البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد. تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط.
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط.
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي
الحصة5: الخميس 5مارس 2026م، ساعة الانطلاق:16:15 بتوقيت المغرب. مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات: ساعة ونصف.
بين يدي الملخص: نصوص تطبيقية”وضعيات” مؤطرة:
1- قال العز بن عبد السلام(ت660هـ):
(الكذب مفسدة محرمة، إلا أن يكون فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة، فيجوز تارة، ويجب أخرى(…) والتحقيق في هذه الصور[يقصد أمثلة للكذب الجالب لمصالح، أو الدافع لمفاسد معتبرة عند الشارع] أن الكذب يصير مأذونا فيه، ويُثاب على المصلحة التي تضمنها على قدر رتبة تلك المصلحة من الوجوب في حفظ الأموال والأبضاع والأرواح. ولو صدَق في هذه المواطن لأثِمَ إثم المتسبب إلى تحقيق تلك المفاسد. وتتفاوت رُتب إثم التسبب إلى المفاسد بتفاوت تلك المفاسد)القواعد الكبرى:1/152-153
وقال في سياق آخر:
(قال صلى الله عليه وسلم:” ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، فيقول خيرا، وينمي خيرا”
وأرخص في كذب كل واحد من الزوجين لصاحبه فيما يتعلق بالإصلاح بينهما، ولو حقن الانسان بكذبه دم نبي أو ولي أو مسلم، أو ماله أو حلَف على ذلك، فحلف كاذبا لكان محسنا، ولا بأس بشيء من ذلك، ويجب الكذب فيما فيه عصمة مسلم أو عصمة ماله، لا من جهة كونه كاذبا؛ بل من جهة كونه
عاصما؛ فيترتب أجر العصمة على كونه عاصما، ويزول وزر الكذب؛ لأنه صار وسيلة إلى العاصم، وقد يُثاب عليه إن جعلنا لجميع المقاصد أحكام الوسائل)
وقال الشاطبي(ت790هـ):
(الأوامر والنواهي في التأكيد ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي والتركي، وإنما ذلك بحسب تفاوت المصالح الناشئة عن امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والمفاسد الناشئة عن مخالفة ذلك).
محاور العرض:
– تمهيد:
القاعدة السابعة: “الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسد““-
– القاعدةالثامنة:” الأوامر والنواهي ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي أو التركيِّ”
– الأجوبة على الاستفسارات.
– تمهيد:
يمكن اعتبار الإمامين العز بن عبد السلام والقرافي رائدين من رواد إصلاح علمي كبير، فقد اضطلعا بمشروع إصلاحي استنهاضي بعد جمود خيم على المجال العلمي[1]، وابتكاراتهما في القرن السابع الهجري وجرأتهما وتفاعلهما مع الواقع ينم عن نفَسٍ اصلاحي، ولابد من دراسة سيرة هذين العَلَمين وواقع حياتهما، ومما يحتاج تأملا أن الشيخ” العز” شافعي، والتلميذ” القرافي” مالكي، وحق للمذهبين أن يفتخرا بهذين الرواد، وفي القرن الموالي(الثامن الهجري) ظهر من المنتسبين للمذهب الحنبلي رائدان آخران أحدثا بدورهما اختراقات باجتهاداتهما، وجهادهما العلمي المُقدر.
غير أن الجهود العلمية الإصلاحية، وابتكارات عباقرة المعرفة تخبو ولا يكاد يظهر تأثيرها المباشر إذا لم تكن القابلية عند المجتمع للتفاعل والإفادة؛ ولا أعني ههنا الفقه والتشريع وما يحوم حوله
فقط، بل سائر العلوم. وبالمناسبة كان للقرافي مشاركات في حقول علمية أخرى، والعز كان القرآن مرآته، حتى وصفه الجابري رحمه الله بالقرآني..[2]
القاعدة السابعة: “الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسد“
هذه القاعدة منتزعة من كلام القَرافي(ت684هـ)، ونبدأ بخلفية هذه القاعدة ولعلها مما جعل القرافي يهتم بها؛ وهي مسألة” التحسين والتقبيح”، هل هما شرعيان أم عقليان؟ وهي قضية كلامية معروفة ذات ذيول وتفاصيل.
