ارتباطا دائما بموضوع الوسائل، تعد القاعدة المنسوبة إلى مكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” من أكثر القواعد إثارة للجدل في الفكر السياسي والأخلاقي، وقد أثارت انتباهي لأول مرة منذ مرحلة الدراسات العليا، وبالضبط بمادة مقاصد الشريعة بتأطير من علامة المقاصد في العصر الحديث الدكتور أحمد الريسوني حفظه الله، حيث حدثنا في إحدى الحصص عن هذه القاعدة، وعن وجاهتها، ورغم ذلك لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة والتحليل التفصيلي. فالذي ساد حول هذه القاعدة الميكيافيلية في الأوساط الشرعية ردحا طويلا، هو موقف الرفض لها، بل والاستهجان والاستنكار لمقتضياتها، مما جعل بعض الدارسين يسعون إلى تصحيحها، بالنص على أنه لابد للغاية أن تكون شريفة، والوسيلة أن تكون نظيفة.
غير إن التراكم المعرفي، وتطور المنهجية الوسطية في الفكر الإسلامي عموما، وتجدد بزوغ الفكر المقاصدي بعد مرحلة من الكمون، كل ذلك أفرز كتابات جديدة قاربت هذه المسألة بنفس مقاصدي واع، وأعادت النظر في زوايا تناولها، مما ترتب عن ذلك التخفف من حدة الرفض المطلق والإنكار الكلي، وظهور اتجاه يفتح المجال للقول بوجاهة هذه القاعدة في حدود وضوابط دقيقة، انطلاقا من جملة من القواعد المقاصدية الكلية الدالة على معناها والموحية إلى فحواها.
كل هذه الاعتبارات وغيرها كانت دافعا لمدارسة هذا الموضوع وإعادة فتحه ومناقشته، قصد إغنائه بجملة من الإضافات والتنقيحات، من منطلق أرضية مقاصدية تستحضر فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد أساسا، وإلا فمن خاض فيه دون هذا الاعتبار فسيكون له نصيب سيء من الضلال والإضلال.
- التعريف بسياق القاعدة الميكيافيلية وفحواها:
لقد ظهر مكيافيلي في القرن السادس عشر في سياق أوروبي مضطرب، تميز بتفكك سياسي بين المدن الإيطالية (فلورنسا، البندقية، ميلانو…) وصراعات دموية بين الأسر الحاكمة، وتحكم سلطة الكنيسة في السياسة. وقد كان مكيافيلي شاهدا على هذه الفوضى، فرأى أن السبب الأكبر هو ضعف الحكام وغياب الواقعية السياسية. ومن هنا نشأ مشروعه الذي يبتغي تعزيز دور الحاكم بغرض المحافظة على الدولة وسياساتها، ولو على حساب القيم الدينية والأخلاقية، بمعنى أن المصلحة العليا للدولة والحفاظ على النظام العام يتقدمان على القواعد الأخلاقية الفردية. فإذا كان الكذب، الغدر، والقسوة ضروريا لإنقاذ الدولة أو تحقيق الخير الأكبر للشعب على المدى الطويل، فهي أفعال مبررة من منظور ميكيافيلي، إلى درجة أنه انتقد من أسماهم ب “الأمراء الخياليين” ووجه إليهم كلاما لاذعا، لأن التماسهم الأخلاق الفاضلة، مثل الصدق والرقة والوفاء والكرم، سيكون سبب زوال سلطانهم ودولهم، وبالمقابل رفع من شأن “الأمراء الواقعيين”، فواقعيتهم تجعلهم يلتمسون كل أسباب النجاح للتمكين لحكمهم وتثبيت سلطانهم وهيبة دولهم، ولو بالغدر والتغرير والقسوة، وصرح أن الأمير مضطر إلى أن يعلم جيدا كيف يتصرف كالحيوان، فهو يقلد الثعلب والأسد، لكن الأسد لا يستطيع أن يحمي نفسه من الفخاخ، والثعلب غير قادر على مواجهة الذئاب، فعلى المرء إذن أن يكون ثعلبا ليواجه الفخاخ، ويكون أيضا أسدا ليخيف الذئاب، وأن لا يحفظ عهدا يكون الوفاء به ضد مصلحته..[1].
ورغم أن عبارة “الغاية تبرر الوسيلة” لم تحظ بالاهتمام بهذه الصيغة الحرفية في كتاب الأمير، إلا أن روح الكتاب، وما فيه من توصيات للحاكم حين يريد حفظ سلطانه أو توسيع نفوذه، جعلت هذه العبارة تجسيدا مكثفا وتعبيرا مختصرا للفلسفة السياسية التي تبناها مكيافيلي.
لكن بالتدريج تجاوز تأثير هذه القاعدة حدودَ السياسة إلى الأخلاق والاجتماع والإدارة والعلاقات الدولية، حتى أصبحت مرجعا يستدعى كلما وقع الحديث عن الانتهازية، أو البراغماتية الحادة، من منطلق أن تقييم الفعل يعتمد على نتيجته النهائية وليس على طبيعته الأخلاقية.
