نوقشت يوم السبت 13 دجنبر 2025 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، تخصص الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة الإسلامية، في موضوع “قواعد الضمان وأحكامه عند المالكية وتطبيقاته في المجال الطبي المعاصر – نماذج مختارة -“، أنجزت من قبل الطالب الباحث عبد الواحد الخياري، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عمر جدية، وتكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة: إدريس الشرقي رئيسا، والدكتور عبد العزيز اليعكوبي، والدكتور عبد الله الهلالي، والدكتور عبد الغني يحياوي أعضاء.
وبعد إجراء المناقشة والتداول نال الطالب الباحث ميزة مشرف جدا، مع تنويه أعضاء اللجنة بالعمل وتوصية بطباعة البحث.
وتعميما للفائدة ننشر التقرير الذي أعده الباحث حول موضوعها :
تقرير مناقشة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السادة العلماء الأجلاء والأساتذة الفضلاء أعضاء لجنة المناقشة
السادة الأساتذة الذين شرفوني بحضورهم ودعمهم الكريم
أسرتي وأقاربي الأعزاء
زملائي وأصدقائي الأوفياء
أحييكم جميعا تحية تقدير وامتنان، وشكر وعرفان
حللتم أهلا، ونزلتم سهلا، طبتم وطاب ممشاكم.
يشرفني أن أقدم بين أيديكم تقريرا عن الأطروحة التي أعددتها لنيل شهادة الدكتوراة تحت إشراف الأستاذ الجليل الدكتور سيدي عمر جدية، حفظه الله.
فأقول مستعينا بالله:
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم نعمته علينا، ورضي لنا الاسلام دينا. وصلاة ربي وسلامه على المبعوث رحمة للعالمين، الهادي إلى الحق المبين، والصراط المستقيم، والمبلِّغ لشريعة رب العالمين، سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. وبعد:
فإن حفظ الضروريات من مقاصد الشريعة الإسلامية، وحفظ المال واحد منها، ومن أجل ذلك شُرعت أحكام تصونه، وتلزم مُتلفه والمعتدي عليه بضمانه وغرمه.
وإن من فقهائنا -رحمهم الله- من عمل على صياغة قواعدَ وضوابطَ فقهيةٍ تجمع ما تفرق في باب الضمان من مسائلَ وأحكامٍ، لكنها مع ذلك بقيت متفرقة في ثنايا كتب الفقه. إذ رُغم جهود العلماء لتدوين القواعد الفقهية في مصنفات خاصة، كما هو الحال في كتب (القواعد) و(الأشباه والنظائر) و(الفروق) وغيرها، فإن هذه المصنفات -على غزارة مادتها لم تستوعب كل القواعد الفقهية من جهة، ولم تفرد القواعد الخاصة بالضمان بالتأليف من جهة ثانية.
فكم من القواعد التي سطرها فحول الأئمة في كتب الفقه والنوازل والفتاوى والأقضية وغيرها، لا زالت مغمورة في مظانها، تنتظر من يُميط اللثام عنها ويبرز أهميتها للعيان، ليستنير بها أولو العقول ويسترشد بها أولو الألباب، خاصة في نوازل العصر المتسارعة وقضاياه المعقدة، التي تستوجب من الناظر الإلمام بتراثه الفقهي أولا، والإحاطة بواقع عصره ثانيا.
والمجال الطبي واحد من المجالات المشمولة بالضمان، فالطبيب ليس معصوما من الخطأ، ولا منزها عن الزلل. وإذا كان الفقهاء القدامى قد تناولوا أحكام ضمان الطبيب فيما يحدثه أو ينتج عن فعله، فإن هذه الأحكام منفردة لا تكفي لاستيعاب كل نوازل هذا العصر التي أفرزها التقدم العلمي والثورة التكنولوجية. مما يفرض على الدارسين النظر إلى هذه النوازل من منظور قواعد الشرع وأصوله بهدف التوصل إلى أحكام مشروعيتها من جهة، ومتعلقات الضمان فيها من جهة أخرى.