فلا خلاف أن الشرع حسّنَ وقبّح، لكن الخلاف في هل للعقل قبل ورود الشرع هذه الوظيفة والقدرة؟ وبتعبير آخر شارح هل الحسن والقبح أوصاف ذاتية في الأفعال والتصرفات، أم هي عارضة بعد ورود الشرع؟ وهو خلاف كان مضيعة للجهود والأوقات. مثال ذلك هل الذي جعل الخمر شرا والزكاة خيرا هو العقل بتحسينه وتقبيحه أم حتى ورد الشرع بذلك؟
والقاعدة رد على من يَعتبر الحسن والقبح لا يكونان في الأشياء إلا بورود الشرع بالتحسين أو التقبيح، وينبني على هذا لزوما النظر في: هل المصالح تابعة لأوامر الشرع، أم الأوامر تابعة للمصالح؟
ثمة رأيان:
1- قول جماهير أهل العلم، ومنهم أرباب المذاهب الفقهية الأربعة خاصة، ومؤداه أن المصالح والمفاسد سابقة على الأوامر والنواهي، فالأمور في ذاتها خير أو شر، حسنة أو قبيحة، وأعيد تكرار مثال خلده القرآن في قصة موقف الملائكة من استخلاف بني آدم في الأرض: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ سورة البقرة/30، فقبل خلق آدم هناك ما تعتبره الملائكة – حسب تقديرها – مفاسد وفظائع، ومنها الإفساد في الأرض وسفك الدماء، لا يليق بمن يمارسها أن يُستخلف في الأرض ؛ لكن الله الذي أحاط بكل شيء علما أعلم وأحكم.﴿ قال إني أعلم ما لاتعلمون ﴾، سورة البقرة/30
2- الأمور لم تكن حسنة أو قبيحة في ذاتها حتى ورد الشرع بذلك، وينبني على ذلك أن ما أمر به الشرع مصلحة، لأن الشرع حسّنه، وما نهى عنه مفسدة لأن الشرع قبّحه، وهذا رأي طائفة من الأشاعرة.
3- رأي الظاهرية يختلف عن الرأيين السابقين، فلا علاقة بين المصالح والأوامر، ولا بين النواهي والمفاسد، وعليه فالأوامر لم تأت لإقامة المصالح وجلبها، والنواهي لم تأت لدرء المفاسد، إنما هي لابتلاء العباد واختبارهم؛ فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار، ومن غرائب الأمثلة عند ابن حزم أنه لو جاء الشرع بإباحة الخمر، وعقوق الوالدين فالاستجابة لأمر الله تكون مطلوبة، والمصلحة والتعليل قضايا ملعونة! وقد رد على هذا الاختيار بقوة ولي الله الدهلوي في كتابه “حجة الله البالغة”
نعود إلى قاعدة:” الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسد”.
فأكاد أقول هي من المعلوم من الدين بالضرورة، قال تعالى:﴿ إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ سورة النحل/90ولنا أن نتساءل: هل كان العدل معروفا فأمر الله به، أم حتى أمر الله به؟
هذه أفعال وتصرفات معروفة عند الناس فأمر الله بما فيه مصلحة ونهى عما فيه مفسدة، وقد ورد في ملخص الحصة الرابعة معنى الفحشاء عند الراغب الأصفهاني وهي ما عظم قبحه.
﴿ وأُمرتُ لأعدل بينكم ﴾ سورة الشورى/15فالعدل معروف مألوف﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل ان الله لا يامر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل امر ربي بالقسط﴾سورة الأعراف/28. نتبين من الآيات أن الأمر تابع للقسط ومصالحه، والنهي تابع للفحشاء ومفاسدها.
فالاستقراء[3] يدل على هذه القاعدة كما ذكر القرافي بغض النظر عن الأدلة التفصيلية.
