البرنامج التكويني في مادة: “قواعد المقاصد” ضمن مشروع: أكاديمية مقاصد.

تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي.

الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي

ملخص الحصة 27

64- المصلحة المُحافِظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها 65- يجوز التخصيص بالمصلحة.

نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق.

1-قال الإمام الغزالي رحمه الله:” وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع؛ فلا وجه للخلاف في اتباعها؛بل يجب القطع بكونها حجة” المستصفى، ً179

 2- قال الشاطبي رحمه الله في:”الاعتصام”:”فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، وتبين لك اعتبار أمور:

أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلته”. الاعتصام.

3- قال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي رحمه الله:

“واعلم أن المصالح المرسلة عند المالكية من جملة المخصِّصات، فقد قال مالك في المرأة إذا كانت شريفة القدر: لا يلزمها إرضاع ولدها إن قَـبل ثديَ غيرها، لمصلحة المحافظة على جمالها، جريًا على عادة العرب في ذلك. وخَصَّ بذلك عمومَ القرآن، صرح بذلك ابن العربي في الأحكام” الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي،1/161

4- وقال  أيضا نقلا عن الزركشي الشافعي:” إن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، قال الخوارزمي[(ت775ه)] هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق” الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي1/156.

الملخص:

تقديم الأستاذ المسير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نلتقي بإذن الله تعالى وبحوله وقوته في هذه الحلقة، التي سنتناول فيها قاعدتين اثنتين من قواعد باب الاجتهاد المقاصدي.

القاعدة الأولى، وهي القاعدة الرابعة والستون، عنوانها: «المصلحة المحافظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها».

والقاعدة التي تليها وهي القاعدة الخامسة والستون في ترتيب الكتاب، تقول: «يجوز التخصيص بالمصلحة».

وأذكّر  في البداية أن هاتين القاعدتين تنتميان إلى باب الاجتهاد المقاصدي. وحين بدأنا في قواعد هذا الباب ذكّرنا أستاذنا، جزاه الله خيراً، بأن الخوض في هذا الباب والباب الذي يليه؛ كأنه انتقال من مستوى الماجستير إلى مستوى الدكتوراه، ولذلك أوصانا حفظه الله تعالى بأن نحرص أكثر على هذين البابين، فنعوّل، كما قال على الهمم وعلى المجهودات الشخصية، وذلك بالقراءة القبلية في الكتاب، والمتابعة التامة للمحاضرات، [وضبط محتوى الملخصات التي تُرسل]؛ وطرح الأسئلة، والمناقشة الجادة. فجزاه الله خيراً.

وباسمكم جميعاً أتقدم للدكتور أحمد الريسوني حفظه الله تعالى بالشكر الجزيل، والدعاء أن ينفعه الله سبحانه وتعالى بما يقدمه لنا في الدنيا والآخرة، وأن يمتعه بالصحة والعافية، وأعطي الكلمة لفضيلة الشيخ حفظه الله تعالى.

مُداخلة الدكتور أحمد الريسوني بتصرف يسير.

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رَشَدا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.

تمهيد:

أما بعد حضرات الإخوة والأخوات الكرام حفظكم الله جميعا؛ مما كنت أوصيت به، وهو أننا في هذين البابين الأخيرين نرتقي إلى مستوى أعلى من حيث القواعد ومن حيث موضوعات البابين. وأذكّر بما كنت قلته، ولكن طبعاً نحن نعلم أن معظمكم دكاترة أصلاً، ولكن الآن دكتوراه في المقاصد، هذا ما كنت كتبته: دكتوراه في المقاصد. كل واحد له اختصاص: أصول، وحديث، وعلوم القرآن، ولكن الآن كأنه تخصص أكثر خصوصية، تخصص المقاصد. ومثّلت بالدكتوراه لأنها تعتبر أعلى مستوى دراسي، وإلا فمنكم من هم أعلى من مستوى الدكتوراه. حفظكم الله ووفقنا جميعا.

قواعد باب الاجتهاد المقاصدي يحتاجها المجتهدون أكثر من غيرهم.

