البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط.

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط.

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي

الحصة4: الخميس 26فبراير 2026م/8رمضان:1447هـ ساعة الانطلاق:16:00 بتوقيت المغرب. مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات:1ساعة ونصف.

بين يدي الملخص: نص تطبيقي من الموافقات(1/516): إضاءة شاطبية مؤطرة:

 “وَضْعُ الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها، وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم وأحوالهم وتنعماتهم، على وجه لا يفضي إلى مفسدة، ولا يحصل بها المكلف على مشقة، ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا أخذه على الوجه المحدود له”

محاور العرض:

– تمهيد:

القاعدة الخامسة: “المصالح المعتبرة شرعا هي ما يقيم الحياة الدنيا للحياة الآخرة، لا اتباع أهواء النفوس”“-  

– القاعدة السادسة:” الشرع لا يرِدُ بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها”              

– الأجوبة على الاستفسارات.

– تمهيد:

القواعد المقاصدية  التي نحن بصدد مدارستها تندرج ضمن محور”المصالح والمفاسد” ضبطا لمعناها، حتى نتبين مدلولها بالاعتبار الشرعي أولا، أما التعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد، أو بين المصالح فيما بينها والمفاسد فيما بينها فهو محور سيأتي لاحقا وهو من أهم محاور مقاصد الشريعة.

 – القاعدة الخامسة: “المصالح المعتبرة شرعا هي ما يقيم الحياة الدنيا للحياة الآخرة، لا اتباع أهواء النفوس”

هذه القاعدة تشير إلى المصالح المعتبرة شرعا، ويفهم منها وجود نوعين من المصالح: المعتبر وغير المعتبر.

ومعناها ينسجم مع معنى القاعدة الأولى: “الشريعة إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا” فمصالح الدنيا بالاعتبار الشرعي إنما ننظر إليها باستصحاب المآل الأخروي، نقيم المصالح الدنيوية ونحن ناظرين إلى الآخرة باعتبارها ثمرة وحصادا، وقد ذكر الشاطبي أن استقامة أمور الدنيا والنجاح فيها وصلاحها مؤشر على المآل الأخروي المحمود، وبالمقابل من كانت حاله في الدنيا فاسدة، فهذا مؤشر على فساد العاقبة في الآخرة، فهذا مما تنضبط به المصلحة والمفسدة بالمفهوم الشرعي.

إن هذه القاعدة موجهة لمن لا يؤمنون بالآخرة، وينكرونها اعتقادا، و الذين ينكرونها عمليا؛ فهما فئتان: فئة التكذيب الاعتقادي، وفئة التكذيب العملي الصامت، فهؤلاء لا أثر للاعتبار الأخروي  في تصرفاتهم، فهم ماضون في حياتهم، باحثون عن حظوظهم، بلا ضوابط ولا حدود شرعية..وأدلة هذه القاعدة مُستقرأة مما لا يكاد ينحصر من النصوص الدالة على أن الدنيا هي مزرعة وجسر للآخرة، فهي في الاعتبار الأعلى؛ وعموم المسلمين يؤمنون بالعبور من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية، وهي ابتلاء لأجل حصيلة الآخرة. فهذا المضمون الأساس للقاعدة  فيه تنبيه للغافلين واللامبالين بالآخرة، ومن الأدعية الجامعة” ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”، والنص المؤطر للشاطبي يؤكد عناية الشارع بالدنيا والآخرة، لأن إقامة المصالح الدنيوية بالاعتبار الشرعي غير منفصلة عن الآخرة.

