البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي

الحصة19: الخميس02يوليوز 2026م، ساعة الانطلاق:19:00 بتوقيت المغرب(غرينيتش+1). مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات: ساعة ونصف.

ترقيم قواعد الحصص بحسب ما في الكتاب المقرر للمدارسة- قواعد المقاصد- للأستاذ المحاضر.

الباب الخامس: قواعد في التيسير ورفع الحرج

محاور الحصة19

– تمهيد:

القاعدة44:حيث تكون المشقة خارجة عن المعتاد، فمقصود الشرع فيها الرفع على الجملة

    القاعدة45: مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها

– الأسئلة وأجوبتها:

– نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق

 1- قال الشاطبي الإمام:”ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظرا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يَعْظُم أجره لعظم مشقته، من حيث هو عمل(…)إذا كان قصْد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع (…) وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل. فالقصد إلى المشقة باطل” الموافقات،2/98 وقال:”كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجا، فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه المكلف إن شاء”.الموافقات،1/259 2- قال الشاطبي: “وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها، وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم، وأحوالهم، وتنعُّماتهم على وجه لا يفضي إلى مفسدة، ولا يحصل بها المكلف على مشقة” الموافقات،1/152″.  وقال أيضا: “مشقة مخالفة الهوى ليست من المشاق المعتبرة في التكليف”الموافقات،2/116  

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

بين يدي الملخص:

فيما يلي نص كلام الأستاذ المحاضر مع تصرف يسير في متنه، انسجاما مع ما يقتضيه تحرير الكتابة، وتنسيق العبارات، وتوثيق النصوص، وما تيسر من النقول، وعنونة  الفقرات، وما عنّ لي من بعض الإضافات أحيل عليه في الهامش، تمييزا له عن منطوق وآراء واختيارات الدكتور المحاضر؛ فما في المتن يعبر عن آراء الشيخ، واجتهاداته وتقديراته بخصوص  مضامين محاضراته، وما عنّ له من شروح وإضافات لتقريب قواعد كتاب المدارسة؛ زيادة عما في الكتاب من تحرير خالص للمؤلِّف.

وفيما يلي حديثه عن قاعدتي الحصة التاسعة عشرة:

مقدمة ممهدة:

ما زلنا مع قواعد “التيسير ورفع الحرج” ؛ ونتناول في حصة اليوم قاعدتين مهمتين.

القاعدة الأولى: حيث تكون المشقة خارجة عن المعتاد فمقصود الشرع فيها الرفع على الجملة.

والقاعدة الثانية: مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها. والقاعدتان صياغتهما للإمام أبي إسحاق الشاطبي.

هذا الباب فتح بابه الإمامان عز الدين بن عبد السلام السُّلمي، والإمام شهاب الدين القرافي.

ودائما يذكران متلازمين.

قواعد الأحكام في مصالح الأنام كتاب فريد:

كتاب الإمام العز بن عبد السلام “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” هو كتاب فريد، ولن أكون مبالغا إذا قلتُ بأنه الأول من نوعه في تاريخ الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي. والقواعد الفقهية ومباحث الأصول لكن بمضامين مقاصدية. فمعظم ما تناوله العز بن عبد السلام يوجد في كتب الفقه وقواعده، لكن بمضمون وبأبعاد مقاصدية.

العزبن عبد السلام والقرافي والشاطبي بنيان شد بعضه بعضا

فالعز والقرافي أسسا لقواعد المشقة تأسيسا أصوليا فقهيا؛ ولكنه يشع بالبعد المقاصدي، والذي أعطاها نفَسا تجديديا، وبُعدا مقاصديا أعمق، هو الإمام أبو إسحاق الشاطبي. فنحن اليوم على مائدة العز والقرافي والشاطبي.

ومما درسناه سابقا أن الشارع لا يقصد المشاق لذاتها، والإعنات في التكاليف. فالشاطبي يحوم حول بيان مايريده الشرع وما لا يريده. هذا أهم إضافاته.

الشاطبي امتلأ بالرؤية المقاصدية، وارتوى منها، وصارت هي معياره. فأجاد وأفاد وأضاف؛ حتى صار ريان من علم المقاصد.

قواعد المشقة في الشرع ما أحكامها، وما هي أهم قواعدها؟  نسعى إلى بيان هذه القواعد وجعلها في خلاصات  تركيبية مرتبة.

أولا: الشرع لا يقصد المشقة وعلى الجميع أن يكون على بال من هذا. الله لا يجازي على المشقة في ذاتها إنما على الأعمال التي ترتبط بها مشاق معتادة.