 قواعد هذا الباب هي في الأصل موجهة للفقهاء وللمجتهدين وللسائرين في هذا الطريق، طريق الاجتهاد وطريق التخصص في علوم الشريعة، وخاصة الفقه وأصول الفقه. فنحن نتناولها بهذا الاعتبار، أننا سائرون في هذا الطريق، وفي طريق التخصص، وفي طريق الارتقاء، ولكن قبل ذلك في طريق فهم مسالك المجتهدين، وقواعد المجتهدين التي ساروا عليها وأرسوْها عملياً ونظرياً.

فلذلك إذا كان الباب السابق بالدرجة الأولى موجهاً للمكلفين، وقبله أيضاً بقية الأبواب، فإن قواعد هذا الباب موجهة للفقهاء ومن هم في هذا الطريق. أو تشبه ما سبق، ولكن مع اختلاف في المنطلق، اختلاف في المرمى والوجهة. فالقواعد السابقة في معظمها موجهة للمكلفين لإفهامهم، بمن فيهم العلماء والفقهاء، ولكن الآن، بصفة خاصة، الخطاب موجه للمجتهدين وللفقهاء والدارسين. فلذلك حتى لو وقع نوع من التكرار، هناك وجه جديد لهذه القواعد وإعمال جديد لهذه القواعد، ومنها التي وردت في هذا الباب بعبارات جديدة وبأمثلة جديدة، هي موجهة للفقهاء ليعرفوا المصلحة: كيف يكون إعمالها، ومتى يكون إعمالها، إلى آخره، كما سنرى في قاعدتي هذا اليوم.

القاعدة الأولى: المصلحة المحافظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها

إذن قاعدتنا الأولى، كما تعلمون، هي: «المصلحة المحافظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها». وقد يكون من المفيد أنني تعمّدت اختيارها للتعبير عن هذا المعنى، وأن تكون منسوبة للإمام الغزالي دون سواه، وليس للشاطبي ولا لابن العربي[1].

استدراك على ما شاع عن الغزالي(ت505ه)

تعمدت الاستدلال بقول الغزالي  لما اشتهر عنه أنه خصم للمصلحة، ورافض لاعتبارها دليلا معتبرا؛ ويعتبرها من الأدلة الموهومة، ومما يُظن أنه دليل وليس بدليل، هكذا يقول. ووضع للعمل بالمصلحة شروطاً:

أن تكون ضرورية،وقطعية، وكلية، واعتبره عدد من العلماء رافضا المصلحة نهائياً، انسجاما مع المذهب الشافعي.

ولكن تتبُّع كلام الإمام الغزالي، سواء في المستصفى، حيث وردت العبارة التي سبق أن أشرت إليها: «من استصلح فقد شرع»، لكن تتبُّع كلامه من الكتب، وخاصة الكتب المتأخرة، والمستصفى من كتبه المتأخرة، وكذلك إحياء علوم الدين، وقد نقلت منه، فهذان من المؤلفات المتأخرة للإمام الغزالي ألفها في السنين الأخيرة من حياته رحمه الله.

فإذن؛ هذه قاعدته، هذه عبارته ولفظه، وهو: أن المصلحة المحافظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها، وليس: يجوز اتباعها. «يجب اتباعها» عبارة قوية جداً، قد لا نجدها بهذه القوة والجزم حتى عند بعض المالكية؛ فقد يقولون: يجوز العمل بالمصلحة، أو يصح، ولا يقولون: يجب اتباعها.

وعنده عبارات أخرى تجدونها في الكتاب لا تقل قوة، منها أنه قال: «والفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت». الفتوى حيث لا نص، الفتوى حينما لا يكون هناك نص، يقول: والفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت. ويرى أن هذا ما يجب على الفقهاء وعلى ولاة الأمور: أنه إذا لم يوجد نص، فالمصلحة المتضمنة والخادمة لمقصود الشرع، ولمقاصد الشرع بصفة عامة، يجب اتباعها، كما قال الآن.