والشاطبي استفاد هذا المعنى ممن سبقه؛ من الجويني(ت478هـ) وتلميذه الغزالي(ت505هـ) أولا، ومن العز بن عبد السلام(ت660هـ) وتلميذه القرافي(ت684هـ)، يقول الغزالي في الإحياء:( وأحكام الخلافة والقضاء والسياسات، بل أكثر أحكام الفقه، مقصودها حفظ مصالح الدنيا، ليتم بها مصالح الدين). ولقد توحدت أنظار العلماء على هذا المعنى لأن مصالح الدنيا -بالاعتبار الشرعي- إنما هي مُرادة لنيل مصالح الآخرة أيضا، فإذا لبّت الجانب الدنيوي وحده فهي مصالح بهيمية؛ وقد كان أستاذنا المهدي بن عبود رحمه الله يسمي الحضارة المادية المغيِّبة للبعد الأخروي” حضارة الإسطبل”؛ لأنها تلهث وراء الشهوات الدنيوية بصرف النظر عن مآلات الآخرة، والحال أن اعتبار مصالح الدنيا لأجل

 الآخرة هو ما يضبط الحياة ويرشد مسارها؛ لأنها تصير مصالح تمتد إلى القيم والدين، وهذا مضمون رسالة المرسلين عليهم السلام، وهي رسالة تحضر، ورشاد، وارتقاء بالمصالح من مستواها البهيمي إلى أفقها الإنساني، وتحضرني في هذا السياق قولة نفيسة للقاضي أبي بكر بن العربي الاشبيلي دفين فاس (ت543هـ) من كتابه “عارضة الأحوذي”؛ يقول فيها:

 “الْحَلاَلُ ما أُذِنَ في تَعَاطِيه، والْحَرَامُ ما مُنِعَ منه. وإن الباري سبحانه بِبَدِيعِ حِكْمَتِهِ لَمَّا خَلَقَ لنا ما في الأرض جميعًا – كما أَخْبَرَنَا – قَسَّمَ الحال فيه:

 فمنه ما أَبَاحَهُ على الإطلاق، ومنه ما أَبَاحَهُ في حال دون حال، ومنه ما أَبَاحَهُ على وَجْهٍ دون وَجْهٍ.

فأما أن يَكُونَ في الأرض ممنوع لا تَتَطَرَّقُ إليه إباحة في حال، ولا على وَجْهٍ، فلا أَعلَمُه الآنَ؛ … وكُلُّ شيء تَتَعَاوَرُهُ الأحكام بِالْحَلاَلِ والْحَرَامِ إلا التوحيد، فإنه لا تَدْخُلُهُ إحَالَةٌ، ولا يَنْزِلُ عن دَرَجَةِ الْفَرْضِيَّةِ ومَنْزِلَةِ الوجوب والْحَتْمِ في حَالَةٍ، فَتَبَارَكَ الصَّمَدُ الْوَاحِدُ”.

فهذا النص يشير إلى أحوال المنافع، وضوابط نيلها، وأنها مسخرة للمكلفين للانتفاع بها، ونيل حظوظهم منها بالاعتبار الشرعي؛ فتكون حينئذ مصالح دنيوية لأجل الآخرة؛ فالقاعدة إذن لا تمنع الملذات عن المكلفين إنما تضبط وتُرشّد نيلهم لها.

وعلى هذا الأساس يكون نيل المصالح وطلبها ملبيا لحاجات الإنسان الدنيوية، وحظوظه الآنية، مع تشوف لأجر الآخرة وثوابها؛ ويدخل ههنا قصد الصلاح والنفع العام، وإقامة الحضارة والعمران، فإذا استُصحبت هذه الغايات في طريق نيل الحظوظ الخاصة يكون المكلف مأجورا؛ قال تعالى:﴿ قل ان صلاتي ونسكي ومحيايْ ومماتيَ لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين ﴾(الأنعام:162)، وعليه يكون حريا بالمسلم أن يشكر المُنعم سبحانه على النعم التي لاتُعد ولا تُحصى ﴿وإن تعُدّوا نعمة الله لا تُحصوها﴾(النحل:18)﴿واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون﴾(النحل:114).فالنعم إنما وُجدت للاستمتاع بها عبر الطريق المشروعة مع شُكر المُنعِم سبحانه. وفي الدعاء المعروف( اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر) وإذا تيسر للعبد شكر كل نعمة على حدتها كان ذلك أتم وأكمل..فهذه العبادات القلبية مما يجعل مصالح الدنيا تُقام ويُنتفع بها لأجل الآخرة.

