من الموضوعات التي لها صلة بموضوع المقاصد وما يكملها ويفضي إلى تحقيقها، أثار انتباهي الخلط الكبير والتداخل البين بين موضوع الوسائل وموضوع المكملات، فرغم ما ألف حولهما وما قيل عنهما، ففي الكثير من الأحيان يقع خلط بينهما خصوصا عند التمثيل لهما، فكثيرا ما أمثلة الوسائل تذكر للمكملات، وأمثلة المكملات تستعمل للوسائل، وكأنهما اسمان لمسمى واحد، وأحيانا يتم الحديث فيما بينهما من عموم وخصوص، ويختلف في أي منهما أخص من الآخر، وكل ذلك ناتج في شق كبير منه إلى سبب ذاتي، ويتعلق بالتشابه القائم بين مفهومي الوسائل والمكملات وصعوبة التمييز بينهما، إضافة إلى أسباب موضوعية تتعلق أولا بالتوظيف اللغوي للمصطلحين لدى البعض، والذي يختلف من طبيعة الحال عن الدلالة الاصطلاحية، وتتعلق ثانيا بتعدد هذه الدلالة الاصطلاحية لدى البعض الآخر. ومن الأمثلة التي تظهر قدرا من الخلل والفوضى، ما ذكره الدكتور عبد الرحمن الكيلاني في معلمة زايد للقواعد، إذ اعتبر في سياق أول، أن صلاة الجمع والجماعات من وسائل الحفاظ على الدين[1]، وفي سياق آخر جعلها من مكملات الحفاظ على الدين[2]. وبالتالي فالغرض من تناول هذا الموضوع، ليس هو الفصل النهائي والكلي بين الأمرين، لأن ذلك من العسر بما كان، ولكن تحديد مجموعة من الملامح والمعايير التي تعين على الفصل على أساس التغليب والتقريب بلغة الدكتور الريسوني، إذ لا شك أن هذه الإشكالات المذكورة، إن لم نقو على معالجتها وحسمها قطعا، فعلى الأقل نسعى لتضييق المجال حتى تتضح الصورة ويتمايز المفهومان، ولعل هذه الورقات تشكل لبنة ومحاولة أولى نرجو أن تسلط الضوء على هذا الموضوع، ليكون مقدمة لما بعده، فيزيده آخرون وضوحا وجلاء.
أما المكملات أو التكملات فقد سبقت الإشارة إلى أنها بحسب تعريف نور الدين الخادمي، “جملة الأحكام التي تجعل المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها”[3]. فما هي بحسب ما خلصنا إليه، إلا تكميليات تكمل الحاجيات والضروريات، أو حاجيات تكمل الضروريات، بمعنى أن مصطلح التكملات أو المكملات في العمق، ما هو إلا ضبط وتوضيح للعلاقة بين المصالح الثلاث أي الضروريات والحاجيات والتكميليات، فبعضها مكمل للبعض، ولا وجود لمكمل خارج عن هذه المراتب الثلاث، لأنها مراتب للدين بأكمله.
بالإضافة لمصطلح التكملات، هناك مصطلح آخر يحوم حول ما نحن فيه، وهو مصطلح الوسائل، الذي نقرأ عنه دائما ونطالع، باعتبار أن الشريعة الإسلامية لم تعن فقط بالمقاصد المراد تحقيقها، بل اهتمت أيضا بالطرق الموصلة والمؤدية إليها، اصطلح على تسميتها بما يدل عليه معناها، أي مصطلح الوسائل. فمادام الأمر كذلك، فلا شك أن للوسائل أهمية بالغة مستمدة من أهمية وقيمة المقاصد.
ولقد اعتنى بتعريفها العديد من العلماء خصوصا ممن لهم عناية بالفكر المقاصدي، فمن السلف نجد ابن كثير الذي عرفها بتعريف عام، بأنها التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود[4]، وممن عرفها أيضا القرافي في الفروق )الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل(، حيث قال: “الوسائل والمشهور في الاصطلاح عند أصحابنا التعبير عنها بالذرائع، وهي الطرق المفضية إلى المقاصد، قيل وحكمها حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره، إلا أنها أخفض رتبة في حكمها مما أفضت إليه، فليس كل ذريعة يجب سدها، بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة…”[5]. وأما من الخلف، فقد عرفها ابن عاشور بقوله: “وأما الوسائل فهي الأحكام التي شرعت لأن يتم بها تحصيل أحكام أخرى، وهي غير مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل، إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضا للاختلال والانحلال، فالإشهاد في عقد النكاح وشهرته غير مقصودين لذاتهما، وإنما شرعا لأنهما وسيلة لإبعاد صورة النكاح عن شوائب السفاح والمخادنة”[6].
تعليقا على ما ورد، يمكن القول إن حديث القرافي عن الوسائل والتعبير عنها بالذرائع يصح بالاعتبار اللغوي فقط لا الاصطلاحي، باعتبار أن الوسيلة في اللغة تفيد ما يتوصل به إلى الشيء، وهي الوصلة والقربى، ويقال: توسل فلان إلى فلان بوسيلة، أي: تسبب إليه بسبب[7]، وهذا يفهم منه كل ما يؤدي إلى غيره سواء كان هذا القصد مشروعا أو غير مشروع، وسواء كانت هذه الوسيلة جائزة أو غير جائزة، لهذا عبر القرافي على أن حكم الوسيلة أي الذريعة هو حكم ما أفضت إليه، فقد تكون مطلوبة إن أدت إلى ما هو مطلوب، وقد تكون محرمة إذا ما أدت إلى ما هو محرم.