– في العبادات
العبادات كلها مصالح وفوائد ومنافع، وفوائدها النفسية هي الأعلى والأنفَس؛ أنظر مثلا إلى الفوائد الصحية وهي حاضرة بقوة فيها، وحتى رخصها روعي فيها حال المكلف وقدرته ومصلحته، فالصلاة مثلا ومقدماتها تُعَدّل وفق ما يراعي حال المكلف ويخدم مصلحته؛ يصوم أو يفطر، يحج أو يؤجل حجه يصلي قائما أو قاعدا حسب حاله كما أشار القرافي في أمثلة كثيرة، وقد بدأت بالعبادات لأنه قد يظهر ببادئ الرأي أنها تكاليف وأوامر وجب امتثالها لمجرد الابتلاء لا لما تنطوي عليه من المصالح كما عند الظاهرية
– في الأخلاق:
الأخلاق تشغل حيزا معتبرا في القرآن الكريم، فالقرآن كله خلق( كان خلقه القرآن) وهذا فيه تنبيه على أن ما فيه قائم على أساس خلقي، وللشيخ عبد الله دراز رحمه الله كتاب” دستور الأخلاق في القرآن” وهو رسالته للدكتوراه بجامعة السوربون بفرنسا، وكان سيتناول السنة أيضا لكن تبين له ان الموضوع واسع الأرجاء مترامي الأطراف فاقتصر على القرآن.
والأخلاق كلها مصالح، ويمكن القول إن مصلحية الشريعة أكثر ما تتجلى في مجال الأخلاق، وتحضرني موسوعة الشيخ عبد الرحمن بن ملوح” نضرة النعيم” فقد استقصى وتتبع إلى حد بعيد تجليات الأخلاق في القرآن الكريم، ويكفي تصفح فهرسة الكتاب للوقوف حجم حضور الأخلاق في القرآن الكريم، والكتاب متاح على الشبكة. ولابن حزم كتاب “الأخلاق والسير”.
خلاصة: نخلص في ختام هذه القاعدة إلى القول بأن الشريعة جاءت على وفق الرشاد، فأمرت بجلب المصالح ودرء المفاسد، وأحكامها معللة بذلك كما أكد القرافي وغيره. وقد قيل الخمر إذا
تخللت حلّت، والخل إذا تخمّر حرُم، والعصير إذا صار خمرا حرُم، وهذا من البداهة بمكان، ومبني على دوران الأحكام مع العلل والمصالح والمفاسد، وساق المحاضر بداية كلام للعز بن عبد السلام هذا نصه:( ولو تتبعنا مقاصد الكتاب والسنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دِقِّهِ وجِلّه، وزجر عن كل شر، دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشرَّ يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح، وقد قال تعالى:﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾[4] ، وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض، وإنما الإشكال إذا لم نفهم خير الخيرين وشر الشرين(…) أو جهلنا المصلحة والمفسدة)[5].
وعلى هذا فالشر معروف مألوف، والخير أيضا معروف مألوف.
– القاعدةالثامنة:” الأوامر والنواهي ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي أو التركيِّ”
هذه القاعدة التقطها الشاطبي ممن سبقه، وكثيرا ما يُعبر بالوِزان” الأوامر والنواهي ليست على وِزان واحد، والمفاسد ليست على وِزان واحد” وهي مرتبطة بالقاعدة السابعة قبلها المفيدة لتبعية الأمر للمصلحة، وتبعية النهي للمفسدة. أما قاعدتنا الثامنة فتفيد أن حجم ومقدار المصلحة والمفسدة يترتب عنه حجم ومقدار الأمر والنهي، وإن كانت الدلالة الظاهرة تفيد أمرا واحدا لمطلوبات عدة، ونهيا واحدا لمطلوبات عدة؛ فعند التمحيص والتحقيق يتبين عدم تساوي مقدار الأمر وعدم تساوي مقدار النهي، رغم أن الصيغة التشريعية يظهر منها ببادئ النظر أمرا واحدا أو نهيا واحدا؛ لكن في الحقيقة الشرع يبني الأحكام على المصالح والمفاسد، وهي متفاوتة نسبة ومقدارا ورتبة، فلزم تفاوت مقدار الأمر والنهي وعدم تساويهما.