القاعدة السادسة:” الشرع لا يرِدُ بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها”

القاعدة التي قبلها لكبح جماح “الإباحيين” المبيحين لكل المصالح بغض النظر عن المعتبر منها والملغى؛ وهذه القاعدة السادسة في سلسلة قواعد المدارسة  هي لكبح غلو هواة التحريم، الذين يتصورون كثرة التحريم والمنع دليلا على متانة التدين، ومن الأقوال المأثورة” التشديد يحسنه كل أحد، وإنما الفقه: الرخصة من ثقة”؛ فمن الفقهاء من يُفسد الفقه بالمبالغة في الاحتياط بلا ضوابط، وهذا شر وخطير وجسيم، ومما ينبغي تهيُّبُه والاحتياط له؛ لأن التسرع والزلل في [التوقيع

عن رب العالمين بالتحريم] يمنع حقوقا ومكاسب ومصالح، إذا صدر في غير محله، وبلا ضوابطه وأدلته المعتبرة فيكون مُهلكا. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ودلالتها ملفتة للنظر والتأمل لما فيها من تعداد، وحصر، وتنصيص[1]  

قال تعالى: ﴿قل تعالوا اتل ماحرم ربكم عليكم﴾(الأنعام:151) وقال سبحانه: ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ماضطررتم إليه (الأنعام:119)فما حُرم مفصل ومتلوٌّ حتى لا يأتينكم أحد بقائمة تحريمية جديدة، فالحرام معدود محدود، والحلال لا ينحصر ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾(الأعراف:32)  ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾(طه:81) ﴿ياأيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا﴾( البقرة:168)﴿قل انما حرم ربيَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تُشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾(الأعراف:33). فالتحريم- بناء على هذه الآيات- يحتاج إلى برهان ودليل. وقاعدتنا مستعملة عند العلماء المتزنين، ومتداولة عند ابن قدامة المقدسي(ت620هـ)[2].

وقفة للبيان والتوضيح على صيغة “الفنقلة”( فإن قيل):

الله حرم الفواحش؛ والفواحش والفاحشة والفحشاء هي ما عظُم قبحه كما قال الراغب الأصفهاني في المفردات، فهي اسم جامع يندرج تحته ما عظُم ضرره ومفسدته، وإن ندرت وقلَّت منفعته، فالاندراج لابد أن ينضبط لهذا الميزان والتقدير، وفي هذا تنبيه لمن فهم التنصيص على المحرم وحصره بمعنى المحرم بالجزء فقط، فالمراد بأن المحرم مفصل ومتلوُّ يدخل فيه التحريم الجزئي والتحريم الكلي( بالجزء وبالكل)[3] وهذا فيصل بين الفهم الظاهري والفهم المقاصدي المنضبط الناظر بتبصر إلى معيار المصالح والمفاسد المعتبرة ومقاديرها.

تنبيه!

الفواحش الباطنة قد لا ينتبه لها الناس ومنها أعمال القلوب كالكبر والحسد والبغض والرياء…والظاهر من الفواحش هو ما يُلتفت إليه لظهوره والله حرم ظاهر الفواحش وباطنها.

نعود إلى مسألة التحريم لنؤكد على ألا بد عليه من دليل، وإلا فهو من القول على الله بغير علم، ومن القول على الله مالم ينزل به سلطانا، فما أكثر من يحرم بالشبهات. فإذا كانت القاعدة المنصوصة تقول:” ادرءوا الحدود

بالشبهات” فقياسا عليه أقول لهواة التحريم” ادرءوا التحريم بالشبهات” ولا توقعوه بالشبهات. وفي باب القضاء المعاصر تسمعون:( المشتبه به) و(المعتقل على ذمة التحقيق)، وقد تقع تجاوزات قبل التحقيق؛ لأن الشبهة قرينة وتحتاج تحقيقا، فالتحريم ينبغي درؤه بالشبهات لا المسارعة إليه بالشبهة والصور الظاهرة.