أما في الاصطلاح الشرعي، فحديث الشريعة عن الوسائل يختلف عن الحديث عن الذرائع، ويمكن أن نظهر الفرق من حيث الحديث عن مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، فمن منطلق مقاصد الشارع، فالوسائل هي ما وضعه الشارع لخدمة مجموعة من المقاصد، فالوضوء والتيمم وسائل لتحقيق الطهارة الشرعية المبيحة للعبادة، والسواك وسيلة لطهارة الفم، ولا يمكن اعتبار كل ذلك ذرائع بالاصطلاح الشرعي، لأن الذرائع إما يسدها الشارع بناء على القصد السيء للمكلف، أو يفتحها عند القصد الحسن له بناء على رجحان المصلحة قطعا، أي أن موضوع الذرائع يعالج في الشريعة اصطلاحا، بالتداخل بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف؛ أما الوسائل، فعند الحديث عن مقاصد الشارع فذلك يحيل إلى ما وضعه الشارع خدمة للمقاصد، وهو عمق القاعدة القائلة بأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وعند الحديث عن مقاصد المكلف، نتطرق إلى موضوع الوسائل المشروعة والوسائل الممنوعة. وكأن موضوع الوسائل والذرائع يلتقيان عند الحديث عن ما يقصده المكلف، لأنه عندئذ يتدخل الشرع لتوجيه سلوك المكلف إما بموافقته له وقبوله، أو بمخالفته له ورده، بينما يتمايزان عند الحديث عن مقاصد الشارع، لأن الشارع هو من قصد إيجاب بعض الوسائل لترتب المقاصد عنها، وهو ما أوضحه الشيخ خليل المالكي: “الشيء قد يجب إيجاب الوسائل، وقد يجب إيجاب المقاصد، والأول كالنظر في المياه، فإنه يتوصل به إلى معرفة الطهورية، وكالسعي إلى الجمعة”[8].
وأما رأي ابن عاشور، الذي أشار فيه إلى أن الوسائل غير مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل، فهو رأي تعزز فيما بعد مع من كتب في هذا الموضوع، كمصطفى مخدوم في قواعد الوسائل حيث قال: “الوسائل هي الأفعال التي لا تقصد لذاتها لعدم تضمنها المصلحة أو المفسدة، وعدم أدائها إليها مباشرة، ولكنها تقصد للتوصل بها إلى أفعال أخرى هي المتضمنة للمصلحة أو المفسدة، والمؤدية إليها”[9]. فهذا الرأي يحتم مناقشة أمرين لهما أهمية بالغة للاستبيان، خصوصا في ظل العلاقة التي تربطهما بموضوع المكملات:
الأمر الأول:
إذا كان أهل الفن قد أرسوا قاعدة ترفع من شأن الوسائل، فقالوا: الوسائل تأخذ حكم المقاصد[10]، أو عبروا عنها بصيغة تبعية الوسائل للمقاصد في أحكامها[11]، فقد صار حكم الوسائل مستفادا من حكم ما تفضي إليه من مقاصد، وهذا يثير أسئلة مهمة وهي: هل الوسائل بلا حكم في أصلها؟ وهل حكمها يتعدد؟ وهل هي جزء من ماهية المقصد، والأسئلة نفسها تنطبق أيضا على موضوع المكملات.
الجواب أن الوسائل ليست بلا حكم في أصلها كما ظنه بعض العلماء ممن حكموا بخلوها من الحكم، كالمقري حين قال بأنها خالية من الحكم في أنفسها، وحكمها هو حكم ما أفضت إليه[12]، والأمر نفسه تحدث عنه من المعاصرين مصطفى مخدوم كما أوردناه سابقا، وعبد الرحمن الكيلاني ولو يمستوى أقل من السابق، فجعل وسيلة الوسيلة مستوى ثالثا حيث قال عنها: “الوسائل التي لم يتعلق بها الحكم لذاتها، وإنما تعلق بها باعتبار ما تفضي وتوصل إليه، وهذه هي الوسائل وفق المعنى الخاص للوسائل، وحكمها هو حكم ما تفضي إليه، فإن أفضت إلى مصلحة كانت مصلحة، وإن أفضت إلى مفسدة كانت مفسدة”[13]، فالتصريح بأن هناك وسائل لم يتعلق بها الحكم لذاتها، يجعل الحكم على هذه الوسائل متعلق فقط بما تفضي إليه ولا شيء غيره.
والمهم بالنسبة إلينا في هذا السياق، هو التنبيه على أن الوسائل لها بدون شك حكم شرعي يخصها، لأن ما من شيء مهما كان نوعه وحجمه، إلا وفي الشريعة حكمه، ولو كان وسيلة الوسيلة، فالمشي إلى الصلاة والسفر إلى الحج وذبح الأضحية بالموسى والكتابة لتوثيق العقود، كلها وسائل صار حكمها هو طلب الفعل بحكم شرف ما تفضي إليه، وقد يكون حكمها طلب الترك إذا أفضت إلى خلاف تلك المصالح مما تذمه الشريعة، لكن لا يمكن الاختلاف على أن هذه الوسائل، أي المشي والسفر والموسى والكتابة في أصلها مباحة، إذ لا يمكن أن تكون بغير حكم في الشريعة.
فإذا كانت للوسائل أحكام أصلية تتعلق بها، فإن هذه الأحكام تتعدد عموما، سواء منها الوسائل التي ترتبط بقصد الشارع، أي التي قصد الشارع إلى وضعها تحقيقا للمقصود، أو التي ترتبط بقصد المكلف، أي التي قصدها المكلف تحقيقا للمقصود.