- القاعدة الميكيافيلية في ميزان الفكر المقاصدي:
بعرض فحوى هذه القاعدة الميكيافيلية على الشريعة الإسلامية ومقاصدها ومبادئها يمكن القول:
أولا : الإطلاق في القاعدة الميكيافيلية مرفوض بإطلاق، وهذا هو السر وراء الاستهجان الذي لقيته واستقبلت به هذه المقولة في الأوساط الإسلامية عموما، بل وحتى غيرها، لأن بذلك لا يصير للتشريع معنى، إذ إن التسليم بأن الغاية ـــ أية غاية ـــ تبرر الوسيلة، من غير قيد ولا شرط، هو في حقيقته نسف لوظيفة التشريع برمته، وإبطال لمغزاه الأخلاقي والعملي. فالتشريع إنما وضع لتمييز الحلال عن الحرام، والفاضل من الرذيل، والعدل من الظلم، ولتأطير حركة الإنسان بضوابط تمنع الانفلات وتكف شرور الأهواء، فإذا قيل بجواز كل وسيلة من أجل تحقيق غاية يُظن نفعها أو تُدعى مصلحتها، فإن الحدود تهدم، والقيود تلغى، ولا يبقى للشرع معنى يُحتكم إليه، ولا لأمر قيمة يُنقاد لها، ولا لنهي أثر يُرتدع به؛ لأن كل مخالفة يمكن تبريرها بحسن المقصد أو ادعاء الضرورة، وبذلك تتحول القيم والمبادئ إلى شعارات، ويؤول الأمر إلى فوضى تمكن الأقوياء من استباحة كل شيء باسم المصلحة. ومن هنا كان رفض هذا الإطلاق ضرورة عقلية قبل أن يكون حكما شرعيا، إذ لا يمكن لمنظومة أخلاقية أو تشريعية أن يكتب لها الاستمرار، إذا سمح للوسائل المحرمة أن تكتسب الشرعية لمجرد ارتباطها بغاية مطلوبة.
ويزداد حجم هذا الاستهجان إن علمنا أن الغاية التي تبيح الوسيلة عند ميكيافيلي هي أيضا في غالبها مجموعة من الأهواء والأطماع والمصالح الشخصية المرفوضة، فلا الغاية بهذا المنطق شريفة، ولا الوسيلة نظيفة.
ثانيا: وحتى بغير إطلاق، إن تكلمنا عن تقييد القاعدة الميكيافيلية بالمجال السياسي الذي صدرت فيه، فإنها تبقى مرفوضة، فورودها في هذا السياق، بغرض الغلبة والسيطرة المطلقتين، لا يمكن إلا أن يجعلها أيضا في هذا النطاق مرفوضة، وهذا هو ما ينبغي أن ينتبه إليه من يعمدون إلى القول بوجاهة هذه المقولة وبمعقوليتها في بعض فروع الشريعة، فلا بد من التفريق بين سياق ما يعرف بالسياسة الشرعية، وسياق الأحكام الشرعية، إذ من أبرز الإشكالات المنهحية التي يعانيها الفكر الإسلامي والدراسات الشرعية، هي الخلط بين مقام السياسة الشرعية أو ما يسمى بالفكر السياسي الإسلامي، ومقام الأحكام الشرعية، فالوسائل هنا ليست هي الوسائل هناك، فالوسائل في العمل السياسي هي التي عليها مدار الأمور، إذ لا يمكن في السياسة الداخلية المتعلقة بشؤون الدولة والمجتمع، اللجوء إلى الوسائل الممنوعة ولو كانت الغايات مشروعة، بل لابد أن تظل الوسائل أيضا مشروعة، لأنها حجر الزاوية في العمل السياسي، فالوسائل في السياسة الشرعية ليست مجرد أدوات محايدة، بل هي جزء من البنية المقاصدية نفسها.
بهذا الاعتبار، لا يمكن لحاكم في النظام السياسي الإسلامي – مهما عظمت المصلحة التي يدّعي حمايتها – أن يبرّر الظلم أو الغدر أو نقض العهد. فميزان الشرعية في الحكم لا يستقيم إلا بثلاثة أركان: طهارة الغايات، ونزاهة الوسائل، واستقامة المؤسسات، ومن هذه المؤسسات القضاء النزيه المستقل، الذي هو عماد الفصل في النزاعات، وضمانة عدم انزلاق السلطة نحو الاستبداد أو التلاعب بالحقوق.
وعلى سبيل المثال فقط – وهو مثال يكفي ليدل على غيره – فإن تزوير الانتخابات بوصفه وسيلة لقطع الطريق على خصوم الفكرة ولو كانت إسلامية، هو في حقيقته تقويض صريح للمقاصد الشريفة بوسائل غير نظيفة، لأنه بذلك يتم قصف مقصد العدل، وانتهاك مقصد حفظ الحقوق، وتمزيق الثقة العامة التي تُبنى عليها شرعية الدولة. فهنا لا نتحدث عن وسيلة محرمة فحسب، بل عن وسيلة تفضي – بالضرورة – إلى نتائج أشد فسادا من الفساد المتوهم في صعود الخصم السياسي ولو كانت له مطالب تخالف الشريعة وتعارضها. فاحترام إرادة الناخب خط أحمر كما يقال، إذ هو الركن الذي يتأسس عليه العقد السياسي برمّته، والضابط الذي يمنع السلطة من الانزلاق نحو الاستبداد، ويحول دون تحول الدولة إلى أداة طيعة بيد الفئة الغالبة. لكن هذا لا ينبغي أن يفهم منه من جهة أخرى تسويغا لمبدأ الحاكمية للشعب، مما يحتاج لتفصيل ليس هذا مقامه.
ثالثا: وهنا سنخص مجال الأحكام الشرعية بالحديث.
وهنا لابد من التنبيه على أن ما يغلب على دراسة هذه القاعدة في مجال الأحكام الشرعية، هو الحديث عن الوسائل التي ترتبط بما يقصده المكلف لا بما يقصده الشارع.