والأمثلة على ذلك لا تكاد تنحصر؛ ففي قوله تعالى:﴿ إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾سورة النحل/90، فإذا تعارض العدل والإحسان نقدم العدل لأنه تفضل، فهما غير متساويين في درجة الأمر رغم تساويهما في صيغة الأمر[6]، وإيتاء
ذي القربى هل هو متساوٍ في الطلب؟ بالتأكيد ثمة تفاوت رغم صيغة الأمر الواحدة، فمن ترك احتياجات والديه ليس كمن ترك احتياجات باقي أقاربه، مع أن صيغة الأمر بإيتاء ذي القربى واحدة، وحتى بين الأبويين ثمة تفاوت:لما سئل عليه الصلاة والسلام عن أحق الناس بحسن الصحبة؛ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أبوك.
فالشرع يضع الأمور في مراتب متعددة، هناك الفرائض والنوافل، وفي الحديث القدسي:( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..)، فالفرائض أولا لأنها محبوبة إلى الله والنوافل بعد الفرائض، فالشرع لا يجعل أحكامه على وِزان واحدن ومرتبة واحدة، ومعنى ذلك ارتباط الأوامر والنواهي بحجم ومقدار المصالح والمفاسد، ففي النواهي مثلا ثمة الحرام والمكروه، والكبائر وأكبر الكبائر، والصغائر، وما هو أصغر وهو اللَّممُ.
وما يهمنا هو أن هذا التصنيف ومعاييره ينبني على تقدير المصلحة والمفسدة ومقدارهما وفرة أو قلة، فالمصالح والمفاسد هي صُوى ومحددات الأوامر والنواهي.
– وجهان للتفاوت:
1- التفاوت قائم بين أمر وأمر، فليست المطلوبات على وزان واحد رغم أن صيغة الأمر واحدة، فالبعض أهم من بعض، وأولى من بعض، وقائم أيضا بين نهي ونهي رغم أن صيغة النهي واحدة[7]
2- الأمر الواحد أو النهي الواحد تختلف حالاتهما، فيعظم طلب الفعل أن النهي عنه، أو يخف بحسب درجة المصلحة أو الضرر، مثال ذلك: العدل مطلوب ومأمور به بصيغة طلب واحدة ﴿ إن الله يامر بالعدل﴾ لكن العدل درجات، وتتفاوت درجاته وحالاته بحسب ما يعظُم المصالح التي يجلبها و ما يعظم المفاسد التي يدرؤها؛ فالعدل بين الأبناء، والزوجات، والطلبة بحسب الاستحقاق؛ مطلوب، لكنه ليس كعدل حاكم في أمة؛ فمصالح النوع الأول من العدل تختلف عن مصالح النوع الثاني من حيثُ الدرجة والأثر[8] ، ولذلك كان الإمام العادل من السبعة الذين يُظلهم
الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فالإمام العادل تصدَّرَ السبعة، ونال هذه المزية المعتبرة بالنظر إلى مقدار المصالح المجلوبة والمفاسد المدفوعة التي تتحقق بسبب عدله.[9] فهناك إذن العدل الصغير
والكبير والأكبر، والظلم القليل والخطير والأخطر. وسبب التفاوت هو مقدار ونسبة ما يترتب من المصالح والمفاسد، من الخيور والشرور…
مثال آخر وهو الشهادة، فهي مطلوبة بنص القرآن الكريم﴿ وأقيموا الشهادة لله﴾سورة الطلاق/2﴿ ولا ياب الشهداء اذا ما دُعُوا ﴾ سورة البقرة/282﴿ ولا تكتموا الشهادة﴾ سورة البقرة/283، فالأمر بالشهادة جاء بصيغة أمرٍ والنهي عن كتمانها والنهي جاء بصيغة نهيٍ واحدة، لكن الشهادات ليست متساوية ولا على وِزان واحد؛ إنما بحسب مقدار المصلحة والمفسدة المترتبة عن إقامتها أو كتمانها.