ويبقى الحكم الأغلبي لهذه الوسائل هو الإباحة، لعدة اعتبارات:
- لأن الأصل العام في الأشياء وفي العادات الإباحة، فمصطلح الوسائل يحيل إلى الآليات والإمكانيات التي فتحها الشارع أو اعتمدها المكلف من أجل الوصول إلى المقاصد والأهداف، وهذا لا يخرج عموما عن دائرة الإباحة التي هي الأصل العام في الأشياء وفي العادات. فرغم أن المكلف يحتمل أن يوظف هذه الوسائل للوصول إلى مبتغى مشروع أو غير مشروع، إلا أن هذا المعنى قلناه بنسبة هذه الوسائل والطرق إلى المكلف، أي بالحديث عن أحوال تصرفه فيها، لكن إن تحدثنا عن الوسائل بشكل عام من غير نسبة للمكلف، فهي توحي إلى الإمكانيات المتاحة بين يدي المكلف منذ أن خلق الله آدم، والتي جعل الشرع الأصل فيها الجواز والإباحة، إلا ما نص على منعها، والذي يعد قليلا نسبة إلى المباح، قال ابن تيمية: “الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالا مطلقا للآدميين، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ومماستها، وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة وقضية فاضلة، عظيمة المنفعة واسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس، وقد دل عليها أدلة عشرة مما حضرني ذكره من الشريعة…”[14]، وقال ابن القيم: “فكل ما لم يبين الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط، فلا يجوز تحريمها”[15]، فالقاعدة تؤكد على اتساع دائرة الحل في الشريعة، وقلة المحرمات، إذ إن نصوص التحريم قليلة، أما ما لم ينص على تحريمه فهو كثير جدا وغير منحصر، فيبقى على أصل الإباحة[16]، إذ يدخل في دائرة الحل من الوسائل على سبيل التمثيل لا الحصر، كل وسائل التواصل القديمة والحديثة كالتلفاز والمذياع والشبكة العنكبوتية والحواسيب، وتعلم اللغة العربية وسائر اللغات، وتأليف الكتب وتصنيف العلوم، والبرامج التعليمية، ووسائل التنقل، ووسائل الإعلام والتجهيزات المنزلية والثياب ووسائل الترفيه واللعب..، كل تلك الوسائل وغيرها يبقى على أصل الإباحة العام، بغض النظر عن التوظيف، الذي قد يخرجها عن الإباحة إلى أحكام أخرى.
- تعليمه سبحانه وتعالى آدم اسم كل شيء، في قوله سبحانه: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ ]البقرة، 30[، أي إنه تعليم من أجل التوظيف والإعمال، لا الترك والإهمال، بمعنى أن الأشياء من حوله مباحة ليستفيد منها ويستثمرها لقضاء حاجاته وأهدافه، ولم ينهه سبحانه عن معرفة أي شيء وتوظيفه والاستفادة منه.
- تسخيره سبحانه كل ما في البر والبحر لمصلحة الإنسان، من خلال توظيفه واستعماله للاستفادة منه كما في قوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ ]الجاثية،13[، وقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ ]البقرة،22[، قال ابن تيمية: “وإذا كان ما في الأرض مسخرا لنا، جاز استمتاعنا به”[17]. وما الاستمتاع إلا طلب المتعة، أي توظيفه واستعماله من أجل جلب المنافع وتحقيق المتع.
نأتي الآن إلى مقارنة ما جاء عن الوسائل مع ما سبقت الإشارة إليه عن المكملات:
أولا: من حيث العلاقة بمراتب الدين، فالوسائل كالمكملات، فكما أن المكملات مندرجة في إحدى المراتب الثلاث كما رأيناه، فإن الوسائل كذلك، فسواء تحدثنا عن الحكم الأصلي للوسائل أو حكمها المتغير بحسب ما تفضي إليه من مقاصد، فإنها لن تخرج عن مراتب المصالح، لأنها مراتب تستوعب كل أحكام الدين التي جاء بها لحفظ مصالح المكلف في دينه ودنياه، معاده ومعاشه. فلا ينبغي أن ينصرف إلى الأذهان أن المقاصد والمصالح هي فقط التي تجد لها مكانا في التصنيف المتعلق بمراتب الدين، أما الوسائل فلا، باعتبارها وسائل وطرق مفضية إلى بلوغ تلك المراتب الثلاث فقط، ولا علاقة لها بها.
وإذا كانت الوسائل لا محالة تندرج في المراتب الثلاث، فإن الأغلب منها يندرج أساسا في مرتبة التحسينيات، نظرا لأنها تضفي كمالا وجمالا على المصالح المقصودة، ونظرا لتعددها في أحيان كثيرة، إذ من المقاصد ما يمكن التوصل إليه بعدد من الوسائل. والأقل من هذه الوسائل يندرج في مرتبة الحاجيات، وخصوصا مما لا نجد له من المقاصد والمصالح إلا وسيلة وطريقة واحدة لبلوغه، فتعذرها سيترتب عنه الحرج والمشقة البينة. وقلما نجد من الوسائل ما ينتمي إلى مرتبة الضروريات، إلا إن كانت أيضا مقصودة لذاتها، فتكون بذلك إن صح التعبير وسيلة ضرورية ومقصد ضروري، فالصلاة مثلا من الضروريات المقصودة لذاتها، لكنها تعد بدورها وسيلة لإظهار الخضوع لله والتقرب له باعتبار ذلك من حقوقه سبحانه على العباد. أما غير المقصودة لذاتها فكالدواء خصوصا بالنسبة للأمراض الخطيرة والمزمنة، فهو وسيلة ضرورية في هذا السياق لتحقيق ضرورة حفظ النفس مما يتهددها من الهلاك.
