تقديم
اعترافا من مركز المقاصد للدراسات والبحوث لأهل الفضل بفضلهم، وتعريفا بأعلام المغرب المعاصرين يقوم بنشر حوار مع فضيلة الدكتور عبد الهادي حميتو رحمه الله تعالى، كان قد أجراه معه عضو الهيئة العلمية للمركز فضيلة الدكتور البشير قنديلي في إطار التكريم الذي أقامه للفقيد فرع حركة التوحيد والإصلاح بإقليم آسفي وسننشره في حلقات متتابعة، الحلقة الأولى:
س: بسم الله الرحمن الرحيم، بداية فضيلة الدكتور عبد الهادي اسمح لنا أن نُجري معكم هذا الحوار المباشر لإدراجه ضمن كتيب نعدّه بمناسبة تكريمكم؛ لتعريف الرأي العام بشخصكم الكريم وعطاءاتكم التي تُقدّمونها خدمة للإسلام.
س: نود التعرف على شخصكم الكريم: الاسم والمولد والنشأة والأبناء؟
عن التعريف أنا المعرف بنفسه: عبد الهادي بن عبد الله بن ابراهيم الملقب بلقب حميتو، وهو لقب للجد الأعلى الذي نزح عن بلده الأصلي بقيبلة آيت أوسا من نواحي كلميم، ثم استقر بزاوية سيدي يعقوب بقرب سوق اثنين آيت آمر بقبيلة حاحة، ثم نزح جدي السيد ابراهيم بن عبد الله حميتو حول عام 1300 هـ في عهد المولى الحسن الأول إلى ناحية الصويرة بقصد المشارطة على تعليم القرآن الكريم، فتردد في عدة مساجد بحاحة والشياظمة، إلى أن استقر بالكريمات من قبيلة الشياظمة حيث تأهل واقتنى أملاكا فرحية، وغادر المشارطة، وأصبح أحد أعيان جهته.
ولما ولد له أبي عبد الله عُني بتعليمه القرآن الكريم إلى أن بلغ مبلغ الرجال، فتأهل وشارط في مسجد جماعته:”الرحاحلة” وفي هذا المسجد قرأت أنا وأخي الأكبر الأستاذ عبد الحميد عليه القرآن الكريم وحفظنا الكثير من “الأنصاص”.
كان مولدي بحمد الله في منتصف رجب الحرام من 1362 هـ بدوار الرحاحلة بقيادة الكريمات قبيلة الشياظمة الجنوبية التابعة لعمالة الصويرة حاليا.
وبها نشأت وقرأت القرآن الكريم على والدي وجماعة من الشيوخ تغمدهم الله برحمته.
ولما بلغت سن الرابعة عشرة انتقل أبي رحمة الله عليه إلى مدينة مراكش، وكان بعد أن ترك المشارطة في تعليم القرآن يحترف الخياطة، فاشتغل بها بمراكش ابتداء من عام 1377 هـ -1957 م، وفي هذه الأثناء أدخلني المدرسة الابتدائية التابعة للتعليم الأصلي وهي مدرسة ابن يوسف العتيقة التي ظلت لعدة قرون بمراكش تُنافس مدرسة القرويين بفاس.
وقد لازمت هذه المدرسة في جميع أطوارها إلى أن حصلتُ منها على شهادة الباكلوريا الأصلية عام 1966م، وكان زواجي عام 1968 م، فرُزقت ولدين وأربع بنات.