فليس مجال مقولة “هل الغاية تبرر الوسيلة”، الحديث عن ما وضعه الشارع من وسائل لبلوغ ما وضعه من مقاصد، لأن قصد الشارع من وضع الوسائل لبلوغ مقاصده، هو توحيد المسالك المضمونة التي تحفظ للمقاصد نقاءها وللأحكام اتساقها؛ فالشريعة لم تكتف بتقرير المقاصد الكبرى كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بل أرست منظومة من الوسائل المنضبطة التي تمكن المكلف من الوصول إلى هذه المقاصد، دون انحراف أو تجاوز. هذه الوسائل شرعت من منطلق علم الشارع بما يصلح للمكلفين، وعلمه بمآلات أفعالهم، فكانت كفيلة بضبط حركة المكلف، ومنع الخلل الذي قد يطرأ لو ترك الناس يبتكرون طرقا لا يحيطون بنتائجها علما، فيترسخ الانضباط الشرعي في حياة الفرد والمجتمع. ومن هنا كانت الوسيلة الشرعية جزءا من تحقيق المصلحة نفسها، لأن الشريعة جعلتها الجسر الشرعي الذي تنتقل عبره مقاصد الدين من مستوى المبادئ النظرية إلى مستوى الممارسة العملية، وفق نسق واحد، فتمنع الفوضى في الفهم والعمل، وتضمن اتساق التكليف بين الناس عبر الأزمنة والأمكنة. فهي بهذا المعنى، ليست مجرد أدوات تنفيذية، بل هي جزء من البناء المقاصدي ذاته، تحمل روح الشريعة وجوهرها، وتُظهر أن التشريع قائم على الحكمة والرحمة والنظام، وأن المقاصد لا تنال إلا بالطرق التي أرشد إليها الشرع، حتى لا تختلط المصلحة الحقيقية بالمصلحة المتوهمة.
وبذلك فمجال القاعدة، ينصرف إلى تلك الطرق والسبل التي يعتمدها المكلف في تحصيل ما يبتغيه من أغراض، على أن تكون تلك الأغراض واقعة ضمن ما يعترف به الشرع من مقاصد معتبرة ومرسلة، كلية كانت أو جزئية. وإلا فإن الكلام يصبح ملغى من أصله، لأن الشرع لا يعترف بغاية فاسدة ولا بمقصد باطل، وبالتالي فلا وسيلة يمكن أن تُسوَّغ لخدمة غاية لا يرضاها الشرع، فالمكلف في حياته اليومية، سواء كانت معاملات أو تصرفات اجتماعية أو تدبيرية، لا يتحرك عبثا، بل بدافع غايات معينة يريد تحقيقها، وهذه الغايات تستدعي منه اعتماد وسائل مخصوصة، إلا أن الإشكال يظهر حين تنشأ علاقة ملتبسة بين الغاية والوسيلة، فيتوهم بعضهم أن مجرد كون الغاية محمودة في نظره يكفي لإباحة أي وسيلة توصله إليها، ولو كانت تلك الوسيلة في ذاتها غير مشروعة. هذا الفهم هو جوهر الإشكال الذي لازم هذه القاعدة وشاعت بسببه تأويلات خاطئة.
فإذا كانت الغاية من جهة المكلف قد تتصور حسنة، فإن ذلك لا يمنحها قدرة ذاتية على إضفاء الشرعية على الوسيلة، لأن الوسائل في أصلها خاضعة لحكم مستقل، أي أنها لا تكتسب مشروعيتها من منطلق ارتباطها بغاية يراها صاحبها مفيدة أو ضرورية. إن جوهر الأمر يكمن في التمييز بين الغاية التي يراها الإنسان نافعة، وبين الوسائل التي يختارها لتحقيقها؛ فاختلال هذا التمييز هو الذي يجعل البعض ينزلق إلى تبني منطق ميكيافيلي، يطلق العنان لكل وسيلة ما دامت ستنتج نتيجة مرغوبة، وهو منطق لا يستقيم في العقل ولا في الأخلاق. إذ لا يُتصور أن ترفع قيمة الغاية إلى حد يجعلها تتسلط على الوسيلة وتلغي حكمها، وإلا فتح الباب لكل أنواع التعسف، بحجة أن الهدف كان مصلحة في تقدير صاحبه.
ومن هنا يتبين أن العلاقة بين الغاية والوسيلة عند المكلف علاقة تلازم؛ فالغاية موجه، والوسيلة أداة، يسعى المكلف من خلالها إلى مقصده، لكن يظل مطالبا بأن تكون أدواته منضبطة غير متجاوزة لخطوط لا يمكن تخطيها. فليست كل وسيلة صالحة لتحقيق غاية نافعة، بل إن صلاح الغاية لا يصح أن يستخدم ستارا لفساد الوسيلة. فالوسائل التي يتخذها الإنسان قد تكون في ذاتها مشروعة أو ممنوعة، نافعة أو ضارة، عادلة أو جائرة، ولهذا لا يمكن إغفال قيمتها الذاتية عند تقييم الأفعال، وقد يتحول حكمها باعتبار مآلها وطبيعة الغاية التي يتم توظيفها من أجلها.
3- دراسة في أحوال الوسائل مع الغايات
بناء على ما سبق، يمكن أن نحدد الأحوال المتعلقة بالوسائل والغايات، إلى أربعة احتمالات تزداد تفرعا بحسب ارتباطها بمقاصد الشارع ومقاصد المكلف:
أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة: وهي الصورة الأكثر انسجاما مع روح الشريعة
أن تكون الوسيلة غير مشروعة والغاية أيضا غير مشروعة: وهي الأكثر انحرافا عن الشريعة.
أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية غير مشروعة: وهي الأكثر ابتلاء للمكلف
أن تكون الوسيلة غير مشروعة والغاية مشروعة: وهي الأكثر خفاء على المكلف
أولا: حالة اجتماع مشروعية الوسيلة والمقصد، أي أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة:
وتضم هذه الحالة أولا ما سنه الشارع من وسائل بغية الوصول إلى ما سنه من غايات، وثانيا ما قصده المكلف من وسائل مشروعة للوصول إلى غايات مشروعة من غير القصد الأصلي الذي وضعه الشارع، فهذه الحالة تضم أولا ما يتعلق بالمقاصد الأصلية وثانيا ما يتعلق بالمقاصد التبعية. إنها تمثل عموما الصورة المنسجمة مع روح الشريعة، حيث يتوجه المكلف إلى غاية معتبرة بطريق معتبرة، فيلتقي فيها قصد المكلف مع قصد الشارع، وتتحقق بها المصالح المرجوة. ولا شك أن هذا هو الأصل؛ لأنه عندما يتناغم القصد مع الطريق، ويكون كلّ منهما على الوجه المشروع، يتحقق الامتثال بمعناه الكامل، إذ التكليف في الشريعة لا ينظر فقط إلى المقصد، وليس فقط إلى الوسيلة، بل إلى مجموعهما. فصلاح المقصد وحده لا يكفي إن فسدت الوسيلة، وصلاح الوسيلة لا يكفي إن كان المقصد محظورا، أما إذا اجتمعا على وجه المشروعية فهنا تتجلى الصورة المثلى للعمل المأذون فيه.
