إن ما سطره الأنصاري في ” المرشد إلى الاستنباط الفقهي” سيفيدنا كثيرا في بيان معالم منهجه في الاستنباط، ومنظوره للصناعة الفقهية؛ وقد أكد أن منهج إعداده لمادة الكتاب قام على فكرة أساس، ترجع إلى ما لاحظه من خلل في التعامل مع الفقه علما أو عملا أو هما معا[1]
ولقد مهّد لذلك بتشخيص حال المشتغلين بالفقه وهم عنده طرفان:
1- طرف يقتصر جهده ومنتهى طلبه على ضبط الخلاصات والمنظومات الخالية من الاستدلال؛ وغالبا ما تكون متونا مذهبية يعكف عيها الطالب عكفا طوال عمره لايتجاوزها إلى إدراك مآخذ الأحكام، وطرق استفادتها، ومسالك تعليلها، وحُكمُه على هذا المنهج أنه( لايصلح لإفادة الفقه(…) وإن كان لذلك فضل على الطالب لاننكره)؛ وعيب هذا المنهج أن مُعتَمِده( لا يتحقق من ملكة الاستنباط مهما حفظ من المسائل في المذهب أو خارجه، ولا هو مستطيع الوصول إلى درجة الاجتهاد)[2]
2- والطرف الثاني يأخذ الفقه من ظواهر النصوص الشرعية استظهارا لا استنباطا، وهذه عند الأنصاري آفة أخرى وزلة كبرى، لا تقل عن الأولى في إيراد صاحبها موارد الزلل، بل هي أشد من ذلك وأخطر[3]. وما أدق تعبيره في ذم هذا المسلك، وهو الخبير بواقع الدين والتدين بالبلد حين يقول:( أما هذا فهو بحفظه للنصوص واستظهاره لأسانيدها يظن أن قد أحاط بالدليل، فيتمسك به تمسك الأعمى-عند الفزع- بثوب صاحبه، لكن دون أن يَخبَر موقع دلالته، ولا سياق حجته، ولا قصده الجزئي، ولا مداره الكلي؛ فيحاج به في غير محله، ويحققه على غير مناطه؟ فيؤدي به ذلك إلى إيجاب العادات! وفي أحسن الأحوال إيجاب المندوبات، أو تحريم المباحات؟ وفي أحسن الأحوال تحريم المكروهات! فيحمل الناس على الشاق من الأمر، وقد أمر أن يحملهم على السهل، ويحملهم على العنت، وقد علم أن الشريعة إنما بنيت على رفع الحرج. وهذا لعمري رأس الجهل؟ وكفى خطرا وضلالا بمن جهل أنه جهل؟ وظن بجهله أنه علم؟)[4]
بعد هذا التشخيص لواقع المهتمين بالمادة الفقهية، وبيانه لجوانب القصور عند الفئتين المتناقضتي التصور؛ سيبسط رحمه الله معالم المنهج السديد- عنده- في مدارسة الفقه وتكوين الملكة الفقهية الممَكّنة صاحبَها من الاستنباط واستفادة الأحكام من أدلتها، وتحقيق مناطاتها العامة والخاصة، وتنزيلها على محالها. وهذا كله من مداخل تكوين المجتهد. وسأكون مضطرا لنقل كلام الأستاذ الأنصاري بطوله؛ لنفاسته وفائدته العلمية والمنهجية. فقد أوضح بأن منهجه في الاستنباط الفقهي يقوم على:( عرض النصوص الشرعية الواردة في كل باب من أبواب الفقه(…)، ثم الشروع في استثمارها بما تقتضيه دلالاتها، وبيان توافقها وتعارضها؛ لاستنباط أحكامها حسب مذاهب فقهاء الأمصار. وإنما أسلط الضوء في كل ذلك على الحكم الشرعي المأخوذ من النص، أو المستنبط منه استنباطا، لتتبع موارده وطرائقه التي سلكها، انطلاقا من دلالة النص عليه، وتمييزها بتصنيفها، وبيان حقيقتها ودرجتها، ثم التحقق من سلامتها من العوارض والطوارئ، حتى تحصل أول مرحلة من مراحل الاجتهاد وهي الفهم السليم. فإذا تحقق هذا، كان النظر في العلة بحثا عن مسلكها وماهيتها وحِكمتها؛ لأنما الأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما(…) وهكذا يُنظر في علة الحكم من حيثُ التعدي والقصور، ومن حيث الشمول وعدمه، حتى يتأكد من تعلق الحكم بهذه النازلة أو تلك، وشموله لهذا الصنف من الأفراد دون ذاك، فتتحقق بذلك المرحلة الثانية من مراحل الاجتهاد؛ وهي الاستنباط؛ لأنما الاستنباط عملية ذهنية يتقرر بموجبها النطق بالحكم الشرعي؛ بناء على إفادة الخطاب له بطريق من طرق الدلالة، ثم تعلق ذلك بهذا الفعل أو ذاك من أفعال المكلفين، تعلقا ذهنيا توجبه العلاقة المنطقية الراجعة إلى القواعد الشرعية.
