نوقشت يوم السبت 26 جمادى الآخرة 1446هـ. الموافق ل 28 دجنبر 2024 ابتداء من الساعة العاشرة صباحا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس أطروحة جامعية تقدمت بها الطالبة الباحثة مريم الإدريسي لنيل شهادة الدكتوراه، من مركز الدراسات في الدكتوراه “الآداب والعلوم الإنسانية والفنون وعلوم التربية”, محور الدراسات الإسلامية، في موضوع” أصول التفسير عند الإمام ابن قيم الجوزية (المتوفى سنة 751هـ)”، وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة: الدكتور فؤاد محداد رئيسا، والدكتور امحمد الينبعي، والدكتور هشام مومني عضوين، والدكتور عمر جدية مشرفا، وبعد المناقشة والمداولة منحت للطالبة الباحثة ميزة مشرف جدا، مع تنويه أعضاء اللجنة بالبحث، وتوصية بطبعه.
إليكم رفقته التقرير الذي تقدمت به الطالبة الباحثة، وصورة بالمناسبة.
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين له إلى يوم الدين.
أما بعد؛ السادة العلماء الأساتذة الأجلاء؛ أعضاء لجنة المناقشة، الحضور الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يسعني بداية هذا التقرير إلا أن أقدم خالص شكري وجزيل امتناني لأساتذتي في اللجنة المناقشة: فضيلة الأستاذ الدكتور فؤاد محداد رئيسا للجنة. فضيلة الأستاذ الدكتور هشام مومني؛ عضوا مناقشا. فضيلة الأستاذ الدكتور امحمد الينبعي؛ عضوا مناقشا. وكنت سأسعد بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الكبير حاميدي؛ عضوا مناقشا أيضا، لكن أرجو أن يكون مانع حضوره خيرا. أساتذتي الأفاضل: شكر الله لكم عملكم، وبارك في وقتكم، وتقبل جهدكم في فحص هذا البحث وتدقيقه، وأبقاكم الله منارة تنيرون دروب الباحثين وتذللون لهم الصعاب، وجزاكم خير الجزاء على العلم وأهله.
أما أستاذي الكريم الدكتور سيدي عمر جدية الذي تفضل بإشرافه على هذا البحث – الذي أسعد اللحظة بتقديم تقرير عنه – فلا يجازيه على هذا الفضل إلا المتفضل بالإنعام – سبحانه وتعالى – فجزاه الله جزاء أوفى، على نصحه وتوجيهه، وعلى صبره وحلمه وحرصه، وعلى ما أنفق من وقته الثمين وعلمه الوفير وخبراته المتراكمة في سبيل تجويد هذا البحث وتسديده. فبارك له الله في عمره وعلمه ونفع به.
كما لا يفوتني أن أوجه شكري وتقديري لأساتذتي في مختبر العلوم الدينية والإنسانية وقضايا المجتمع، كل واحد منهم باسمه وصفته، الذين تفضلوا بقبولي طالبة باحثة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بعاصمة العلم والعلماء فاس العامرة. والذين لم يبخلوا طيلة مرحلة البحث والتكوين ولم يملوا من العطاء والنصح والتوجيه، والذين ضربوا مُثُلا في أستاذية الأخلاق مع أستاذيتهم في العلم والمعرفة. فجزاهم الله خير جزاء، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
الحضور الكريم؛ أقارب وأحباب وأصدقاء وطلبة، يا من أبيتم إلا أن تشاركوني الفرحة والسعادة لكم مني كل المحبة والوفاء والتقدير والامتنان.
ثم أما بعد؛ يسعدني أن أقدم بين أيديكم – جميعا- تقريرا عن بحثي الموسوم:” أصول التفسير عند الإمام ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 للهجرة”. فأقول وبالله التوفيق:
من المعلوم من الدين بالضرورة، أن القرآن خطاب موسوم بالامتداد والخلود، قادر على العطاء المتجدد، دونما انحصار في بعد زماني ولا في بعد مكاني. وعلم التفسير وإن كان من أوائل العلوم الإسلامية تدوينا، فقد كان آخرها تقعيدا وتأصيلا. الأمر الذي جعله مرتعا لكثير من الأساطير والإسرائيليات في القديم، كما صار هدفا سهلا لكل قراءة جديدة مغرضة في الوقت الراهن. ومن هنا كانت دعوات المهتمين إلى ضرورة توجيه البحوث وتشجيعها، ومضافرة الجهود لبناء نظرية عامة للتفسير. فكان هذا البحث محاولة في هذا المضمار.