مثال الصدق والكذب، فالصدق مأمور به والكذب منهي عنه في الجملة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقا، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا كما في الحديث المعروف، لكن عظم ثواب الصدق، وعظم إثم الكذب هو بحسب مقدار ما يترتب من المصالح والمفاسد، كما يدل عليه نص ابن عبد السلام ضمن وضعيات الانطلاق المؤطرة.
فهل يسوغ الصدق مع مجرم قاتل يترصد بريئا يريد قتله، أو نهب ماله؟! [10]، فالعبرة إذن هي بدرجات المصالح والمفاسد المعتبرة شرعا، لا بموازين الأهواء.
– الأجوبة على الاستفسارات
س1: غالبا ما يقوم النزاع بين الورثة من باب عدم توزيع الحقوق المستحقة لمصلحة فرد دون المجموع ،كأن تكون أرضا او مسكنا او محلات يستغلها احد الورثة دون غيرهم، فكيف يمكن توطين المصلحة هنا أوالمفسدة بهذا الاعتبار
ج: السؤال يكتنفه غموض ومقصوده واضح، المواريث ضبطت قسمتها، والإحسان فيها مطلوب، هناك العدل وهناك الإحسان، حتى لمن لم يكن وارثا ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين
فارزقوهم منه ﴾سورة النساء/8، الحرص على الاحسان للورثة ولغيرهم، وإن كان المستفيد هي الأم أو الأب فوجب الترفق بهما، هناك الحكم القضائي، وهناك الواجب الدياني المتعلق بالبر، وأنه لا يجوز تعريض الأم للشارع لأجل قسمة الإرث دون إيجاد بديل مناسب لها …
س2: هل يجوز وضع مال الزكاة في جوائز مسابقة لحفظ وتجويد القرآن الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ج: الزكاة لها أصنافها ولا ينبغي التوسع في ذلك، فالمساجد والمسابقات والقناطر والمصانع لها أموال أخرى غير أموال الزكاة.
س4: يتعلق بقاعدة [الأوامر تابعة للمصالح والنواهي تابعة للمفاسد] لقد ذكرتم فضيلتكم أن الإمام شهاب الدين القرافي هو أكثر من اعتنى بتقرير وبيان قاعدة: [الأوامر تابعة للمصالح والنواهي تابعة للمفاسد]، غير أن هذا الإطلاق.
تعقبه الإمام ابن الشاط مبينا أن: [هذا الموضع محل نظر، فإن كان يريد بالتبعية حصول هذه بعد هذه، وإن أراد بذلك أن الأوامر وردت لتُحصل عند امتثالها المصالح وأن النواهي وردت لترتفع عند امتثالها المفاسد فصحيح]. ويبدو أن ما لوح إليه ابن الشاط يلتقي من وجه ما مع ما قرره الإمام الشاطبي في القاعدة الثانية، إذ قال: [الأوامر والنواهي في التأكيد ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي والتركي، وإنما ذلك بحسب تفاوت المصالح الناشئة عن امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والمفاسد الناشئة عن مخالفة ذلك]. فهل يصح أن يقال إن مقصود ابن الشاط من تعقبه إنما هو التحرز من إطلاق قد يفهم منه تقدم وصف الصلاح والفساد على الخطاب الشرعي، بما قد يفضي إلى الخلاف الكلامي في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ولا سيما على مذهب الأشاعرة القائلين بأن الحسن والقبح إنما يعلم بالشرع، ومن ثم يكون كلامه في الجملة متقارب المعنى مع تقرير الشاطبي الذي يربط مراتب الأوامر والنواهي بتفاوت المصالح والمفاسد من حيث اعتبار الشارع لها؟
ج: متضمن في المحاضرة الخامسة، فقد أشار الأستاذ حفظه الله أن ابن عبدالسلام والقرافي أشعريان وخالفا الأشاعرة في المسألة؛ وقالا بأن المصالح والمفاسد مقدمة في الاعتبار، فتأتي الأوامر لتحصيل المصالح والنواهي لدرء المفاسد.