س: ماهي الخطة التي اتُّبعت معكم لحفظ القرآن الكريم؟ وكم عدد الختمات( السّلْكات) التي أنجزتم؟ وكم استغرق ذلك من الوقت؟ وكم كان سنكم عندما وضعتم اللوح(الفصال)؟
ج: كان أبي رحمه الله هو أول أساتذتي، وعليه في المسجد والمنزل أخذت المبادئ الأولى في الكتابة وقواعد الخط والهجاء والرسم والضبط وحفظت المتون والرموز المتعلقة بذلك، وقد قرأت بعده على عدد من الشيوخ بلغ سبعة، وذلك في مسجد جماعتنا ثم في مساجد أخرى في قيادة الكريمات، وقرأت أيضا ببعض نواحي شيشاوة صحبة أخي الأكبر، ثم التحقت بمدرسة “بير الفايض” الشهيرة بأستاذها وشيخها المقرئ السيد محمد بن إبراهيم الزغاري فلازمته نحو أربع سنوات، وقرأت عليه الكثير من متون القراءة وأصول الأداء والتجويد والرسم والضبط، ثم ترددت على عدة مشايخ بعده إلى ان انتهيت من الختمة السادسة باللوح والمواظبة على قراءة “الأسوار ” والحزب الراتب إلى أن جاء عهد استقلال المغرب، فالتحقت بمدرسة أخرى في حدود عمالة الصويرة بطريق مراكش حيث أنهيت الختمة السادسة واشتغلت مساعدا في تصحيح ألواح الطلبة، وأنا ابن ثلاثة عشر عاما.
وفي أوائل شهر يناير من عام 1957م زار المنطقة الأستاذ علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال -رحمه الله- فأقيم له استقبال حافل حضرته وحضره أبي فألقى فيه الأستاذ المذكور كلمة توجيهية دعا فيها سكان الجهة إلى تعليم أبنائهم، وإحياء المدرس العلمية العتيقة فكان هذا مما حدا بأبي -رحمه الله- إلى النزوح إلى مراكش ليتمكن من إدخالي لمدرسة ابن يوسف الأصلية، فهاجر من أجلي وودع البادية نهائيا، ثم انتقل بعد عام إلى الدار البيضاء ليعود مرة أخرى إلى تعليم القرآن وإمامة الصلوات في المساجد إلى أن أجاب داعي ربه رحمه الله عام 1992 م وفي سن الخامسة والثمانين.
أما الخطة التي اتُّبعت معي في تحفيظ القرآن، فهي الخطة المتبعة في بوادي المغرب إلى اليوم، وتعتمد على استعمال اللوح الخشبي والكتابة عليه بالصمغ وقلم القصب، والتدرج بالصبي المتعلم من تعلم الهجاء ونقط الحروف إلى تعليم الكتابة والخط وقواعد الرسم والضبط، وتكرار ما في اللوح من سطور الكتابة إلى حين حفظها، ثم الانتقال إلى القدْر الموالي من السطور مع الحرص على مراجعة المحفوظ وعرضه على الشيخ للاطمئنان عليه من النسيان، والمواظبة على قراءة “الأسوار” حسب المقادير التي يحفظها المتعلم من القرآن، وقراءة الحزب الراتب يوميا، وقراءة “التفريق” أيضا يوم الجمعة باستمرار.
وكان سني حين انتهائي من القرآن أربع عشرة سنة، ولكني بقيت على صلة به.
س: كيف تدرّجتم في تلقّي العلم(مراحل الطلب والتحصيل)؟
ج: أما تدرجي في تلقي العلم ، فقد كان كما يلي :
بعد أن تقدمت في حفظ القرآن الكريم وبعض متونه من الأنصاص والمنظومات في الرسم والضبط والتجويد، بدأت حين كنت أقرأ بشيشاوة بحفظ بعض متون العربية والفقه، ومنها متن الآجرومية في النحو، ولامية الأفعال لابن مالك، ولامية الجمل لابن المجراد وأرجوزة الزواوي ومتن المرشد المعين لابن عاشر، وكنت أكتبها في أسفل لوح القرآن.
وفي مدرسة ابن يوسف بمراكش تابعت دراستي في جميع مراحل التعليم الأصيل من الابتدائي في ثلاث سنوات إلى الإعدادي في ثلاث، إلى الثانوي في ثلاث (البكالوريا) .
ثم التحقت بكلية الآداب بفاس فقرأت فيها السنة التحضيرية، ولكن لجنة المداولات بسبب ضعفي في اللغة الفرنسية اقترحت أن تحيلني على المدرسة العليا للأساتذة بفاس، وتُعتبر السنة التي قضيتها في الكلية كأني قضيتها في التكوين بالمدرسة العليا، وكان مديرهما واحدا، وهو الدكتور عبد الوهاب التازي، وبناء على ذلك حصلت على دبلوم في التربية وعلم النفس من هذه المدرسة، وجرى تعييني في التعليم الإعدادي تبعا لذلك فعُينت بإعدادية “ابن جرير” أستاذا للعربية بنواحي مراكش.