إذن الإمام الغزالي، كما قلت، هو أكثر من اعتنى بالتناول الأصولي لموضوع المصلحة، وإن كان قد يبدو منافياً لبعض كلامه الآخر كما ذكرت. ولعله رحمه الله، وأرجو أن تؤكدوا ذلك ولو مستقبلاً، أو بالعكس تؤكدوا عدمه، هو أول من استعمل لفظ «المصلحة المرسلة»، وليس المالكية، وهذا من الغرائب. فالمصلحة المرسلة، فيما أتذكر، أول ما أجد هذه العبارة عند الغزالي في المستصفى. وهذا من تبريزه في هذا الموضوع، وفي موضوعات كثيرة. ذكرت كذلك غير ما مرة أنه أول من أدخل حفظ العقل ضمن الضروريات الخمس؛ فقبله الراغب الأصفهاني وغيره كانوا يذكرون المقاصد الأربعة ولا يذكرون العقل بشكل مستقل، فالإمام الغزالي عنده سوابق وأوّليات، أوّليات عديدة تدل على عبقريته،  وفضله واجتهاده رحمه الله.

إذن الإمام الغزالي هو أول من تناول موضوع المصلحة تناولاً أصولياً. قبله كان التناولُ عَرَضيا، في بعض الاستشهادات العَرَضية والفقهية، ولو أُفرد للمسألة بحث أصولي، لكان في أكثر من عشر صفحات، وربما يكون غير مسبوق، وفي كلامه تأصيل أصولي كما سنرى: هل هي حجة أم ليست بحجة،

و في قاعدتنا: “حجة يجب اتباعها”. ولا أدري هل قال بهذه الألفاظ الأصولية وهذه المصطلحات الأصولية أحدٌ قبله، من المالكية أو من غيرهم.

بعد الإمام الغزالي، أكثر من اهتم بهذا الموضوع أيضاً، موضوع حجية المصلحة عند المذاهب الإسلامية، هو الإمام القرافي، في كتابه «نفائس الأصول»، وقد أرسلت لقطة أو فقرة منه لأعرف به وأذكّر به. الإمام القرافي كلامه مكمّل لكلام الغزالي، وربما ضابط لكلام الغزالي. ومن ضبطه لكلام الغزالي أنه ردّ عليه بعض الأمور، منها أن الإمام الغزالي اشترط للمصلحة أن تكون قطعية، أن تكون كلية،  وضرورية. فعلى كل حال، الإمام الغزالي قال: المصلحة لا يمكن ولا يُقبل العمل بها في التحسينيات والحاجيات، قال: ولكن في الضروريات والقطعيات يمكن أن يذهب إليها اجتهاد المجتهد. فالإمام القرافي قال: هذا كلام ينبغي أن يُعكس حتى يصح، لأنه تساهل في الضروريات وأجاز أن نعتمد فيها المصلحة، والضروريات، بحسب القرافي، هي قمة الديانات وأخطرها شأناً، فكيف يجوز  أن نعمل  فيها بالمصلحة، والمصلحة فيها رأي وفيها ذاتية؟ ولو قيل العكس لكان أقرب إلى الصواب.

ثم كذلك صحّح القرافي شيئاً كان سائداً إلى وقته، وسائداً بعده، وأراه للأسف ما زال سائداً إلى اليوم، وهو أن المصلحة المرسلة، وسد الذرائع من خصائص المذهب المالكي. قال: وليس كذلك، وإنما هي لجميع المذاهب؛ وشمّر وأبان، وأثبت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك.

وطبعاً حوار المالكية في هذه المسائل الأصولية هو مع الشافعية بالدرجة الأولى، وخاصة في هذا الموضوع، ولذلك ركز الإمام القرافي على نقد الشافعية ومحاورتهم في قضية المصلحة، وأورد عشرات الأمثلة الفقهية من المذهب الشافعي، خاصة من “الجويني”عميد مذهبهم وصاحب «نهاية مطلبهم»، عشرات المسائل من كتاب «الغياثي» وحده، وهو كتاب صغير، وأيضاً من غيره. وكثير منها في السياسة الشرعية، يقول: هذه لا أصل لها إلا المصلحة.

وقال: هذا يدل على أن الشافعية لهم من العمل بالمصلحة أكبر نصيب، وهم يقولون: نحن لا نعتمد المصلحة وإنما نعتمد الأصول. قال: ولو قال قائل بالضد لكان صحيحاً، يعني أنهم هم أكثر من يعتمد المصلحة المرسلة.

