البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع: أكاديمية مقاصد. تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني
الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط
مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط
إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي
الحصة20: الخميس09يوليوز 2026م، ساعة الانطلاق:19:00 بتوقيت المغرب(غرينيتش+1). مدة إلقاء العرض مع الأجوبة عن الاستفسارات: ساعة ونصف.
ترقيم قواعد الحصص بحسب ما في الكتاب المقرر للمدارسة- قواعد المقاصد- للأستاذ المحاضر.
الباب السادس: قواعد الوسائل
محاور الحصة20
– تمهيد:
| القاعدة 46: المصالح مقاصد ووسائل القاعدة 47: الوسائل تابعة للمقاصد |
– الأسئلة وأجوبتها:
– نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق
| 1- قال القرافي رحمه الله: “موارد الأحكام على قسمين: مقاصد، ووسائل فالمقاصد هي المتضمنة للمصالح أو المفاسد في أنفسها، والوسائل: هي الطرق المفضية إليها. وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها.والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبحها أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة”الفروق،1/33. 2- قالالشاطبي:” قد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد”الموافقات،2/212 |
استهل الأستاذ المسير الحصة بسؤال إلى الأستاذ المحاضر قائلا:
اليوم إن شاء الله تعالى سندخل إلى الباب السادس من كتاب قواعد المقاصد، وبهذه المناسبة أرجو من أستاذنا الكريم أن يتفضل علينا في بداية الحصة ببيان الترتيب المنهجي الذي وضع عليه أبواب الكتاب، إن كان هذا ممكنا، وجزاكم الله خيرا.
وكان جواب الأستاذ المحاضر توطئة للحصة العشرين، وفيما يلي ملخصها:
نتناول بحول الله وقوته اليوم قاعدتين من قواعد الوسائل:
القاعدة الأولى: المصالح مقاصد ووسائل.
القاعدة الثانية: الوسائل تابعة للمقاصد.
توطئة:
نحن الآن مع الباب السادس من الأبواب التسعة. وبترتيب هذه الأبواب نكون في منعطف جديد.
في الأبواب الخمسة الماضية كنا في صلب المقاصد أي في المقاصد نفسها. واليوم حديثنا سيكون عن المقاصد وموضوعات يتوقف عليها النظر في المقاصد واستثمارها؛ ويرتبط بذلك: مقاصد المكلف وعلاقتها بمقاصد الشارع؛ ولذلك قلنا إن حديثنا اليوم هو عن المقاصد. وقواعد هذا الباب تتعلق بالوسائل لا بالمقاصد؛ لما للتمييز بينهما من أهمية بالغة نظرا للتداخل والتشابه بينها.
الوحي للهداية، وليس كتبا مدرسية
فالوحي قرآنا وسنة ليس كتابا مدرسيا يحدد المقاصد والوسائل، والأقسام والفروع، والمباحث العلمية. فالشرع يخاطب بمواضيع مختلفة لأنه كتاب هداية. ولذلك أنا لا أتحمس كثيرا للمبالغة في الحديث عن التناسب؛ فالتناسب في نصوص الشرع هو للنفس البشرية. وما أكثر القضايا التي تركت للتدبر والاجتهاد.
وقد تحدث الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره النفيس:”التحرير والتنوير”. عن مقاصد القرآن؛ وحصرها في ثمانية ؛ وجعل من مقاصده العظمى كونه ترك مجالا واسعا للاجتهاد البشري.
منزلة القاضي في تاريخ المسلمين :
القاضي في الإسلام ليس يقتصر عمله على حفظ النصوص والمراسيم؛ وتنزيلها ببلادة؛ بل القاضي في الإسلام مجتهد. معظم أحكام الشرع ومجالاته تحتاج إلى الاجتهاد. ودارس الشريعة ليس يكفيه أن يحفظ النصوص. بل المطلوب أن يتدبرها ويفهمها حتى يستطيع تنزيلها بما يحقق مقاصدها وغاياتها..