ولهذا اعتبر العلماء هذه الحالة هي الأصل، لأن الشريعة لا تريد من المكلف أن يحوم حول الحمى، ولا أن يبحث عن المسوغات، بل تريد منه أن يسير من البداية إلى النهاية في طريق مستقيم، مقصده صحيح ومسلكه سليم. وبهذا تتحقق المصالح المحمودة، وتضمحل المفاسد المذمومة، ويكون العمل محلا للإجزاء ومحققا للجزاء، وأبعد عن الشبهات والاضطراب. وهذا شأن كل وسيلة شرعها الإسلام بغية الوصول إلى ما قصده من مصالح ومقاصد أصلية تحفظ كليات الدين، وهو أيضا شأن كل وسيلة يوظفها المكلف لبلوغ غاية من غاياته مما صنفه الشرع في دائرة المقاصد التبعية، سواء في دائرة العبادات أو المعاملات، لكن على أساس أن المكلف ملزم في دائرة العبادات بالتوجه أولا إلى المقاصد الأصلية بقصد الإجزاء، ثم له أن يضيف مقاصد تبعية على وجه التبع دون أن تخرج عن دائرة المشروع، وإلا فإذا كان توجهه الأول ينصب إلى المقاصد التبعية، بطلت عبادته ولم تقبل. أما في المعاملات فإنه يجوز للمكلف أن يتوجه إليها بالقصد التبعي مما تتحقق به حظوظه، شريطة أن يكون على الوجه المقبول شرعا[2].
من أمثلة ما يقصده الشارع في باب العبادات، جعل الشرع الوضوء وسيلة لتحقيق الطهارة المبيحة للصلاة، فمن لم يوافق قصده من التوضؤ قصد الشارع لم يجزئه. وفي المعاملات جعل عقد البيع وسيلة لتبادل المنافع بين العباد لتوفير احتياجاتهم، وفي الجنايات جعل إقامة الحدود وسيلة شرعية لحفظ النفس والعقل والنسل وحفظ النظام العام. وفي مثل هذه السياقات قال العز بن عبد السلام عن الجهاد باعتباره وسيلة لإعزاز الدين: “فالتأهب للجهاد بالسفر إليه، وإعداد الكراع والسلاح والخيل، وسيلة إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين، وغير ذلك من مقاصد الجهاد، فالمقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه، وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى مقاصده”[3].
وأما ما يقصده المكلف، فمن أمثلته ما قد ينوي المكلف تحقيقه من غايات ومقاصد تبعية، من خلال مجموعة من الوسائل والأعمال المشروعة، فقد ينوي المصلي بصلاته بالمسجد مقاصد وغايات أخرى يحققها إضافة لما سنته الشريعة أصالة، كالقيام على شؤون المسجد أو الإصلاح بين المتخاصمين، أو زيارة من تتعذر زيارته في بيته، والأمر نفسه بالنسبة لمن يصل رحمه، وقريب من هذا ما قاله ابن قدامة مثلا: “قال بعض السلف: إنى لأستحب أن يكون لى في كل شىء نية، وحتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي الخلاء، وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات الدين، فمن قصد من الأكل التقوى على العبادة، ومن النكاح تحصين دينه، وتطييب قلب أهله، والتوصل إلى ولد يعبد الله بعده، أثيب على ذلك كله”[4]. ومن ذلك أيضا ما صار يحدث مثلا من بيوع لا يقصد منها تبادل المنافع، ولكن دعم وتمويل بعض المشاريع الإحسانية، كاستعمال وسيلة بيع المزايدة لبعض المنتجات، بحيث تباع بأضعاف ثمنها أحيانا بعد أن ترسو عملية البيع على أحد المتزايدين، بغرض جعل عائداتها وأرباحها لفائدة مجموعة من الأعمال الخيرية.
وفي هذا السياق أستحضر نصا لأبي حامد الغزالي يظهر هذه المعاني حيث قال: “فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب، إذ كل واحدة منها حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر، ومثاله القعود في المسجد، فإنه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين ويبلغ به درجات المقربين، أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله، فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم…، وثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة..، وثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات، فإن الاعتكاف كف وهو في معنى الصوم..، ورابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد، وخامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره..، وسادسها أن يقصد إفادة العلم..، وسابعها أن يستفيد أخا في الله، فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة..، وثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة، وقد قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال: أخا مستفادا في الله، أو رحمة مستنزلة، أو علما مستظرفا…، فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات والمباحات، إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة”[5]، ثم انتقل إلى قسم المباحات فقال: “وما من شيء من المباحات، إلا ويحتمل نية أو نيات، يصير بها من محاسن القربات، وينال بها معالي الدرجات، فما أعظم خسران من يغفل عنها، ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة، عن سهو وغفلة..”[6]. وقريب من هذا ما أورده الشاطبي حول موضوع المقاصد الأصلية والتبعية، ومما قاله: “العمل إذا وقع على وفق المقاصد التابعة، فلا يخلو أن تصاحبه المقاصد الأصلية، أو لا. فأما الأول، فعمل بالامتثال بلا إشكال، وإن كان سعيا في حظ النفس، وأما الثاني، فعمل بالحظ والهوى مجردا.