أما اختيار الإمام ابن قيم الجوزية وتراثه مجالا لهذا البحث فلم يأت صدفة ولا مجازفة، وإنما استتباعا لما لمسته فيه من حس تنظيري لأصول التفسير في بحث الدراسات العليا المعمقة، من خلال مجموعة من نصوصه، خاصة ذلك النص الذي يرى فيه أن للقرآن عرفا خاصا، ومعاني معهودة “لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه”( بدائع الفوائد ؛ ج 3، ص 27). ويؤكد على أهمية هذه القاعدة، ويعتبرها أهم أصل من أصول التفسير فيقول: “فتدبر هذه القاعدة، ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه – إلى أن قال: – وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصل من أصوله، بل هو أهم أصوله” (ص 28).
فكان هذا هو النص الذي أبان عن كون الرجل من أهل الفن حقيقة، كما كان أيضا؛ هو الحاسم في المضي في هذا الاختيار، فجاءت ترجمة العنوان: “أصول التفسير عند الإمام ابن قيم الجوزية”.
ومن جميل الصدف؛ أن لابن القيم مؤلفا بعنوان “أصول التفسير”، إلا أنه – ولسوء الحظ- ما يزال في عداد المفقود من تراث الأمة. فلم يكن بد – والحال هذه- إلا أن أيمم الوجهة صوب مؤلفاته المطبوعة؛ أنتقل بين العناوين، أقلب الصفحات، وأفتش بين الأسطر، وأدقق في الألفاظ والمعاني.. بغية تكوين رؤية واضحة عن تصوره لهذا العلم.. عَلِّيَ أقارب من خلالها ما حواه ذاك المؤلف، على أمل وصوله إلينا في لاحق الأيام.
ولا شك أن انصباب البحث على كامل تراث المصنف له أهميته البالغة في الوقوف على مختلف الجوانب والزوايا التي تتدخل في العملية التفسيرية، خاصة وأن المهتمين بالتأصيل لهذا العلم يؤكدون على أن مادته متناثرة في حقول معرفية شتى؛ بدءا بالمصنفات في علوم القرآن، ومقدمات التفاسير، وكتب أصول الفقه، دونما إغفال لثروة مهمة في كتب النحو والبلاغة وعلم الكلام.. هذا الأمر الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية أن يكون تراث ابن القيم مادة بحث، ومادة بناء لأصول التفسير، كيف لا وقد جمع – رحمه الله – ما تفرق عند غيره.
وما من شك في أن الدراسات تتابعت في هذا الموضوع – موضوع علم أصول التفسير- خاصة في السنوات الأخيرة؛ إلا أنه مع ذلك ما يزال مثار أخذ و رد، وشد وجذب، وخلاف و نزاع. و من هنا جاء هذا البحث محاولة للإسهام في تحرير مفهومه، ورص مباحثه، منطلقه في ذلك رؤية ابن القيم – رحمه الله تعالى – وتصوره لعلم التفسير، وكان هذا أهم الأهداف المتوخاة من هذا البحث.
وقد قامت خطة البحث على النحو التالي: مقدمة، ومدخل تمهيدي، وبابين، وخاتمة.
افتتح البحث بمقدمة تضمنت أهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات السابقة ذات الصلة به، وكذا الصعوبات التي اعترضت إنجازه، وخطة البحث، والمنهج المتبع، وختمت بالشكر والتقدير لأصحاب الفضل.
أما المدخل التمهيدي؛ فكان في التعريف بابن قيم الجوزية وعنايته بالتفسير وأصوله. ضمنته ترجمة مختصرة للإمام، وتحدثت عن تراثه وآثاره في علم التفسير، ومفهوم التفسير والتأويل والعلاقة بينهما عنده، كما توقفت مع علم أصول التفسير، وعناية ابن القيم به؛ في محاولة لإزالة بعض ما يكتنف “أصول التفسير” من غبش في المفهوم والمباحث، لأخلص إلى أنه: علم يبحث في التفسير، والمفسِّر، والمفسَّر. يبحث في التفسير؛ من حيث هو عملية كشف وبيان لمراد المتكلم، سبحانه؛ ومن ثم ضرورة الحديث عن طرق التفسير وقواعده. ويبحث في المفسِّر؛ من حيث أهليته للكشف عن مراد الله سبحانه وتبيينه. ويبحث في النص المفسَّر/ الخطاب القرآني؛ من حيث طبيعته وخصائصه، وعاداته ومقاصده.