ثانيا: التقرب إلى الله بالمشقة لا يجوز. ورأينا قصة النفر الثلاثة، والرجل الذي نذر ألا يتكلم وألا يستظل وأن يظل صائما؛ حتى قال مالك: نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ما هو معصية لله وأمره بما هو طاعة لله.

ورأينا قصة أبي بكر مع المرأة التي نذرت ألا تتكلم فقال لها تكلمي[1]. فطلبُ ما فيه مشقة ظنا أن ذلك في سبيل الله لا يجوز، فهو حرام، ومعصية وإثم.

ورأينا ضمنيا أن التكاليف فيها بعض المشاق لا تنفك عنها؛ وأبرز مثال: الجهاد. فهو ليس نزهة ولا متعة بل فيه كلفة وعبء. والصيام أيضا لا يخلو من مشقة. حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات. غير أن الشرع لا يقصد المشقة لذاتها؛ وإنما هي وسيلة وأداة ومعبر لتحقيق المصالح.

يقول العز بن عبد السلام: المشقة ليست مصلحة في ذاتها؛ فهي كالدواء المر البشع الذي يتناوله المريض[2]. وهكذا متطلبات الحياة كلها؛ بعض المشاق وهي في مجملها مشاق معتادة تكون في متناول الناس حتى قيل “تعب كلها الحياة”.

ويختلف تقدير المشقة بحسب الناس والبيئات، وكل الناس يتعايشون مع متاعب الحياة.

الشرع قد يكلف بتكاليف فيها بعض المشاق. قد تخف وتقل، وقد تكثر؛ ولكنها لا تخرج عن دائرة المعتاد.

من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان الى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم[3].

فالشارع لم يكلفنا مشقة في مثل هذه القربات الى أن نصل الى ما فيه مشقة اكبر؛ لكن له عوائد مصلحية معتبرة ومثال ذلك الجهاد في سبيل الله.

والشرع لا يقصد المشقة لذاتها ولا يقبلها، وصاحبها الذي يقصدها يكون آثما.

فالشرع يريد بالناس اليسر، كما قال الله عز وجل:﴿ يريد الله بكم اليسرى ولا يريد بكم العسر    [البقرة: 185]

الشرع ليس محايدا في مسألة المشقة، ﴿ يريد الله ان يخفف عنكم[ النساء:28]  ﴿ ولو شاء الله لاعنتكم[ البقرة: 220]

والمشاق انما ينظر إلى عوائدها وأرباحها؛ فان كانت معتادة فإنها تُتحمل؛ وهذا جرت به أعراف الناس وأحوالهم وعوائدهم في الاسلام وفي غير الاسلام.

ولذلك فالاسلام يسعى إلى جلب التيسير إلى أقصى حد ممكن؛ فإذا ضاق الامر اتسع.

نأتي الان إلى قاعدتي حصة اليوم:

القاعدة الأولى: حيث تكون المشقة خارجة عن المعتاد فمقصود الشرع فيها الرفع على الجملة:

 وهي قاعدة شاطبية.

فإذن هناك مشقة معتادة، وأخرى غير معتادة بمعايير معينة للأئمة الثلاثة العز والقرافي والشاطبي.

المشاق المعتادة لا تنفك عن مجريات الحياة

مؤشرات النجاح لا تخلو من معاناة. مثال الأطفال والشباب ومعاناتهم مع الدراسة والتحصيل، وسائر أمور الحياة، فما بالك بأمور الآخرة.

المشاق المعتادة نتحملها ولا نعتبرها مشاق حقيقية.

المشاق غير المعتادة هي التي تزيد على القدر المعتاد، والحد المعقول في التحمل؛ ونحن في عباداتنا أو في غيرها من أبواب الشريعة حيثما حلت المشاق غير المعتادة فهذه هي التي يكون مقصود الشرع فيها الرفع على الجملة.

وههنا يلوح لنا ضابطان: ما فيه إعفاء وما ليس كذلك.

إذا كان التزام أحكام معينة يتسبب في مشقة معتبرة؛ فمقصود الشرع فيها الرفع؛ هذا مقصود الشرع.

أن يرفع هذا القدر من المشقة على الجملة؛ ومعناه أن هناك مشاق لا ترفع، وقد أرسلت إليكم في مجموعة التكوين نص الإمام القرافي[4].

هناك مشاق ملازمة للتكليف ومثاله الجهاد بمعناه القتالي وهو تكليف عابر من حيث أصله.

