نظَّمت الخزانة الجهوية بالقنيطرة، تحت إشراف المديرية الإقليمية للثقافة بالقنيطرة، ندوةً فكرية خُصِّصت لتدارس كتاب الدكتور محمد صابير الموسوم بـ: من القرآن إلى العمران، دراسة في سنن الاستخلاف من خلال سورة يوسف، وقد احتضن فضاء الخزانة الجهوية فعاليات هذه الندوة يوم السبت 27 يونيو 2026، من الساعة العاشرة والنصف صباحًا إلى الساعة الواحدة زوالًا.
انطلقت أشغال هذه الندوة بكلمة ترحيبية ألقتها الأستاذة عزيزة طنان، المديرة الإقليمية للثقافة بالقنيطرة. إثر ذلك، تناول الكلمة مسير الجلسة الدكتور رشيد العزيز، الذي قدّم تعريفا بمؤلف الكتاب الدكتور محمد صابير، ثم جاءت مداخلته التي استعرض من خلالها السياق الذي جاء فيه تأليف هذا الكتاب، والباعث عليه.
وقد انطلق المؤلف في بحثه من إشكالية حدود علاقة القرآن بالعمران، وكيف يمكن أن يكون القرآن منطلقا لتشييد العمران؛ واضعا أسئلة فرعية تنطلق من إشكالية البحث الكبرى مفادها:
- كيف يمكن للرؤية القرآنية أن تمدنا بمشاريع اجتماعية إصلاحية حقيقية وواقعية؟
- كيف يمكن أن نستفيد من قصة يوسف في بلورة إصلاح شمولي راشد؟
- ما هي معالم الإصلاح كما حددتها سورة يوسف؟
- ما مدى أهمية الكفاءة في إسناد الولايات والمهام والمسؤوليات؟
وقد بنى المؤلف فكرة كتابه على ثلاثة أسس علمية تتمثل فيما يلي:
- التركيز على القضايا الكبرى والابتعاد عن التفسير الجزئي في تناول الأحداث، تقديما للمفاهيم وتمليكا للقيم وإكسابا للمهارات
- التركيز على القضايا بمنهج القرآن وعنايته؛ والقصة كأحد المحاور الكبرى في القرآن أخذت في هذا البحث حجمها وأهميتها؛ ليس فقط في ترسيخ الأحكام والقيم، بل في إرشاد القارئ والمتدبر إلى سنن التقدم والرقي، فهي “لقوم يعقلون” ” ويتفكرون” وينظرون”..
- صياغة قضايا القصة في شكل مشروع متكامل؛ يقدم أجوبة حقيقية تنطلق من الأسرة إلى المجتمع، مرورا بالاقتصاد إلى الجواب السياسي…
ثم ختم مداخلته بشكر الهيئة المنظمة للنشاط؛ وفي مقدمتها الدكتور مصطفى قرطاح، والمديرة الإقليمية للثقافة بالقنيطرة، وشكر للأساتذة المتدخلين عنايتهم بالكتاب واهتمامهم بتقديم قراءة فيه؛ وهم: الدكتور رشيد لخضر والأستاذ محمد غازي والأستاذة حسناء أبو الطيب، ومسير الندوة الدكتور رشيد لعزيز.
بعد ذلك، أخذ الكلمة الأستاذ محمد غازي، الباحث في ماستر اختلاف العلوم الشرعية، حيث تناول في مداخلته الفصل الثاني من الكتاب، معتبراً أنه يُشكِّل ــ حسب تقديره ــ محطةً أساسية في البناء الفكري للكتاب؛ إذ ينتقل المؤلف من التأصيل النظري لمفهوم الاستخلاف إلى الكشف عن تجليات الإصلاح في المجالين الأسري والاجتماعي من خلال النموذج اليوسفي. وهو محطة يركز فيها المؤلف على فكرة جوهرية مفادها أن العمران لا يبدأ من المؤسسات الكبرى ولا من التحولات السياسية المباشرة، وإنما ينطلق أولًا من إصلاح الإنسان الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع، وفق سنن متدرجة تحكم حركة الاستخلاف في الأرض.
وتبرز أهمية هذا الفصل في كونه يعيد قراءة قصة يوسف عليه السلام باعتبارها مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، يجمع بين التربية الأسرية والبناء الأخلاقي والإصلاح الاجتماعي والدعوة إلى الله، مما يجعلها نموذجًا قرآنيًا صالحًا للاهتداء به في فهم شروط النهضة وبناء العمران على أساس التوحيد.