وهكذا بقية المذاهب، لأن التركيز على الشافعية وإظهار أنهم يعملون بالمصلحة يُثبت ذلك من باب أولى في المذاهب الأخرى. المذهب الحنبلي كذلك، حيث لا نص فهم يلجؤون إلى المصلحة، وأما المذهب الحنفي فهو كذلك، وهو أقرب المذاهب إلى المذهب المالكي. فإذن الإمام القرافي أعطى دفعة قوية لحجية المصلحة بالرد على بعض عبارات الإمام الغزالي، وبإثبات أنها في جميع المذاهب، ويقصد المذاهب الأربعة؛ لأن الظاهرية بدون شك يرفضون المصلحة، هذا لا شك فيه. إذن فالحظر الذي كان عند الشافعية وعند غيرهم، أو التردد على الأقل، رفعه القرافي ، وأصبحت المذاهب الأخرى أيضاً تتغير نظرتها.

ثم جاء الزركشي في «البحر المحيط» فأكد ما قاله القرافي؛ لم يذكره باسمه؛ ولكن قال كلاماً لا أحسبه إلا مبنياً على كلام القرافي، وذكر بصفة خاصة، وهو من أئمة الشافعية: الإمام الشافعي، وأنه عامل بالمصلحة، وبالكليات، وبالقواعد الكبرى للشريعة، وهي قواعد مصلحية.

الكتابات المعاصرة في موضوع “المصلحة”

 وجاء العصر الحديث فكُتبت كتابات كثيرة جداً في مؤلفات خاصة بالمصلحة، وأثبتت كل هذا بتفاصيل غاية في الكثرة وفي الوضوح. فكتب الدكتور حسين حامد حسان، وكتب الدكتور البوطي، رحمهما الله، وكتب مصطفى زيد رحمه الله، وتوالت المؤلفات المعاصرة، عند علال الفاسي، وعند ابن عاشور.

فإذن؛ حجية المصلحة التي تشير إليها أو تصرح بها هذه القاعدة، نقول بدون تردد إنها أصبحت مجمعاً عليها، عملياً ونظرياً.

علماء زماننا مُجمعون على اعتماد المصلحة المرسلة دليلا؛

أتذكر ندوة قبل أشهر في الجامعة، وكان فيها أبرز أصولي في السعودية، وهو الدكتور عياض بن نامي السلمي، وكان فيها الشيخ ابن بيّه، وكان فيها علماء وأساتذة من مختلف الدول العربية، وكانت حول: “أصول الاجتهاد في ظل التطورات والمستجدات المعاصرة”، وتحدث فيها الناس وقُدّمت عروض. فأثناء إحدى الاستراحات لقيني هذا الصديق العزيز، الدكتور عياض بن نامي السلمي، وقال لي: لقد سيطرت الأصول المالكية؛ ولعله حنبلي المذهب، والمشاركون من جميع المذاهب، ولكن كان الكل يؤكد على أن المصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع وغيرها من القواعد التي اشتهر المالكية برعايتها، كان الجميع يقول: هذا هو المخرج في هذا العصر بالخصوص، حيث لا حدود للمستجدات والإشكالات، والغرائب، والعجائب والتحديات.

الآن؛ هذه الأصول هي التي تمكننا من استيعاب كل هذه التطورات. فهذا كان قصده: أن الجميع جاء يدافع عن أصول كانت إلى وقت قريب تُعد أصولاً مالكية، ولكنها الآن أصول إسلامية عالمية، عالمية في الزمان والمكان، ومنها وأهمها وأبرزها المصلحة المرسلة.

أما الإمام الشاطبي فله إضافة مهمة جداً، رغم أنها في معناها أو معانيها تكون تحصيل حاصل، لكن أحياناً إخراج هذا الذي نصفه بأنه تحصيل حاصل،  والتعبير عنه وإبرازه بشكل مستقل، يكون تطوراً علمياً كبيراً، وهذا هو ما فعله الشاطبي مع المقاصد بصفة عامة. إذا بحثنا عن الجديد عند الشاطبي في «الموافقات» قد نجده خمسة بالمئة أو عشرة بالمئة، والباقي كله موجود، ولكن إخراجه والاستدلال له وإبرازه، هذا شيء عظيم جداً ويعد تطورا.