من حِكم ابن رشد الحفيد: صانع الخفاف مجتهد، وبائعها مقلد
ذكر ابن رشد الحفيد رحمه الله في كتابه “بداية المجتهد ونهاية/ كفاية المقتصد” أن الفقيه الحقيقي الذي يراد تخريجه هو كصانع الخفاف، والنموذج الأقل منه قدرا ومكانة هو بائع الخفاف؛ والفرق بينهما كالفرق بين المجتهد والمقلد؛ فبينما يستطيع صانع الخفاف أن يصنع لكل طالب خفه بما يناسب مقاساته؛ فإن بائع الخفاف لا يتجاوز عددا محدودا من الزبناء ممن يجدون مقاسهم عنده؛ فمن لم يجد مقاسه عند البائع لا يستطيع أن يظفر بخف لرجله. بينما الصانع وهو أشبه ما يكون بالمجتهد؛ فإنه يستطيع صنع الخف لكل طالب.
فالمجتهد الحق والفقهاء الحقيقيون هم الذين يجتهدون؛ ويستطيعون تكييف النوازل والأقضية مهما تعددت وتنوعت وتناسلت؛ والبت في أحكامها باستصحاب النظر المصلحي القائم على التعليل، والاستحسان، وغيرها من أصول الاجتهاد ووجوه النظر؛ وليس هم نقلة المذاهب كما قال الإمام الجويني.
علاقة المقاصد بالوسائل:
المقاصد والوسائل تحتاج إلى تبويب: القسم الأول مضى، وكنا فيه في صلب المقاصد، ومن الآن فصاعدا سنتناول أمورا ذات ارتباط بالمقاصد؛ ومنها الوسائل، ومقاصد المكلف، وطرق إثبات المقاصد، والاجتهاد المقاصدي؛ بمعنى كيف يجتهد المجتهد بناء على المقاصد، والنظر المقاصدي.
وقد تناولنا القواعد بترتيب معين فبدأنا من الأعم إلى الأقل عموما. والأبواب مستقلة بمجالاتها وموضوعاتها.
ومما أرسلته إليكم- في مجمو عة التكوين- محررا؛ تعريفات للمقاصد والوسائل، وبعض الفروق بينهما؛ لأن النصوص لم تقل لنا هذه مقاصد وهذه وسائل؛ إنما ذلك يفهم بالنظر والتبصر والاجتهاد والعقل.
هناك مراتب في المقاصد ومراتب في الوسائل، وسنعود إليها تطبيقيا. هناك المقاصد وما يُراد من التكاليف والأحكام المتضمنة، وهناك الوسائل وهي الطرق المفضية؛ فالوسائل في معناها اللغوي شيء يستعمل لغيره؛
القلم وسيلة للكتابة؛ لكن الوسائل عندنا في سياق التقعيد أعم من هذا المعنى وأدق، فمنها الوسائل المحضة ، ومنها الوسائل المتضمنة مقاصد معينة؛ فنكون إزاء وسيلة ومقصد في آن واحد؛ وتعابير العلماء تتضمن بعض المقدمات الممهدات؛ ومثال ذلك: الوضوء والاغتسال هي وسائل لإقامة الصلاة. الزواج له مقدمات بمثابة وسائل، والوسيلة قد يقترن بها المقصد في بعض الأحكام. أما الوسائل المحضة فهي التي ليست مقصودة للشارع بأي وجه من الوجوه، ولا مزية لها ولا فضل لها.
ومن أمثلة ما يكون وسيلة ومقصدا: الطهارة مطلوبة ومقصودة شرعا ولكنها أيضا وسيلة، والأذان أيضا مقصد ووسيلة. فكل ما فيه ممدوح ومحمود. ولذلك نحن نؤذن مع المؤذن حتى ننال الفضل بما نردده من أذكار. فالآذان مقصد ووسيلة فهو مقصد بما يثاب عليه من الأذكار، ووسيلة لأنه مفض إلى الصلاة ووسيلة للإعلام بدخول وقتها.