مثال:

مثال ذلك الربا حرم هو بأوصافه، ولم يُحرم ما يشبهه، فإذا لم يدقق المجتهد في الوصف والمناط قد يحرم بالشبهة، وهذا غلط في المنهج. وما أكثر المعاملات المتجددة وهي أضعاف المعاملات المنصوصة، أو المذكورة في الفقه، والمتسرعون يدخلون الجديد- وأحيانا بتكلف ظاهر- في الأشكال والصور القديمة؛ والحال أن الجديد ينبغي فحصه بوظيفته، وحقيقته، وجوهره، ومآله؛ بمنظار المصلحة والمفسدة فيه، وحجم الفساد والضرر فيه؛ فكيف تتم المسارعة إلى التحريم إذا لم يكن فيه مفسدة وضرر محقق؟. وتحضرني هنا مسألة “التأمين” الذي دافع عنه محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي(1291-1376هـ)؛ ومسألة “دارتْ”[4]، فهذه معاملات جديدة؛ فليس من قواعد الفقه والأصول والاستنباط أن الجديد والقادم من الخارج حرام، فلابد من فرك المسائل وفحصها وتقليب النظر فيها قبل القطع بالحكم؛ لأن النحريم قد يكون بالدليل الجزئي وقد يكون بالدليل الكلي، والمهم ألا يكون بالشبهات؛ إنما ينبغي درؤه بالشبهات؛ حتى يرد النص أو الضرر… وبالله التوفيق.

– الأجوبة على الاستفسارات:

س1: التأمين التجاري والتأمين التكافلي هل تقولون بإباحته؟

ج: التحريم يجب أن يكون صريحا وواضحا، فرق بين أن تقول الأفضل والأحسن وبين أن تحرم، ومن قبيل هذه المستجدات التصرف في أملاك الأوقاف، والتصرف في أموال اليتامى بما يُصلحها وينفعهم، وهذا المثال ذكره ابن قدامة، وكثير من الفقهاء يمنع التصرف بناء على الاحتمالات والظنون…وبعضهم يُجيز نظرا منهم للمصلحة الفضلى لليتامى، ولعدم وجود الضرر.

بخصوص التأمين فالتحريم إما أن يكون بنص جزئي أو دليل كلي، النص الجزئي غير موجود، والكلي فالعبرة بما فيه من النفع أو الضرر، فأين الضرر فيه؟ والتحريم البات لا يكون إلا بدليل صريح.

س2: حول القاعدة الخامسة: هل المصالح الدنيوية معتبرة لذاتها إذا لم تخالف الشرع ولو لم تُقصد الآخرة؟

ج: الله جلت قدرته سخر لنا الخيرات والنعم لنستمتع بها كما قال الشاطبي وابن العربي، وما يحرم منها إنما يحرم لعارض يعرض لها، أما عن قصد الآخرة مع نيل المنافع ففي حديث:( وفي بُضع أحدكم صدقة) دلالة واضحة على أن تحري الحلال باعتباره حلالا، واحتساب الأجر بنيله والتعفف عن الحرام ففيه الأجر والثواب، ومن استمتع بالإباحة بلا نية، ولا قصد الاحتساب فلا أجر له ولا وزر عليه، فالإباحة إنما تستلزم الأجر والثواب بحسب قصد ونية الاحتساب.

س3: الاختلاط في التعليم

ج: سياق نص الشاطبي المؤطر فيه إشارة إلى التعليم، والمطلوب في الشرع هو المصلحة الراجحة، العبرة بالمصلحة أو المفسدة المتوقعة وبحجمها ونسبتها، سواء كانت ضرورية أم حاجية أم تحسينية، نعم، قد يرد الاعتراض على المصالح التحسينية بحسب مقدار الضرر فيها، فالاستجمام تحسيني، وعوارضه يُنظر فيها إذا كانت طفيفة أو كثيرة….