من أجل ذلك ارتأيت أن ينصب بحث الأطروحة المقدم لنيل شهادة الدكتوراة على هذا الموضوع، مُعنونا إياه بـ:
قواعدُ وأحكامُ الضمان عند المالكية وتطبيقاتُها في المجال الطبي المعاصر
– نماذجُ مختارة-
وتبرز أهمية الموضوع وأسباب اختياره في النقط التالية:
أولا– إن هذا البحث يعنى بعلم القواعد الفقهية، وأهمية هذا العلم لا تخفى، وفائدته لا تبلى، والحاجة إليه دائمة ومتزايدة، لاسيما في ظل تسارع المستجدات، وتكاثر النوازل.
ثانيا– إن هذا العمل يختص بالبحث في القواعد الفقهية المتعلقة بالضمان في المذهب المالكي وحده، دون غيره من المذاهب.
ثالثا– إن هذا البحث يعنى بتأطير الممارسات الطبية بشكل عام، والقضايا المعاصرة بشكل خاص من وجهة نظر فقهية، من حيث مشروعيتُها من جهة، ومن حيث ضمانُ ما يترتب عنها من جهة ثانية.
رابعا– أن جل القضايا الطبية المعاصرة -إن لم أقل كلها- هي مما استحدث في البلاد الغربية التي –في الغالب- لا تقيم وزنا للدين ولا تلقي بالا للقيم، مما يجعل بعض هذه القضايا مَحفوفا بمحاذير شرعية، فكانت الحاجة ماسة إلى بيان حدود الجائز منها من الممنوع، في ضوء نصوص الشريعة وقواعدها. لا سيما في هذا الزمان الذي تغولت فيه سلطة العلم، وهيمنت فيه التكنولوجيا.
خامسا– قلة الدراسات الجامعة التي تسعى لتحقيق الترابط والتكامل بين المحاور الرئيسة للبحث المتمثلة في القواعد الفقهية عند المالكية، في باب الضمان، وأثرها في النوازل الطبية المعاصرة. وأحسب أن هذا الموضوع لم يسبق لغيري –في حدود علمي- تناوله بهذه الأبعاد كلها.
وأما الإشكالية التي يتغيى البحث معالجتها، فتتلخص في كون هذا العمل يروم استقراء قواعد الضمان وأحكامه عند المالكية من أجل بيان مدى عنايتهم بالتقعيد الفقهي في هذا الباب، بالإضافة إلى كونه يهدف إلى دراسة نماذج من القضايا الطبية المعاصرة دراسة فقهية في ضوء هذه القواعد والأحكام، من أجل النظر في مشروعية هذه القضايا، والوقوف على حدود التبعات الشرعية التي تترتب على الطبيب فيها من جهة، وعلى الضمانات الشرعية التي سنها الشارع حماية لحقوق المرضى وجبرا للضرر الذي قد يلحق بهم نتيجة للفعل الطبي من جهة أخرى، مع عقد مقارنة بين ما تقرر من أحكام فقهية مع مقتضيات التشريعات والقوانين الخاصة بهذه القضايا في المغرب.
ويتفرع عن هذه الإشكالية سؤالان أساسيان:
الأول: ما مبلغ عناية فقهاء المالكية بالتقعيد الفقهي في الضمان؟
والثاني: ما مدى استيعاب القواعد والضوابط والأحكام الفقهية الواردة في الضمان عند المالكية للنوازل والمستجدات الطبية المعاصرة؟
أما الأهداف التي يروم هذا البحث تحقيقها، فألخصها في خمسة أهداف، وهي:
أولا: استقصاء القواعد الفقهية التي تعنى بالضمان عند المالكية، وجمعها وتوثيقها وتصنيفها. وذلك بهدف إبراز عناية المالكية بالتقعيد الفقهي عموما، وفي الضمان خصوصا.