وهكذا أسفر التمهيد عن مباحث علم أصول التفسير، ورصَّها على الشكل الآتي:
مبحث الخطاب القرآني؛ وفيه بحث العناصر الآتية:
مفهوم الخطاب القرآني؛
طبيعة الخطاب القرآني؛
عادات الخطاب القرآني؛
مقاصد الخطاب القرآني.
مبحث طرق التفسير و مصادره؛ وفيه:
القرآن الكريم؛
السنة النبوية؛
أقوال الصحابة والتابعين؛
المعهود العربي؛
الاجتهاد والمقاصد.
مبحث الاختلاف والإجماع؛ وفيه:
اختلاف المفسرين؛
إجماع المفسرين.
مبحث قواعد التفسير؛ وتم التمييز فيها بين:
قواعد لغوية؛
قواعد دلالية (أصولية)؛
قواعد خِطابية (مقاصدية).
مبحث شروط المفسر؛ وشمل:
الضوابط المنهجية؛
المؤهلات العلمية.
وقد خلصت الدراسة إلى أن هذه المباحث، مباحث آخذ بعضها بأعناق بعض؛ فالعلماء نبهوا حين النظر لآي القرآن الكريم إلى أهمية الفهم الممنهج، القاضي بمراعاة النص القرآني من حيث قدسيته وثبوته؛ حيث المتكلم به هو الله جل جلاله، ومن حيث لغته؛ هذه اللغة التي وإن كانت عربية جارية على قواعد العرب في الاستعمال، فلا مناص من فهمها في إطار سياقها الكلي العام الذي وردت فيه، وكذا من حيث المخاطَب به. ومن هنا تأتي أهمية مبحث الخطاب مبحثا أساسا من مباحث علم أصول التفسير، بل هو أهم مباحثه جميعا، فهو الأصل لسائر المباحث الأخرى، إذ هو الكفيل ببيان حقيقة النص المفسَّر؛ ذلك الكلام الإلهي، العربي اللسان، الكلي الخطاب، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا كان لا بد من الحديث عن مفهوم الخطاب القرآني، وطبيعته، وعاداته وأعرافه، ومقاصده.
أما مبحث طرق التفسير فيكشف بناء على سابقه: أن مصادر التفسير وطرقه، ليست إلا بيان المتكلم نفسه (تفسير القرآن للقرآن)، ثم بيان المبلغ له (تفسير السنة للقرآن)، ثم بيان اللغة التي بلسانها نزل (التفسير بمعهود العرب)، دونما إغفال لأثر ذلك المتلقي الأول للخطاب، المتفاعل مع الآيات إبان نزولها، المتكلم بلسانها (التفسير بأقوال الصحابة)، كما أن كلية الخطاب وعمومه لكل الناس على اختلاف الأعصار والأمصار، تضع أمام المفسر ضرورة مراعاة متغيرات الواقع في تفسير الخطاب، بما يحقق المقاصد التي جاء بها، ومنه ضرورة (التفسير الاجتهادي المقاصدي).
مبحث الاختلاف والإجماع مبحث مهم، مكمل لسابقه، تابع له؛ فلما كان القرآن كتاب هداية للبشرية في كل العصور، فقد كان وقوف المفسر مع تفسيرات السابقين والمعاصرين أمرا لا مفر منه، تفسيرات واجتهادات إما أنها حازت اتفاقا وإجماعا، أو أنها كانت مثار اختلاف وتباين؛ فكيف يتعامل المفسر مع الحالين كليهما؟
إن مبحث (طرق التفسير ومصادره)؛ هو بمثابة تأصيل وبيان لحجية تلك الطرق المتبعة في تفسير كلام الله تعالى، يأتي بعده مبحث (قواعد التفسير)، ليضع القواعد والضوابط التي تضمن التوظيف السليم والاستفادة الأمثل من تلك الطرق والمصادر لفهم كلام الله تعالى.
أما المبحث الأخير (شروط المفسر)، فإن البحث فيه بحث في عمق أصول التفسير؛ ذلك أن المفسر طرف أساس في عملية التفسير، فلا يمكن بحال من الأحوال تصور تفسير سليم دون وضع تصور واضح للمفسِّر.
