البرنامج التكويني في مادة: “قواعد المقاصد” ضمن مشروع: أكاديمية مقاصد. تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط، ومنصة الزووم للمتابعين عن بعد.

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي

الحصة2: الخميس 12 فبراير 2026م. ساعة الانطلاق: 19:00 بتوقيت المغرب. مدة إلقاء العرض: 42دقيقة. مدة التعقيب على الاستفسارات:40 دقيقة.

محاور العرض

– تمهيد

القاعدة الأولى: “وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد””-  

القاعدة الثانية:” الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”               “-

– الأجوبة على الاستفسارات.

تمهيد:

افتتح الأستاذ عرضه بأنه تم التمهيد في الحصة الأولى بمقدمات عامة حول المقاصد ونشأتها والقواعد وتطورها، واليوم نلج إلى صلب التكوين حول قواعد المقاصد، ونبدأ بأمّ القواعد، وأساسها وهي:  القاعدة الأولى: “وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد””

انطلق الدكتور الريسوني إلى التأكيد على أن قاعدة:” وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد ” هي أُمّ القواعد المقاصدية كما ذكر في الكتاب، وباقي القواعد مفصِّلة وشارحة ومبيِّنة، والقاعدة من تقعيد الشاطبي رحمه الله الذي يأتي بالقواعد على رأس المسائل التي يُفرع عليها فصولا، فيورد ما يتفرع عن القاعدة ويُفصلها، وهذه أولى قواعد كتاب المقاصد من الموافقات.

مضمون القاعدة:

هذه القاعدة تحدثت عن الشرائع، وعن وضع الشريعة، والتي بعدها تحدثت عن الشريعة، وعن مبنى الشريعة.  والشرائع منزلة من الله تعالى، وهي لمصالح العباد، ولهدايتهم، وههنا تأتي المقاصد لتجيب عن سؤال: لماذا وُضعت الشرائع للناس؟ وهذا مقصد المقاصد، أي: لماذا التكليف كله، ولماذا إرسال الرسل، وإنزال الكتب؟ ففي كل هذا مصالح للعباد في العاجل والآجِل معا، مصالح الدنيا والآخرة، وهي تُستمد من مجمل الشريعة، ومن تفاصيل أحكامها، وتشمل المصالح المادية والمصالح المعنوية.

فالمصالح المادية معلومة معروفة، وأما المعنوية فكلها تقريبا من الشرائع المنزلة- هذا مصدرها- فالمعنوي ما كان خارج المحسوس، ومن ذلك أعمال القلوب كلها، فهي أعمال (النية- التوحيد- الزهد- الإخلاص…) فأصل هذه الأعمال قلبيٌّ، ثم يُترجم إلى سلوكات وتصرفات.

ومما تدل عليه القاعدة أن الشريعة تعتني بالمصالح البعيدة أكثر من عنايتها بالمصالح القريبة، فالقريبة يعلمها الناس ويدركونها، أما البعيدة فحاجتها إلى الشريعة آكد؛ لأنها تنظر إلى العاجل والآجل، إلى الحال والمآل، إلى هذا الجيل والأجيال اللاحقة، إلى مصلحة الفرد، ومصلحة المجموع؛ وكثير من الناس يغفُل عن المصالح البعيدة. مثال ذلك مدونة الأسرة المغربية، فالمنظور الفسيح لها ينبغي أن يشمل جميع الأطراف (الطفل والمرأة والرجل والمجتمع…) لتتحق المصلحة بشمولها؛ الخاصة والعامة. لكن للأسف التشريعات ذات الطبيعة “الليبرالية” تركز على الفرد….

أدلة القاعد الأولى:

الدليل الإجمالي:

 كل ما في الشريعة يُستدل به على القاعدة، فحتى العبادات، وهي تعبد محض، لكنه محقق لمصالح الناس أفرادا وجماعاتٍ، فالشريعة كلها مصالح.

الدليل التفصيلي:

الأدلة التفصيلة لاتكاد تنحصر، ومثال ذلك:

– نيل المكلف الأمن والأمان، وصرف الحزن والخوف عنه ( فإما ياتينكم مني هدى فمن تَبِع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)البقرة:37، وقوله تعالى: ( فإما ياتينكم مني هدى فمن اتَّبع هداي فلا يضل ولا يشقى) طه:121، وهذا يدل على أن من مقاصد الشريعة تحقيق الأمن والاستقرار، وطمأنينة النفوس.