ولابن العربي كلام نفيس حول الشورى حتى في المسائل الاجتهادية داخل العبادات.[1]
أما الوسيلة المحضة فليس لها اعتبار خاص. ومن الوسائل المحضة الدراهم والدنانير. لأنه لولا قيمتها الرمزية لكان الذهب والحصباء سواء كما قال الغزالي. وإنما اتخذ الذهب رمزا وصارت له قيمة؛ لكنها ليست قيمة في ذاتها فهو وسيلة محضة.
ضرورة التمييز بين المقاصد و الوسائل بأنواعها:
حين نَعْرف الوسيلة المحضة لا نعطيها قيمة في ذاتها، فالذهب والفضة مثلا: من الوسائل المحضة، وكذلك الأدوية
ومما ينبني على هذا التمييز أنه يفيدنا في حل إشكالات نحتاج النظرَ فيها؛ ومنها: ضبط ما هو ثابت وما هو متغير؛ فالمقاصد لا تقبل التغيير. لأن طابعها الثبات؛ فالأحكام تتغير لكن المقاصد ثابتة لا تقبل التعديل ولا الزيادة ولا النقصان.
ومن الأمثلة عند التحقيق: المخاطرة فهي ليست مقصدا شرعيا في صحة المعاملات المالية. وكذلك المشقة ليست مقصودة للشارع كما بيناه سابقا؛ هذا غلط غير شرعي؛ بعض المشاق وسيلة وليس مقصدا كما قال الشاطبي: الله لم يجعل تعذيب النفوس وسيلة للتقرب إليه.
الجهاد ليس مقصدا إنما له مقاصد. الجهاد في ذاته ليس مقصودا لذاته. نعم المجاهدة مطلوبة ومقصودة لذاتها، أما الجهاد القتالي فليس مقصودا.
وفي نقاش دار بيني وبين بعض العلماء حول إقامة الدولة؛ فقالوا بأنه يجب أن يضاف إلى الضروريات الخمس. فقلت لهم: إقامة الدولة ليست مقصدا أصلا؛ الدولة وسيلة.
إذا بحثنا مثلا عن حفظ المال وهو الأخير في ترتيب الضروريات الخمس؛ تجدون له نصوصا كثيرة، لكن النصوص في الدولة باعتبارها مقصدا أين هي؟
نصب القضاة والولاة من الوسائل ونصب أعوانهم من وسائل الوسائل كما قال العز بن عبدالسلام رحمه الله.
فالوسائل المحضة والوسائل المقصودة لذاتها لابد من التفريق بينهما. الوسائل المحضة تتغير وليست مقصودة لذاتها ولا غرض للشارع فيها؛ وتتغير إذا وجد ما هو أفضل منها.
مثال ذلك: وسائل التعلم، ووسائل الحرب والقتال وغيرها؛ لا غرض للشارع فيها بعينها ولذاتها، لا غرض له لا في الخيل ولا في رباط الخيل؛ هذه وسائل محضة. وسائل النظافة أيضا تطورت وتغيرت وتحسنت. الوسائل المحضة تتغير بل تغييرها قد يكون واجبا.
والآن أنتقل إلى بعض التعريفات وقد أرسلت إليكم تعريفات الإمام القرافي رحمه الله في مجموعة التكوين. ففارسا قواعد المقاصد والوسائل هما الإمامان القرافي وابن عبدالسلام كما كانا فارسي قواعد المشقة.
الابتكار لابن عبدالسلام؛ والقرافي مكمل ومطور؛ والشاطبي رحمه الله يجلي الأبعاد المقاصدية.
قال القرافي رحمه الله: موارد الأحكام على قسمين: مقاصد، ووسائل
فالمقاصد هي المتضمنة للمصالح أو المفاسد في أنفسها، والوسائل: هي الطرق المفضية إليها.
وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها.والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبحها أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة”[2]
هذا التقسيم للمصالح إلى مقاصد ووسائل سبق إليه الإمام الرازي بقوله: “المصلحة لا معنى لها إلا اللذة أوما يكون وسيلة إليها. والمفسدة لا معنى لها إلا الألم أوما يكون وسيلة إليه”[3]. فالشاهد عندنا أنه ذكر الوسائل.