س4: أوليست بعض الأمور رغم أن ضررها مرجوح إلا أن الشريعة تحرمها باعتبارات منها انها قد يكون لها بديل آخر. من ذلك مثلا الربا القليل جدا محرم بحديث رسول الله عن درهم ربا. اذن هل هذه القاعدة لها ضوابط ام لا؟ وهل القاعدة ترتبط أيضا بهل كل يسير معفو عنه؟

ج: اليسير المعفو عنه هو ما كان يعسر الاحتياط له ودرؤه، وفي الاحتراز منه حرج ومشقة ففي المعاملات مثلا تدقيق الكيل والوزن بالتمام والكمال فحصول الحرج في هذا جالب للتيسير، والعفو عن اليسر الذي يُغتفر، لكن إذا كان التطفيف متعمدا وفاحشا فهذا لا يخضع لمدلول القاعدة. أما مسألة تحريم قليل الخمر ففضلا عن كونها منصوصة، فإن النظر فيها باعتبار المآل، صحيح أن الشريعة حرمت الإسكار، لكن النظر إلى المآل يجعلنا نقول بأن شارب الكثير بدأ بالقليل، وشارب القليل سيتجرأ على الكثير، وقريب من هذا يُقال في الخلوة والنظر؛ اعتبارا للمآلات وبحسب التداعيات والعواقب….

س5: إلى أي حد يمكن اعتبار قاعدة “الشرع لا يرِد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها” مدخلا لنقاش الاحتفال بذكرى المولد النبوي لان الفاصل هو الربط بموضوع هل الاحتفال عبادة أم لا؟ أما مدخل المصالح  في العبادات فهو يتعلق باستخراج ما قصده الشارع من مصالح لا ما يراه المكلف… وجزء منه اوقع المبتدعة فيما لا يحمد….،

ج: الاحتفال بالمولد هذا أيضا مثال فالمدار على ما يصحبه، فإذا لم يصاحب الاحتفال مفاسد؛ تنطبق عليه القاعدة ويكون عملا نافعا لا مضرة فيه، على أنه لا يُعد عبادة وإلا دخل إلى دائرة الابتداع في الدين، فإذا بقي في دائرة العوائد وخلا من المعاصي والبدع، فالشرع لا يمنع مالا مفسدة فيه.

س6: التشابه بين القواعد لا إشكال فيه؟

ج: التداخل طبيعي ولا مفر منه ، وهو من تداخل المقاصد، وخاصة في باب المصالح باعتبار المقاصد مصالح.

س7: ما الفرق بين التحريم بالشبهات، والأمر باتقاء الشبهات كما في حديث” الحلال بيّن والحرام بيّن”

ج: الاتقاء والاجتناب والتنزه والورع الشخصي مطلوب، وهو غير تحريم المفتي والمجتهد، فالقضايا المشتبهة تحال على ذمة التحقيق وهذا شأن العالِم فقد يظهر ويستبين ما كان غامضا ملتبسا…فاجتناب الشبهات في التدين الشخصي شيء، والتحريم من المفتي بالشُّبه شيء آخر…

س8: الفرق بين القصد الأصلي والقصد التبعي؟

ج: نمثل لذلك بطلب العلم ، فمقصد العلم العمل لطالبه وللناس، هذا الأصلي، والمقاصد التبعية كثيرة منها الوظيفة والمنصب والمكانة الاعتبارية….والعلاقة بينهما ستأتي في حينها.

س8: هل يصح تخريج القاعدتين المذكورتين على الخلاف الأصولي في أصل الأشياء: أهو الإباحة أم التوقف أو التحريم؟ أم أن هذا التخريج غير منضبط لاختلاف محل النزاع، إذ إن القول بالإباحة يجري غالبا في باب العادات والمعاملات، بينما يجعل المنع أصلا في باب العبادات؟

ج: قاعدتنا تتوافق مع قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وإن شئنا التدقيق قلنا:” الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم، وقد يعْرِض التحريم حتى لما هو مصلحة ومنفعة في أصله[5].

س9: هل يمكن اعتبار المذهب الظاهري في غير ظاهريته ردا على تشدد بعض الفقهاء وإسرافهم في التحريم، وقد استدل ابن حزم بالآية التي ذكرتم “وقد فصل لكم ما حرم عليكم”. قال ابن حزم:” ما حرم علينا مفصل باسمه وما عداه فهو مباح” أو كما قال.