س5: أوردتم نصا هاما للعز بن عبد السلام حول القاعدة الثامنة وفيها بيان تحول الحكم التكليفي إلى غيره باعتبار المصالح والمفاسد، حيث أعطى أمثلة لتحول حكم الكذب من التحريم إلى حصول الأجر فيه، وقد عززتموه بنص آخر عبر الواتساب. لكنه قال عن الصدق : ” ….والصدق الذي لا يضر ولا ينفع مباح، فإن أضر كان فيه إثم ذلك الإضرار سمة على اختلاف مراتبه فمن دل ظالما على مال معصوم أو يضع أو نفس، أو غير ل ذلك من الحقوق، فلا إثم عليه من جهة كونه صادقا، وعليه إثم الدلالة على ذلك الإضرار، والصدق النافع لا أجر فيه لكونه صدقا، وفيه الأجر من جهة ما تضمنه من المصالح على اختلاف رتبه..”، وقد سهل علي إيراد أمثلة لتحول الصدق من الحرمة إلى الإباحة وحصول الأجر ( إصلاح ذات البين، دفع ضرر كافر كقصة إبراهيم) لكن بالنسبة للصدق فإن الله تعالى مدح أهله في نصوص كثيرة فأقل درجاته الندب ، لكن قد يوجد ما يدعو لتركه عصمة لدم مؤمن أو غيره.
وورد سؤال قريب منه جاء فيه: جاء في تطبيقات القاعدة الثامنة في مقولة العز بن عبد السلام : والصدق النافع لا أجر فيه، لكونه صدقا. السؤال : أليس الصادق مأجورا حتى وإن لم يترتب على صدقه مصلحة؟. وجزاكم الله خيرا”
ج: هذا ملحظ دقيق وفكرت فيه طويلا…ثم فكرت كيف يكون الصدق غير نافع ولا ضار في آن واحد فلم أجده، فلو وجد فهو فعلا على الإباحة، وكلام ابن عبد السلام نظري يُحمل على أصل المباح في تعريفه، والصدق والكذب مسألة وظيفية، والمهم في كلام العز أن الصدق قد يعتريه النهي باعتبار المفسدة المترتبة.
س6: حول المعاملات الجديدة ومنها التأمين والرهن ورد السؤال : ” قلتم شيخنا العزيز: “لا نقيم الحدود بالشبهات”.وهناك من يعتبر ( الرهينة ) في كراء المساكن تشبه الربا وليست بربا. فهل نعتبر ( الرهينة ) مصلحة لصاحب المسكن و للمكتري أيضا”.
ج: “نعم أي معاملة يُقبل عليها الناس برضاهم واختيارهم، بلا إكراه ولا اضطرار، وليس في الشرع تحريم صريح لها، فهي جائزة للطرفين، وأصحابها أحرص ما يكونون على مصلحتهم” والأخت رجاء تسأل وتقول: ” يبقى تحديد المقصود بالضبط مِن : “برضاهم واختيارهم، بلا إكراه ولا اضطرار”.
ج: التحقق من عدم وجود الإكراه للأفراد على قبول عقود غير مرضية ولا عادلة,,
س7: شيخنا الفاضل هل هناك تاثير لعلم الكلام في علم المقاصد؟
ج: التأثير ضعيف، ما في علم المقاصد رد على النظريات الكلامية، مثل ما في مسألة التحسين والتقبيح العقليين..أصول الفقه نعم تأثرَ.