ثانيا: من حيث الحكم الشرعي، فإذا كانت الوسائل كما قررناه ذات حكم أصلي، فقد يحصل له بحسب المقصد المترتب عنها، تغير، أو قد يبقى على حاله، فحكم الوسيلة يتبع حكم المقصد، فتصير الوسيلة واجبة إن كان القصد واجبا وهكذا، وهذا لا ينفي كما قلنا أن لها حكمها الأصلي، لكن يقع له تحول هو أشبه ما يكون بالفتوى التي هي تحول وتنزيل للحكم على الواقع، فذلك لا ينفي الأصل العام للحكم الشرعي، فالسفر مثلا له حكم أصلي هو الإباحة، لكن إن كان بقصد الحج صار واجبا لوجوب الحج، وإن كان بقصد حرام صار حراما.
أما المكملات فلا ينطبق عليها ذلك، فإنها ذات حكم شرعي واحد لا يحتمل التعدد، أي لا يتأثر حكمها بما تكمله وتتممه، إذ يظل حكمها دائما ثابتا واضحا منذ تشريعه، لكن في رتبة أقل من حكم ما تكمله، ومن أمثلة ذلك أن قراءة ما تيسر من القرآن بالنسبة للصلاة، يعد مكملا لها، وحكمها هو السنية، ولا ينتظر أن يصير لها حكم آخر بحسب ما يترتب عنها، وإطالة الغرة والتحجيل بالنسبة للوضوء، من مستحباته التي لا ينتظر أيضا أن يتغير حكمها. لذا فالوضع الذي يعتري المكملات ليس هو التغير بحسب ما تكمله، بل إما ثبات الحكم أو ارتفاعه، إذ يثبت حكمها عند بقاء ما تكمله، ويرتفع بارتفاعه وينتفي بانتفائه، قال الشاطبي عن حالة الثبات والارتفاع: “كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو: أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال، وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها، فلا يصح اشتراطها عند ذلك، لوجهين، أحدهما: أن في إبطال الأصل إبطال التكملة، لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف، لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضا، فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه مؤد إلى عدم اعتبارها…”[18]، بمعنى أن سقوط ما تكمله المكملات يستوجب سقوطا كليا للمكملات، فسقوط الوضوء مثلا يسقط إطالة الغرة والتحجيل ودعاء الوضوء..، بينما في موضوع الوسائل، سقوط المقصود، لا يستوجب بالضرورة السقوط الكلي للوسيلة، بل ما يسقط منها هو الهيئة المرتبطة منها بالمقصد، فالسفر إلى الحج واجب لوجوب الحج، والسفر إلى المكان المحرم يصير حراما أيضا، لكن سقوط الواجب أو الحرام هنا يسقط السفر إليهما، لكن لا يسقط أصل السفر الذي يظل حكمه الإباحة.
ومن جهة أخرى، فعند تعذر قيام المكمِّل، لا يستوجب ارتفاع المكمَّل، فالشاطبي قال عن عدم تأثير ارتفاعها على ما تكمله: “من المعلوم أن الموصوف لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه..، مثال ذلك الصلاة إذا بطل منها الذكر أو القراءة أو التكبير أو غير ذلك مما يعد من أوصافها لأمر، لا يبطل أصل الصلاة، وكذلك إذا ارتفع اعتبار الجهالة والغرر، لا يبطل أصل البيع”[19]، لكن قد يصيبه خلل جزئي، لأن الحاجيات والتحسينيات هي بمثابة السياج بالنسبة للضروريات، تحميها وتذود عنها، ولذا كان في إهدارها مدخلا لاختلال الضروريات، لأن في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حمى للآكد…، فلو تصور أن المكلف لا يأتي بمكملات الصلاة من قراءة غير الفاتحة والمحافظة على الأذكار والسنة، لم يكن في صلاته ما يستحسن[20].
وهنا يضيف الشاطبي معنى عجيبا يكمل ما سبق على سبيل الاستثناء: “فكما أن الصفة لا يلزم من بطلانها بطلان الموصوف بها، كذلك ما نحن فيه، اللهم إلا أن تكون الصفة ذاتية بحيث صارت جزءا من ماهية الموصوف، فهي إذ ذاك ركن من أركان الماهية، وقاعدة من قواعد ذلك الأصل، وينخرم الأصل بانخرام قاعدة من قواعده، كما نقول في الركوع والسجود ونحوهما في الصلاة، فإن الصلاة تنخرم من أصلها بانخرام شيء منها بالنسبة إلى القادر عليها”[21]. وهنا أضيف من باب إتمام معاني الاستثناء المتعلقة بما سماه الشاطبي بالصفة الذاتية، أنه بالنسبة لغير القادر على الإتيان بكل ما يعتبر من أركان ماهية الموصوف، فلا ينخرم الأصل، أي الموصوف، بارتفاع الصفة، ما دام يمكن أن ينفصل هذا الموصوف عن الصفة، كحال أصل الصلاة عند عدم القدرة على الركوع أو السجود أو غيرهما مما هو من أركان الماهية، فالإتيان بالصلاة لا يرتفع، بل يظل قائما بكيفية تتناسب مع القدرة والاستطاعة ولو دون سجود أو ركوع.
فإذا كان ارتفاع المكمِّل، لا يستوجب ارتفاع المكمَّل، فإن هذا بخلاف ما عليه الوسائل، فالمقصد الذي جعل الشرع له وسيلة فريدة تفضي إليه أو وسائل عدة، بارتفاعه أو ارتفاعها سيعدم السبيل إلى تحقيق المقصد. ومن أمثلة ذلك، أن تعذر السعي لفريضة الحج وعدم القدرة المادية أو البدنية، يسقط عن المكلف هذه الفريضة، كما أن التوقف عن تناول الدواء بالنسبة للأمراض الخطيرة يفضي إلى انخرام المقصد المتعلق بحفظ النفس.