وهناك إشكال أو استشكال عند بعض الدارسين، وعند بعض الفقهاء والأصوليين أنفسهم، أجاب عنه الإمام القرافي في كتاب «نفائس الأصول»، وأورده على شكل سؤال، أظن أني أرسلته أيضاً[2]، سؤال وأجاب عنه، وهو: ما الفرق بين الاستحسان والمصلحة المرسلة ؟ فالسؤال أو التساؤل مفاده أن الاستحسان مصلحة والمصلحة استحسان. فأجاب عنه بما يلي: أن المصلحة المرسلة تكون حيث لا نص؛ المسألة التي نُعمل فيها المصلحة ونسميها مصلحة مرسلة لا نص فيها، بينما الاستحسان يكون مع وجود دليل معارض. المصلحة المرسلة ليس فيها دليل معارض، لا تأتي لتزاحم دليلاً قائماً على وجه من الوجوه بينما الاستحسان يكون في مواجهة دليل موجود، إما نص أو قياس.

فعند الحنفية أن الاستحسان يزاحم القياس في بعض الأمور، يزاحمه، ويزيحه في بعض الأمور؛ يقول الحنفية: هذه قياسها كذا، ولكن الاستحسان كذا. إذن يأتي الاستحسان في بعض الحالات، وبشروط وبضوابط معروفة عند الحنفية، يأتي لينحّي القياس ويحل محله. وقد يكون أيضاً في مقابل بعض النصوص في عمومها، فلا يؤخذ بالعموم ويؤخذ بالاستحسان.

أما عند المالكية، فالمصالح المرسلة لا تكون إلا عند عدم وجود نص فيه حكم، أو في مواضع ومواضيع لا حكم فيها أصلاً، جرداء بيضاء، فيُلجأ فيها إلى المصلحة المرسلة، وهذا تقريباً هو الذي قلت من قبل إنه مجمع عليه الآن. أما الاستحسان فهو أن يكون في المسألة نص، ولكن مع ذلك الاستحسان يقتضي شيئاً، نوعاً ما وإلى حد ما، مخالفاً للنص، إما على سبيل التقييد، أو على سبيل التخصيص، أو على سبيل رفع الحرج، إلى آخره. فإذن وجوه الاستحسان عند المالكية كثيرة جداً، ولذلك قال مالك رحمه الله: «تسعة أعشار العلم الاستحسان»، تسعة أعشار العلم الاستحسان. وقال أصبغ، من أصحابه-أظن -الاستحسان يكون أكثر من القياس.

هذا بحسب المفهوم المالكي للاستحسان، فعندهم: رفع الحرج استحسان، تقييد النص استحسان، تخصيصه بالمصلحة-كما سيأتي في القاعدة الثانية-استحسان، وربما ندخلها في القواعد في وقت ما، مراعاة الخلاف استحسان. فأيضاً عندهم كثير من الاجتهادات التي تُطلق عليها اصطلاحات أخرى في المذاهب الإسلامية، لكن المالكية يسمونها استحساناً. ومن الاستحسان القاعدة التي ستأتي، وهي تخصيص النص بالمصلحة. فأيضاً عند المالكية الاستحسان يكون مع وجود دليل في المسألة، ولكن الاستحسان اقتضى شيئاً من مخالفة هذا الدليل ولو جزئياً. لا يمكن مخالفة أي نص أو دليل شرعي بصفة كلية، أي إبطاله أو إلغاؤه؛ فهذا لا يكون إلا في النسخ.

إذن هذه المصلحة، بهذه المواصفات وبهذه الشروط، التي يقول الإمام الغزالي، وهو الشافعي الكبير، إن اتباعها واجب، اتباعها من المجتهدين وليس من غيرهم؛ غيرهم يتْبعون المجتهدين. أما الذي يتبع المصلحة، وهو المعنيّ بهذه القاعدة، فهو المجتهد، أو المفتي بصفة أوسع. ولا بد من الانتباه إلى قول الغزالي “يجب اتباعها”، وفي القاعدة التي ستأتي: يجوز، وقد يقولون: يُستحسن الحكم بالمصلحة. ولكن على العموم، الحكم بالمصلحة، إذا سلّمنا بحجيتها، يكون واجباً، لأنها تكون دليلاً شرعياً.