وفي عام 1969 م وأنا في ممارسة التدريس كنت أتردد على كلية اللغة العربية بمراكش إلى أن حصلت منها على شهادة الإجازة في الدراسات العربية سنة 1972 م.
وفي عام 1976 م التحقت بدار الحديث الحسنية بالرباط فتابعت فيها الدراسة خلال السنتين الدراستين، فحصلت على شهادتين منها في علوم الحديث وعلوم القرآن.
وفي عام 1978 م سجلت رسالتي الجامعية الأولى للحصول على دبلوم الدراسات الإسلامية العليا من دار الحديث الحسنية في موضوع “اختلاف القرآن وأثره في التفسير واستنباط الأحكام” تحت إشراف الدكتور التهامي الراجي – رحمه الله- وناقشتها في صيف سنة 1980 م.
وفي عام 1981 م سجلت معه أطروحة دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية في موضوع “قراءة الإمام نافع عند المغاربة” وكان الموضوع من اقتراح عميدها يومئذ الدكتور محمد فاروق النبهان، فعملت فيها سنوات تجاوزت العشر، إلى أن ناقشتها في صيف عام 1995 م، ثم قامت وزارة الأوقاف بطبعها في سبعة مجلدات.
وإلى جانب الدراسة النظامية فقد كنت طوال السنوات التي استغرقتها بمراكش في الابتدائي والثانوي، وتزيد على تسع سنوات، أتردد على الدروس غير النظامية التي كانت تعطى في مساجد مراكش بين العشاءين في الغالب في مختلف المواد، وفي أيام الخميس والجمعة أو شهر رمضان، وأساتذتي فيها لا أحصيهم عددا، وكانوا يعتنون بتدريس النحو والصرف والبلاغة والسيرة والفقه والفرائض وتفسير القرآن الكريم في شهر رمضان والحديث النبوي الشريف.
س:من هم أبرز الشيوخ الذين تركوا بصماتهم الواضحة،وأثّرُوا في شخصكم الكريم، وأفدتم من علمهم؟
ج: أما الشيوخ الذين أخذت عنهم مختلف العلوم فلا أحصيهم عددا، وهم بمنزلة مروج الربيع للنحل يأخذ من كل زهرة منها فلا يدري من أيها كان أكثر أخذا وانتفاعا، لاسيما والآثار التي يمكن رصدها متنوعة بحسب المستوى والسن ونوع العلم.
لكن إن كان المراد بالسؤال ملاحظة الأثر النفسي وإعطاء القدوة فيمكن أن أمثل لذلك بشيخي الأستاذ الدكتور عمر بهاء الدين الأميري- رحمه الله- أستاذنا بدار الحديث الحسنية بالرباط، وهو من شعراء سوريا وأدبائها ، وكنا ندرس عليه مادة ” الفقه الحضاري” وهي مادة طريفة كان فيها يصول ويجول، ويبدع في بيان أسباب التقدم والرقي وعوامل التخلف والانحطاط، ويضرب الأمثال كثيرا بالعصور الإسلامية الزاهية، ويتوقف عند المحطات المهمة منتاريخ الإسلام كغزو التتر والمغول، وسقوط الخلافة العباسية، والحروب الصليبية بالشام وبيت المقدس، والتآمر على الخلافة العثمانية لتمزيق وحدة الأمة وإنهاك قوتها واستعمار الدول العربية والإسلامية، وعوامل النهوض بالأمة.
س: هل لكم من تلاميذ تتلمذوا على يديكم، وأفادوا من علمكم؟
ج: أما السؤال عن تلاميذي الذين أذكرهم فلا تتسع هذه الأوراق لإحصائهم؛ لأني قضيتُ في التدريس – بحمد الله- أربعين عاما بالتمام في التعليم النظامي، وعندي تلاميذ من أهل القرآن والدراسات المرتبطة به كالتحفيظ والتجويد ورسوم المصحف الشريف في مدينة آسفي وغيرها من المدن.