ج: ثمة التحريم الجزئي والتحريم الكلي، فمثلا الظلم كم من صوره التي تندرج ضمن حكم التحريم: طرد العمال، التوظيف بغير استحقاق…فالظلم والفساد والفواحش محرمات بالكل فضلا عما يندرج تحتها من المحرم بالجزء…فاشتراط وجود النص الظاهر لكل تحريم هو مشكل منهجي عند ابن حزم رحمه الله وإلا فالتحريم بالكل يندرج تحته مالا ينحصر من الصور….

س10: حكم شراء البيوت عن طريق الأبناك التشاركية؟

ج: العبرة بصيغة المعاملة، ولعل السؤال هو عن المرابحة؛ فالخلاف فيها معروف، والمعمول به في الفقه المعاصر الجواز.

س11: تعقيب من الأستاذ بولوز بخصوص حكم التأمين قال فيه: التأمين إن لم  يكن تابعا لمؤسسة عامة يرجع ربحها على الأمة ففيه مقامرة واضحة، تُجمع أقساط هائلة من المواطنين ويُنظر في الكوارث المحتملة، فإذا وقع منها القليل في عام معين فتبقى أرباح هائلة لشركات التأمين، وبالعكس إذا عظمت تلك الكوارث تُفلس شركات التأمين، وقلما تحدث الصورة الأخيرة، هذا فضلا عما فيه من الإجبار وما يترتب عليه من الإذعان؟

ج: أول مرة أسمع عن مضار التأمين، وإذا وُجدت ينبغي رصدها وجردها لبناء الحكم عليها، فما من مصلحة إلا تكتنفها مفاسد والعبرة بحجم الضرر الذي تم رصده.

تعقيب2:من الأستاذ بولوز: هذا الى استاذنا أحمد الريسوني حفظه الله بخصوص التامين:

أولًا: تمهيد

التأمين بصورته المعاصرة – كما نشأ في الغرب وانتشر في البلاد الإسلامية – هو عقد يلتزم فيه المؤمِّن بدفع مبلغٍ عند تحقق خطرٍ معيّن مقابل أقساطٍ دورية يدفعها المستأمِن. وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكمه، فذهب فريق إلى جواز بعض صوره، وذهب آخرون إلى تحريم التأمين التجاري (الربحي)، مع التفريق بينه وبين التأمين التعاوني (التكافلي).

وفيما يلي عرض لأبرز مفاسد التأمين عند القائلين بتحريمه، مع ذكر أدلتهم ومصادرهم.

ثانيًا: أبرز المفاسد عند القائلين بالتحريم

1) اشتماله على الغرر الفاحش

يعدّ الغرر (الجهالة المفضية إلى النزاع) من أهم أسباب تحريم التأمين عندهم؛ لأن المستأمِن يدفع أقساطًا لا يعلم هل سيستفيد منها أم لا.

لا يعلم مقدار ما سيأخذه إن وقع الخطر.

الشركة لا تعلم مقدار ما ستدفعه ولا عدد الحوادث.

ويستدلون بحديث:

«نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر» رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه.

2) اشتماله على الميسر (القمار)

يقولون إن التأمين معاوضةٌ ماليةٌ دائرةٌ بين الغنم والغرم:

قد يدفع المستأمن أقساطًا كثيرة ولا يأخذ شيئًا.وقد يدفع قسطًا واحدًا ثم يأخذ مبلغًا كبيرًا، وهذا شبيه بالمقامرة، فيندرج تحت قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ… رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (المائدة: 90).

3) اشتماله على الربا

ويقررون وجود الربا في التأمين من جهتين:

إذا دفعت الشركة مبلغًا أكبر من مجموع الأقساط فهو ربا فضل.

إذا كان الدفع مؤجَّلًا مقابل أقساط حالّة فهو ربا نسيئة.

ويظهر هذا أكثر في التأمين على الحياة حيث يرتبط أحيانًا بالاستثمار الربوي.

4) أكل المال بالباطل

استدلوا بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: 29).

قالوا: لأن الشركة قد تأخذ أقساطًا كثيرة بلا مقابل حقيقي، أو تدفع أضعاف ما أخذت بلا معيار معاوضةٍ منضبط شرعًا.