إن المدخل التمهيدي للبحث كان بمثابة بوصلة حددت للبحث وجهته، وكشفت عن أبوابه وفصوله ومباحثه.
فجاء الباب الأول: طبيعة الخطاب القرآني وعاداته ومقاصده؛ متضمنا فصولا ثلاثة: الفصل الأول تحدث عن طبيعة الخطاب القرآني، أما الفصل الثاني؛ فبين أن للخطاب القرآني عادات تميزه في أساليبه ومعانيه كما في مفرداته. وفي الفصل الثالث؛ فصلت الحديث عن مقاصد الخطاب القرآني عند ابن القيم.
أما الباب الثاني؛ فتناول قواعد التفسير وشروط المفسر عند الإمام ابن القيم، موزعا على فصول ثلاثة؛ تناول الفصل الأول: القواعد اللغوية، والفصل الثاني: القواعد الدلالية الأصولية، أما الفصل الثالث: فجمع بين القواعد المقاصدية الخِطابية و شروط المفسر.
ثم ختم البحث بخاتمة جمعت ما خلص له البحث من خلاصات واستنتاجات وما تمخض عنه من نتائج.
ثم ألحق البحث بما احتاج إليه من فهارس: فهرس للآيات القرآنية، رتبت فيه الآيات حسب السور، ثم حسب أرقامها. وثان للأحاديث النبوية، رتبته ألفبائيا. وثالث للمصادر والمراجع، ورابع أخير للمادة العلمية.
وقد انبنى المنهج العام للبحث على استقراء وتتبع كل مؤلفات ابن القيم ومصنفاته المطبوعة، واستخراج كل ما له صلة بالعملية التفسيرية، ثم تصنيف وإعادة تركيب تلك المادة بناء على ما توصل إليه البحث من مفهوم ومباحث لعلم أصول التفسير.. فهو منهج توثيقي جمعي في أساسه، وربما اقتضى الأمر توظيف المنهج التحليلي القائم على التفسير والنقد والاستنباط، أو المنهج الوصفي. بناء على طبيعة الإشكال العلمي للقضية موضوع الدرس.
وبعد؛ فقد كانت سنوات البحث مرحلة خضت خلالها بحرا متلاطم الأمواج، إلا أنه كان زاخرا باللآلئ والجواهر والدرر.. كان ذلك البحر هو تراث علم من أبرز أعلام الفكر الإسلامي؛ الإمام ابن قيم الجوزية،.. وكان ما أسفر عنه البحث من مفاهيم ومباحث وقضايا هي بعض تلك اللآلئ والجواهر والدرر..
أما النتائج والاقتراحات التي أسفرت عنها الدراسة، فأهمها ما يلي:
– حاولت الدراسة أن تزيل بعض ما يكتنف “أصول التفسير” من غبش في المفهوم والمباحث، فخلصت إلى أنه: علم يبحث في التفسير، والمفسِّر، والمفسَّر. يبحث في التفسير؛ من حيث هو عملية كشف وبيان لمراد المتكلم، سبحانه؛ ومن ثم ضرورة الحديث عن طرق التفسير وقواعده. ويبحث في المفسِّر؛ من حيث أهليته للكشف عن مراد الله سبحانه وتبيينه. ويبحث في النص المفسَّر/ الخطاب القرآني؛ من حيث طبيعته وخصائصه، وعاداته ومقاصده.
– أسفر البحث في المفهوم، واعتمادا على تفسير ابن القيم ونظرته إلى التفسير، عن رص مباحث هذا العلم، فكانت ما يلي: الخطاب القرآني، طرق التفسير ومصادره، الاختلاف والإجماع، قواعد التفسير، شروط المفسر.
يسّر الله سبر أغوار ثلاثة منها، وهي: مبحث الخطاب القرآني، ومبحث قواعد التفسير، ومبحث شروط المفسر. على أمل أن يعين الله على بحث المبحثين المتبقيين، أو يهيئ من يبحث فيهما.
– مبحث “الخطاب القرآني”؛ شكَّل – في نظري – الإضافة الأهم لعلم أصول التفسير. فهو مبحث توقف عند أهمية مراعاة النص القرآني من حيث قدسيته وثبوته؛ المتكلم به هو الله جل جلاله، ومن حيث لغته؛ هذه اللغة التي وإن كانت عربية جارية على قواعد العرب في الاستعمال، فلا مناص من فهمها في إطار سياقها الكلي العام الذي وردت فيه، وكذا من حيث المخاطب به.