ثم ينظر في الأخير في تعيين نهايات الأحكام وغاياتها التطبيقية، بتحقيق مناطاتها على محالّها المناسبة، رجوعا إلى ضوابط التنزيل، ومقاصد الخطاب، وكيفيات استثمار قواعدها الكلية؛ لاستخراج ما يتعلق بآحادها الجزئية. وبهذا تتم العملية الاجتهادية بتمام مرحلته الثالثة: وهي التنزيل أو التحقيق)[5].
بهذا الكلام الدقيق الموزون تتضح لنا معالم منهج الاستنباط الفقهي عند فريد الأنصاري القائم على المراحل الثلاثة الآتية:
1- مرحلة الفهم السليم بقواعده ومرتكزاته.
2- مرحلة الاستنباط بقواعده وأسسه.
3- مرحلة الإعمال أو التحقيق بما يستلزمه ذلك من فقه التنزيل وآلياته.
تنويع الأنصاري لمعاني لفظ الفقه من ثمرات وضوح منهج الاستنباط عنده:
مما يُبرز تمكُّن عالِمنا من ضبط أصول العلوم الشرعية، ووضوح رؤيته للإمساك بناصيتها، ودروة سنامها وهو الفقه؛ نجده رحمه الله يُنوع من أساليب التعبير عن مراده بهذا المصطلح؛ فليس هو حفظ المنقول من أقوال المذاهب، ولا هو استظهار نصوص الوحي فقط؛ بل هو صناعة وملَكة؛ قال عنها:( وإنما الفقه، ملكة راسخة، وقوة باطنة تُمكن الفقيه من استنباط الحكم الشرعي مما لا قِبل له به في كتاب أو سنة، ولا اجتهاد سابق، أو فتوى مدونة محفوظة، من مسائل المتقدمين وقضاياهم! وما ذلك إلا لتمكنه من إدراك مآخذ الأحكام وعللها، ومعرفة مقاصدها وحِكمها من منطوقات النصوص ومفهوماتها، والتمييز بين راجحها ومرجوحها، عند تواردها على محلات التعارض والإشكال!)[6]. وقال في سياق آخر بما يفيد ذات المعنى؛ لكن بتعبير آخر:( وليس بمجهول- إلا على من جهل الشريعة- أن الفقه ليس هو النصوص، وإنما هو حسن فهمها، وطرائق استثمارها واستعمالها، وضبط تنزيلها على مواقعها! فمن غاب عنه ذلك غاب عنه العلم كله)[7].
ولقد سوّى في سياق آخر بين معنى “فقه النصوص” ومعنى “منهج التعامل معها ” فقال:(تبين لي أن “فقه النصوص الشرعية” يساوي”المنهج” في التعامل مع تلك النصوص: كتابا وسنة. وأن من لا فقه له-بمعنى لاملكة فقهية له- هو بمثابة من لا منهج له في الفهم عن الله ورسوله؟ ولو كان يحفظ كل نصوص الكتاب والسنة؟)[8].