والمصاحبة إما بالفعل، ومثاله أن يقول مثلا: هذا المأكول، أو هذا الملبوس، أو هذا الملموس، أباح لي الشرع الاستمتاع به، فأنا أستمتع بالمباح وأعمل باستجلابه؛ لأنه مأذون فيه..”[7]، وأضاف في موضع آخر: “لو كان شأن العبادة أن يقدح في قصدها قصد شيء آخر سواها، لقدح فيها مشاركة القصد إلى عبادة أخرى، كما إذا جاء المسجد قاصدا للتنفل فيه، وانتظار الصلاة، والكف عن إذاية الناس، واستغفار الملائكة له، فإن كل قصد منها شاب غيره وأخرجه عن إخلاصه عن غيره، وهذا غير صحيح باتفاق، بل كل قصد منها صحيح في نفسه وإن كان العمل واحدا؛ لأن الجميع محمود شرعا، فكذلك ما كان غير عبادة من المأذون فيه، لاشتراكهما في الإذن الشرعي، فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات، إلا ما كان بوضعه منافيا لها، كالحديث، والأكل، والشرب، والنوم، والرياء، وما أشبه ذلك، أما ما لا منافاة فيه، فكيف يقدح القصد إليه في العبادة؟ هذا لا ينبغي أن يقال، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى”[8].
ثانيا: حالة اجتماع عدم المشروعية في الوسيلة والغاية، أي أن تكون الوسيلة والغاية غير مشروعتين:
وهذه أسوأ الحالات؛ لأنها تعكس إرادة فاسدة لدى المكلف، يطلب بها ما لا يحل له الوصول إليه، وبطريق لا يحل له سلوكه، إننا أمام الصورة الأكثر انحرافا عن مقتضى التكليف؛ إذ لا يكتفي فيها المكلف بتبني غاية محرمة في ذاتها، بل يضم إلى ذلك سلوك طريق محظور للوصول إليها، فيجتمع في فعله فساد الإرادة وفساد العمل، مع العلم أن فساد القصد يكفي في استهجان العمل والوسيلة معا.
ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها في هذا الباب، كل المحرمات التي تكون طريقا إلى محرمات أخرى، فالخلوة والتبرج هي وسائل محرمة تفضي إلى ما حرم تحريم مقاصد وهو الزنا، فالذي يريد أن يتصيد فرائسه للإيقاع بهن في الزنا، يستعمل أساليب ملتوية تتضمن تغريرا وإغراء وكذبا، فيصير الأمر ظلمات بعضها فوق بعض. ومن جهة أخرى، فالزنا أو ما بات يعرف بالعلاقات غير الشرعية أو ما يسميه البعض –ممن لا يشرف هذا المقام بذكرهم- بالعلاقات الرضائية، هو أيضا يعتبر وسيلة يتخذها كل من يريد هدم وتخريب القيم داخل المجتمع، وتشكيل مجتمع على الطريقة الغربية التي لا تمت لديننا وهويتنا وثقافتنا بصلة، وهو حال الحداثويين الجدد، أو بتعبير القرضاوي المعطلة الجدد.
ثالثا: حالةُ كون الوسيلة مشروعة، والغاية غير مشروعة :
هذه الصورة هي الأكثر ابتلاء للمكلف؛ حيث يكون مستعملا لوسيلة في أصلها مشروعة، لا حرج في فعلها من حيث الظاهر، لكن مآلها يكون فاسدا، فيقصد بها مقصدا لا يقره الشرع، فيقع الخلل لا في الفعل من حيث هو فعل، بل في الإرادة الباطنة التي انصرف إليها هذا الفعل، لأن الشريعة لا تقيّم الأعمال بصورها ورسومها فقط، بل بمآلاتها ومراميها ونيات أصحابها أيضا.
ولهذا كانت هذه الحالة من أدق مواضع النظر المقاصدي؛ إذ يجتمع فيها ظاهر صحيح وباطن معيب، فيُظن فيها السلامة، بينما حقيقة الأمر خلاف ذلك. فالمكلّف هنا لم يتجاوز حدود المشروع في الوسيلة، ولكنه تجاوز حدود التكليف في الغاية، فاستعمل ما أباحه الشرع أو ما أوجبه من أجل ما حرمه الشرع نفسه، فكان فساد القصد مبطلا لمشروعية الوسيلة؛ إذ الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وما كان طريقا إلى محرم فهو محرم، وإن كان في ذاته مشروعا.
هذا المعنى يرتبط به ما اعتنى الشاطبي ببيانه بشكل فريد وراق في الموافقات، وذلك عند حديثه عن مقاصد المكلف، حيث قال: “كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له؛ فقد ناقض الشريعة، وكل ما ناقضها؛ فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له؛ فعمله باطل”[9]. وهذا ما جعله يفصل هذا المعنى بإبداع أرقى، وذلك عند حصره حالات الموافقة والمخالفة بين المكلف والشارع، والذي يهمنا منها هنا الحالة الثالثة والرابعة، وهما أن يكون المكلف موافقا للشارع في الفعل، مخالفا له في القصد، فهو إما واقع في الإثم في حق الله بسوء قصده، لأنه نوى بما شرع الله، ما أبطله الله، أو داخل تحت الرياء والنفاق والتحايل على أحكام الله، لأنه نوى بما شرع الله، إرضاء غيره لا إرضاء ربه[10].
ولا شك أن هذا كله يتأسس على القاعدة الفقهية “العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني”[11]، أي أن الفعل المباح تتغير حقيقته الشرعية بتغير نية صاحبه، فإذا قصد به الوصول إلى غاية ممنوعة انقلب حكمه، لا لخلل في صورته، ولكن لفساد المقصد الذي سيق إليه، فيصبح المباح هنا مندرجا تحت عنوان الأحكام التي تبنى على المقاصد والمعاني، لا على مجرد الهيئات والشكليات.
ومن ثم، فإن الشريعة تنظر إلى هذا التصرف باعتباره لونا من ألوان الاحتيال على حدود الله، واستعمالا للمباح فيما لم يُبح، فيفقد الفعل قيمة المشروعية ويتلبس بوصف المنع. وهذا الأصل هو الذي يسد أبواب التلاعب بالدين، ويمنع من تسويغ المحرمات بمجرد اتخاذ وسائل ظاهرها الجواز؛ لأن محل النظر الحقيقي هو قصد المكلف ومآل فعله، لا مجرد صورته الظاهرة.