ثالثا: من حيث الارتباط بمقاصد الشارع ومقاصد المكلف:
فالوسائل كما قلنا سابقا، قد تكون مرتبطة بمقاصد الشارع، وهذا يحيل إلى ما وضعه الشارع من وسائل لتحقيق مقاصده، كتشريع الصلاة بقصد حفظ الدين، وقد تكون مرتبطة بمقاصد المكلف، من حيث الحديث عن ما يوظفه المكلف من وسائل متاحة بين يديه لتحقيق أغراضه وأهدافه، كتوظيفه الوسائل الرقمية خدمة لأغراضه. بينما المكملات لها ارتباط وتعلق فقط بمقاصد الشارع، ولا مدخل فيها لمقاصد المكلف، لأن تنصيب المكملات لا يكون إلا بإقرار الشرع فقط، وليس للمكلف إلا سبيل الامتثال، لا التصرف فيها.
ومن ثم، فإنه يتم الحديث عن الوسائل المشروعة والوسائل الممنوعة باعتبار كيفية تصرف المكلف وكيفية توظيفه لها، بينما لا وجود في موضوع المكملات، لمكملات ممنوعة، لأن السبب في إيجادها هو الشرع فقط.
رابعا: من حيث الانتماء لماهية المقصود، وهذا المعيار على رأس المعايير المعينة على التمييز بين الوسائل والمكملات، خصوصا مع الخلط الملاحظ بين المصطلحين، وهو ما رأينا نموذجا عنه أعلاه عند الدكتور الكيلاني بجعله صلاة الجمع والجماعات تارة من وسائل الحفاظ على الدين، وتارة أخرى من مكملات الحفاظ على الدين، ومنه أيضا أن الشاطبي ذكر من المكملات ستر العورة[22]، وجعلها القرافي من ضمن الوسائل في قوله: “وكذلك لا تترك مقاصد الصلاة من الأركان لتعذر ستر العورة، فإن القاعدة تقديم المقاصد على الوسائل”[23].
إزاء هذا الإشكال، لابد من الاستئناس، بما يمكنه رفع هذا الالتباس، ومن ذلك تحري الانتماء للمقصود، فما دامت الوسائل تعبر عن الطريق الموصل إلى المقصود، فإن الطريق الموصل إلى الشيء مفصول عموما عن الشيء ومستقل عنه، وبذلك فالوسائل عموما خارج ماهية المقصود منها. بينما المكملات، فانطلاقا من تعريفها توحي إلى تكملة غيرها وإتمامه، ولا شك أن إتمام الشيء لا يكون إلا بشيء يصير جزءا من ماهيته. وفي تقديري أن المكمِّل ينصرف إلى ما هو جزء من المكمَّل لكن في رتبة أقل، أي أنه ما ينضاف إلى الهيئة والماهية لتصير في وضع أفضل وأكمل. وهو الأمر الذي لمح إليه الشاطبي من بعيد في كلام سبق إيراده، لكن في سياق آخر -بحسب مقصود الشاطبي- لا يتعلق بتحديد ماهية المكملات وعلاقتها بما تكمله، بل بشرح قاعدة: “إذا ثبت أن الضروري هو الأصل المقصود، وأن ما سواه مبني عليه كوصف من أوصافه أو كفرع من فروعه، لزم من اختلاله اختلال الباقيين”[24]، حيث قال: “فكما أن الصفة لا يلزم من بطلانها بطلان الموصوف بها، كذلك ما نحن فيه، اللهم إلا أن تكون الصفة ذاتية بحيث صارت جزءا من ماهية الموصوف، فهي إذ ذاك ركن من أركان الماهية[25]. ومعنى هذه العبارة يصلح للتعبير به بشكل كبير وقوي عن علاقة المكمل بما يكمله ويتممه، من حيث ارتباط المكمل بماهية ما يكمله.
وكما يقال: بالمثال يتضح المقال، فالدعاء مثلا وقراءة القرآن في الصلاة لا يمكن تسميتها وسائل بالدلالة الاصطلاحية للكلمة، لأنها ليست طرقا مفضية للصلاة، بل هي أجزاء منها تتممها وتكملها، أي إنها مكملات. كما إن السفر من أجل الحج لا يمكن إدخاله في المكملات، لأنه لا دخل له في ماهية الحج، بل من الوسائل، لأنه سبيل موصل إلى الحج.
وعموما فأركان الشيء جزء منه، وبذلك لا يمكن إدخالها في الوسائل، بل المكملات، لأنها تتعلق بماهية المقاصد والمصالح المرجوة، بينما الأسباب والشروط وخلاف الموانع، لا يمكن الحسم في دخولها في المكملات أو الوسائل، وذلك بحسب درجة ارتباطها بها، لهذا نجد ابن تيمية يحيل إلى هذا المعنى بغض النظر عن الإطلاق الذي قصده بالمكملات، حيث قال: “فمن الأول يتلقى فقه أسباب الحكم وشروطه فإنها مقتضية ومكملة لمصلحة الحكم”[26].
ومما يعين على رفع هذا الإشكال –أي التمييز بين الوسائل والمكملات-، الحديث عن معيار آخر، ويتعلق بالقصد، أي بين أن تكون الوسائل والمكملات مقصودة لذاتها أم مقصودة لغيرها، وهو ما سنراه الآن.