المبحث الثاني: نماذج من آراء الشيخ الفقهية وفتاواه:
ما سأعرضه في هذا المبحث من فتاوى وآراء فقهية للأستاذ فريد؛ إنما هو ترجمة عملية، وتطبيق إجرائي لمنهجه في الاستنباط الفقهي بمراحله الثلاثة المشار إليها في المبحث الأول. ولقد اخترتُ من فتاواه الكثيرة أربعا: اثنتان لهما صلة بقضايا المرأة لباسا ومخالطة، وواحدة لها صلة بالغناء، ورابعة لها صلة بقراءة الحزب الراتب جماعة في المغرب. وإنما اخترت هذه دون سواها؛ لطابعها الإشكالي، وصعوبة موردها لارتباطها ليس فقط بالنص الشرعي فهما واستنباطا، بل لصلتها –فضلا عن ذلك- بفقه النّظُم، وعوائد الناس، ومآلات أحكامها. وههنا تبرز لنا خبرة فريد “الفقيهّ”، وسعة اطلاعه، وبُعد نظره؛ بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه في الرأي، والحكم المستنبط.
– المطلب الأول: تأصيله الفقهي للباس المرأة
وقد عبر عن ذلك بالتأصيل الفقهي لسيماء صورة المرأة في الإسلام[9].
صدّر الأستاذ رأيه الفقهي في المسألة بمقدمة أصولية منهجية قال فيها:( ونظرا لعمق الدلالة السيميائية للباس المرأة في الإسلام، وارتباطه بماهيتها الإنسانية كما بينا؛ فقد جاء تشريع أحكامه فريضة في القرآن نفسه. ولم يترك ذلك لتشريع السنة فقط، أو تشريع الاجتهاد فقط، على الرغم مما للسنة ثم للاجتهاد من قيمة تشريعية في الاسلام. لقد تولى الله جل جلاله بذاته إنزال حكم لباس المرأة من فوق سبع سماوات؟ وفي ذلك ما فيه من قوة تشريعية، وحجية إلزامية ليس فوقها قوة!)[10]
و”قاعدة مراتب التشريع”هذه؛ بسَط القولَ فيها في كتابه”البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي[11] وأجمله في كتابه: “سيماء المراة..”بقوله:(ومفادها أن ماكان من أصول الدين الاعتقادية أو العملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن. ولا يُترك منه للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل، من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات. وذلك شأن الإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات، وكذا شأن الربا، والخمر، والميسر، والزنا ، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصُب؛ من المحرمات، ونحو هذا وذاك)[12]. وبعد عرضه لجملة من الأمثلة، وإيراده ما يدل عليها من النصوص الشرعية لتقرير القاعدة والاستدلال لتثبيتها والبناء عليها؛ قال:( وعليه؛ فإنه لا يُترك للسنة من التشريع إلا ما كان بمنزلة الفروع والجزئيات، لا الأصول والكليات. فإذا وَجدت من السنة ما هو كذلك- ولم يكن بيانا تطبيقيا ولا تفصيليا- فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع لا تأسيس التشريع! فلا حكم من الكليات التشريعية إلا وتجد في كتاب الله أصله الأول. دل على ذلك الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها. وذلك كأحاديث إيجاب الصلاة والزكاة والصيام والحج بالسنة، فإنما هو من قبيل التأكيد لا التأسيس.
وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا، من الواجبات والمحرمات ، فإنه لا يكون من الأصول والكليات، وإنما هو من الفروع والجزئيات، بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من التشريع. كأحاديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وذوات السموم ونحو ذلك.