وبالتالي فهذا التصرف لا ترجع إليه صفة المشروعية، إلا إن صححت الغاية، بأن يتم توظيف الوسيلة إما وفق ما شرعت لأجله، وإما لتحقيق غاية أخرى يقصدها المكلف لكن شريطة أن لا تخرج عن موافقة الشرع.
وهذا النوع من الوسائل المشروعة التي يراد أن يتوصل بها إلى ما هو غير مشروع، هو الذي تصدت له الشريعة من خلال إعمالها أصل سد الذرائع، والذي هو منع ما هو جائز إذا كان سيتطرق به إلى ما لا يجوز؛ قال ابن تيمية عن الذريعة: “في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم”[12]. فتجرد الوسيلة عن المقصد لا يخرجها عن أصل المشروعية، لكن توظيفها لتحصيل مقصد محرم هو الذي ينقلها من الحل إلى الحرمة، ومن الجواز إلى المنع، وهو المعنى الذي أكده القرافي أيضا بقوله: “حسم مادة وسائل الفساد دفعا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة، منعنا من ذلك الفعل”[13]. وهو ما نجد تأصيله في عدة نصوص، منها نهيه سبحانه عن سب آلهة الكفار إن كانت سيفضي إلى سبهم لله عز وجل، وذلك في قوله تعالى: ((وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ))]الأنعام: 108[، أي أن سب آلهة الكفار على أصل جوازه، إلا أنه يخصص ويصير ممنوعا إذا أفضى إلى سب الله عز وجل، حفظا لمصلحة تنزيه الله عز وجل.
ومن أمثلته ارتباطا بما يقصده المكلف، بيوع الآجال التي هي “على أصل إباحتها إلا إن ترتب عنها قصد فاسد، فمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فمالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن، وأخذ عشرة آخر الشهر، فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل، توسلا بإظهار صورة البيع”[14].
وغير بعيد عن هذا، نجد الشريعة قاصدة إلى منع التحايل، وذلك بمعاملة صاحب القصد الفاسد بنقيض قصده، جاء في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: “وأصل المذهب المعاملة بنقيض القصد الفاسد، كمن تعمد السفر لأجل الإفطار، ومن أخرت الصلاة لحيض فحاضت، أو من تصدق بماله ليسقط عنه الحج أو أخر الصلاة في الحضر ليصليها مقصورة في السفر”[15].
رابعا: حالة كون الوسيلة غير مشروعة، والغاية مشروعة :
هذه الصورة هي الأكثر خفاء بالنسبة إلى المكلف في باب الوسائل والمقاصد؛ وهي الأكثر تعبيرا عن موضوع القاعدة الميكيافيلية “الغاية تبرر الوسيلة”. وهذه الحالة يختلف الحكم فيها بحسب الحال والمقام، إذ يجتمع فيها قصد محمود من حيث الأصل، مع سلوك طريق لا يقرّه الشرع من حيث الوسيلة. وهذا الموضع هو عين ما تنحرف فيه الأفهام، وتزل فيه الأقدام، إذ يظن البعض أن حسن الإرادة ونبل المقصد، يكفي في إسقاط حكم الوسيلة، وأن النية الطيبة تمحو أثر المخالفة، وذلك عملا بما تقتضيه القاعدة الميكيافيلية، ويذهب البعض الآخر إلى وجوب التنزه عن ارتكاب الوسيلة المحرمة كيفما كانت الغاية، باعتبار أننا لا يمكن أن نحقق ما قصده الشارع من مصالح، بالوقوع فيما حرمه، فدرء المفاسد عند هؤلاء مقدم على جلب المصالح. ولعل لكل رأي من هذين الرأيين وجها من الصواب لكن لا على سبيل الإطلاق، وهذا هو محل الخفاء والالتباس.
وهذا يعني أن هناك حالتين تتفرعان عن هذه الحالة الرابعة : الحالة الأكثر انتشارا وذيوعا وتبنيا بين الناس، وهي عدم جواز ارتكاب الوسيلة غير المشروعة المفضية إلى مقصد مشروع، أي حالة رفض القاعدة الميكيافيلية، وحالة الجواز، وهي حالة موافقتها، وهي الأكثر خفاء حتى عند بعض الدارسين فضلا عن غيرهم.
والمتحكم في تغير الحكم هو المفسدة المترتبة عن الوسيلة والمصلحة المترتبة عن المقصد، وهو ما يقتضي إعمال فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، وهو الفقه الذي أصله أعلام المقاصد تاريخيا خصوصا الآمدي الشافعي وابن الحاجب المالكي، وانتهاء بالريسوني في نظرية التقريب والتغليب، الذي أنضج هذا الفقه بوضع مجموعة من المعايير بهدف الترجيح عند التزاحم، ثم سالم الشيخي الذي زاد هذه المعايير وضوحا، من خلال إبداع شبكة رياضية جامعة مانعة لمسالك الترجيح المقاصدي، من شأنها معرفة الأولى بالتقديم عند تزاحم المصالح مع المصالح أو المفاسد مع المفاسد أو المصالح مع المفاسد،.
ولا نتكلم هنا عن الجواز ومحله من عدمه، إلا شريطة عدم توفر وسيلة أخرى مشروعة وشريفة يمكن أن تكون بديلا وطريقا إلى بلوغ المقصد ذاته، فالغاية الشريفة إن كانت لها وسيلة نظيفة محققة لها، فلا مجال للحديث عن استدعاء وسيلة أخرى غير نظيفة ولو كانت أقوى من سابقتها، ويمكن التمثيل لذلك بمجال الدواء، فالأدوية التي تحتوي على مواد محرمة مثلا يمكن الاستعاضة عنها بالخالية منها، ما دامت تحقق المقصود منها، وفي هذا السياق قال أبو حامد الغزالي: “الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا، فالكذب فيه حرام”[16].