فالجهاد الحربي والعسكري لا يمكن أن يكون إلا بأوزاره، وهو طارئ عابر، وليس دائما مستمرا

الرفع على الجملة معناه أنه على التفصيل لابد من مشاق لا تنفك عن التكاليف. ومثال ذلك الصيام في الحر، الشارع يقصد رفع المشاق؛ لكنه لا يرفع الجميع.

هناك مشاق ملازمة للأعمال والمهام والوظائف في الدنيا كما في الدين؛ فلابد من قدر من التعب والمشقة.

فالرفع على الجملة معناه أن هناك استثناءات كما قال القرافي ونسبتها تكون ضئيلة.

المعايير الضابطة للمعتاد وغير المعتاد من المشاق:

من خلال ما تقدم لابد ان نبحث عن المعايير.

لذلك قال العز بن عبد السلام وبأكثر دقة قال الامام القرافي:” ما لم يتم فيه تحديد في الشرع فيجب تقريبه بقواعد الشرع

في كل زمان تُعرض على الفقهاء نوازل.

المشاق لم ينص الشرع الا على القليل منها، على نماذج منها: كالسفر والمرض؛ وغير المنصوص هو الاكثر، فلابد إذن من المعايير.

ومعايير العز بن عبد السلام والقرافي أهم ما فيها: نأخذ ما نص عليه الشرع؛ وعند الشاطبي إضافات وتنسيق مهم.

الحامل والمرضع والمسافر، هذا المعهود والموجود في كتب الفقه، ولكن لابد أن ننظر في المشاق الحادثة والطارئة .

فالقرافي والعز بن عبد السلام عندهم معيار مهم في تقدير المشقة وهو اذا ساوت المشقة ما تم التنصيص عليه فهذه تستوجب الترخيص في كل المجالات؛ واذا ساوت او زادت فهي تستوجب الترخيص.

فإذا وجدت المشقة في النازلة الجديدة وقيست بالرخص المنصوصة ومظناتها: اذا ساوتها او زادت عليها تستوجب الترخيص؛ واذا كانت دونها فلا ترخيص.

فهذا معيار قياسي، والطابع الفقهي والاصولي واضح في هذا الأمر.

الشاطبي أضاف المعتاد وغير المعتاد من حيث الدرجة مشقة الحرارة مثلا: منها ما هو معتاد ومنها ما هو غير معتاد.

المعتاد يمكن تحمله والصبر عليه، والصيام أثناءه، والصلاة أثناءه، والحج أثناءه؛ بل أمور الحياة كالفلاحة وجني الثمار… هذا كله يمكن أن يُتحمل؛ لانه لا يخرج عن دائرة المعتاد.

معيار الشاطبي: ما كان معتادا لا ترخيص فيه.

العز بن عبد السلام والقرافي أحالا على المنصوص وعلته؛ والشاطبي أضاف الإحالة على مجريات الحياة.

المشقة التي تؤدي الى فساد ديني او دنيوي؛ فهي غير معتادة؛ ومقصود الشرع فيها الرفع.

هذا معيار مهم؛ لأنه إذا اردت أن تطاع فامر بما يُستطاع.

ومن ذلك أن تؤدي المشقة الى توقف العمل، الناس قد ينتكسون كما هو حال المتنطعين، حتى صارت الكنائس خاوية على عروشها؛ فالتشدد يؤدي الى التوقف والانقطاع.

موضوع هذه القواعد يحتاج الى المعايير، ويحتاج ايضا الى العقل والمعرفة والفقه كما قال الامام ابن القيم.

فالخبرة لابد منها في تقدير المعتاد وغير المعتاد من المشاق.

هذه القواعد عند تنزيلها وفي تطبيقاتها يحصل اختلاف وتفاوت في التقدير؛ ولا بأس بذلك.

فالتفاوت في التقدير ليس مشكلة.

أما أدلتها فقد ذكرناها سابقا فلا نعيدها[5]

القاعدة الثانية: مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها.

وهي أيضا قاعدة شاطبية خالصة، وفي حصة سابقة فصلنا القول في قواعد مخالفة الهوى؛ وواضع جملة هذه القواعد هو الامام الشاطبي.

فقد نقل التزكية من مجال الوعظ الى ميدان التأصيل والتقعيد؛ فصار موضوع التزكية منضبطا بقواعد.

قاعدة مخالفة الهوى من أهم قواعدنا.