إذن؛ فالأصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون منصوصا عليه في الكتاب، وهذه هي المرتبة الأولى من التشريع. وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل، من الواجبات والمحرمات جميعا. وإنما للسنة المرتبة الثانية، فما اقتصر على تشريعه فيها-ولم يكن من قبيل البيان والتفصيل- كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية، بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن. ومن أخطأ هذه القاعدة الأصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!)[13]
وإنما أطلتُ النقل عن الشيخ فريد دون التصرف في كلامه؛ لأنه مقدمة من مقدماته المنهجية المتضمنة منظوره للاستنباط الفقهي، التي يُصَدّر بها بعض فتاويه؛ وهي أهم عندي من الفتوى نفسها، ومن الحكم الجزئي المستفاد! لأن هذا الأخير قد يُتفق معه فيه وقد يُختلف؛ لما قد يطرأ على الأدلة المستدعاة من عوارض من جهات أخرى، ولأن غرضي ليس هو تتبع فتاواه واستقراؤها، واستفادة خلاصاته الفقهية على آحاد المسائل وأفراد الجزئيات؛ إنما قصدي بيان منهجه، وتصوره، لعملية الاستنباط، وقواعده فيه.
فما علاقة هذه الاستطرادات إذن بجزئية اللباس الشرعي للمرأة؟
والجواب يظهر من استهلاله بيان الحكم بالقاعدة الأصولية آنفة الذكر؛ إذ لا مطمع عنده- كما أسلفنا البيان- في الظفر بالحكم الفقهي دون المرور ببوابة الأصول. وهاهو يلتزم تنزيل تصوره النظري على جزئيات المسائل؛ لأن الفقه والأصول عنده وجهان لعملة واحدة.
بعد ذلك يدلف إلى إيراد الآية 59 من سورة”الأحزاب”: والآياتين30و31 من سورة”النور”[14]؛ ليرتقي- تأسيسا عليها- بحكم الحجاب -بالمواصفات التي بينها مفصلة واضحة- إلى مرتبة الوجوب.
ولقد أطال رحمه الله النفَس في بيان الهيئة الشرعية للباس المرأة؛ ناصرا رأي القائلين بعدم وجوب تغطية الوجه والكفين بشواهد وأدلة شافية كافية، مستثمرا خبرته بمقاصد الشريعة؛ مما أضفى على استنباطه الفقهي قوة، وتوازنا، ووسطية؛ تجلت في انتقاده لمنهج الغلو والتشدد بإلزام-على سبيل الوجوب لا الندب- النساء بما لم يلزمهن الشرع به من تغطية الوجوه والأكف؛ وانتقاده أيضا لمنهج التحلل في النظر إلى تغطية سائر البدن -عدا الوجه والكفين- تغطية شكلية؛ لايتحقق معها قصد الشارع الحكيم من التغطية؛ وهو الستر على كماله.[15]
المطلب الثاني: رأي الأستاذ الأنصاري في المصافحة بين الرجال والنساء من غير المحارم.
فتوى الأستاذ في هذه الجزئية موجودة على الشبكة صوتا وصورة؛ وقد قمت بتفريغها مع تصرف يسير في الاختصار، وفي نقل بعض الألفاظ القليلة من العامية إلى الفصحى.
مضمون الفتوى وهي مرتجلة شفهيا غير محررة كتابيا:
بعد تصديره الجواب بقوله:(المصافحة مع الرجال لاتصح ولاينبغي أن تكون إلا للضرورة القصوى) انتقل إلى الاستدلال مصدّرا إياه كعادته بمقدمة تاريخية ومنهجية.