فقد وقف عند طبيعة الخطاب القرآني؛ ذلك الكلام الإلهي، العربي اللسان، العالمي الوجهة والخطاب.. وأثبت أن لهذا الخطاب عادات تميزه، في نظمه وأساليبه، وفي معانيه، وفي مفرداته.. كما وقف عند أهم المقاصد التي جاء بها، ولأجلها.
ولا شك أن النظر إلى النص القرآني بهذا الاعتبار؛ يضع بين يدي المفسر آلية من آليات الفهم والبيان، بها يدرك مراد الله تعالى من كلامه، وبواسطتها يميز بين صحيح التأويل وفاسده.
أستطيع القول: إن هذا المبحث لبنة أساس، تضاف إلى علم أصول التفسير، بها تُسد ثغرة علمية في رسم خطوات المنهج الصحيح في التفسير، وتوضيح النص القرآني، وبيان المعاني الراجحة.
وهي لبنة؛ عمل هذا البحث على تشكيلها، وبلورتها في القالب الذي قدمت فيه، بعدما كانت موادها منثورة في كتب التراث خاصة، وفي كتب ابن القيم بشكل أخص. ومن هنا تميز هذا المبحث بتنوع الروافد، ومصادر التأسيس والتأصيل، ما بين التوحيد، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، والبلاغة، وعمق الخطاب القرآني ذاته، وغير ذلك.
– سبق ابن القيم إلى العناية بمقاصد القرآن، وتفصيلها، إيمانا منه – رحمه الله- بأهمية معرفتها للمفسر؛ فهو واحد من القلائل الذين تنبهوا إلى أهمية هذا الأمر.
– فهم الخطاب القرآني وتفسيره؛ عملية تتداخل فيها قواعد لغوية، وقواعد دلالية أصولية، وقواعد خطابية مقاصدية؛
فما تتيحه “قواعد اللغة” من دلالات ظاهرة، مستوى مهم في الفهم والتفسير؛ إلا أنه ليس كافيا وحده، لبلوغ مراد المتكلم من كلامه، ومن هنا كانت ضرورة “قواعد الدلالة”، المعلومة من علم أصول الفقه، وهذا المستوى هو الآخر؛ وإن كان لا غنى عنه في الفهم والبيان، فيبقى متوقفا على مراعاة عرف القرآن و المعهود من خطابه / “القواعد الخطابية المقاصدية”.
– جمع ما تفرق من تفسير ابن القيم، في مؤلفاته، ما يزال بحاجة إلى جهود متواصلة، لتدارك ما فات مؤلف “بدائع التفسير الجامع”. بل تراث ابن القيم ما يزال الكثير منه بحاجة إلى تحقيق جاد، وفي أحسن الأحوال إلى إخراج جيد.
– البحث في أصول التفسير عند علم من مثل ابن القيم، بحر لا ساحل له، ألف في جوانب منها، لكن ما يزال الكثير منها بكرا لم يطرق؛ وكمثال على ذلك: التفسير الموضوعي للقرآن، التفسير المقاصدي، الوحدة البنائية للسورة، علم المناسبات… وغيرها.
– الكتب المفقودة من تراث ابن القيم، لا شك أنها تحمل في طياتها الكثير عن تفسير القرآن الكريم وعن أصوله، خاصة أن له كتبا هي من صميم هذا المجال، ذكرها هو نفسه في مؤلفاته، أو ذكرها مترجموه في تراجمهم له.. فخروجها إلى نور الوجود لا شك أنه فتح كبير على المكتبة التفسيرية.
وفي الأخير أجدد شكري وتقديري للسادة الأساتذة الأجلاء في لجنة المناقشة إشرافا وفحصا وتدقيقا؛ وكلي صدر رحب لتقبل ملاحظاتكم وتوجيهاتكم التي لن تكون إلا مزيد إنضاج وتكميل. فجزاكم الله عني خير الجزاء.
والحمد لله أولا وآخرا على فضله وإنعامه، فما كان من توفيق وسداد فمنه وحده سبحانه، وما كان من نقص وتقصير فمني ومن الشيطان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مريم الإدريسي
ميدلت، في: 26 دجنبر 2024 م