الأمر الثاني:
ويتعلق بسؤال ما هو مقصود لذاته وما هو مقصود لغيره من الوسائل والمكملات، وهو كما ذكرنا سابقا من أهم معايير التمييز بين الوسائل والمكملات.
في العلوم الشرعية عموما والفقهية خصوصا، كثيرا ما يطرح السؤال: هل هذا الحكم أو هذا الفعل يُراد في ذاته، أم هو وسيلة لتحقيق غاية ومقصد آخر؟
فهذا التمييز مفيد وضروري في مسائل كثيرة من الدين، بدءا من تصنيف العلوم الشرعية بين ما هو غاية، وما هو وسيلة، وترتيب الأحكام بين ما يقصد لذاته وما يقصد لغيره، وتداخل العبادات باعتبار بعضها مقدمات لبعض.
لكن التساؤل الذي ينبغي معالجته أولا، إذ لا أعتقد أنه قد سبق تحرير الكلام فيه والسعي للإجابة عنه، والذي يحل مجموعة من الإشكالات المتعلقة بمعرفة ما يقصد لذاته وما يقصد لغيره، هو أن التمييز بين الأمرين ينبني على منطق التقريب والتغليب بلغة الدكتور الريسوني، فما يقصد لغيره ليس بالضرورة أنه غير مقصود لذاته، وما يقصد لذاته أيضا لا يعني بالضرورة أنه غير مقصود لغيره بوجه ما، بمعنى أن تصنيف أحكام الدين في كل أبوابه بين ما يقصد لذاته وما يقصد لغيره، إنما هو على أساس الغلبة، وهذا الأمر نجد له إشارات مغمورة في بحر كلام العلماء المتقدمين، من ذلك ما أشار إليه القرافي بقوله عند حديثه عن العبادات: “المنوي من العبادات ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة، والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان: أحدهما مع كونه مقصودا لغيره، فهو أيضا مقصود لنفسه كالوضوء، والثاني مقصود لغيره فقط كالتيمم”[27]، بل حتى القول بكون الصلاة مقصودة لذاتها، فذلك على جهة الغلبة في أعلى درجاتها، وإلا فهي من زاوية أخرى مقصودة لغيرها، وهو ما نجد له إشارات في تراثنا، من ذلك ما قاله الرازي: “والقلب أشرف من الجوارح، فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: وأقم الصلاة لذكري[سورة طه: 14]، جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، والمقصود أشرف من الوسيلة”[28]، وما قاله أيضا أبو حامد الغزالي: “فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها”[29]، ومن ذلك ما جاء في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: “قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها أي: الصلاة، لأنها أخص من عموم الصبر..، ولأن الصلاة وسيلة للصبر، كما في الحديث: كان – صلى الله عليه وسلم – إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة”[30].
وقبل القرافي، نجد بوادر هذا الكلام، عند الإمام الغزالي في الإحياء حيث قال: “واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره، وإلى ما يطلب لذاته، وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعا”[31]، لكني أكاد أجزم أن كل ما يطلب لذاته لا يخلو من كونه مطلوبا لغيره ولو قل على البعد، وأن كل ما يطلب لغيره لا يخلو من كونه مطلوبا لذاته ولو قل على البعد، تخريجا على قاعدة: “استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلَّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد”[32]، أضف إلى ذلك التفاوت والاختلاف البادي والحاصل بين الغزالي والقرافي في التمييز بين الأمرين وحصر احتمالات ما يقصد لذاته وما يقصد لغيره في الشريعة.
بناء على كل ذلك، نتساءل عن التمييز بين المقصود لذاته والمقصود لغيره من الوسائل والمكملات:
أولا: من حيث الوظيفة:
بالنسبة للوسائل، فمن منطلق تعريفها، تظهر معالم وظيفتها، فإذا كانت الوسائل يعرفها الفقهاء بأنها ما يتوصل به إلى المقاصد، كما جاء عند ابن عاشور قوله: “هي الأحكام المشروعة من أجل أن يتم بها تحصيل أحكام أخرى، وهي غير مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب، إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضا للاختلال والانحلال”[33]، فإنها بذلك توحي إلى الطريق الموصل، وإلى الرغبة في تحصيل غيرها، وفرق شاسع بين المبتغى والطريق الموصل إلى المبتغى.
بينما المكملات، من منطلق تعريفها أيضا، تتبين وظيفتها، فقد عرفها نور الدين الخادمي بقوله: “مكملات المقاصد هي جملة الأحكام التي تجعل المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها”[34]، بمعنى أنها تنصرف إلى المصالح التي تسند وتكمل مصالح أخرى أعلى مرتبة منها، بحيث تكون من نفس جنسها، فهي ليست طريقا موصلة إلى ما يقصد منها كالوسائل، لهذا قلنا سابقا أن المكملات ما هي إلا حاجيات وتكميليات مكملة للضروريات من جهة، أو أنها تكميليات مكملة للحاجيات وحتى للتكميليات من جهة أخرى، أي إن دورها ووظيفتها إتمام وإكمال غيرها حتى لا يعتريها أي نقص، لهذا جعل الشاطبي اختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما، وأنه ينبغي المحافظة على الحاجي وعلى التحسيني للضروري[35].
وبعبارة وجيزة: وظيفة الوسائل أنها تخدم الوصول إلى المقاصد، ووظيفة المكملات أنها تخدم تمام تحققها واستقرارها. فوظيفة الوسائل عموما تسبق وظيفة المكملات.
فالسعي إلى الجمعة مثلا والمشي إليها هو وسيلة خادمة وموصلة إلى المسجد الذي تقام فيه الجمعة، والتطيب والتجمل في الهيئة مكمل لأدائها على أفضل الأحوال.