أما التاريخية فتحدث فيها عن عادات العرب في اللباس والستر، وحدود ما كان ينكشف من أبدان النسوة قبل الرسالة، ثم انتقل إلى العصر الحديث، وبوادر سفور المرأة في أوربا وانتقال عدواه إلى العالم الإسلامي؛ غايته من ذلك تقرير أن فطرة المرأة تميل إلى التستر؛ لينتقل إلى التأصيل مقدما له بالتأكيد على أن نصوص الوحي لم تتحدث عن خصوص المصافحة بين الجنسين من غير المحارم بالتنصيص المباشر؛ لا في القرآن ولا في السنة؛ بينما الستر جاءت فيه نصوص واضحة ليس فيها غبش؛ لأن الله تعالى يعلم أن الشيطان سيفتن بني آدم بالعري. وبعد عرضه لآيات الحجاب، قال: ( لكننا نتحدث عن المصافحة، هناك دليل دقيق جدا في أصول الفقه؛ مفاده أن الله تعالى عندما تكون فطرة الإنسان على نمط ما؛ لايكون ثمة إلزام كالأكل والشرب ورد للإباحة؛ لأن من طبيعة الإنسان أن يأكل ويشرب حتى لو لم يرد الشرع بالإذن في الأكل والشرب؛ سنأكل ونشرب ونلبس ونتزوج…كل ذلك لم يرد فيه آيات الإلزام؛ لأن من طبيعة البشر هذه الأمور الفطرية، فكذلك لم يأت النهي شديدا صريحا، صريحا؛ أتكلم عن النهي الصريح في المصافحة؛ ولكن جاءت ممارسة. أي ما ثبت أن النبي فعله، وما ثبت أن الصحابة فعلوه[16]؛ فدل ذلك كله على أنها تدور بين الحرمة والكراهة، أقل ما يقال فيها الكراهة، ولا يمكن أبدا أن تكون من باب الإباحة؛ لأن هذا يسمى عموم البلوى(…) لأن الناس كانوا في حاجة إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاجا لمصافحة النساء في البيعة ولم يصافح، والصحابة كانوا محتاجين لمصافحة النساء في البيع والشراء والمسجد الذي كانوا يلتقون فيه، وفي كل مكان، ولم تكن هناك مصافحة. فيدور الحكم إذن بين الحرمة والكراهة، أقل ما يُقال فيه الكراهة(…) نفترض أنه مكروه، فالمكروه قد يُتجرأ عليه. المكروه متى يكون خفيفا؟ حيث يمارسه الانسان مرة، أما أن يتكرر، فالمكروه بالجزء-كما نص عليه الفقهاء- محرم بالكل. من يكرر المكروه باستمرار يصير حراما؛ ولهذا أقول بأن الإنسان لا يصافح المرأة الأجنبية، والمرأة الأجنبية لا تصافح الرجل الأجنبي. فلا تبادر الأجنبية عن الأجنبي، ولا يبادر الأجنبي عن الأجنبية بمد اليد للمصافحة، حتى نتخلص من هذه العادة تدريجيا، هذا أقل ما يقال. والله أعلم في نهاية المطاف؛ لكنها ليست كبيرة من الكبائر أيضا(…) هي منقصة؛ والمشكل هو الإكثار والاعتياد)[17].
دراسة الفتوى:
1- جانب القوة فيها:
لعل من فقه الرجل، وورعه واحتياطه في نفس الآن؛ أنه لم يقطع بالتحريم، ولم يصرح بالجواز الدائم؛ وكأني به يستحضر قول الله تعالى:( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)[18]. ربما لأن ما ساقه من الأدلة لم يُفد عنده القطع؛ بل قصارى ما أفادته هو غلبة الظن بعدم صحة المصافحة، ودوران حكمها بين الكراهة والتحريم.
