل إنسان مشروع معرفة
وأتمنى أن نغادر المعرض بفكرة عملية واحدة: اختر سؤالًا واحدًا للسنة القادمة. سؤالًا كبيرًا يشغلك: كيف نربي جيلًا أفضل؟ لماذا تفشل مؤسساتنا؟ كيف نبني الوعي؟ كيف تنهض الأمم؟ كيف نفهم تاريخنا؟ كيف نتقدم في تخصصنا؟ ثم اجعل عامك رحلة بحث حول هذا السؤال: اقرأ، واسأل، واستمع، واكتب، وناقش، واجمع ما توصلت إليه. وعندما يأتي معرض الكتاب القادم، لا تدخله الإنسان نفسه الذي دخل المعرض هذا العام، بل ادخله وقد أصبحت أكثر علمًا ونضجًا ووعيًا.
…..والمعرض القادم يجب أن يسألنا
عندما نلتقي بعد عام، ينبغي ألا نسأل فقط: ما الجديد من الكتب؟ بل أن يسأل كل واحد منا نفسه: ماذا فعلت بالكتب التي اشتريتها في المعرض السابق؟ ماذا قرأت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا كتبت؟ ماذا تغير فيك؟ ما الفكرة التي نقلتها إلى غيرك؟ وما المشروع الذي وُلد من معرفة اكتسبتها؟ فإذا لم نجد إجابة، فربما نحتاج إلى مراجعة علاقتنا كلها بالمعرض.
…..أمة لا تنتظر الموسم
نهضة الأمم لا تصنعها المناسبات، بل العادات، ولا يصنع الوعي معرض ثقافي مهما كان كبيرًا إذا عاد الناس بعده إلى حياتهم القديمة. الثقافة الحقيقية تبدأ في اليوم التالي لإغلاق المعرض: حين تفتح كتابًا رغم انشغالك، وتناقش فكرة، وتكتب ملاحظة، وتراجع رأيًا، وتغير شيئًا في حياتك لأنك تعلمت شيئًا جديدًا. هذه اللحظات الهادئة التي لا يراها أحد هي التي تصنع الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع المجتمع.
……..حتى نلتقي في المعرض القادم
لهذا، وأنا أودع معرض الكتاب، لا أريد أن أقول: انتهى المعرض، بل أقول: الآن يبدأ المعرض الحقيقي. يبدأ في البيت، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي المؤسسة، وفي الأسرة، وفي عقل كل إنسان عاد وفي يده كتاب. فلنجعل المسافة بين معرضين عامًا للقراءة والتفكير والكتابة والعمل، لا عامًا لانتظار معرض جديد.
وعندما نلتقي العام القادم، لن يكون أهم ما نملكه عدد الكتب الجديدة التي سنشتريها، بل الإنسان الجديد الذي صنعته كتب هذا العام.
هذه هي الرسالة التي أتمنى أن تبقى بعد أن تنطفئ أنوار المعرض: لا تنتظر معرض الكتاب القادم كي تعود إلى الكتاب؛ اجعل كل يوم بين المعرضين خطوة في بناء نفسك ووعي أمتك.
فالمعرض الحقيقي لا ينتهي عندما تغلق أبوابه، بل يبدأ حين نعود إلى بيوتنا ونفتح أول كتاب.
…..
محمد ابو عجور