قلنا بان واضع جملة قواعد مخالفة الهوى هو الامام الشاطبي رحمه الله؛ وقاعدة مخالفة الهوى هي الاصل وقاعدتنا الثانية في حصة اليوم وهي أن:” مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها” متفرعة عن قاعدة مخالفة الهوى”[6].

وعلى الجملة فالقاعدة الأولى ؛ من مقتضياتها أن مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها فلا رخصة في إعفاء صاحب الهوى من مشقة مخالفة هواه.

فالشرع مبني على مخالفة الأهواء، ولجميع الناس أهواؤهم فالأهواء لا نهاية لها.

وكثير من الناس ينأون عن الاسلام بسبب الأهواء؛ فأهواءهم تفرض عليهم نمطا من الحياة.

الاسلام يرفع الشباب الى مستوى الكهول من حيث الجدية والرشد والنضج والتدريب على معالي الأمور؛ وأصحاب الاهواء يجدون مشقة بالتأكيد؛ فاذا قال صاحب الهوى لا استطيع؛ نقول له: عليك أن تستطيع. فتصرفات كثيرة لا رخصة في اتباع الأهواء فيها، ولذلك فمشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها.

وهذا يجري حتى على عوائد الناس في أكلهم، وشربهم، ونومهم؛ والمحرمات المنصوصة لا عذر في مخالفتها.

ومثل الشاطبي لمشقة مخالفة الهوى بقوله تعالى: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنني الا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين[التوبة:49][7].

ومن أمثلة مشقة مخالفة الهوى ما يحصل للمدمنين على الخمر وعلى الميسر وعلى الزنا؛ وغيرها من صور الإدمان. وقصة الشاب الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ائذن لي في الزنا، وتعرفون جواب النبي صلى الله عليه وسلم[8]، فمخالفة الهوى لابد منها اذا اقتضاها الشرع[9].

تحضرني في هذا السياق آيات من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون[الاعراف: 175-176].

 ففي الآيات وصف لصنف من الناس يعيشون نمطا من الحياة طابعه العام: اللهث وراء الشهوات، والمتع، والملذات اللامتناهية؛ فهو في مشقة وعناء بهذا اللهث؛ والتشبيه بالكلب فيه ذم وتحريم لاتباع الهوى. فلا يقبل ترخيص في هذا.

وعندي تساؤلات- في ختام هذه الحصة- تلح علي وأفكر فيها باستمرار حول ما نحن بصدده؛ أعرضها عليكم للنظر والتأمل.

اولا: بالنسبة لرخص السفر:

بالنسبة لرخصة السفر سببها وعلتها السفر كما يذكر الفقهاء. وهو مظنة المشقة كما هو معلوم. فالتعليل يرتبط بالمشقة ارتباطا كبيرا. ولذلك ناقش الفقهاء حالة الملك المرفَّه الذي يسافر سفرا ليس فيه مشقة. والان الناس يسافرون للراحة، وبحثا عن الراحة؛ والشارع الحكيم لما أناط الرخصة بالسفر، ففي تقديري أن العلة ترتبط بالسفر من زاوية قد لا تظهر فيها المشقة. ففي السفر تقلب المزاج، وتغير الاوضاع، فهل الشرع راعى هذا التقلب في الوضع والمزاج، وفي نظام حياة المكلف فهل نعتبر هذا علة، أو جزءً من العلة تناط به الرخصة؟

ثانيا: رخصة المرض

الفقهاء عندما يتحدثون عن رخصة المرض يربطونها بتأخر البرء، وزيادة المرض واستفحاله؛ دائما يحومون حول المرض. هذا هو الشائع عند الفقهاء والشرع لما خفف بالرخصة؛ خفف ليؤدي المكلف تكاليفه في حالة المرض، بحسب وُسعه كأنما يؤديها في أحواله المعتادة.

ثالثا ما يتعلق بالقاعدة الاخيرة- مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها-

كيف نتصرف مع من يريد معالجة اتباع أهوائه بتدرج؛ فهو حتى في تدرجه واقع في اتباع هواه؛ ويطلب الترخيص له في التدرج؛ ومثال التدخين وغيره؛ فلسان حاله يقول: اريد الاقلاع، لكن احتاج فرصة بالبقاء في دائرة اتباع هواي بالنقص التدريجي. فهل نمنعه، ونقول له بانه حتى تلك المحاولات التي فيها النقص فهي محرمة وعليك أن تنقطع على الفور؛ واذا استمر بك الحال حتى وان تدرجت وانت في طور الانقطاع فانت واقع في الاثم.بناء على قاعدة- لارخصة في مشقة مخالفة الهوى- فما افكر فيه أن التدرج أحيانا يكون هو سبب الفشل في الإقلاع؛ هل الهوى بطبيعته يحتاج الحسم وضربة لازب، ام يُسمح فيه بالتدرج؟ فالشرع دائما يختبر هِمتنا. وبهذا اختم أسئلتي فهاتوا أسئلتكم.