5) ما يترتب عليه من مفاسد اجتماعية وأخلاقية

منها عند بعضهم:ضعف روح التكافل الحقيقي- الاتكال على الشركات بدل التعاون المجتمعي- فتح باب التحايل والغش في الحوادث.

وقد أشار إلى بعض هذه المعاني:

يوسف القرضاوي (مع أنه ميّز بين التجاري والتعاوني)

المراجع:

يوسف القرضاوي، فقه الزكاة وبيع المرابحة.

ثالثًا: قرارات المجامع الفقهية

من أهم ما استند إليه القائلون بالتحريم:

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم 9/2)

تحريم التأمين التجاري بجميع صوره.

جواز التأمين التعاوني (التكافلي).

قرار هيئة كبار العلماء

تحريم التأمين التجاري لما فيه من الغرر والربا والميسر.

الدعوة إلى إنشاء شركات تأمين تعاوني.

رابعًا: التفريق بين التأمين التجاري والتعاوني

القائلون بالتحريم يفرّقون بين:

التأمين التجاري: قائم على المعاوضة الربحية محرم.

التأمين التعاوني (التكافلي): قائم على التبرع والتكافل جائز.

ومن أبرز من توسع في هذا التفريق:

علي السالوس، فقه البيوع- محمد أبو زهرة، بحوثه في المعاملات المالية.

خاتمة

أهم مفاسد التأمين عند المانعين تدور حول:

الغرر الفاحش- الميسر- الربا- أكل المال بالباطل- آثار اجتماعية سلبية.

وهي علل اعتمدتها قرارات عدد من الهيئات العلمية المعاصرة، مع إجازة البديل التكافلي.

الإعداد القبلي للحصة المقبلة:

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قاعدتي الحصة الخامسة:

القاعدة7: الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسد

القاعدة8: الأوامر والنواهي ليست على رتبة واحدة في الطلب الفعلي أو التركي

حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة.  والله الموفق


-[1] ليس يعني هذا أن كل المحرمات يشترط لها التنصيص، فهذا منزع ظاهري سينبه الأستاذ على غلطه في سياق بيان القاعدة، وفي سياق الأجوبة أيضا، لأن تعدية الأحكام بناء على الأقيسة المعتبرة والمناطات المخرجة والمحققة هو من مسالك الاستنباط ومناهج الاستدلال المرعية عند جماهير أهل العلم والتحقيق؛ بناء على التقصيد المنضبط بقواعده بما يسمح باندراج غير المنصوص في دائرة المنصوص بجامع التقدير المتبصر لجانبي المصالح والمفاسد: المنافع والمضارّ.وهذا من مباحث الاجتهاد الصعبة المورد البعيدة الغور؛ لكنها محمودة الغِبّ على حد تعبير الشاطبي الإمام في سياق تأملاته وتدقيقاته في أصل اعتبار المآل… [1]

– قال عنه ابن تيمية رحمه الله:( ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق) يقصد: موفق الدين بن قدامة، وقال أبو بكر محمد بن معالي بن غنيمة البغدادي:( ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق(من مقدمة التحقيق لكتاب نزهة الخاطر العاطر لابن قدامة:1/ص:1)[2]

– للشاطبي رحمه الله نظر ثاقب في مسألة الجزء والكل من أقسام الحكم الشرعي التكليفي يُرجع إليها في الموافقات..[3]

– هي معاملة تعرف في المغرب باسم” دارت” واسم”القُرعة” وصورتها أن يتفق نفر من الناس على أن يضع كل واحد منهم رهن إشارة المجموعة قدرا من المال يُتفق عليه شهريا، وفي نهاية كل شهر يأخذ أحد أفراد المجموعة المبلغ الإجمالي الحاصل من مجموع ما دفعه الأفراد؛ إما بالاقتراع أو التوافق حسب حاجة الأفراد، وهي نوع من الإقراض المتبادل.  “[4]

– يمكن التمثيل لذلك بالبيع وقت النداء للجمعة، فالبيع في أصله جائز، لكن عرض له عارض التزامن مع وقت النداء فآل إلى المنع..[5]

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version