الأسئلة الباقية:
س1: عندي استفسار عما ذكرتم في الوجه الثاني من مراتب الأوامر والنواهي فقد قلتم: “هو أن الأمر الواحد، والنهي الواحد، تختلف درجته بحسب الحالات المعينة منه، وبحسب الاختلاف في درجة المأمور به ومصالحه، والمنهي عنه ومفاسده”، هل معنى ما ذكرتم في هذا الوجه هو قولكم في قاعدة “أحكام الشريعة لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة” فلا يبقى اعتراض على أمر شرعي حتى لو تضمن في طيه ضررا ما. ولا اعتراض على أي نهي شرعي ولو كان في المنهي عنه نفع ما. فالأمر الشرعي إذا تضمن ضررا مرجوحا، فهو محصل للمنفعة الراجحة. والنهي الشرعي إذا فوت مصلحة مرجوحة فهو يعطل المفسدة الراجحة.؟
س2: هناك أمور لم تكن مفسدة حتى جاء الإسلام، فمثلا الزواج بالمحارم لم يكن مفسدة حتى حرمه الإسلام…
س3: ماذا لو تعلق الأمر بمصاريف مركز إسلامي أو مسجد ببلاد الغرب، ولم تكف التبرعات هل يمكن الأخذ من مال الزكاة؟
س4:عندما نقول الاوامر تتبع المصالح، فهل نقصد بذلك ان المصالح لها صيغة مطلقة ثابتة أم أنها تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال؟ إذا كانت مطلقة ثابتة كيف تفسر تغير الاوامر بتغير الشرائع؟ وإذا كان العكس فإن ذلك سيكون مدعاة للمناداة بتغيير أحكام شرعية كثيرة منها …الإرث والقوامة….لتغير أحوال الناس..
س5: ما معايير التفاضل بين الاوامر؟ مثلا حديث سبق درهم الف درهم، لا شك أن مصلحة ألف درهم أرقى…
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قاعدتي الحصة6 ليومه الخميس 12 مارس 2026م، الساعة 16:20 بتوقيت المغرب.
القاعدة9:” كليات المصالح لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات”
القاعدة10: ” حفظ المصالح يكون من جانب الوجود ومن جانب العدم”
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله الموفق.
– يُنظر للتوسع في الوظيفة الإصلاحية للعلم ما ذكره الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله في أطروحته الفريدة: “المصطلح الأصولي عند الشاطبي”، فقد عقد فصلا ضمن القسم الأول عنوانه:” إصلاحية التجديد المصطلحي عند الشاطبي”من ص:101 إلى ص:139 [1]
– الناظر في “قواعد الأحكام” للعز بن عبد السلام يلحظ قوة استمداده رحمه الله من الأصليْن، فتجده دائم الأوبة إليهما في سياق تقرير قواعد المصالح والمفاسد، وهو فقيههما بحق، وهوصنيع ينم عن حس منهجي عجيب لِما يكتنف تلك القواعد، ولما يظهر في ثناياها ببادئ الرأي للهواة من غير المحترفين الخبراء؛ الريانين من علم الشريعة-على حد تعبير الشاطبي- من الغرابة والجِدّة “[2]
[3]– الاستقراء من أقوى الأدلة، وأرقى طرق الاستدلال، ولأهميته البالغة في الدرس المقاصدي أورد معناه بهذا التفصيل؛ فهو يفيد عند الشاطبي القطع، وإن كانت الجزئيات المستقرأة في ذاتها ظنية، ويعني عنده: (تصفح جزئيات (…) المعنى ليثبت من جهتها حكم عام) وهو (أمر مسَلَّم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حُكم به مطلقا في كل فرد يُقدّر)الموافقات3/144 ، والمقصود هنا “الاستقراء المعنوي” الذي (لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه الأدلة) الموافقات:2/51؛ لأن الأدلة إذا تكاثرت (على الناظر عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع) الموافقات:1/37 ، وإذا أفاد الاستقراء القطع فإنه لا ينال من قطعيته تخلف بعض الجزئيات النادرة؛ لأن (الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي [و] لأن المختلفات الجزئية لا ينتظم منها كلّيٌّ يعارض هذا الكلي الثابت) الموافقات:2/53.