ثانيا: إبراز أهمية القواعد الفقهية في جمع ما تفرق من المسائل والفروع في باب الضمان، من خلال إفراد نماذج من هذه القواعد بالدراسة.
ثالثا: محاولة استقراء الأحكام المتعلقة بالضمان عموما وفي المجال الطبي خصوصا عند فقهاء المالكية القدامى والمعاصرين.
رابعا: محاولة استقراء الآراء الفقهية الواردة في القضايا الطبية المدروسة، واستجلاء مواطن الضمان فيها، وتنزيل قواعده عليها.
خامسا: بيان أوجه الاتفاق والاختلاف في أحكام النوازل الطبية المختارة، بين الفقه المالكي، وبين القوانين المعمول بها في المغرب.
ولإنجاز هذه الأطروحة فقد اعتمدت بالأساس على المنهج الاستقرائي الذي وظفته في استقراء المادة العلمية المبثوثة في كتب التراث الفقهي المالكي، كما استعنت بالمنهج الوصفي للتـعريف بمفـردات العـنوان، وفي ترتيب وتصنيف القواعد الفقهية، وكذا في دراسة النماذج المختارة، وفي الترجمة للأعلام. ووظفت المنهج المقارن في المواطن التي تحتاج لعقد مقارنة.
أما الخـطـوات الإجـرائية التـفصيـلية العـمـلية للإنجاز فتمـثلـت فيما يلي:
فمن حيث التخريجُ والتوثيقُ وخدمةُ النص، فقد اجتهـــدت فــي خدمة النص وتقريبه -ما أمكن- من القارئ، مع تحري قدر الامكان ضوابطِ الأمانة العلمية.
فأما الآيات القـرآنيـة، فقد عملت على تخـريـجها بشكل موحد، مع الشكل التام، معتمدا في نقلها على المصحف المحمدي الرقمي برواية ورش، بالخط المغربي المبسوط، الذي أعدته مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.
وأما الأحـاديث النـبوية والآثار، فحرصت على إفرادها بخط خاص، وعلى تخريجها بالإحـالة عـــلى أصولـها ومصادرها الحديـــثيـة، وفي مقدمتها الصحيحان والموطأ وكتب السنن.
أما القواعد والضوابط الفقهية والقواعد الأصولية فقد عملت على تمييزها بخط خاص كذلك، وعلى توثيقها من مصادرها.
وأما باقي النقـــول فقد وثقتها مــن مـظـانها ومصادرهـا المخـتلـفة، بدءا بذكر عنوان المؤلَّف واسم المؤلِّف، ثم رقم الجزء – إن وجد-، ثم رقم الصفحة.
وفضلا عن كل ما سبق، فقد حاولت تقديم بعض الخِدْمات التكمـيلـية الأخـرى، مـن خـلال التعليـقات والتعقيـبات الموضحة للمقـام والمقـربة للمعـنى، إضافة إلى شرح المصطلحات التي تحتاج إلى بيان.
ومن حيث الببليوغرافيا، فـقـد اسـتـثـمرت عــــددا مهــما مـن المــصادر والمراجــع، جَمَـعَتْ بـيـن الـقــديــم والحـديــث والـمعـاصـر، فــي تخــصصات مخــتــلـفة منها الشـرعــيــة واللــغوية والمصطلحية والطبية والقانونية، وغـيـر ذلك مـما لـه صلــة بمـوضوع الأطروحة.
وانتظم هذا البحث في خطة قِوامها مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة ومجموعة فهارس.
أفردت المقدمة للحديث عن أهمية الموضوع، ودوافع اختياره، وأهدافه، وإشكاليته، ومنهج إنجازه، وخطواته الاجرائية، وذكر الدراسات السابقة ذات الصلة به، ووصف خطته وتقسيماته.