فعدم قطعه بالتحريم أو بالإباحة دليل على تهيّبه، وتحريه، ونظره الفاحص في أدلة هذه الجزئية، بتقليبه النظر فيما بحوزته منها؛ خصوصا تأكيده أنها ليست من الكبائر عندما أحس بأنه غلّب جانب الحرمة. غير أن جوابه في تقديري لم يسلَم من بعض الاضطراب. وهو:
2- جانب الضعف في الفتوى:
يظهر الاضطراب في تأكيده السابق على أن حكم المصافحة يدور بين الكراهة والتحريم، وبين قوله:(المصافحة مع الرجال لاتصح، ولاينبغي أن تكون إلا للضرورة القصوى)؛ إذ المعلوم أن الذي لا يصح إلا للضرورة القصوى هو المحظور البيّن والحرام الصريح؛ لقوله تعالى:(ومالكم ألا تاكلوا مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حَرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه)[19] وقوله تعالى:( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم)[20]، وكما تدل عليه قواعد رفع الضرر؛ ومنها قاعدة: ( الضرورات تبيح المحظورات). فما مواصفات هذه الضرورة القصوى؟
ومن الاضطراب الذي ظهر لي أيضا؛ أنه أراد أن يبني على الدافع الفطري عند المكلفين؛ قاعدة تشريعية مفادها أن الشارع الحكيم يخفف في الطلب أو المنع إذا تعلق الأمر بما هو جِبلي وصار من العوائد المستحكمة؛ وهي قاعدة جليلة؛ غير أن تنزيل الشيخ لها على لباس المرأة، ومن خلاله على حكم المصافحة؛ لم يكن دقيقا؛ إذ ورد في الستر- وقد كان من عوائد العرب حتى قبل البعثة، وأشاد بها الأنصاري واستحسنها باعتبارها من دوافع الفطرة- الطلب الملزم كما عبر هو نفسه بقوله:( فأما آية سورة الأحزاب فقد ألزمت المؤمنين جميعا بارتداء الجلباب وإدنائه)[21]
فكيف يرد الطلب المُلزم بآيات صريحة، ومن المرتبة التشريعية الأولى؛ في أمر لم يكن يحتاج إلى الإلزام الصريح في أمر جبلي فطري صار من عوائد الناس وأعرافهم.؟
ولقد أراد الأنصاري رحمه-فيما أحسِب- أن يخلُص إلى أن المصافحة بين الجنسين لم يرد بشأنها الطلب الملزم بالكف لاندراجها ضمن عوائد مرتبطة بالعفة والحياء في العلاقات واللباس وما إلى ذلك؛ وهي مما ترسخ في مجتمع البعثة بدوافع فطرية ابتداء. لكن السؤال هو: لماذا موضوع اللباس والستر- وقد كان من عادات العرب-ورد بشأنه الطلب الملزم؟
وعليه؛ ألم يكن من المناسب أن يتم التنصيص الصريح على حكم المصافحة، بنفس القوة، أو على الأقل بما يدل على حكمها الصريح ولو فيما دون المرتبة التشريعية الأولى التي ورد بها التنصيص على لباس المرأة؟
ثم إن استدلاله رحمه الله بأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته صافحوا الأجنبيات استدلال ضعيف إن لم يكن مطّرحا؛ من جهتين:
الجهة الأولى: هل هذا الجزم انبنى على استقراء تام لأحوال النبي الكريم[22] وصحابته في موضوع المصافحة بين الجنسين؟
الجهة الثانية: إذا سلمنا بعدم ثبوت مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته للنساء؛ فهل هذا التصرف جرى على المعهود من عادات العرب وأعرافهم؛ أم صدر عن النبي وصحابته صدورَ تشريع؟
ورغم هذه الاستدراكات والملاحظات؛ فإن فتواه رحمه الله عن المصافحة تبقى رأيا فقهيا له حظ معتبر من النظر؛ استصحب فيه أمرين:
الأول: عدم ثبوت فعل المصافحة- في تقديره-عن النبي وصحابته الكرام- ومن نباهته أنه تحفظ على كونه دليلا كافيا في المسألة[23] – مع توفر دواعي المصافحة( لم تثبت المصافحة في بيعة النساء للرسول صلى الله عليه وسلم، و لم تثبت مع كثرة المخالطة له عليه السلام وللصحابة مع النساء). ويتأيد رأي الأنصاري في عدم المصافحة في بيعة النساء بقول عائشة أنه عليه السلام كان يقول للمرأة إذا بايعت:( قد بايعتك كلاما ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة. ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك)[24]
الثاني: عدم ورود النهي الصريح الدال على الحرمة.