قال العز بن عبدالسلام:
المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها والمفاسد أربعة أنواع: الغموم وأسبابها. دائما يذكر الأسباب وهي الوسائل.[4]
العلماء عند استنباطهم للأحكام يميزون بين المقاصد والوسائل، والأصوليون يذكرون ما هو مطلوب لذاته والمطلوب لغيره. وهذا تنبني عليه أحكام شرعية. وقد رأينا ما حرم للذريعة يباح للحاجة. والحنفية أكثر من ميز بين المحرم لذاته والمحرم لغيره؛ لذلك تساهلوا في الأموال الربوية.
ومن الأمثلة التي ذكرناها سابقا ونعيدها؛ الجهاد بمعناه الخاص هو وسيلة لإعزاز الدين ووسيلة للمقاصد المنصوص عليها في القرآن. لكن له وسائل أيضا وهي وسائل محضة كالعُدة التي يقوم عليها.
الطهارة وسيلة ومقصد أيضا؛ لأن الله يريد لنا التطهر والطهارة “وثيابك فطهر”[المدثر: 4]
القاعدة الثانية: الوسائل تابعة للمقاصد.
الوسيلة حينما يذكرها المؤسسان لهذا المبحث يجعلانها تابعة لمقاصدها. لا يُنظر إلى الوسيلة في حد ذاتها؛ إنما إلى ما تفضي إليه وتنتجه.
هذه القاعدة عبر عنها الأصوليون بصيغ مختلفة منها: الأمر بالشيء أمر بوسيلته. معنى ذلك أن الوسيلة تابعة لمقصودها. ولما أمر الله بالحج فمُتطلباته تصبح مطلوبة. لابد من الخطوات الإدارية والترتيبات التي تصبح واجبة لأنها تابعة لمقصدها وهو الحج؛ لأن الوسيلة تابعة لمقصودها. فتصبح واجبة وجوب الحج.
المقصد أعلى درجة من الوسيلة.
ومن أقوال الأصوليين وقواعدهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ليس فقط في المأمورات بل في المنهيات أيضا. لما حرم الله الخمر تَم التساؤل عن أنواع من الأشربة؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر خمر وكل خمر حرام[5]. هذه وسائل تؤدي إلى السكر؛ فالعبرة بالسكر لا بوسيلته.
و في الحديث: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر، وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه إلى آخره.[6] والقائمة مفتوحة. فمن يرخص ومن يسوق ومن ينتج؛ شركاء. فالله إذا حرم شيئا حرم ما يفضي إليه.
الزنا أيضا حُرمت أمور تقرب إليه وتوقع فيه؛ كاللباس والاختلاط والنظر وما إلى ذلك؛ لأنها تقرب وقد تفضي. وكل ما يقرب يصبح وسيلة، والوسائل تابعة لمقاصدها.
طلب العلم:
وسائل الطلب لم يؤمر فيها بشيء؛ فتطور وسائل العلم وأشكاله لم يتوقف منذ زمن الصحابة والتابعين وعصور الأئمة؛ والعلم يتوسع ويتشعب والمقصود طلب العلم. حين يأمر الله بمقصد فالوسائل إليه تأخذ حكم مقاصدها.
خاتمة من متابعة الأستاذ المحاضر
- أهمية التفريق بين المقاصد والوسائل، وما ينجم عن عدم التفريق من مشاكل،
ومنها:
- التشدد والتساهل في غير مواضعهما،
- الجمود على الوسائل المحضة،
- لزوم ما لا يلزم..
- تعريفات.. ومعايـيـر للتمييز
- المقصد: ما ثبت قصدُ الشارع إلى تحقيقه بذاته، وكذلك ما فيه رغبة فطرية، ومصلحة شرعية للناس….
- والوسيلة: ما لا غرض فيه لذاته، ولا يرد التكليف به إلا للتوسل به إلى غيره، وهذه هي الوسيلة المحضة..
- وأما ما يقصد لذاته، مع التوسل به إلى غيره، فهو مقصد ووسيلة معا.
