البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع: أكاديمية مقاصد. تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي

الحصة21: الخميس16 يوليوز 2026م، ساعة الانطلاق:19:00 بتوقيت المغرب(غرينيتش+1). مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات: ساعة ونصف.

ترقيم قواعد الحصص بحسب ما في الكتاب المقرر للمدارسة- قواعد المقاصد- للأستاذ المحاضر.

الباب السادس: قواعد الوسائل

محاور الحصة21

– تمهيد:

القاعدة 48:مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل  القاعدة49: الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها

القاعدة 50:كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة؛ كانت أفضل

– الأسئلة وأجوبتها:

– نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق

  1- قال الإمام المقّري المالكي(ت758هـ):” مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبدا”، القواعد/209 2- قال العز بن عبد السلام الشافعي:” لا شك بأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد؛ فمن فاتته الجمعات والجماعات أو الغزوات؛ سقط عنه السعي إليها؛ لأنه استفاد الوجوب من وجوبهن، وكذلك تسقط عنه وسائل المندوبات بسقوطهن؛ لأنها استفادت الندب منهن”، قواعد الأحكام في مصالح الأنام،2/61 – وقال الشاطبي المالكي:” لو سقطت الوسائل بحيث لو تُوُصّل إلى المقاصد دونها لم يُتَوسل بها”الموافقات،2/212 3- قال ابن عبد السلام:” كلما قويَت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها”، قواعد الأحكام،1/107
القاعدة 48:مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل : القاعدة49: الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها

– تمهيد:

القاعدة 50:كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة؛ كانت أفضل

– الأسئلة وأجوبتها:

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم، عليه أتوكل وبه أستعين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

 أما بعد؛ بهذه الحصة سنختتم الباب السادس المتعلق بالوسائل. وبعد الإجازة الصيفية نستأنف مع الباب السابع بقواعد مقاصد المكلفين. وقواعد الوسائل أرساها في البحث والتقعيد كما أسلفنا سابقا: الإمامان: العز بن عبد السلام والقرافي رحمهما الله. ولا ننسى الجويني، فهو سباق في إشارة إلى الوسائل باستعمال مصطلحي الوسائط والوصائل -بالصاد- أي التي يتوصل بها إلى الشيء. وهو صاحب لغة قوية جدا، وألفاظ واصطلاحات مهمة أيضا.

ثلاث قواعد للوسائل، وثلاثة علماء:

قواعد اليوم هي بعض قواعد الوسائل وليس كلها، بما ظهر لي أنها أهم؛ للتمييز بين المقاصد والوسائل من جهة؛ ومراتب الوسائل من جهة ثانية؛ وقواعدنا الثلاث اليوم هي مع علماء ثلاثة:

 أولا القرافي وكتابه في هذا المجال هو كتاب الفروق. وهو في نظر كثيرين أهم كتاب في القواعد الفقهية والتقعيد الفقهي. والضوابط الفقهية والقواعد الأصولية وهو كتاب رائد ومتقدم. وكلامه مبثوث أيضا في موسوعته الفقهية الذخيرة. وفي مقدمة كتابه الفروق كلام نفيس.

 العلّامة الثاني: هو ابن الشاط السبتي. ولد وعاش ومات في سبته. وأكثر ما اشتهر به هو شرحه على فروق القرافي؛ ففي شرحه دقق في أقوال القرافي، وتعقّبه واستدرك عليه؛ ولذلك قيل: “عليك بفروق القرافي ولا تقبل منها إلا ما أقره ابن الشاط”.

 العلّامة الثالث[1] هو الإمام المقّري صاحب كتاب القواعد. والقرافي تناول خمسمائة قاعدة، ومائتين وخمسين فرقا. والإمام المقري هو التلمساني الفاسي أخذ عنه الإمام الشاطبي. جمع في كتابه ألفاً ومائتي قاعدة(1200). ويعتبر كتابه من أوسع وأجود ما ألف في القواعد الفقهية.

الإمام المقري هو من اعتمدت صيغته للقاعدة. وهي قاعدة: “مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل”. هذه صيغة الإمام المقري رحمه الله. وهذا التفريق بين المقاصد والوسائل ينبني عليه فقه سديد كثير. وعدم التمييز تنبني عليه مشاكل كثيرة. حين نميز بين الأحكام الشرعية وأدلتها ومراتبهما؛ وبتعبير القرافي: “موارد الأحكام مقاصد ووسائل”: إنما لنعطي الأولوية للمقاصد؛ وفي أثرها تأتي الوسائل. والتراتبية لا نحتاجها فقط عند التعارض، بل نحتاجها حتى عند عدم التعارض. فما هو من المقاصد ينبغي أن يحظى بالأولوية والعناية الفائقة.