الأسئلة وأجوبتها:

السؤال الاول:  الشرع يرفع المشقة الخارجة عن المعتاد؛ فكيف نقدرها ؟

ج: تختلف درجة الحرج؛ ولذلك لابد من الضوابط؛ فتنوع أحوال الناس هذا نفسه مما يمنع أن تكون عندنا تحديدات معينة؛ فأحوال الناس تختلف: الفقير، الغني، المرأة، الرجل،  الشاب….؛ الاختلاف في التقدير وارد.وقد رأينا فتوى يحيى بن يحيى الليثي التي ذكرناها في حصة سابقة.

فعندنا أحكام الشرع الثابتة، وعندنا الفتاوى المتحركة. فالفتوى هي كالوصفة الطبية تماما.

ولذلك لابد من المعرفة والعلم. والفتاوى اليوم موجودة بوفرة ؛ ووجود القواعد لا تغني عن الاجتهادات التفصيلية التي لها معاييرها وموازينها، وتحتاج الى تحقيق للمناط العام والخاص إلى آخره من الاعتبارات.

السؤال الثاني: هل الخروج عن المعتاد هو علة الترخيص؟

الجواب المشقة الخارجة عن المعتاد أشد من المعتادة، واكبر منها؛ فينظر فيها؛ وما زاد عن المعتاد ننظر فيه..

السؤال الثالث يتعلق بقاعدة” الدين يسر” وهو عن الجمع بين المغرب والعشاء بسبب العياء والتعب دون سفر ولا مطر؟

الجواب: لقاعدة “الدين يسر” ضوابط، ومن يسر الدين أنه في متناول عامة الناس؛ وهذا تضبطه قاعدة مخالفة الهوى. ومثل هذه الاسئلة موجودة أجوبتها في الفقه. ومن أجازوا  الجمع لا لسفر ولا لمطر؛ قيدوا بأن لا يتخذ ذلك عادة.

هناك أمور عارضة كالامتحانات وظروف العسر والمشقة الشديدة؛  فهذه يرخص بسببها ما لا يرخص في غيرها من الاحوال العادية؛ هذه حالات طارئة عارضة يمكن أن يرخص فيها بالجمع من غير سفر ولا مطر.

لابد من الرجوع إلى فتاوى العلماء وفقه الفقهاء.

السؤال الرابع: حول قاعدة الشاطبي الاخيرة؛ الهوى المباح هل يستثنى من القاعدة؛ وهل يسوغ التدرج في مخالفة الهوى؟

الجواب:  التدرج في مخالفة الهوى؛ سؤال ما زال بين أيديكم ؛ والتفريق بين الهوى المباح وغير المباح محل نظر؛ والادمان محرم لأنه استعباد، فعليه أن يقطعه؛ لأن اتباع الهوى مذموم كما دلت على ذلك النصوص.

السؤال الخامس: ما ثبتت مظنته لا يلتفت الى حقيقته؟

 الجواب: هذه مسألة أصولية.

السؤال السادس: إذا كانت المشقة لا أجر فيها؛ فكيف نفهم حديث:” التتعتع في قراءة القران”[10].

الجواب: المتتعتع يؤجر على  الحرص؛ والجهد المبذول، فيؤجر على  ما لا ينفك عن التلاوة؛ والحرص على تعلمها. هذا فيه أجر الحرص.

كما ذكرنا في مشقة الجهاد: ﴿ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله[التوبة:120].

الإعداد القبلي للحصة المقبلة:  

الباب السادس: قواعد الوسائل

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة العشرين(20) ليومه الخميس :09 يوليوز2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب( غرينيتش+1) ق : 46-47-48بحسب ترقيم كتاب المدراسة( النسخة الرقمية) من ص:301 إلى ص:318.

   القاعدة 46: المصالح مقاصد ووسائل القاعدة 47: الوسائل تابعة للمقاصد القاعدة 48:مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل

حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.