– في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) الملك: 2 دلالة على أن العمل الصالح والنافع وُجد الناس لأجله.

-( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء:106، فلا يصدر شيء من رسول الله إلا وفيه الرحمة والخير والنفع للعالمين.

-( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) الحديد:24 لقد أُرسل الرسل بالكتب والبينات لإقامة القسط في كل شيء، حتى مع النفس، وليس المقصود فقط قسط المحاكم وعدلها؛ فهذا جزء من القسط (قل امر ربي بالقسط) الأعراف:28، ففي كل التكاليف قسط…

فكل ماجاءت به الشريعة مصالح، ومع ذلك يسميها ابن حزم (القضية الملعونة)، فهو إمام كبير وعقل جبار لكنه سلك منهجا خطأ….

القاعدة الثانية:” الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”

ماذا تضيف هذه القاعدة إلى سابقتها؟

تشير القاعدة الثانية إلى تحصيل المصالح وتكميلها، وهذا تدل عليه القاعدة الأولى ضمنيا، فالمطلوب إذن إيجاد المفقود من المصالح، وتكميل الموجود وتتميمه، فالشريعة جاءت ووجدت مكاسب، وجدت فطرة، وأخلاقا (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وكثيرا ما كان الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله يكرر” الشريعة تقرير وتغيير”، فلما جاء الإسلام وجد أخلاقا وعاداتٍ، وأنكحة، فأقر منها ما أقر وغير منها ما غيّر (تحصيل وتكميل). ومن مستفادات القاعدة أن الخير والصواب الموجود ينبغي إبقاؤه والمحافظة عليه، وما فيهما من نقص يتم تتميمه وتكميله؛ لا أن نهدم كل شيء.

والقاعدة في شقها الثاني تشير إلى أن مبنى الشريعة يقوم أيضا على تعطيل المفاسد وتقليلها، وما لايمكن تعطيله وإزالته من المفاسد يمكن تقليله، وحتى ما يتم تعطيله قد يعود من جديد؛ فالناس كما يبتكرون الفوائد والمصالح؛

يستحدثون الشرور والمفاسد، فالأولى نحصل منها ونتمم، والثانية نعطلها أو نقللها، والسعي لتقليل المفاسد لايعني الرضا بها واستحسانها، فما يقتضيه التدافع هو التقليل، وهو الغالب والكثير، والتعطيل هو النادر والقليل (ولولا دفاع الله الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الارض) البقرة:249.

أجوبة الأستاذ على الاستفسارات:

س: مالمقصود بتكميل المصالح

ج: التكميل بالمعنى العام ما يحتاج تتميما وإضافة، فالشريعة جاءت مكملة لما وجدته من المكارم والفضائل، لكن بالمعنى الخاص عند علماء المقاصد، فالمكمل هو ما يتمم إحدى المصالح الثلاث( الضروريات- الحاجيات- التحسينيات) فكل مرتبة من هذه المراتب مكملة للتي قبلها، ولكل مرتبة منها أيضا مكملاتها، [فضروري الدين مثلا يُحفظ بصلاة الفريضة  التي يكملها من الحاجي شهودها جماعة، والتنفل لها قبلها أو بعدها، وقصرها في حال السفر، فالمصلحة الضرورية يتممها ويكملها ما يجعلها في أحسن أحوالها]، وهكذا مكمل ضروري حفظ النفس  يكون بالمماثلة في القصاص…..

س: ضابط تحديد المصلحة، وهل هي مقدَّمة على النص؟

المصلحة في مفهوم التشريعات الوضعية لا ضابط لها، أما في الشريعة الإسلامية فلها ضوابط طبعا، ومن خصائصها الشمول للعاجل والآجل، للحال والمآل، الخاصة والعامة…والتقدير البشري للمصالح هو رصيد مشترك، والشريعة تستحسن الحسن من تقديرات البشر العقلاء.

أما عن تقديم المصلحة على النص فهو قول شاذ للامام الطوفي رحمه الله، والصواب أن نقول : ضرورة مراعاة المصلحة في تطبيق النصوص وتنزيلها….

س: التداخل بين العلوم هل هو مطلوب؟

ج: نعم مطلوب، وغير الصواب هو عدم التداخل، وهذا لا ينفي خصوصية كل علم على حدة، من حيث مصطلحاته، وقواعده…..