القاعدة الأولى: مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل

 حينما نضع أمامنا هذه القاعدة: “مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل”، ونتعنت ونخلط؛ قد نضيعهما معا؛ نضيع الوسائل والمقاصد معا. ولا يفوتني التأكيد على أن الوسائل لا تعني دائما وسائل التنفيذ، بل منها ما تكون وسائل مقصودة لذاتها، وفي نفس الوقت وسائل لغيرها. لذلك ذكرت اصطلاحات الجويني لنتفادى سوء الفهم للوسائل.

تعقُّب ابن الشاط للقرافي:

صيغة القرافي للقاعدة:” الوسائل أخفض رتبة من المقاصد” تحفظ عليها ابن الشاط السبتي ولم يُسلمها للقرافي، وتعقبه في معناها. وأنا أقول: كلام القرافي سليم وسديد. وتعقب ابن الشاط للقرافي فيه تشدد ومبالغة. وابن الشاط رحمه الله كان فلكيا وعالم رياضيات، ولعله لهذا السبب كان يبالغ في التدقيق؛ والقرافي أيضا كان رياضيا وفلكيا.

المقاصد أولاً، والوسائل تبع لها

العلماء عندما يفاضلون إنما يفاضلون لاعتبارات. وهو معروف في مضمون كلام القرافي، ولذلك اعتبرتُ تعقب ابن الشاط فيه مبالغة.

 إذا أخذنا مثلا: العقوبة على الزنا ليست هي العقوبة على وسائل الزنا والطرق المفضية إليه. كذلك الخمر: من يشرب ليس كمن يشتري وليس كمن يصب، وليس كمن يعصر في الاثم، وفي العقوبة. فما هو مقصود أصلي ليس كما هو مقصود قصد ذريعة؛ هذا معروف. ولا أدري كيف تشدد ابن الشاط في طلب البيان لكلام القرافي وهو واضح. القرافي دائما يكرر أن نزول رتبة الوسيلة عن رتبة المقصد محل إجماع، ونصوصه كثيرة في هذا الباب والنصوص الشرعية دالة على هذا المعنى. فالواجبات والأركان ليست كمقدماتها في المرتبة.

 دأْب صاحب الشرع-بتعبير القرافي- أنه يشدد في الطلب على المقاصد الأصلية أكثر مما يشدد في وسائلها ومقدماتها. والأدلة والأمثلة على مراعاة المقاصد أولا، كثيرةٌ.

أمثلة للخلل في التمييز بين الوسائل والمقاصد

1-تحصيل العلوم:

– من المآخذ على بعض العلماء والمفسرين: إفراغ جهدهم في الوسائل، وإغفال المقاصد. ولذلك أغرقوا في التاريخ واللغة والتأويلات الباطنية. وهنا أذكر ما ذكره سيد قطب رحمه الله في كتابيه:” مشاهد القيامة في القرآن”، و”التصوير الفني في القرآن” أنه لما كان يقرأ في التفسير يحس وكأن الآية تضيع من بين يديه؛ لأن التفاصيل تُغيب مقاصد الآيات ومعانيها المقصودة، وهذا من المبالغة في العناية بالوسائل على حساب المقاصد، ومما قاله ابن العربي المعافري:” وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه وعلِقت القلوب اليوم بالحروف وضيعوا الحدود”[2].

ولذلك قيل: الاشتغال بغير المقصود هو إعراض عن المقصود. الاشتغال بالمقصود هو الأصل والمهم، بعد ذلك تأتي مُلح العلم كما قال الشاطبي.

2- الصلاة:

في باب الصلاة مثلا هناك فتاوى للإمام مالك رحمه الله عن الوضوء باعتباره وسيلة للصلاة، ومما ذكرته في الكتاب:” جاء في مدونة المذهب المالكي، وسألنا مالكا عمن كان في القبائل مثل المعافر أو أطراف الفسطاط فخشي إن ذهب يتوضأ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يبلغ الماء. قال: وسألنا مالكا عن المسافر يأتي البئر في آخر الوقت فهو يخشى إن نزل ينزع بالرشا ويتوضأ يذهب وقت تلك الصلاة. قال فليتيمم وليصل. قلت لابن القاسم: أفيعيد الصلاة بعد ذلك في قول مالك إذا توضأ؟ قال: لا”[3]

3- حفظ المال، هل هو من المقاصد أم من الوسائل؟ ونحن نعرف أن حفظ المال من الضروريات الخمس الكبرى، ولكنهم مجمعون على أنه ليس إلا وسيلة لها من الأهمية البالغة ما جعل له منزلة في مراتب المقاصد الضرورية، ولكنه في حقيقته إنما هو وسيلة. ولذلك لا ينبغي تعظيمه. وفي الحديث: “تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم”[4]. فإذا بلغ التعلق الشديد بالمال، وتمكن من قلب المرء؛ فقد يبخل به حتى على نفسه. فإخراج المال من القلب أمر ضروري، لأنه إنما وجد لينفَق لأنه ليس مقصودا لذاته، وإن كان حفظه من الضروريات.