ولعل هذه الأهمية البالغة للاستقراء هي التي جعلت الدكتور المحاضر يستغرب عدم ذكر الشاطبي له ضمن الطرق التي تُعرف بها مقاصد الشريعة، يقول في كتابه” نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي”: (كلام الشاطبي مليء بذكر الاستقراء استشهادا به، أو إحالة عليه، أو تنويها بقيمته وأهميته؛ وقد أحصيتُ من ذلك حوالي مائة مرة في أجزاء الموافقات الأربعة، فكيف لم يجعلْه جهة مستقلة واضحة، فيما يُعرف به قصد الشارع؟ !(…) ومهما يكن الأمر فإن الذي يمكن الجزم به باطمئنان، هو أن الاستقراء – عند الشاطبي- هو أهم وأقوى طريق لمعرفة وإثبات مقاصد الشريعة)نظرية المقاصد،ص:283.
وعن أهمية الاستقراء وقيمته العلمية، يقول الشيخ عبد الله دراز في سياق إشادته بمنهج الشاطبي الاستدلالي، واصفا إياه بأنه: (يتتبع الظنيات – في الدلالة أو المتن، أو فيهما – والوجوه العقلية كذلك، ويضم قوة منها إلى قوة، ولا يزال يستقري حتى يصل إلى ما يُعد قاطعا في الموضوع (…) فهذه خاصية هذا الكتاب في استدلالاته، وهي طريقة ناجحة أدت إلى وصوله إلى المقصود، اللهم في النادر، رحمه الله رحمة واسعة)الموافقات:4/323، ولمزيد من الاطلاع والتوسع يحسن الرجوع إلى الدراسة المستفيضة التي أعدها الدكتور” نعمان جغيم” ضمن رسالته الجامعية” طرق الكشف عن مقاصد الشارع”، فقد خصص بابها الثاني ل” استخلاص المقاصد من طريق الاستقراء”، وبحث هذا المنهج الاستدلالي بحثا موسعا، من ص: 217 إلى ص: 367، وخصص الفصل الثالث بمباحثه الأربعة للاستقراء عند الشاطبي، من ص: 261 إلى ص: 291 .
– القواعد الكبرى الموسوم ب:قواعد الأحكام في مصالح الأنام،2/315، تحقيق: الدكتور نزيه كمال حماد والدكتور عثمان بن جمعة ضميرية .ط:دار القلم، دمشق. ص1: 1421هـ-2000م[5]
– نقل القرطبي عن ابن عطية كلاما ينسجم مع سياق التفاوت في مقدار الأمر والنهي رغم أن الصيغة واحدة قال فيه:( قال ابن عطية: العدل هو كل مفروض، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو فعل كل مندوب إليه؛ فمن الأشياء ماهو كله مندوب إليه، ومنها ماهو فرض، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان)، الجامع لأحكام القرءان،10/122-123 [6]
– ومن المعروف في قواعد الأصول أن الأمر قد يُصرف عن دلالة الوجوب إلى غيره، والنهي قد يُصرف عن دلالة التحريم إلى غيرها لقرائن معتبرة[7]
– يقال نفس الشيء عن الظلم ودرجاته، فهناك ظلم دون ظلم، والكل منهي عنه بنفس صيغة النهي، لكن ظلم حاكم في بلد، ليس كظلم أب لأبنائه بعدم التسوية بينهم في العطاء والرعاية، بسبب تفاوت المفاسد المترتبة عن الظلم الأول مقارنة مع مقدار المفاسد المترتبة عن النوع الثاني من أنواع الظلم، ويقاس عليها نظائرها.[8]
– وبنفس الميزان ينحدر في الدركات الإمام الجائر بسبب مقدار المفاسد التي تشيع بسبب الجوْر….[9]
– وقياسا عليه هل الكذب في التقارير والإحصائيات والميزانيات، والانتخابات…. التي تُبنى عليها سياسات عمومية، وتدابير تطول شرائح واسعة وسوادا عظيما من الناس، ككذب الأفراد فيما بينهم، فالكل مذموم، لكن الدرجة تختلف بحسب عظم المفاسد المترتبة[10]


