قبل أيام دار بيني وبين أحد العلماء الفضلاء سجال حول الحرب الأهلية الدائرة في اليمن العزيز.. ولما طال الأخذ والرد بيننا، نصحني محاوري بأن ألتقي بعض العلماء اليمنيين، وأستمع إليهم، لكي أستكمل ما عندي من نقص في المعلومات وأصحح تصوري للقضية.. وتدخل عالم آخر، من داخل اليمن، مبديا استعداده ليجيبني ويفيدني بأي شيء في الموضوع..

وفي سنة 2011 كتبت مقالا تطرقتُ في ثناياه إلى شأن من شؤون المغرب، فرد عليّ أحد الإخوة الأعزاء بمقال معاكس.. وكان من جملة حُججه في رده: أنني أعيش خارج المغرب، وتنقصني المعطيات المتعلقة بالموضوع.. مع أنني يومها كنت أقضي إجازتي السنوية بالمغرب، ومكثت شهرا قبل كتابة المقال المذكور. وكان ذلك الشهر مليئا باللقاءات والحوارات والقراءات ذات الصلة بموضوع المقال.. وقبل ذلك – وفي جميع الأحوال – فأنا متابع مثابر عبر مختلف الوسائل والوسائط الإعلامية والشخصية..

وهكذا أجد مرارا من يلتمسون لي “الأعذار”، في بعض آرائي ومواقفي، بكوني مغربيا، وأهلُ المغرب لا يفهمون أحوال المشرق وما يعتمل فيه. ويعتذر لي آخرون بكوني قد تمشرقت، فلم أعد مستوعبا لما يجري في المغرب، أو أنني منهمك غارق في تخصصي العلمي، ولا أفهم دهاليز السياسة ومنعرجاتها..

على أنني إنما أتناول هذه المسالة لكونها تنطوي على قضية منهجية عامة بالغة الأثر، ولا خصوصية لي فيها.

فكثيرا ما نجد من يردُّ على الرأي المخالف له، بكون صاحبه قليل الاطلاع، أو أنه بعيد عن الموضوع، أو متطفل عليه، أو أنه ليس من أهل البلد، وأن أهل مكة أدرى بشعابها.. أو أن بضاعته مزجاة..

وأنا لا أنكر أن نقص المعلومات قد يكون مؤثرا، ويكون سببا في إصدار آراء مختلَّة وأحكام مَعِيبة، ولكن:

  1. قد يكون القدر المحصَّل من المعلومات كافيا تماما في استخلاص بعض الاستنتاجات الصحيحة، ويكون تكثير المعلومات وتضخيمها لا يغير من النتيجة المستخلصة شيئا..
  2. وقد تكون غزارة المعلومات وكثافتها هي نفسها سبب الغلط والتغليط في القضية، لكونها لا تترك للمتلقي فسحة للتفكير والتمحيص والتدقيق.. وقديما كانوا يقولون عن بعض العلماء: (فلان علمه أكبر من عقله، وفلان عقله أكبر من علمه). فلا بد أن يسير التعلم والتفكر بشكل متوازٍ ومتوازن..
  3. قد تكون المعلومات الغزيرة، على فراض صحها، مصبوغة بصبغة تفسيرية واحدة ومتحيزة، فيكون فيها نوع من التعمية والتضليل للمتلقي. وفي هذه الحالة يكون صاحب المعلومات السليمة والناقصة، أقربَ إلى الصواب والرشد من صاحب المعلومات الزائدة المصبوغة..
  4. إذا كانت المعلومات الغزيرة فيها نسبة من الزور والدس والتحريف، أو الخلط والغلط، فتلك مصيبة على الحق والحقيقة. وقد قال بعض المحدِّثين الأولين: “يخرج الحديث من المدينة المنورة شبرا، ويصل إلى العراق ذراعا”. فهذا عن الحديث النبوي الشريف، فكيف بغيره؟
  5. قد تَسْلم المعلومات من الآفات السابقة، أو من بعضها، ولكن يصحب ترويـجَها كتمانٌ وطمس لما يخالفها. فالذي يحصل عادة، عند وجود منافسات وصراعات وحزازات؛ مذهبية، أو حزبية، أو طائفية، أو عرقية، أو شخصية، هو أن كل طرف يجتهد في ترويج محاسن جهته ومساوئ الجهة المنافسة، ويحرص أيضا على إخفاء مساوئ جهته ومحاسن الجهة الأخرى. وهذا من أسوإ أشكال التدليس والتضليل. ومع ذلك قلما يسلم منه أحد من المتحزبين، ويندُر أن تجد – إن وجدتَ – من يتحدث عن محاسن خصومه، وعن مثالب جهته!

ولذلك لم أعد أحب الاستماع إلى حكايات المتحزبين، عن أنفسهم، وعن خصومهم. وإذا احتجت إلى شيء من ذلك، فإني أمسك بالغربال وأحركه طيلة الحديث وبعده..

والخلاصة: أن كثرة العلوم والمعارف والمعلومات، بدون عقل ناقد وفكر فاحص، قد تنفع وقد تضر. وأن العقل والفكر إنما ينفعان مع وجود نفس نزيهة بريئة، تنشد الحق والحقيقة، دون تحيز مسبق، ولا تحامل مبيَّت.

ولله در الشاطبي إذ يقول: “وإذا صار الهوى بعضَ مقدمات الدليل، لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى” – (الموافقات 5/ 221).

شاركها.

أحمد الريسوني، من مواليد 1953 بإقليم العرائش، هو أحد أبرز علماء المقاصد والشريعة في المغرب. حصل على دكتوراه في أصول الفقه وشغل عدة مناصب أكاديمية، منها أستاذ بجامعة محمد الخامس ومدير مشروع "معلمة زايد". شغل سابقًا منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأسّس مركز المقاصد للدراسات والبحوث.

اترك تعليقاً

Exit mobile version