القاعدة الثانية: الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها:

صاحب هذه القاعدة هو الإمام العز بن عبد السلام، رائد هذا المبحث. وهو صاحب هذه الصيغة، ومن عباراتهم: “إذا سقط المقصود سقطت وسيلته”. وهي قاعدة منطقية. فما سقط من المطلوبات الشرعية؛ تسقط الوسيلة إليه. وذكرنا مرارا فتوى علماء المغرب في القرن السابع بسقوط الحج عن المغاربة لانعدام الأمن. وطال النقاش عن لفظ السقوط، وسقوط المقصد قد يكون برخصة شرعية لعذر؛ ويمكن تهذيب اللفظ بلا إشكال… فمن الأمثلة:

 – الحج: تم وقفه زمن الوباء؛ فتسقط إجراءاته الإدارية، وترتيباته؛ فمن أعد مالا للحج وضاع منه، أو منع بسبب الوباء، سقط عنه الوجوب حتى تتهيأ وسائله.

– الحرب وقتال الأعداء: إذا توقف لأسباب كهدنة ونحوها؛ تتوقف وسائله، والنفير إليه( وكفى الله المومنين القتال)[الأحزاب:25]مع بقاء الإعداد تحقيقا لمقصد حفظ الثغور، وتحذيرا الظالمين المعتدين(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)[الأنفال:60].

– ولادة المولود مختونا:

ذكر الأستاذ المحاضر كلام ابن القيم مختصرا؛ ولفائدته سأورده بنصه نقلا عن مؤلَّف المحاضر. قال ابن القيم رحمه الله عن أحكام ختان المولود: “الفصل الثاني عشر في المسقطات لوجوبه وهي أمور:

أحدها أن يولد الرجل ولا قُلفة له، فهذا مستغن عن الختان إذ لم يخلق له ما يجب ختانه. وهذا متفق عليه.

لكن قال بعض المتأخرين يستحب إمرار الموسى على موضع الختان لأنه ما يقدر عليه من المأمور به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. وقد كان الواجب أمرين: مباشرة الحديدة والقطع. فإذا سقط القطع فلا أقل من استحباب مباشرة الحديدة.

والصواب أن هذا مكروه لا يتقرب إلى الله به، ولا يتعبد بمثله وتنزه عنه الشريعة. فإنه عبث لا فائدة فيه.

وإمرار الموسى غير مقصود بل هو وسيلة إلى فعل مقصود. فإذا سقط المقصود لم يبق للوسيلة معنى.”[5]

وتأييدا لكلام ابن القيم قال المحاضر بأن سوء فهم قاعدة: “الميسور لا يسقط بالمعسور” هو سبب التشبث بالوسيلة وشكلها ورمزها، ونفس المثال ينطبق على الحاج الأصلع الذي قال بعضهم بإمرار الموسى على موضع شعره عندما يحلق الحجاج، وهذا لا يليق.

القاعدة الثالثة: كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كانت أفضل:

 وهي أيضا من قواعد العز بن عبد السلام، ومسلمة عند العلماء حتى قبل ابن عبد السلام.

الوسائل المحضة قيمتها في الشرع بقدر فاعليتها وجدواها؛ ونحن نعلم أن الوسائل تتطور غالبا نحو الأحسن والأجدى نفعا، ولا يهم على يد من جاء تطويرها، أما المقاصد فثابتة لا تخضع للتطور المطرد؛ ومن يرفض الوسائل الحديثة ويُدخلها دائرة التبديع فهو الغباء بعينه.

مرة سمعتُ من الفاعل في العمل الخيري والإنساني” عبد الرحمن الصميت” يشتكي تقاعس المحسنين وتلكأهم في تمويل المشاريع التي لا تشير إليها النصوص الشرعية بدلالة مباشرة، فعند بناء المساجد، وحفر الآبار مثلا، تكثر المبادرات، وعند بناء مراكز الإيواء، أو مؤسسات التعليم… لا يكون نفس الحماس؛ وهذا فيه سوء تقدير.