وجاء التمهيد في أربعة محاور، تناولت في المحور الأول مفهوم الضمان لغة واصطلاحا، وخلصت إلى أن الضمان يأتي في اللغة لإفادة معان متعددة منها الاحتواء، والالتزام، والحفظ، والرعاية، والحمالة، والكفالة، والزعامة، والقبالة، والأذانة، والصبر. أما في اصطلاح المالكية فإن الضمان يفيد معنى الحمالة، ولذلك عرفوه بقولهم “شغل ذمة أخرى بالحق”. ورغم أنني لم أقف على من خص الضمان بمعنى الغرم بالتعريف من السادة المالكية، إلا أنهم ذكروا ما يفيد هذا المعنى عند حديثهم عن الواجب في الضمان في كتاب الغصب.
وتحدثت في المحور الثاني عن مشروعية الضمان وبينت أدلة كل من الضمان بمعنى الحمالة، والضمان بمعنى الغرم.
وفي المحور الثالث تحدثت عن أركان الضمان بمعنييه.
وتحدثت في المحور الرابع عن أقسام الضمان عند المالكية وأسبابه.
أما الباب الأول فخصصته لـ“قواعد الضمان في الفقه المالكي” وقسمته إلى ثلاثة فصول.
أفردت أولها للحديث عن قواعد الضمان في العقود عند المالكية، وذلك في أربعة مباحث.
تناولت في المبحث الأول القواعد الواردة في باب الحمالة، ومنها قاعدة “الزعيم غارم“، وقاعدة: “الضمان لا يبرِئ ذمة المضمون عنه“.
وتناولت في المبحث الثاني قواعد الضمان في العقود، ومنها قاعدة: “الخراج بالضمان“. وقاعدة: “الرهن ممن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“.
وتناولت في المبحث الثالث قواعد في تضمين الصناع. ومنها قاعدة: “الصانع المشترك يضمن“. وقاعدة: “الأجير مؤتمن“.
وخصصت المبحث الرابع لدراسة قاعدة: “الخراج بالضمان“.
وقد اتبعت في دراسة القواعد المختارة طريقة موحدة تقوم على بيان المعنى العام للقاعدة، وحِجيتِها، وصيغِها عند المالكية، وعند غير المالكية، مع ذكر بعض تطبيقاتها ومستثنياتها.
وأما الفصل الثاني فأفردتهللقواعد الفقهية الخاصة بأسباب الضمان عند المالكية، وذلك في أربعة مباحث.
تناولت في المبحث الأول القواعد الفقهية المتعلقة بالإتلاف والتسبب فيه، ومنها قاعدة: “العمد والخطأ في ضمان المتلفات سواء“، وقاعدة: “التسبب في الإتلاف يوجب الضمان“.
وفي المبحث الثاني تحدثت عن القواعد المتعلقة بوضع اليد، ومنها قاعدة: “وضع اليد في مال الغير بغير شبهة يوجب الضمان”. وقاعدة: “المفرط ضامن“.
وتناولت في المبحث الثالث القواعد الواردة في المعتبر في تقويم المتلفات، ومنها قاعدة: “الواجب مثله“، وقاعدة: “القيمة تقوم مقام العين“.
وخصصت المبحث الرابع لدراسة قاعدة: “السبب والمباشرة “.
وأما الفصل الثالث فأفردته للحديث عنالقواعد الفقهية الخاصة بسقوط الضمان عند المالكية، وذلك في أربعة مباحث.
تناولت في المبحث الأول القواعد المتعلقة بسقوط الضمان للأمانة وعدم التعدي، ومنها قاعدة: “الأمين لا ضمان عليه“. وقاعدة: “الوديعة أمانة محضة، لا تضمن إلاّ بالتعدي“.
وفي المبحث الثاني تناولت قواعد سقوط الضمان عن المأذون له وللضرورة وفي الجائحة، ومن هذه القواعد قاعدة: “كل من أخطأ فيما أذن له فيه لم يضمن إلا أن يَغُر أو يتعدى“، وقاعدة: “الاضطرار مبيح مالَ الغير“.