- الثبات والتغير في المقاصد والوسائل
- المقاصد الشرعية ثابتة لا يمكن إزالتها ولا تبديلها، ولا الزيادة فيها..
- المقاصد الشرعية قد تتغير في مراتبها وأولويتها..
- الوسائل المحضة يمكن تغييرها بما هو أيسر، أو ما هو أنجع في تحقيق المقصود..
- الوسائل/المقاصد لا تتغير، ما دام مقصودها متحققا.. ومنها التكاليف الخادمة للمقاصد، والممهدة لها.
– الأسئلة وأجوبتها:
س1: ذكر العلماء في الباب توهم الجناح بالضم وهو الحرج فما مناطاته؟ أحيانا يتوهم الحرج في بعض العبادات فتطلب الرخصة.وجزاكم الله خيرا
ج: رأينا في الحصة السابقة أن الحرج مرفوع لكن الحرج أنواع. قد يكون بسبب اتباع الهوى وليس مصلحة. والحرج المرفوع هو الذي يرفع ما يحقق المصلحة المعتبرة شرعا. وقضية الحرج والمشقة يرجع تقديرها الحقيقي إلى الشخص نفسه. المالكية عندهم أصل معروف وهو مراعاة الخلاف. فإذا كانت المسألة مختلفا فيها بين الفقهاء يراعى الخلاف. وبناء عليه أفتى مفتي غرناطة أبو سعيد بن لب شيخ الإمام الشاطبي في فتوى تتعلق بدعوة الفضلاء من العلماء إلى الولائم. كان المشايخ يلبون مراعاة للخلاف. فتلبية الدعوة تحقق مقاصد ومصالح؛ ويغتفر ما في طريق ذلك من الأمور المختلف فيها كالسماع ونحوه.
س2: المال كل ما له قيمة بين الناس وحفظه من المقاصد والضروريات الخمس. كيف يكون الذهب من الوسائل؟ والفضة كيف تكون من الوسائل؛ وحفظهما يؤدي إلى حفظ المال؟
ج: نفاسة الذهب والفضة مسألة عرفية. القيمة المالية هي المتحدث عنها؛ لا غرض للشارع في النقدين؛ إنما هي وسائل فقط، وأمور تعارف الناس عليها. لولا الصفة المالية للذهب فليست له قيمة ذاتية إنما قيمته عرفية.
س3: في قول الغزالي أن الذهب والفضة وسيلة محضة.هل المقصود بهذا الحكم من الناحية الشرعية المحضة..؟
هل يراعي الشارع المنفعة الذاتية في مادة ما؛ للحكم عليها، أم هو حكم عام..
وإلا فإن مميزات وخواص الذهب والفضة يجعلها من بين العناصر الأولى في رأس هرم المعادن والعناصر الكيميائية هي التي تكسبها تلك القيمة ، فلا يمكن اعتبار عنصر الذهب كعنصر الزنك من هذه الناحية.قد يعود اتخاذ الذهب والفضة عملة منذ ذلك الزمن لما علموه عنها من قيمة (زينة)، ربما ينطبق ذلك التصنيف أكثر على الأوراق المالية الحالية ..
ج: الذهب ليس هو المال والمال ليس هو الذهب. الأوراق النقدية الأموال الإلكترونية. “خذ من أموالهم” الذهب والفضة تعبير رمزي عن المال. في كلام للإمام الرازي: لماذا تطلبون المال؟ ليصل إلى أن اللذة هي المطلوبة. المال هو الممتلكات والمقتنيات. والذهب مال رمزي. فعند استبدال العملات. العملة تفقد قيمتها من بلد إلى آخر. الذهب والفضة مال بالمعنى العرفي ورمز للمال.
وهذا ينطبق على الدواء أيضا؛ فهو وسيلة محضة. العبرة بالنتيجة. أنا قارنت بين الدواء والغذاء. الدواء ليس مطلوبا إلا باعتباره وسيلة. إذا اشتُري الدواء وشفي المريض وزال مرضه، هل سنستعمل الدواء؟ هذا هو المقصود. الوسائل المحضة تطلب لغاياتها وما تنتجه، وتطلب لمقاصدها وفوائدها. وقديما قيل: آخر الدواء الكي. هل الكي مطلوب لذاته؟ يطلب للضرورة والحاجة. والغرض هو حفظ الأبدان.