– أنظر تفاصيل هذه الأدلة في ملخص الحصة الثامنة عشر، قصة النفر الثلاثة: وردت في الصحيحين. في البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم 5063- قصة الرجل الذي نذر ألا يتكلم وألا يستظل وأن يصوم: في البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة، رقم 6704- “حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات”: في البخاري: كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، رقم 6487[1]

– أنظر نص كلام العز بن عبد السلام وتوثيقه في ملخص الحصة الثامنة عشرة[2]

[3] – صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، رقم 6406

-نص كلام القرافي الذي أسله الأستاذ إلى مجموعة التكوين: قال الإمام القرافي، في فروقه:“الفرق الرابع عشر: بين قاعدتَـيِ المشقة المسقطة للعبادة، والمشقة التي لا تسقطها؛ وتحرير الفرق بينهما أن المشاق قسمان:

 أحدهما: لا تنفك عنه العبادة؛ كالوضوء والغسل في البرد، والصوم في النهار الطويل، والمخاطرة بالنفس في الجهاد، ونحو ذلك.. فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة، لأنه قُـرر معها؛ وثانيهما: المشاق التي تنفك العبادة عنها، وهي ثلاثة أنواع:

  • نوع في الرتبة العليا، كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع، فيوجب التخفيف، لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة. فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها، لذهب أمثال هذه العبادة.
  • ونوع في المرتبة الدنيا، كأدنى وجع في أصبع. فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة، لشرف العبادة وخفة هذه المشقة.
  • النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين. فما قَـرُب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه. وما توسط يُـختلف فيه؛ لتجاذب الطرفين له.

 فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات…”.: [4]

-الأدلة مبسوطة في ملخص ح18.[5]

– أرسل الأستاذ المحاضر هذا النص للإمام الطاهر بن عاشور مقصد إخراج الناس من دائرة الهوى إلى دائرة التقوى:

“…وفي الحديث الذي رواه مالك في «الموطأ» بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت لأتمم مكارم حسن الأخلاق»

وهذا المقصد قد فهمه عامة العرب بله خاصة الصحابة، وقال أبو خراش الهذلي مشيرا إلى ما دخل على العرب من أحكام الإسلام بأحسن تعبير:

فـليس كـعـهـد الدار يا أمَّ مالك … ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلُ

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل … سوى العدل شيئا فاستراح العواذلُ

أراد بإحاطة السلاسل بالرقاب أحكامَ الإسلام.

 والشاهد في قوله: وعاد الفتى كالكهل”.

التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 40)[6]

[7]قال الشاطبي: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقطُوا﴾ نزلت الآية في “الجد بن قيس” المنافق. قال للنبي ﷺ لما دعاه لغزوة تبوك: “ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي” أي لا تعرضني لنساء بني الأصفر فإني رجل مغرم بالنساء.رد الله عليه:( ألَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي قد وقعتم في الفتنة الكبرى بتخلفكم عن الجهاد والنفاق.

فإن هذا المنافق اعتذر عن الخروج مع رسول الله ﷺ بفتنة متوهمة، وهي فتنة النساء، فوقع في فتنة أعظم منها، وهي فتنة النفاق والتخلف عن أمر الله ورسوله؛ فدل ذلك على أن من فرّ من مفسدة صغرى إلى مفسدة كبرى، أو ترك مصلحة راجحة خوف مفسدة مرجوحة، فقد سقط في الفتنة من حيث أراد النجاة منها. وهذا أصل مطرد في الشريعة في باب تقديم الأهم على المهم، ودرء الأعظم من المفسدتين بالأخف منهما”، الموافقات، ج2 /ص 28و ص: 296

– وردت في مسند الإمام أحمد: 22211، وصححه الالباني في السلسلة الصحيحة 370.[8]

 

أرسل الأستاذ المحاضر كلاما للإمام  الطاهر بن عاشور هذا نصه:

“…وفي الحديث الذي رواه مالك في «الموطأ» بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت لأتمم مكارم حسن الأخلاق»

وهذا المقصد قد فهمه عامة العرب بله خاصة الصحابة، وقال أبو خراش الهذلي مشيرا إلى ما دخل على العرب من أحكام الإسلام بأحسن تعبير:

فـليس كـعـهـد الدار يا أمَّ مالك … ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلُ

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل … سوى العدل شيئا فاستراح العواذلُ

أراد بإحاطة السلاسل بالرقاب أحكامَ الإسلام.

 والشاهد في قوله: وعاد الفتى كالكهل”.

التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 40-[9]

– حديث:” التتعتع في قراءة القران ورد في صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب الماهر بالقران مع السفرة الكرام البررة، رقم الحديث: 4937 [10]

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version