وخصصت المبحث الثالث لدراسة قاعدة: “الاذن العام لا يسقط الضمان، والإذن الخاص يسقطه“.
كما أفردت المبحث الرابع لدراسة قاعدة: “الأصل ألا يحمل أحد جناية غيره“.
وأما الباب الثاني فوسمته بـ“أحكام الضمان في الفقه المالكي“، وقسمته إلى ثلاثة فصول كذلك.
أفردت الفصل الأول للحديث عن أحكام الضمان في العقود والتصرفات والأفعال المضمونة عند المالكية، وذلك في أربعة مباحث.
تناولت في المبحث الأول أحكام الضمان في البيوع. بينت فيه مفهوم البيع، وأحكام الضمان المتعلقة ببيع الخيار، وبالبيع الفاسد، وبالمبيع المحبوس في الثمن، وفي الرد بالعيب، وفي تلف المبيع قبل القبض، وفيما أصابته الجائحة.
وتناولت في المبحث الثاني أحكام الضمان في الهبة، بينت فيه مفهوم الهبة عموما وحقيقةَ هبة الثواب خصوصا وحكمَها، ومسائل الضمان المتعلقة بها.
وفي المبحث الثالث تناولت أحكام الضمان في الغصب والتعدي والاتلاف، بينت فيه الفرقَ بين الغصب والتعدي والإتلاف، وأحكام الضمان المتعلقة بالأرض المغصوبة وبمنافعها، وبالسرقة، وبإتلاف مال الغير.
في حين تناولت في المبحث الرابع بعض الأحكام المتفرقة في التصرفات والأفعال المضمونة، تحدثت فيه عن أحكام الضمان في الصداق، وفي الإرث، وفي الشهادات، وفي التفليس، وفيما يصيبُه الصغير بفعله، وما يصيب الصغيرَ بسبب استعماله من قبل الغير، وفي حوادث الاصطدام.
وأما الفصل الثاني فأفردته للحديث عنأحكام الضمان في العقود والتصرفات والأفعال المأمونة (أقصد التي الأصل فيها الأمانة)، وذلك في خمسة مباحث.
تناولت في المبحث الأول أحكام الضمان في الشركة، بينت فيه مفهوم الشركة وأنواعَها، وأحكامَ الضمان المتعلقة بشركة الأموال وبشركة الأبدان.
وتحدثت في المبحث الثاني عن أحكام الضمان في القراض والوكالة، بينت فيه أحكام الضمان المتعلقة بعامل القراض، كما تحدثت عن الصور التي يضمن فيها الوكيل.
وفي المبحث الثالث تناولت أحكام الضمان في الوديعة، بينت فيه مفهوم الوديعة والتصرفات التي توجب الضمان على المودَع عنده وأحكام الضمان فيم يصيب الوديعة بسبب المماطلة في الرد.
وفي المبحث الرابع تحدثت عن أحكام الضمان فيما تحدثه العجماء وفي دفع الصائل، بينت فيه صور ضمان ما تحدثه المواشي والدواب، وصور الضمان في دفع الصائل وفي فعل المجنون.
وفي المبحث الخامس تحدثت عن أحكام الضمان في القضاء والوصايا، تناولت فيه صور تضمين القاضي والحالات التي يكون فيها الوصي ضامنا رغم أن الأصل فيهما معا الأمانة.
وأما الفصل الثالث فأفردته للحديث عنأحكام الضمان في العقود والتصرفات والأفعال المترددة بين الأمانة والضمان عند المالكية، وذلك في أربعة مباحث.
تناولت في المبحث الأول أحكام الضمان في الرهن، تحدثت فيه عن أقسام الرهن باعتبار الضمان وعدمه، وعن مدخل الضمان في غَلة الرهن وخراجه، وعن الرهن على شرط الضمان أو على شرط إسقاطه.