أما متى يمكن أن يتحقق هذا الجواز من عدمه في ظل غياب البديل؟ فالجواب هو النظر إلى المصلحة المترتبة عن المقصد، والمفسدة المترتبة عن الوسيلة، وهو ما ألمح إليه الغزالي في سياق الحديث عن الكذب: “ولكن الحد فيه أن الكذب محذور، ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب، وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق”[17]، وبذلك فتفصيل آليات الترجيح بين الأمرين بناء على فقه الموازنات مما سماه الغزالي بالميزان القسط، كالآتي:
- النظر إلى مراتب المقاصد الشرعية: أي العمل على إلحاق كل من المصلحة المترتبة عن المقصد، والمفسدة المترتبة عن الوسيلة، بالمرتبة الخاصة بها، هل هي الضروريات أم الحاجيات أم التحسينيات، وبذلك يتم ترجيح وتقديم ما كان من قبيل الضروريات على ما كان من قبيل الحاجيات أو التحسينيات، وترجيح ماهو من قبيل الحاجيات على ماهو من قبيل التحسينيات[18]، فإن حصل التساوي يتم الانتقال إلى المرجح الثاني.
- النظر إلى نوع المقاصد الشرعية، أي كليات الدين: فعند التساوي في الرتبة، يتم الانتقال إلى إلحاق كل من المصلحة المترتبة عن المقصد، والمفسدة المترتبة عن الوسيلة، بالكلية المرتبطة بها من بين الكليات الخمس، أي الدين أولا، والنفس ثانيا، والعقل ثالثا، والنسل رابعا، والمال خامسا، على أساس أن ترجح كل كلية لها السبق في الذكر والترتيب على التي تليها.
- وعند التساوي يتم النظر فيما عبر عنه الدكتور الريسوني بالتغليب الكمي، أي مقدار المصلحة، ثم الامتداد الزمني، إذ يتم اللجوء إليهما بعد النظر في المعايير السابقة، أي الجانب الرتبي والجانب النوعي[19]، وهو ما فصله الدكتور سالم الشيخي وفق مجموعة من المؤشرات التي تعين على الترجيح عند التساوي في المرجحات السابقة، فجعل على سبيل المثال المصلحة العامة مرجحة على الخاصة، والعاجلة مرجحة على الآجلة، والقطعية مرجحة على الظنية، والمتعدية مرجحة على القاصرة وهكذا[20].
وبناء على هذه الموازنات، هناك احتمالان:
الاحتمال الأول: إذا ترجحت المصلحة المترتبة عن المقصد، على المفسدة المترتبة عن الوسيلة، أخذ بها، وكان الصواب هو إتيان الوسيلة رغم عدم مشروعيتها، نظرا لترتب المصلحة الراجحة عنها، وهو ما يفيد مجال قبول العمل بما تقتضيه القاعدة الميكيافيلية في شق الأحكام الشرعية، وهو ما تسنده بعض القواعد الفقهية الدالة على هذا المعنى كقاعدة “يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما”[21]، وقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”[22]، ذلك أن القصد من تحريم الوسيلة هو تفادي مفاسدها التي تنجم عنها وتترتب عليها، فإذا تعين فعلها لتفادي مفسدة أخرى أشد منها فسادا وأعظم خطرا، أو لتحقيق مصلحة أكبر منها قدرا وأعظم رتبة، ولم يمكن التوفيق بين مفسدة الوسيلة وما يعارضها من مصالح أو مفاسد أعظم وأهم، فإنه يجوز فعل الوسيلة حينئذ[23].
ومن أمثلة ذلك، في سياق تعارض الضروري مع الحاجي، والحاجي مع التحسيني، فيما يخص مصلحة الأكل والشرب. فهذه من حيث الأصل مصلحة ضرورية، إذ فيها حفظ النفس. ومن المصالح الحاجية المتعلقة بهذا الضروري، التنزه عن المحرمات والنجاسات. فإذا افتقد الإنسان الحد الضروري من الأكل والشرب، ولم يجد سوى شيء من المحرمات والنجاسات، سقط اعتبار تحريم ونجاسة الوسيلة، وجاز له أو تعين تناول ما يدفع به ضرورته ويُنقذ حياته وسلامته”[24].
ومن الشواهد على ذلك أيضا، الذي وجد نفسه مضطرا أو مكرها على استهلاك مال غيره، لغاية حفظ حياته[25]، فهنا تزاحمت وسيلة ممنوعة مع غاية مطلوبة، والغاية أقوى مرتبة، لكن حتى على فرض انتمائهما لنفس المرتبة، إلا أن الوسيلة مرتبطة بحفظ المال، والغاية بحفظ النفس، وهو أولى وأرجح.
ومنه أيضا جواز النظر إلى المخطوبة، بغرض الزواج، فرغم أن أصل النظر أمر لا يجوز، إلا أنه باعتباره وسيلة إلى الزواج الذي يعتبر أرقى مرتبة منه، فقد أجيز، قال ابن تيمية: “نهى الشرع عن الخلوة بالأجنبية والسفر معها والنظر إليها لما يفضي إليه من الفساد..، ثم إن ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعها، كسفرها من دار الحرب مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة، لم يكن مفضيا إلى المفسدة”[26]، وقال ولي الله الدهلوي: “السبب في استحباب النظر إلى المخطوبة، أن يكون التزوج على روية، وأن يكون أبعد من الندم الذي يلزمه إن اقتحم في النكاح ولم يوافقه فلم يرده، وأسهل للتلافي إن رد، وأن يكون تزوجها على شوق ونشاط إن وافقه”[27].