ثم تناولت الكلمة الأستاذة حسناء أبو الطيب، الباحثة في سلك ماستر التشريع والتوثيق، وعضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، حيث قاربت في مداخلتها الكتاب من خلال زوايا ثلاث:
1 ـ عناصر القوة في الكتاب؛ وتمثلت في:
- رؤية فكرية واضحة من خلال العنوان، والذي أراد من القرآن تجاوز مجال التلاوة والتعبد إلى مجال البناء والاصلاح والتدبر.
- اختيار سورة يوسف نموذجا تطبيقيا للدراسة.
- الربط بين الاستخلاف والعمران.
- إعادة الاعتبار للقراءة السننية كمقدمة للتمكين.
2 ـ ملاحظات علمية:
- اتساع العنوان، فمقصود الكتاب ليس استيعاب كل الرؤية القرآنية للعمران.
- ضرورة ضبط المفاهيم المركزية.
- ضرورة تسطير ضوابط القراءة السننية.
- حاجة الربط بين القرآن والعمران إلى بعد تطبيقي.
ثم خلصت الباحثة إلى أن الكتاب كان وفيا إلى حد معتبر لعنوانه وأهدافه، ولكنه بحاجة إلى مزيد ضبط البيان المنهجي والتطبيقي، والكتاب في كليته محاولة فكرية جديرة بالتقدير.
واختُتمت المداخلات العلمية بمداخلة الدكتور رشيد لخضر، وهو عضو بمركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، تناول فيها ثلاثة معالم تميز بها الكتاب، وقدم مجموعة من الملاحظات المنهجية على الكتاب.
المعلم الأول: وهو الانطلاق من التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، حيث ـ أشار صاحب الكتاب في مدخله المفاهيمي إلى أن عمله في هذا الكتاب هو الوقوف على القصة من خلال القرآن كما يصورها القرآن، وهو ما يسمى في علم التفسير بتفسير “القرآن بالقرآن”، أو ما يسمى في الدراسات القرآنية “بالدراسة الموضوعية” في القرآن.
المعلم الثاني: فهو التركيز على الاستنباط المقاصدي لقصة يوسف، حيث أكد الدكتور صابير على أن مقاصد القصة القرآنية إنما هو تأكيد لمقاصد القرآن، حيث تُعد القصة وسيلة تطبيقية وعملية تخدم المقاصد الكلية للقرآن الكريم.
المعلم الثالث: الاهتمام بقيم البناء الرشيد، والتحذير من أخلاق الهدم والتدمير، إذ أحسن صنعا مؤلف الكتاب حينما لم يكتف بالوقوف عند أخلاق الهدم والتدمير، وهي كثيرة في سورة يوسف، بل ركز على قيم البناء، وهو ما ينبغي أن يقوى في مجالات كثيرة ومتعددة، كالتربية الوالدية، والعلاقة الزوجية، والعلاقة مع الجيران وزملاء العمل..
كما ختم الدكتور رشيد مداخلته بتقديم محورين رأى أنهما ينبغي أن يكملا الكتاب، وخاصة ما يتعلق بالرؤية التوضيحية لمنهج القرآن في الإصلاح من خلال نموذج سورة يوسف، وعلاقة ذلك كله بمنهج إصلاح النفس قبل كل تغيير. ثم ما يتعلق بالاستنباط المقاصدي لسنن الاستخلاف من خلال سورة يوسف، حيث أوضح الدكتور رشيد أن الكتاب يحتاج إلى مزيد من البيان والإيضاح لعدد من سنن الاستخلاف…
وعقب هذه المداخلات، فُتح باب المناقشة أمام الحضور، حيث شهدت الندوة عدداً من التدخلات التي تفاعلت مع موضوع الكتاب، وطرحت جملة من التساؤلات وأبدت بعض الملاحظات، ليتولى بعد ذلك الأساتذة المشاركون الإجابة عن مداخلات الحاضرين واستفساراتهم.
وفي ختام الندوة، ألقى الدكتور مصطفى قرطاح، مدير الخزانة الجهوية بالقنيطرة، كلمة ختامية شكر من خلالها الأساتذة والحضور، والسلام