س: الفرق بين القواعد الفقهية والأصولية والمقاصدية

ج: القاعدة الأصولية تتعلق بالأدلة الشرعية/ الشارع وأدلته

القاعدة الفقهية تتعلق بأفعال المكلفين

القاعدة المقاصدية: هي ما ينضبط به علم المقاصد، وهو تشكل جديد انبنى على قواعد الأصول وقواعد الفقه.

س: مالعلاقة بين المقاصد والمصالح؟

ج: لغة ثمة تمايز، لكن الاستعمال يقتضي أن المصالح هي المقاصد، أو [قل إن شئت] إن المقاصد أعم من المصالح، والإمام ابن حزم اختار منهجا ظاهريا، ونقل عن داوود الظاهري إنكار التعليل ونصر رأيه، فالاختلاف مع ابن حزم هو اختلاف مع منهج يأخذ بالظاهر بإطلاق، وهو منهج شاذ عند الجمهور.

س: القواعد المقاصدية هل يدخلها الاستثناء.

ج: تُشاع عبارة: “من القواعد عدم اطراد القواعد”، لكن مسألة الاستثناء في القواعد تمت المبالغة فيها كثيرا، لأنه عند التمحيص والتدقيق؛ نجد أن سبب ادعاء الاستثناء هو الخلط بين القواعد، وكثيرا ما تكون المستثنيات مندرجة تحت قواعد أخرى…

س: عن الإمام الطوفي؟

ما صدر عن الطوفي رحمه الله فيه نقص في البيان، فلعله قصّر في بيان ما يريد ويقصد ففي بعض مؤلفاته كلام غير مقبول، وفيه اضطراب وشذوذ، وفي جزء معتبر من كلامه صواب واعتدال، ولا ندري سبب الاضطراب هل هو من النساخ، أم من الحاسدين المعادين، أم هو في أصل كلامه؟

س: ماذا يُقال عن الآصار والأغلال التي كانت في شرائع الأمم السابقة؟

ج: الآية صريحة في الجواب عن هذا، قال تعالى:( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) النساء:15. والشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، كما هو صريح كلام الشاطبي رحمه الله، وله قاعدة نفيسة في هذا الباب يقول فيها:[” فإذا نظرتَ في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإذا رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر. فطرف التشديد-وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يُؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف- وعامة ما يكون في الترجية والترغيب  والترخيص- يُؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه والمعقل الذي يُلجأ إليه”][1]

وعلى هذا فإن نصوص الشريعة إذا أُخذت عضين، وتم تبعيضها؛ تصورها المُبعِّض على غير حقيقتها، فربما مال إلى ما فيه الاحتراز وسد الذرائع والزهد في حظوظ النفس من الدنيا، ولم يوازن ذلك بما يقابله من الإذن في المباحات والطيبات والأخذ من زينة الحياة الدنيا؛ فتتصور له الحياة في ذهنه وكأنها سجن مظلم يتمنى الفكاك منه، وربما لجأ إلى الكهوف زهدا فيها وفي ملذاتها ظنا منه أن ذلك هو محض العبودية[2]……..

الإعداد القبلي للحصة المقبلة:

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون الصفحات الذي سيكون موضوع الحصة الثالثة (يُطلع على مقدار الصفحات في مجموعة الواتساب: أكاديمية مقاصد”) حتى تتم المتابعة

الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة.  والله الموفق


– ما بين معقوفتين هو من إضافات المُلخِّص لتتميم كلام الشاطبي الذي ذكر الأستاذ المُحاضر طرفا منه. [1]

– تم التصرف في خاتمة كلام الدكتور الريسوني بهذا الاستطراد بيانا للمراد، من خلال ما فهمته مما أوجزه في سياق جوابه حفظه الله [2]

شاركها.

البشير بن محمد القنديلي، من مواليد آسفي 29 مايو 1971. أستاذ التربية الإسلامية، حاصل على دكتوراه بميزة مشرف جدًا عام 2012 حول "الاجتهاد المقاصدي". يشغل مهام رئيس مركز زيد بن ثابت لخدمة القرآن الكريم ويعمل في الوعظ والخطابة. لديه منشورات علمية حول الفقه والاجتهاد المقاصدي.

اترك تعليقاً

Exit mobile version