وفي المبحث الثاني تحدثت عن أحكام الضمان في العارية، تناولت فيه حقيقة العارية ومشروعيتها، ومدخل الضمان فيها، وأحكام العارية على شرط الضمان، وعلى شرط إسقاطه، وما يلزم المستعير في حال التعدي على العارية.
وتناولت في المبحث الثالث أحكام الضمان في اللقطة، تحدثت فيه عن حقيقتها وصور الضمان فيها، وفي ما أُكِل من لقطة الطعام، وفي استعمال اللقطة والانتفاع بغلاتها، كما تحدثت عن أحكام تضمين الملتقط الذي يدفع بالعلامة أو بالأمارة،
وفي المبحث الرابع تناولت أحكام الضمان في الكراء وفي الاجارة، وفي الكراء على شرط الضمان، وتضمين حامل الطعام وأمانة حارسه.
أما الباب الثالث فوسمته بـ”أثر قواعد الضمان عند المالكية في قضايا طبية معاصرة“، وقسمته إلى ثلاثة فصول كذلك.
خصصت أولها للحديث عن الضمان في الطب في الفقه المالكي، وذلك في مبحثين.
تناولت في المبحث الأول حقيقة الطب والمسئولية الطبية، بينت فيه مفهوم الطب، والخطأ الطبي، والمسئولية الطبية، وأقسامها وموجباتها.
وفي المبحث الثاني تناولت قواعد وأحكام ضمان الطبيب عند المالكية، تحدثت فيه عن صور تضمين الطبيب وصور عدم تضمينه، وعن القواعد الفقهية التي يمكن تطبيقها عليه، كقاعدة: “من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك، فهو ضامن“.
وقاعدة: “من فعل فعلا يجوز له من طبيب وشبهه على وجه الصواب فتولد منه هلاك أو تلف مال فلا ضمان عليه”.
وتحدثت أيضا عن السراية وعن القواعد الفقهية التي يسعف النظر تنزيلها عليها، كقاعدة: ” كل فعل كان مضموناً في الابتداء كان ما سرى إليه مضموناً، وكل ما كان غير مضمون في الابتداء كان ما سرى إليه غير مضمون”، التي وردت عند غير المالكية بصيغة سراية الجناية مضمونة، وسراية الواجب مهدرة”.
وأفردت الفصل الثاني للحديث عن الضمان في بعض القضايا الطبية المعاصرة، وذلك في ثلاثة مباحث.
تناولت في المبحث الأول التجارب الطبية، تحدثت فيه عن مفهوم التجربة الطبية وعن الضمانات الممنوحة للمشاركين في الأبحاث الطبية في التشريع المغربي. كما تحدثت عن القواعد الفقهية التي يمكن إعمالها في باب التجارب الطبية.
وفي المبحث الثاني تناولت زراعة الأعضاء، فبينت حقيقتها، واستقريت الآراء الفقهية الواردة في مشروعيتها، كما ذكرت قواعد الضمان التي يمكن تنزيلها عليها.
وتحدثت في المبحث الثالث عن التلقيح الاصطناعي، فبينت حقيقته، وحكمه، وصوره الجائزة، وصوره الممنوعة، وذلك بعد استقراء آراء العلماء والمجاميع الفقهية الواردة فيه، كما تحدثت عن قواعد الضمان التي يمكن تنزيلها عليه. وتطرقت أيضا إلى الآراء الفقهية الواردة في مسألة الأرحام المضيفة.
في حين أفردت الفصل الثالث للحديث عنأثر قواعد الضمان عند المالكية في البنوك الطبية، وذلك في ثلاثة مباحث.
تناولت في المبحث الأول بنوك الحليب، فبينت حقيقة هذه البنوك ونشأتها، وحكمها الشرعي، والقواعد الفقهية الممكن تنزيلها عليها.