ثانيا: من حيث القصد:
فإذا كانت الوسائل قد شرعت باعتبارها طريقا موصلة إلى المقصود، فهي بذلك مقصودة لغيرها، تمارس باعتبارها أداة وآلية للوصول إلى مقصد أعلى، وهذا لا ينفي أنها في أصل تشريعها مقصودة لذاتها من حيث الحكم الأصلي لها، فرغم أنها آلية وأداة، فهذا لا يعني أنها عارية عن الحكم الشرعي، لأن ما من شيء إلا وفي الشريعة حكمه، وهذا الحكم الخاص بها يجعلها مقصودة لذاتها، لكن الغلبة والرجحان هو لكفة القصد لغيرها.
أما المكملات فهي من جهة مقصودة لغيرها، لأنها تتممه وتكمله، ومن جهة أخرى مقصودة لذاتها لأن الشريعة قاصدة إلى حمايتها وضمانها في ذاتها، لأن المكملات لا تخرج عن الحاجيات والتحسينيات عموما، ومعلوم أن الشريعة قاصدة لحماية هذه الحاجيات والتحسينيات في شؤون المكلف الدينية والدنيوية، فهي تحقق حاجة الناس وترفع عنهم الحرج، أو تضفي جمالا وكمالا على دينهم ودنياهم؛ وبناء على ذلك يبدو لي استحالة التعميم ما إذا كانت المكملات مقصودة لذاتها أم لغيرها، وذلك بحسب طبيعة المكملات، فقد يرجح غلبة كونها مقصودا لغيرها، أو العكس.
فمن أمثلة رجحان القصد لذاته، ما سنه الشرع من نوافل ورواتب، فهي تعد مكملات لا وسائل، ليست وسائل لأنها ليست بطرق موصلة للفرائض، إذ يمكنها أن لا تؤدى أصلا ويكتفى بالفرائض، فهي إذن مكملات لأنها تحوم حول حمى الفرائض. وأما من حيث القصد، فهي مقصودة لذاتها من جهة، لزيادة التقرب والتبتل لله سبحانه وتعالى، لأنه سبحانه رغب في الإكثار من الطاعات والقربات وعدم الاكتفاء منها بالقليل، وهي من جهة أخرى مقصودة لغيرها من حيث تكملة النقص الذي يمكن أن يعتري الفرائض، لكن القصد الذي يرجح هو كونها مقصودا لذاتها، أكثر مما هي مقصودا لغيرها، باعتبار كثافة النصوص القاصدة إلى تذكير المكلفين بالاجتهاد في الطاعات والتزلف إلى الله بنفل القربات.
ومن أمثلة رجحان القصد لغيره، غسل الجمعة، إذ يعد تشريعا مكملا لأداء صلاة الجمعة في أكمل هيئة، فهو بذلك مقصود لغيره أكثر مما هو مقصود لذاته.
ثالثا : من حيث إمكانية الاجتهاد فيها:
وهذه الجزئية تبع للتي قبلها، فقد سبق القول بأن الوسائل يغلب عليها القصد لغيرها، أي إن قيمتها ومقامها يبنى على مدى تحقيقها للمقصود منها، وهو سر استلهام علمائنا للقاعدة الراقية التي أوردها العز بن عبد السلام: “للوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل”[36]، وقد أقر وأكد ذلك القرافي قائلا: “موارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها؛ والوسيلة إلى أفضل المقاصد، أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد، أقبح الوسائل”[37]، وهذه إشارات إلى التعدد الذي يمكن أن يعتري الوسائل -إلا أنه لا ينفي وحدتها أحيانا أخرى بالنسبة لبعض الوسائل التي نص عليها الشرع خدمة لبعض المقاصد-، بمعنى أن تحقيق المقاصد في أتم وأرقى مستوياتها في أحيان كثيرة، يمر عبر التماس الوسائل في أبهى وأسمى صورها وأصنافها، وهذا يفتح المجال للاجتهاد من بينها، فالسواك مثلا من الوسائل التي قصد الشرع من خلالها تحقيق مقصد طهارة الفم، لكن ليس بالضرورة يتحتم الارتباط بهذه الوسيلة وعدم الانفكاك عنها دائما وأبدا، لأنه قد يتاح من الوسائل غيرها مما يكون ذا مفعول وأثر أفضل وأمثل، والأمر نفسه بالنسبة لتوثيق الدين بالكتابة، فالكتابة وسيلة لها بدائل خصوصا عند تعذرها، فيمكن اعتماد الإشهاد أو الرهن أو أية آلية أخرى تقيم الحجة.
بينما المكملات، فهي مقيدة بتنصيص الشرع عليها، إذ لا مكمل إلا ما جعله الشرع مكملا، فلا مجال للاجتهاد فيها، ولم يتح الشرع للمكلف أن يتخذ مكملا لما رامه هذا الشرع من مقاصد، ففي باب المعاملات، تحريم الغرر في البيوع مكمل لها، فلا يتصور تعويضه بما يؤدي نفس الغرض والوظيفة، وفي العبادات، تشريع المضمضة والاستنشاق وغير ذلك من مكملات الوضوء، فكل ذلك أيضا لا يمكن تعويضه بغيره والاجتهاد فيه، حتى الدعاء الذي يعد مجاله واسعا، فقد خص الشرع دعاء الوضوء بألفاظ مخصوصة وردت في السنة النبوية، لا يغني غيرها عنها.
