وزارة الأوقاف بين الكسوف الأصغر والكسوف الأكبر
أحمد الريسوني
اهتمت وسائل الإعلام بالكسوف الشمسي الذي وقع يوم أمس الأربعاء، وتسابق عدد من الصحفيين والفلكيين والأطباء والخبراء إلى بيان مخاطر النظر إلى الشمس وقت كسوفها، وقدموا للناس التحذيرات والنصائح اللازمة، لكي يستمتعوا بنظرات آمنة إلى الشمس المنكسفة..
وزارة الأوقاف المغربية، من جهتها، لم تفوت الفرصة لتذكير الناس بمذهبهم المالكي، وأنه لا يرى إقامة صلاة الكسوف في أوقات الكراهة..
وزارة الأوقاف، بموقفها هذا، تظهر وكأنها ملتزمة بالمذهب المالكي في كل صغيرة وكبيرة، وأنها حريصة على تمكين المجتمع المغربي من التمسك بهذا المذهب العريق بالديار المغربية..
كما أنها، من خلال موقفها من صلاة الكسوف، تُظهر أنها تتابع ما يقع وما يشغل الناس، وتقدم لهم الفتاوى والتوجيهات اللازمة في ذلك.. فحتى الكسوف الأصغر، الذي يقع لبضع دقائق، كل بضع سنين، لم يغب عن الوزارة، ولم تتركه يمر دون التذكير بالمذهب المالكي ومقتضياته!!
وعلى هذا الأساس، أريد تذكير الوزارة بالكسوفات الكبرى التي تضرب أركاننا وتكتسح مجتمعنا ليل نهار..
- ومنها كسوف المذهب المالكي نفسه..
فهذا المذهب العظيم الذي بنيت به الدول المتعاقبة بالمغرب، من الأدارسة والمرابطين والموحدين، إلى المرينيين والعلويين، وظل يشكل الهوية الدينية والسياسية والتشريعية والاجتماعية للمغرب، قد أصابه كسوف شديد وانحسار شامل، لا تهتم به وزارة الأوقاف، بل هي الساهر الأول على تنقيذ هذا الكسوف الكبير.. ولذلك فهي تمنع الخطباء والعلماء المعتمَدين، من التطرق إلى القضايا والتحديات والتجاوزات والمخاطر الجسيمة، التي تخترق المجتمع المغربي، وبيان موقف المذهب المالكي منها..
لكنها لم تُـفوت التحذير من “إقامة النافلة في وقت الكراهة”، لأن المذهب المالكي لا يقبل ذلك!
المذهب المالكي اليوم تمت تنحيته عن الحياة السياسية وعن الهوية التشريعية والبرامج الحكومية للمغرب، وتم إبعاده من (الجريدة الرسمية) وما يلج فيها، إلا ما تعلق بالقيمين الدينيين وضرورة التزامهم باللباس المغربي..
- ومن الكسوفات الخطيرة التي لا تهتم بها وزارة الوقاف وعلماؤها المعتمدون:
ظاهرة كسوف الأخلاق والقيم الإسلامية. وهو كسوف واضح يعرفه الجميع، ويعيش تحت وطأته الجميع..
فمكارم الأخلاق؛ مثل الأمانة والعفة والنزاهة والتكافل والحياء، تتقلص من مجتمعنا، وتحل محلها أخلاق الجشع والأنانية والسلب والنهب والخيانة والهمجية والإباحية والتملق والتسلق..
وكل هذه الكسوفات يؤطرها مفهوم “الإسلام السمح” لوزارة الأوقاف، وتحتضنها سياسات التمييع والتتفيه، والبهرجة والمهرجة، التي تنفذها عدة وزارات ومؤسسات حكومية..
وزارة الأوقاف تغمض عينيها، وعيون علمائها، عن هذا كله، أو تستعمل نظارات ذكية في رؤيتها.. ولكنها لا تنسى التذكير والتحذير فيما يخص صلاة الكسوف في المذهب المالكي..
نتذكر هنا ما لا تذكره الوزارة، وهو موقف الإمام مالك رضي الله عنه، حين أرسل إليه أحد الأمراء يسأله عن “دم البراغيث”.. فقد نقل القاضي عياض السبتي في (ترتيب المدارك):
“وسأله يزيد بن حاتم الأمير عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى بأساً. ثم قال بمحضر رسوله: يسألونني عن دم البراغيث، ولا يسألونني عن دماء المسلمين التي تسفك”.
ومثل هذا الجواب ورد عن عدد من علماء السلف.. من ذلك ما روي أن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – سئل عَن دم البراغيث، فَقَالَ: عجبا لكم يَا أهل الْعرَاق تقتلون الْحُسَيْن بنَ عَليّ، وتسألون عَن دم البراغيث..