س4: إشكال التداخل بين الوسائل والمقاصد، وغياب المعايير؛ ألا يسبب إشكالات على مستوى تنزيل الأحكام؟
الجواب: الإشكالات لابد منها. معظم الآيات والنصوص تحتاج إلى الاجتهاد. هذا مقصود شرعا وله أهميته. لا أحد يقول: الإسلام نسخة واحدة، ونمط واحد. هناك ثوابت وأركان وكليات مجمع عليها. وما سوى ذلك الاختلاف فيه لا يضر.
سؤال أخير: هل قصد الشارع للإفهام قصد غائي أم وسلي؟
ج: سيأتي ذلك في قواعد الاجتهاد. والعلم عموما والعلم الشرعي على وجه الخصوص شريف في ذاته، ولكنه وسيلة إلى مقاصد أخرى. قال تعالى: “فلينظر الإنسان إلى طعامه”[عبس: 24]. النظر وسيلة. “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت”[الغاشية، :17 ]. طلب العلم من حيث كونه عبادة فهو مقصد يثاب عليه العبد. لكنه أيضا وسيلة إلى معرفة الله وإلى العمل. وسنعود إلى هذا الموضوع.
الإعداد القبلي للحصة المقبلة:
الباب السادس: قواعد الوسائل
يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة الواحدة والعشرين(21) ليومه الخميس :16 يوليوز2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش+1) ق : 48-49-50، بحسب ترقيم كتاب المدراسة( النسخة الرقمية) من ص:313 إلى ص:330.
| القاعدة 48:مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل القاعدة49: الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها القاعدة 50:كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة؛ كانت أفضل |
حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.
[1] بعض العلماء توسعوا فذكروا أن الشورى تكون حتى في المسائل الاجتهادية داخل العبادات، كتحديد مصلحة الجماعة في الصلاة، أو وقتها، أو تنظيمها، مما لم يرد فيه نص ملزم، ومن أقوال ابن العربي المالكي: “الشورى مسبار العقل وسبب الصواب”
[2]- هذه القاعدة أصلها في باب “الذرائع” عند القرافي. وهو يبين أن الشارع لم يعتبر الفعل لذاته فقط، بل نظر إلى ما يفضي إليه.ولهذا عرّف القرافي “سد الذرائع” بقوله:”حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور.
وردت هذه القاعدة عند القرافي في عدة مواضع:
1. الفروق: أنوار البروق…ج1 ص 33 وما بعدها، في الفرق الأول بين قاعدة “ما حرم سدا للذريعة” و “ما حرم لذاته”.
2. شرح تنقيح الفصول، ص: 452، ط دار الفكر.
3. الذخيرة، ج1 ص 116.
[3]- المحصول،ج2، ق3/240، نقلا عن قواعد المقاصد، للريسوني،ص:301
[4] تتمة كلام العز بن عبدالسلام رحمه الله:”المصالح أربعة أنواع: اللذّات وأسبابها، والأفراح وأسبابها.والمفاسد أربعة أنواع: الآلام، وأسبابها، والغموم وأسبابها.ثم بيّن الفرق فقال: الفرق بين (اللذّات) و (الأفراح): أن اللذّات تقع على الجوارح أولًا ثم تفيض على القلب،والأفراح تقع على القلب أولًا ثم تفيض على الظواهر.و (الآلام) تقع على الجوارح أولًا ثم تفيض على القلب، و (الغموم) تقع على القلب أولًا ثم تفيض على الظاهر”. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، القاعدة الأولى في المصالح.
“كل مسكر خمر وكل خمر حرام”؛ رواه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، رقم 2003. ورواه البخاري معلقا.[5]
رواه الترمذي برقم 1295 عن أنس رضي الله عنه بلفظ: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له”. باب ما جاء في ثمن الخمر، وقال: حديث حسن غريب [6]