فانظر كيف بنى رحمه الله على عدم ورود النهي الصريح؛ عدم القطع بالتحريم. وعلى عدم ثبوت مصافحة النبي والصحابة؛ الكراهة الآيلة إلى التحريم مع التكرار والتطبيع مع هذه العادة بما قد يفضي إلى المحذور سدا للذريعة واعتبارا للمآل. وهذا فقه سديد بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه فيه.
ولقد سلك الأنصاري مسلكا قريبا من مسلك الشيخ القرضاوي؛ غير أن الأخير كان أكثر تساهلا في المسألة بتنزيله الحاجة منزلة الاضطرار. فلئن كان الأنصاري قال بأن المصافحة( لا ينبغي أن تكون إلا للضرورة القصوى)؛ فاقتصر على حالة الاضطرار؛ فإن القرضاوي قال:( ينبغي الاقتصار في المصافحة على موضع الحاجة(…) ولا يحسن التوسع في ذلك، سدا للذريعة، وبعدا عن الشبهة، وأخذا بالأحوط، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ الذي لم يثبت عنه أنه صافح امرأة أجنبية قط. وأفضل للمسلم المتدين، والمسلمة المتدينة ألا يبدأ أحدهما بالمصافحة، ولكن إذا صوفح صافح.)[25]
يُتبع
– المرشد إلى الاستنباط الفقهي، ص:1[1]
– المرشد إلى الاستنباط الفقهي، ص:3 [4]
– المرشد إلى الاستنباط الفقهي، ص: 3-4[5]
– المرشد إلى الاستنباط الفقهي، ص: 1-2. [6]
– عنوان مبحثه الثاني من كتابه” سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، ص:62[9]
– ذكر ذلك في كتابه “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”. من ص:45 إلى ص:54 [11]
– سيماء المرأة بين النفس والصورة، ص:63[12]
– سيماء المرأة بين النفس والصورة، ص:65[13]
– آية “الأحزاب” هي قوله تعالى:( ياأيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يُدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يوذين وكان الله غفورا رحيما )، وأيتا “النور” هي قوله جل شأنه:( قل للمومنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمومنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخُمرهن على جيوبهن….. )[14]
– أنظر المبحث الثاني من كتاب “سيماء المرأة بين النفس والصورة”، من ص:62 إلى آخر الكتاب.[15]
– صيغة الإطلاق تحتاج إثباتا. وما سيذكره ليسا كافيا للقطع بنفي الممارسة في زمن النبوة وزمن الصحابة![16]
الفتوى موجودة بصوت الشيخ وصورته على “اليوتوب”؛ مع تصرف يسير فرضه ارتجال الشيخ للجواب؛ وإدخاله بعض العبارات بالدارجة المغربية.
– سورة الأنعام، الآية: 119[19]
– سيماء المرأة بين النفس والصورة، ص:66[21]
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:( إن كانت الأمة من إماء المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب المفرد. وأخرجه أحمد في رواية عن أنس أيضا قال:( إن كانت الوليدة- أي الأمة- من ولائد أهل المدينة لتجيء، فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت)، ورواه ابن ماجة أيضا؛ غير أن هذين الحديثين منهم من ضعفهما، ومنهم من تأولهما. وللإمام ابن حجر كلام طويل ذكره في الفتح، وتعقبه الشيخ القرضاوي موَهنا رأيه المتعسف في التأويل بتجاوز دلالة الظاهر بغير قرائن واضحة دالة. أنظر فتاوى معاصرة للقرضاري ج2،ص: 299.
لذلك قال:( وهذا الذي سأقوله ليس في ظاهره بدليل) ويقصد بالدليل هنا كون المصافحة لم تثبت- ممارسة- لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام؛ فلم يعتبره دليلا صريحا…
رواه البخاري، رقم 4512. وفي رواية: “أنه يبايعهن بالكلام..وما مست كف رسول الله كف امرأة قط: صحيح مسلم تحت رقم 3470.