ولذلك جاءت القاعدة المعروفة التي رأيناها فيما قبل، قاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة». فالولاة يجب عليهم العمل بالمصلحة، ولا يجوز لهم مخالفة المصلحة، والمصلحة هي ما فيه صلاح، أو ما هو أصلح من غيره. وهذه أيضاً مسألة اهتم بها الإمام القرافي: أن كل تصرف من الحاكم يخالف المصلحة، أي أنه لا يعمل بالمصلحة، أو يترك الأصلح ويعمل بالصالح، هذا التصرف على هذه الكيفية باطل. الحاكم، أيّاً كانت درجته: القاضي، أو الوالي في أي درجة، إذا ترك الأصلح وعمل بالصالح، أو ترك الصالح وعمل بغير الصالح، فتصرفه باطل، أو بعبارة القرافي: فهو معزول عن هذه التصرفات، بمعنى أنه حين يمارسها لا تكون عنده صفة الوالي وصفة القاضي، هو معزول، ومعزولة تصرفاته. معنى ذلك أن العمل بالمصلحة حيث لا نص، وحين يجب العمل بالمصلحة، التصرف بغير المصلحة يكون باطلاً، والتصرف بمقتضى المصلحة يكون واجباً.

كذلك في هذه القاعدة، ونحن نتحدث كما ذكرت عن قواعد لها صلة بالمجتهدين ومع الفقهاء ومع الدارسين على هذا الطريق.

الفقهاء أكثر فهما وإعمالا للقواعد من الأصوليين

هناك مسألة سنجدها الآن في موضوع المصلحة، ونجدها في القاعدة التي ستأتي، وفي قواعد أصولية كثيرة، وهي أن الفقهاء أكثر التزاماً بهذه القواعد، وأكثر تقدماً ونضجاً في فهم هذه القواعد وإعمالها، والأصوليون متخلفون عن ركب الفقهاء. هذه تطبيقاتها واسعة جداً، وأنا أدركتها يوم كتبت أول بحث في حياتي، وهو «شرع من قبلنا»، وكنت كتبته في السنة الأولى من الدراسات العليا: «شرع من قبلنا ومنزلته في شرعنا». فوجدت أن الأصوليين معظمهم يقولون: شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، خاصة عند الشافعية، ولكن جميع الفقهاء، الشافعية وغيرهم، يعتمدون على شرع من قبلنا ويستدلون به ويبنون عليه الأحكام، وهو ما ظهر بوضوح في تفاسيرهم وكتبهم الفقهية في المذاهب الأربعة

وأيضاً، كما أظهر القرافي في مسألة المصلحة، فقهاؤهم ومفسروهم، والمفسر فقيه يعالج جميع آيات الأحكام، وخاصة الذين كتبوا في آيات الأحكام، وهم في جميع المذاهب، أكثرُ إعمالاً لكثير من القواعد التي ينكرها الأصوليون، أو لم يقرروها ولم يهتموا بها، ومنها هاتان القاعدتان، والقاعدة الثانية أكثر. فإذن كثير من القواعد لا يمكن الاقتصار فيها على الأصوليين، بل الأصوليون الحقيقيون والأصوليون الرياديون هم أئمة الفقه، ولو لم يؤلفوا في القواعد، وهذا شيء نقرره كما هو.

أدلة حجية المصلحة

ننتقل إلى بعض الأمثلة والأدلة . حجية المصلحة في الحقيقة وردت فيها، أو تقدمت معنا فيها، أدلة كثيرة في جميع قواعد المصلحة، كنا نذكر شيئاً من النصوص الدالة عليها، ولكن مع ذلك أشير إلى أدلة أخرى.

الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾. ﴿وافعلوا الخير﴾: هذا من أدلة المالكية على حجية المصلحة المرسلة. المصلحة المرسلة، أو المصلحة بصفة عامة، هي الخير، إذا لم تكن خيراً فليست مصلحة، والله يقول: ﴿وافعلوا الخير﴾، ﴿واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾. ويقول عن الأنبياء: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات﴾؛ بكلمة واحدة، ما جاء به الأنبياء وأُمروا به هو فعل الخير: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات﴾. ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾؛ المصلحة المرسلة هي هذه، هي ﴿واعملوا صالحاً﴾.