– وسائل التعليم:

وسائل التعليم اليوم، بما في ذلك تدريس العلوم الشرعية، تتطور وتؤدي الدور بفاعلية ونجاعة أكبر؛ ولابن القيم رحمه الله كلام نفيس حول ثواب الوسيلة النافعة.

– الإشهاد

من الوسائل الحديثة في الاشهاد التوثيق. فمعظم الوسائل الحديثة أكثر نجاعة من الوسائل القديمة، فلا ينبغي التردد في استعمالها.

الأسئلة وأجوبتها:

س1: المسير: في انتظار ورود أسئلة أدلي بسؤال يتعلق بالإشهاد والتوثيق، فالكتابة هي زيادة في الاحتياط حسب الإمام ابن عطية. هذه الوسيلة وهي الاشهاد، الآن صار التوثيق أقوى في الإثبات، الاشهاد على الزواج مثلا دون توثيق وكذلك الطلاق، الان الطلاق صار منظما بقواعده المعمول بها في القانون؟

 ج:  في معظم البلاد ومنها المغرب صار توثيق الزواج لازما، وهو محقق للمقاصد بدرجة اكبر، ومتماش مع المشاكل التي تحصل؛ ليس في هذا الاجراء أي تعارض مع شروط صحة عقد الزواج، انما هو تنظيم، هو إشهاد أكثر ضمانا واحقاقا للحقوق فهو تدبير لولي الامر فالعمل عليه، وحتى يكون السؤال اكثر تعلقا بموضوعنا فالإشهاد من وسائل استقرار المعاملات عموما، في حديث الزواج بغير ولي مثلا: فنكاحها باطل، باطل، باطل؛ لكن بعد الدخول نجد عند المالكية التخفيف، لان الشروط والكيفيات هي تخدم المقصد الشرعي في تثبيت العقود؛ وحتى الطلاق كلما كان الامر منظما، وأكثر توثيقا ، كان محققا للمقصود.

 س2: هل يمكن الحديث عن الوسائل بالإطلاق الخاص وبالإطلاق العام، بحيث بالإطلاق العام يدخل فيها كل الأحكام، بما فيها ما شرعت تشريع مقاصد، ما دامت محققة لمرضاة الله الذي يعد المقصد الأعلى؟

 ج:  المقصود في سياقنا أن للوسائل حكم المقاصد.

س3: نظافة الفم تكون بالسواك أي بعود الاراك هل يحصل الثواب باستعمال الوسائل الأخرى؟

 ج: ما قرره العلماء ابن عبد السلام وابن تيمية وابن القيم، ومما ذكره ابن القيم في خصوص وسائل التنظيف ذكرتُه في الكتاب[6].

إذا كان العود هو الأحسن في التنظيف فالمصير اليه، وإذا وجد ما هو أفضل منه وأكثر منه فاعلية نصير الى الافضل والاحب الى الله تعالى. والوسيلة القوية- كما المؤمن القوي- أحب إلى الله تعالى.

 وهذا من الفوائد الكبرى لهذا الموضوع؛ أعني تبصيرنا بالمرونة في الوسائل، والنظر الى ما يحقق المقاصد الثابتة المحددة المستفادة من المنصوص؛ أما الوسائل نُص عليها أو لم ينص عليها، فالعبرة بما تحققه من غايات ومصالح.

س4: العبادات شُرعت لتزكية النفوس، وهذا قد يحصل بوسائل أخرى؟

 ج: ربما أكثر ما ركزت عليه هو من يجمدون على الوسائل. وهناك الصورة المقابلة وهي من يعطلون الوسائل والمقاصد معا. هناك من يعتبرون الحدود-من العقوبات الجنائية في الإسلام- وسائل. وكثير من الاتجاهات أرادت أن تستدرك على الشرع بالدخول من باب الوسائل لإلغاء المشروعات. فنقول: العبادات فيها التفكر. والله شرع أحكاما بعينها وبكيفياتها المحددة. هي مقصودة في حد ذاتها. الركوع والسجود والكيفية لا نسلم انها وسائل محضة. فاذا كان للوسائل مقاصد متعددة تبقى الوسيلة قائمة. مثال ذلك من تعذر عليه الانجاب من المرأة أو الرجل، هل نعطل الزواج؟ وذكرت هذا في كتاب: “التمييز البناء”. فالزواج له مقاصد متعددة واحد منها هو الانجاب والذرية. فاذا تخلف وجود الانجاب هل معنى ذلك ان باقي مقاصد الزواج فقدت كلها؟ لا. فاذا سقطت بعض مقاصده او وسائله وبقيت اخرى فانه يصار اليه لتحقيق ما تيسر من مقاصده. كذلك العقوبات في التشريع الاسلامي فيها العدالة والنجاعة. العدالة من الله، وثابتة بالواقع. ومن قال بان السجن يحقق العدالة؟  الآن ضجرت الدولة من السجون؛ وما يصطلح عليه بالعقوبات البديلة هي كارثة عظمى. فكثير من المتنفذين يتعمد المخالفة ثم يؤدي غرامتها بأريحية وتهور، ثم يمضي. هل هذا يحقق مقاصد العقوبات؟ وهذا شبيه بما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد . وإذا سرق فيهم الشريف تركوه[7]. وشبيه بما ذكرناه عن فتوى يحيى ابن يحيى الليثي مرارا[8]. هناك مقامات في الرأفة والرحمة ضبطها الشرع. فالعقوبات والجهاد مقامهما الصرامة والشدة، بما يحقق العدالة والنجاعة. الفكر الحديث والنمط الغربي يستهجن العقوبات الشرعية لأنهم اشربوا الثقافة الغربية.