رابعا: من حيث تعددها وتفرعها:
فكما نتحدث عن وسائل المقاصد، فإن هذه الوسائل يمكن أن تكون باعتبار آخر بدورها مقاصد، تتحقق بوسائل أخرى أدنى منها، فتصير مسماة بوسائل الوسائل، أو وسائل وسائل الوسائل وهكذا، أي وسائل تكون مقصودة لغيرها وفي الآن نفسه مقصودة لذاتها، وهذا يسنده ما قلناه سابقا من حيث إن كل مقصود لغيره، هو أيضا مقصود لذاته لكن بصفة مرجوحة، فهذا الشق المرجوح يمكن أن تكون له وسائل تحققه، والعكس يصح أيضا، قال العز بن عبد السلام عن قسمي الوسائل: “أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل، والقسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد[38]، ثم قال أيضا: ” فالتأهب للجهاد بالسفر إليه، وإعداد الكراع والسلاح والخيل، وسيلة إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين، وغير ذلك من مقاصد الجهاد، فالمقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه، وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى مقاصده، فالاستعداد له من باب وسائل الوسائل”[39].
وما قيل هنا عن الوسائل يقال أيضا عن المكملات، فكما أن هناك مكملات، فهناك أيضا مكملات للمكملات، بمعنى أنه إذا كانت المكملات مقصودة لغيرها، لأنها خادمة للمقاصد المترتبة عنها، ومقصودة لذاتها، لما تحمله من تيسير وتفريج ورفع للمشقة، فهذا الشق يمكن أن تكون له مكملات أيضا، أي مكملات المكملات، لهذا كانت التحسينيات مكملات للحاجيات، وهذه الأخيرة مكملات للضروريات، أي أن التحسينيات مكملات لمكملات الضروريات، يقول الشاطبي: “فالحاجي مكمل للضروري، والمكمل للمكمل مكمل”[40]، ويقول شمس الدين الفناري: “فإن حفظ بقاء الشيء مكمل لحفظه ولو بالضرورة، وكذا مكمل المكمل مكمل”[41].
في الختام، وجب التنبيه إلى عدم الظن أن ما يخدم المقاصد والمصالح ويؤدي إليها، ينحصر إما في الوسائل أو المكملات، فهناك مسائل تفضي إلى القصد وتعين عليه إلا أنها مستقلة عن كل ذلك، وهو حال ما يتعلق بمفهوم السبب، فغروب الشمس مثلا بالنسبة للصلاة يعد سببا لها، لكن لا يمكن ربطه بما يقتضيه مفهوم الوسائل ولا مفهوم المكملات، فهو ليس بوسيلة لأنه لا يعين على أدائها، وليس بمساعد على كمالها وتمامها من حيث الارتباط بماهيتها، بل هو علامة على دخول وقتها. هذا رغم أننا نجد مثلا ابن تيمية يقر أن السبب والشرط مما يدخل في المكملات، حيث قال: “فمن الأول يتلقى فقه أسباب الحكم وشروطه، فإنها مقتضية ومكملة لمصلحة الحكم”[42]، إذ يغلب أن يكون له رحمه الله إطلاق آخر وقصد مغاير، قد يتعلق بالإشكالات التي انطلقنا منها في بداية هذا الموضوع ونحن في ختامه، فيحتمل أن يكون قصده من المكملات ما يوحي إليه المفهوم بدلالته العامة المستوعبة لكل ما يحوم حول حمى المصالح المرجوة، بما فيها الوسائل، بما يفضي ويعين على تحقيق المقصود ولو كان سببا أو شرطا أو وسيلة…
[1] – معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، 3/560
[2] – معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، 3/579
[3] – علم المقاصد الشرعية، ص94
[4] – تفسير ابن كثير، الايات 35 الى 37 من سورة المائدة، 3/94
[5] – الفروق للقرافي (أنوار البروق في أنواء الفروق)، 2/ 42
[6] – مقاصد الشريعة الإسلامية، 3/ 406
[7] – تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري الهروي، 13/48
[8] – التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب، 1/ 320
[9] – قواعد الوسائل، ص 54
[10] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز، 1/53 و54، وأنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي، 2/44، وقواعد المقري، 1/329 .
[11] – القواعد الفقهية للندوي، ص195
[12] – القواعد للمقري، 2/393
[13] – معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، 4/277
[14] – معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، 6/355
[15] – إعلام الموقعين عن رب العالمين، 1/289
[16] – مجموع الفتاوى لابن تيمية، 21/535
[17] – مجموع الفتاوى لابن تيمية، 21/536
[18] – الموافقات، 2/26
[19] – الموافقات، 2/36
[20] – معلمة زايد للقواعد الفقهية 3/552.
[21] – الموافقات، 2/36
[22] – الموافقات 2/29.
[23] – الذخيرة للقرافي، 2/ 122.
[24] – الموافقات، 2/33
[25] – الموافقات، 2/36
[26] – الفتاوى الكبرى لابن تيمية، 6/113
[27] – الذخيرة، 1/ 250
[28] – تفسير الرازي (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير)، 2/ 407
[29] – إحياء علوم الدين، 1/ 162
[30] – أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي ، 8/ 186
[31] – إحياء علوم الدين، 1/ 12
[32] – شرح تنقيح الفصول للقرافي، ص87
[33] – مقاصد الشريعة الإسلامية، 2/151
[34] – علم المقاصد الشرعية، ص94
[35] – الموافقات 2/ 31.
[36] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز، 1/53 و54.
[37] – أنوار البروق في أنواء الفروق، 2/44.
[38] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام،1/ 124
[39] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام،1/ 126
[40] – الموافقات 2/33.
[41] – فصول البدائع في أصول الشرائع، 2/ 347.
[42] – الفتاوى الكبرى لابن تيمية، 6/113