وتحدثت في المبحث الثاني عن بنوك الدم، فبينت حقيقتها، وحكم نقل الدم وحكم إنشاء بنوكه، والقواعد الفقهية التي يمكن إعمالها فيها.
وتناولت في المبحث الثالث بنوك المني وبنوك الأجنة، بينت فيها حقيقة كل نوع منهما، والأقوال الواردة في حكمهما والقواعد الفقهية التي يمكن إعمالها فيهما.
وأما الخاتمة فضمنها أهم النتائج والخلاصات التي توصلت إليها، والتي أجملها فيما يلي:
أولا: إن عدد قواعد الضمان التي يسر الله لي جمعها وتوثيقها (والتي تزيد عن خمسين ومئتي (250) قاعدة وضابط فقهي) لدليل على العناية الكبيرة التي أولاها فقهاء المالكية للتقعيد الفقهي في باب الضمان.
ثانيا: ضمان المبيع في أيام الخيار من البائع في كل الأحوال إلا إذا هلك المبيع في يد المشتري وكان مما يغاب عليه، ولم تقم له بينة على ذلك.
ثالثا: ضمان السلعة في البيع الفاسد من المشتري بعد القبض، ومن البائع قبله، وغَلته للمشتري بعد القبض وللبائع قبله.
رابعا: الرد بالعيب هو حق من حقوق العباد الثابتة بقوة الشرع لا بقوة الشرط، وفي ضمان المبيع في الرد بالعيب في المذهب خلاف، واختيار الشيخ خليل أنه من البائع إن رضي بذلك، أو ثبت عند الحاكم وإن لم يَحكم به.
خامسا: المحبوسة في الثمن تضمن ضمان الرهن، فمصيبتها من المشتري إن كانت مما لا يغاب عليه، ومن البائع إن كانت مما يغاب عليه.
سادسا: هبة الثواب كالبيع رغم مخالفتها له من وجوه، يضمنها الموهوب له إذا كانت مما يغاب عليه وليس له بينة على تلفها.
سابعا: اللقطة تتردد بين الأمانة والضمان بحسب قصد الملتقط، فمن التقطها بنية الحفظ والتعريف فهي أمانة، ولا يضمن ما أصابها ما دام على ذلك القصد. وأما من التقطها بقصد الاختزال فهي مضمونة حتى وإن تاب وعرف عملا بقاعدة: اليد إذا اتصفت بصفة الخيانة في الابتداء استحال أن تنقلب إلى صفة الأمانة في الانتهاء.
ثامنا: الخطأ في تعريف الفقهاء هو ما لم يقصده الفاعل ولم يرده وأراد غيره. والمسئولية الطبية هي التبعة التي يتحملها الممارس في المجال الطبي لجبر ما يلحق المريض من ضرر بسبب تعديه. وعليه فليس كل عمل طبي تخلف الشفاء فيه أو حصل ضرر بسببه يعد خطأ طبيا، لأن المطلوبَ من الطبيب بذلُ العناية، لا تحقيقُ الغاية.
تاسعا: الضمان على الطبيب الجاهل والطبيب المتعدي فيما ينتج عن فعلهما، ولا ضمان على الطبيب العارف فيما أخطأ فيه، ولا في ما سرى إليه فعله.
عاشرا: لا ضمان على المتدخل في الأبحاث والتجارب الطبية فيما يصيب المشاركين إذا التزم بقواعد وأخلاقيات المهنة ولم يتعد.
حادي عشر: اتفاق كل الآراء الفقهية التي وقفت عليها على جواز نقل الدم من إنسان إلى آخر، وعلى جواز إنشاء مراكز لتجميعه وحفظه.
ثاني عشر: انقسام العلماء المغاربة في مسألة نقل الأعضاء إلى فريقين: فريق مانع وفريق مجيز. وإجماع المجاميع الفقهية على جواز نقل الأعضاء من الحي، ومن الميت بعد إذنه أو إذن ورثته، ومن الحيوان، مع اختلافهم في الخنزير. وذلك بشروط .