وإذا كانت الحالة السابقة أي الثالثة، ترتبط بما يسمى في فقهنا الأصولي بسد الذرائع، فإن هذا المعنى الذي نتداوله الآن في الحالة الرابعة، يعبر عنه ما يسمى بفتح الذرائع، أي فتح ما لا يجوز لأنه يفضي إلى ما يجوز مما ترجحت مصلحته، ويمثل له الشاطبي بأمثلة عديدة تظهر رجحان مصلحة المقصد على مفسدة الوسيلة، وتعزز ما أوردناه من أمثلة سابقة، “ومن ذلك الرشوة على دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك، وإعطاء المال للمحاربين وللكفار في فداء الأسارى”[28]. قال ابن تيمية في شأن الرشوة المحرمة: “إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب: كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه كما {كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قيل يا رسول الله فلم تعطيهم قال؟ يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل}”[29]، وقال ابن العربي المالكي في شأن دفع المال للعدو رغم حرمته أيضا، أنه إن تعلق الأمر بالأسرى المستضعفين “فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك. قال مالك وجميع العلماء: فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد، والقوة والجلد”[30].
الاحتمال الثاني: وهو تقييد غاية في الأهمية لقاعدة فتح الذرائع، وهو احتمال أن تكون الوسيلة المحرمة تفضي إلى مفاسد هي أولى بالدفع من المصلحة المرجوة من الغاية، أو نقول أن تكون المصلحة المرجوة من الوسيلة المحرمة، أهون من مفسدتها. فإذا كان فتح الذرائع هو فتح ما لا يجوز من الوسائل لأنه يفضي إلى ما يجوز من الغايات، فهذا ليس على إطلاقه، لأنه مقيد برجحان مصلحة الغاية على مفسدة الوسيلة في ظل غياب الوسيلة المشروعة. فإذا ما كانت هذه المصلحة مرجوحة، فهنا لا يمكن بحال الحكم بجواز الوسيلة، بل العكس، وهو ما يفيد مجال رفض العمل بما تقتضيه القاعدة الميكيافيلية، وهو ما ألمح إليه الغزالي كما أوردناه سابقا في سياق الحديث عن الكذب: “فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب، وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق”[31]. فلا يباح الكذب إن كانت المصلحة المرجوة منه أقل من مفسدته.
ونجد تأصيل هذا مثلا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا”[32]. فمفسدة الوسيلة غير المشروعة -التي هي الخرق- أقوى بكثير من المصلحة المرجوة -والتي هي عدم الإذاية-، وبالتالي فهذا الفعل منكر يستوجب منعه ودفعه، والأخذ على أيدي أصحابه، وأنه لا تأثير لمقاصدهم الحسنة في إضفاء أي مشروعية على الوسيلة المحرمة التي فيها هلاك الجميع[33].
وبالتالي فالأمثلة التي يمكن أن تقال هنا لا تخرج عن دائرة الأمثلة التي ذكرت سابقا، لكن مع تغيير في مرتبة أو نوع المصلحة، فالشاطبي عندما تكلم عن إباحة الرشوة من أجل دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك، فلا يتصور أن يظل الحكم كذلك إن كان الظلم المتحدث عنه، أقل مرتبة في ميزان الشرع من مفسدة الرشوة.
كما أن الذي وجد نفسه محتاجا لاستهلاك مال غيره، لغاية حفظ حياته حفظا تحسينيا، لا يمكن بأي حال أن يرخص له بذلك.
ومنه أيضا ما ذكره ابن تيمية من جواز السفر بالمرأة إذا خيف ضياعها، كسفرها من دار الحرب مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل[34]، فنصه على الخوف من ضياعها كأن تكون بدار الحرب، يختلف عن أسفار أخرى كثيرة لا تصل إلى هذا الحد، فيكون عدم الجواز هو الأقرب والأولى إن كان سفرا غير ذي أهمية، مما يندرج في مرتبة التحسينيات.
[1] – كتاب الأمير، ترجمة أكرم مؤمن، ص89 و90
[2] – الشاطبي ومقاصد الشريعة، ص159
[3] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/ 125
[4] – مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة المقدسي، ص363
[5] – إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، 4/370 و371
[6] – إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، 4/371
[7] – الموافقات، 2/ 344
[8] – الموافقات، 2/ 372
[9] – الموافقات، 3/ 27
[10] – نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي للريسوني، بتصرف، ص146
[11] – إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، 3/143، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا، ص55
[12] – الفتاوى الكبرى لابن تيمية، 6/172.
[13] – الذخيرة، 1/152
[14] -أنوار البروق لشهاب الدين القرافي 2/32.
[15] – الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني لشهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي، 1/ 313
[16] – إحياء علوم الدين، 3/137.
[17] – إحياء علوم الدين، 3/137.
[18] – نظرية التقريب والتغليب للريسوني، ص 343
[19] – نظرية التقريب والتغليب للريسوني، ص 362
[20] – مهارات الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد، ص 321
[21] – مجموع الفتاوى لابن تيمية، 23/182
[22] – المنثور في القواعد الفقهية، لبدر الدين الزركشي، 2/317، والإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي، ص41، وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك لأبي العباس الونشريسي، ص 365، والأشباه والنظائر لابن نجيم، ص73، ومجلة الأحكام العدلية، للجنة مكونة من علماء في الخلافة العثمانية المادة21، ص18.
[23] – معلمة زايد للقواعد، عبد الرحمن الكيلاني، 4/282
[24] – نظرية التقريب والتغليب للريسوني، ص 344
[25] – نظرية التقريب والتغليب للريسوني، ص 355
[26] – مجموع الفتاوى، 23/ 186
[27] – حجة الله البالغة، 2/ 192
[28] – الموافقات، 3/ 60
[29] – مجموع الفتاوى لابن تيمية، 31/286
[30] – أحكام القرآن، 2/440
[31] – إحياء علوم الدين، 3/137.
[32] – صحيح البخاري، رقم2493، باب هل يقرع في القسمة.
[33] – معلمة زايد للقواعد، 4/389.
[34] – مجموع الفتاوى، 23/ 186