المسير: باقي الأسئلة نُرجئها إلى الحصة القادمة بعد الاجازة الصيفية. والحصة المقبلة ستستأنف بإذن الله يوم الثالث من شتنبر بإذن الله. والحمد لله رب العالمين.

الإعداد القبلي للحصة المقبلة:

الباب السابع: قواعد مقاصد المكلفين

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة االثانية والعشرين(22) ليومه الخميس :03 شتنبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب             (غرينيتش+1) ق : 51-52، بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:333 إلى ص:345.

   القاعدة51: الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات    القاعدة52: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع  

حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.


ولا ننسى رابعهم، وهو شيخ القرافي وأستاذه: الإمام عز الذين بن عبد السلام السلمي؛ مُقعّد القاعدة الثانية[1]

أكد المحاضر في كتابه” قواعد المقاصد”على أن التعامل مع القرآن ينبغي أن يركَّز فيه على: “تحصيل معانيه وأحكامه للعمل بها وذلك أهم ما ينبغي أن يطلبه ويعتني به قارئ القرآن ومفسره ودارسه. وأما حفظه وتجويده وبلاغته وإعرابه ومفرداته وغريبه ومعرفة مكيه ومدنيه، وأسباب نزوله وغير ذلك من علومه ومتعلقاته فهي وسائل ومداخل إلى تحصيل مقاصده، ولذلك لا ينبغي الإغراق في هذه الوسائل على حساب مقاصد القرآن. وقال الشيخ أحمد مصطفى المراغي رحمه الله:” لكن كثيرا من المفسرين جعلوا عنايتهم تكاد تكون وقفا على الوسائل دون المقاصد.قواعد المقاصد، ص:316. قلتُ: لحفظ الكتاب العزيز مزية معتبرة، ومكانة خاصة دلت عليها النصوص المتضافرة؛ وأقل ما يقال فيه أنه ليس وسيلة محضة كسائر علوم الآلة؛ بل هو وسيلة ومقصد؛ لما لذلك من غايات عُظمى في حفظ حروفه وصيانتها، واستمرارية تواترها جيلا بعد جيل تحقيقا لوعد الله في حفظه [2]

[3] – قواعد المقاصد، ص:318

[4] تتمة الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:” تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ”. رواه البخاري في كتاب الجهاد وكتاب الرقاق، رقم الحديث: 2886.

[5] تحفة المودود بأحكام المولود، ص: 197، نقلا عن قواعد المقاصد، ص:323

[6] أورد الأستاذ في كتابه”قواعد المقاصد”، ص: 326و329 قولا لابن تيمية، وآخر لتلميذه ابن القيم؛ أنقُلهما لفائدتهما. قال ابن تيمية بعد ذكره الأمثلة:” وما كان أبلغ في تحصيل مقصود الشارع كان أحب، إذا لم يعارضه ما يقتضي خلاف ذلك“، مجموع الفتاوى،21/308، وقال ابن القيم:” وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه، أو يكون أولى منها؛ كنصه على الأحجار في الاستجمار. ومعلوم أن الخِرقَ والقطن والصوف أولى منها بالجواز. وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب، والأُشنان[نبات منظف]أولى منه. هذا فيما عُلم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه”. إعلام الموقعين،3/13-14

[7]متفق عليه، ونصه عند البخاري:”عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اتشفع في حد من حدود الله” ثم قام فاختطب ثم قال “انما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد”، رقم الحديث: 3475

[8] القصة مشهورة في إفتائه السلطان المنتهك حرمة الصيام بالوطء؛ بأن كفارته الصيام، من غير تخيير

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version