ثالث عشر: اتفاق كل الآراء الفقهية التي وقفت عليها على عدم جواز نقل العورات المغلظة وكل عضو من الأعضاء التناسلية يمكن أن يحمل الصفات الوراثية أو يفرزها بعد نقله.
رابع عشر: انقسام الفقهاء في حكم التلقيح الاصطناعي إلى فريقين، فريق منعه بالكلية. وفريق أجازه للضرورة بشرطين، أولهما: عدم تدخل طرف ثالث أجنبي عن الزوجين، لا بالبويضة ولا بالمني ولا بالرحم، وثانيهما: قيام الزوجية. وبالقول الثاني أخذ القانون المغربي.
خامس عشر: اتفاق جل الآراء الفقهية – إلا ما شد منها- على عدم جواز الرحم المُضِيف ولو كان رحمَ زوجة ثانية للزوج نفسه، وبهذا قال المشرع المغربي.
سادس عشر: اتفاق كل الآراء الفقهية التي وقفت عليها، باستثناء رأي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، على عدم جواز إنشاء بنوك الحليب، وحِرمة استفادة أبناء المسلمين منها، وعدم جواز التبرع بالحليب لهذه البنوك أو بيعه لها.
سابع عشر: ترجيح حِرمة إنشاء بنوك النطف والبويضات والأجنة، وحِرمة التعامل معها.
وإكمالا للصورة وخدمة للقارئ الكريم، فقد ذيلت هذا البحث بمجموعة فهارس بلغت في مجملها عشرة شملت: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والقواعد الفقهية، والضوابط الفقهية، والقواعد الأصولية، والمصطلحات، والأشعار، والأعلام، والمصادر والمراجع، والمحتويات.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أجدد شكري وامتناني لأستاذي الجليل الدكتور سيدي عمر جدية الذي شرفني بإشرافه، وأكرمني بصحبته، وغمرني بفيض علمه وجميل خلقه، وتعهدني بسديد نصحه وتوجيهه وإرشاده.
ولأساتذتي الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة الذين تجشموا عناء تقييم هذا العمل، وأكرموني بقبول مناقشته. فجزاهم الله عني خير الجزاء وأوفاه، وتقبل منهم جهودهم وتضحياتهم وجميل صنيعهم، وجعل ثواب كل ذلك في ميزان حسناتهم.
فضيلة الأستاذ الدكتور سيدي ادريس الشرقي
و فضيلة الأستاذ الدكتور سيدي عبد الله الهلالي
وفضيلة الأستاذ الدكتور سيدي عبد الغاني يحياوي
وفضيلة الأستاذ الدكتور سيدي عبد العزيز اليعكوبي.
وبنفس عبارات التقدير والثناء والعرفان بالجميل، أتوجه إلى السادة العلماء الأجلاء، والأساتذة الفضلاء، الذين شرفوني بحضورهم. والذين أحاطوني بدعمهم الأبوي الكريم، وبتشجيعهم الأخوي النبيل.
وإلى زوجتي الكريمة وأبنائي الأعزاء الذين دعموني وآزروني طيلة مدة الانجاز في صبر وأنات ونكران ذات.
وإلى كل الأقارب والأصهار والأصدقاء والزملاء الكرام.
وإلى كل الحاضرين والحاضرات كل باسمه وصفته وجميل وسمه.
مرة أخرى لكم مني جميعا -أيها الأفاضل- خالص الشكر والعرفان، وجميل التقدير والامتنان، سائلا المولى عز وجل أن يجزيكم أحسن الجزاء وأوفاه، ويبلغ كلا منكم قصده ومناه، ويفرحكم يوم لقاه، بدخول جنته ونيل رضاه. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
لتحميل التقرير بصيغة pdf المرجو الضعط هنا


