لم تكن حادثة الإسراء والمعراج مجرد معجزة روحية لتكريم النبي ﷺ، ولا واقعة تعبدية معزولة عن سياقها التاريخي، بل جاءت في لحظة مفصلية من مسار الدعوة، لتؤدي وظيفة استراتيجية عميقة في تهيئة القيادة، وبناء الوعي، وصياغة التصور الذي ستقوم عليه الدولة الإسلامية الناشئة.
من الانكسار إلى التأسيس
وقعت الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، حيث فقد النبي ﷺ سنديه: خديجة رضي الله عنها وأبا طالب، وتعرّض للأذى في مكة والطائف، وبلغ الضغط الاجتماعي والسياسي ذروته. في هذا السياق، لم يكن المطلوب مجرد الصبر، بل إعادة توجيه البوصلة من مرحلة الاستضعاف المحلي إلى أفق أوسع لمشروع الأمة.
تثبيت القيادة قبل بناء الدولة
أولى وظائف الإسراء والمعراج كانت إعادة تثبيت القائد نفسيًا وروحيًا. فقبل أن تُبنى دولة، لا بد أن تُصان القيادة من الانكسار الداخلي.
كان المعراج لقاءً مباشرًا بالوحي والملكوت، ليُقال للنبي ﷺ:
إن الطريق طويل، لكنك لست وحدك، وما تحمله ليس مشروعًا أرضيًا محدودًا، بل رسالة سماوية ممتدة.
بهذا التثبيت انتقل النبي ﷺ من مرحلة احتمال الأذى إلى مرحلة الاستعداد لتحمل أعباء الدولة والقيادة المجتمعية.
إعادة تعريف مركز الصراع والرسالة
انطلاق الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يكن اختيارًا جغرافيًا عابرًا.
القدس هنا لم تكن مجرد محطة، بل إعلانًا مبكرًا لهوية الدولة القادمة:
دولة لا تُختزل في مكة ولا تُحبس في الجزيرة، دولة ترتبط بتاريخ النبوات وصراع الحق والباطل، ومركزية الأرض المباركة.
بهذا الربط اتّسع وعي الصحابة من جماعة مضطهدة إلى أمة ذات دور عالمي.
بناء المرجعية قبل التشريع السياسي
في المعراج فُرضت الصلاة، لا باعتبارها عبادة فردية فحسب، بل باعتبارها العمود الفقري للهوية الجماعية للدولة القادمة.
الصلاة انضباط يومي، واتصال مباشر بالله دون وساطة سلطة أو كهنوت، ومساواة اجتماعية في الصفوف.
وقبل القوانين والدساتير، جرى تأسيس مرجعية عليا تحكم الضمير والسلوك، وهي شرط لا غنى عنه لأي دولة عادلة.
اختبار الصف المؤسس
شكّلت الإسراء والمعراج محكًا إيمانيًا حاسمًا:
من صدّق بلا تردد – كأبي بكر رضي الله عنه – ثبت في الصف القيادي، ومن تردد أو ارتدّ انكشف مبكرًا.
كان هذا الفرز ضرورة استراتيجية؛ إذ لا تقوم دولة برسالة كبرى على صف مهتز.
من المحلية إلى العالمية
لقاء النبي ﷺ بالأنبياء وإمامته لهم في المعراج كان إعلانًا رمزيًا واضحًا:
هذه الرسالة خاتمة، وهذه القيادة وارثة لمسار النبوات.
الدولة القادمة ليست دولة قبيلة أو عِرق، بل دولة رسالة ترث التاريخ وتفتح المستقبل.
تمهيد الهجرة وبناء الدولة
بعد الإسراء والمعراج بدأ التحول العملي: بيعة العقبة، والبحث عن حاضنة سياسية (يثرب)، والانتقال من الدعوة الفردية إلى البناء المجتمعي.
كأن الإسراء والمعراج كان التهيئة النفسية والفكرية الكبرى للهجرة، والهجرة هي الترجمة العملية لبناء الدولة.
الخلاصة: معجزة تؤسس ولا تهرب من الواقع
الإسراء والمعراج لم تكن هروبًا من واقع القهر، بل إعادة شحن للروح، وتوسيعًا للرؤية، وترتيبًا لأولويات المشروع.
فالدول لا تُبنى بالسياسة وحدها، ولا بالقوة فقط، بل بقيادة ثابتة، ووعي رسالي واسع، ومرجعية أخلاقية عليا، وصف يؤمن بالفكرة قبل السلطة.
ومن هنا نفهم أن الإسراء والمعراج كانا إعلان بدء العدّ التنازلي لقيام الدولة، لا مجرد ليلة معجزة في السيرة.
دور الإسراء والمعراج في التهيئة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة
محمد محمد أبو عجور كاتب ومفكر مصري