وفي السورة التي نقرؤها دائماً، سورة الزلزلة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾. من يثبت لنا أن المصلحة المرسلة ليست خيراً؟ نعم، نقول حينئذ: هذا غير داخل في هذه الآية. لكن إذا أثبتنا أن شيئاً ما هو خير للناس في دينهم ودنياهم، وفي أي مجال من مجالات حياتهم، وقررنا أنه خير، فنحن مأمورون به، والناس مأمورون به، والناس مثابون عليه. ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ في درء المفاسد.

وفي الحديث، وأنا أذكر هذه الأدلة عفوياً لأن الأدلة كثيرة جداً، حديث: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة». ما هي السنة الحسنة؟ السنة التي يستفيد منها الناس في دينهم ودنياهم هي سنة حسنة، سنة حسنة في الدين والدنيا. «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» إلى آخره. فالنصوص لا تحصى، لا تحصى فعلاً، يعني إحصاؤها يحتاج إلى استقراء المئات منها، أو آلاف النصوص إذا ضممنا الآيات للأحاديث.

 بعد تحقيقات المحققين، من القرافي والزركشي ومن بعدهما إلى المعاصرين، نقول الآن بطمأنينة تامة: إن حجية المصلحة مسألة مجمع عليها. ولذلك ذهبتُ في «المختصر الأصولي» مع القرافي في «نفائسه» إلى أن الأصول المجمع عليها قطعية، والمجمع عليها خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصلحة. إذن هذا إجماع ثابت الآن، لأنه قديماً كان البحث الذي نمارسه اليوم بنوع من السهولة؛ عسيراً، على الأقل ابتداءً من طباعة التراث بكثرة، أصبح الأمر واضحاً، وأما الآن فالبحث أيسر وأيسر.

حجية المصلحة مُجمع عليها إلا عند من شذ من الظاهرية المنكرين لأصل التعليل

 فإذن ثبت أن جميع المذاهب، باستثناء الظاهرية، آخذون بالمصلحة ويعتمدونها، ويضعون لها قواعد موجِبة، مثل قاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، وأن أفعاله المخالفة للمصلحة باطلة، إلا أن يكون اجتهاداً خاطئاً.

أما الحديث عن التعمد: مثلاً القيّم على الوقف يبيع عقاراً وقفياً، والعقار الوقفي يساوي مليوناً، وهو يبيعه بنصف مليون، هذا تصرف باطل، هذا باطل ولو بعد سنين، يبطله القاضي الذي يتولى النظر. وهكذا كل تصرف من هذا القبيل، لأنه يبيعه بنصف مليون إما تقصيراً وتهاوناً، وإما محاباةً، وإما لشيء يأتيه منه ويستدعي المحاباة، إلى آخره، فيبيعه بما يريده المشتري. بينما القرافي يقول: لو كانت تساوي كذا وهو باعها بكذا، فهذا تصرف باطل.

فإذن العمل بالمصلحة واجب، ويكون أشد وجوباً في حق الفقهاء وفي حق الولاة. ومن المجالات التي حُكّمت فيها المصلحة المرسلة عبر التاريخ وإلى الآن: مسألة النظم السياسية والإدارية. لا أحد من المسلمين، لا من عامتهم ولا من خاصتهم، قال: هذه النظم بدعة، ونحن في حل منها، ولا نتبعها ولا نُعملها. فإذن عُمل بنظم عديدة: سياسية وإدارية ومالية وقضائية، ولا أحد يناقش المبدأ؛ قد يناقشون: هذا صواب، وهذا خطأ، لكن الجميع مجمعون على أن تطور الحياة يتطلب باستمرار إيجاد نظم وقوانين وضوابط للحياة في جميع المجالات. هذا كله لا سند له إلا المصلحة المرسلة. ولولا الإيمان المجمع عليه والمطبق بحجية المصلحة المرسلة وبأهميتها، لكان لكثير من الناس نظرٌ وتمرد ورفض وتبديع، إلى آخره.

حتى الظاهرية لم يبدّعوا شيئاً من هذا، ولكنهم أدخلوه من باب الاستصحاب: أن ما لم يُنص عليه فهو من باب المباح. ولكن هذا غلط، أن تجعل هذه المصالح الكبرى مباحاً، هذا استهانة بها. فحينما نقول بمبدأ المصلحة المرسلة فالمصالح الكبرى تصبح من الواجبات، وإذا أقامها الولاة فطاعتها واتباعها يكون من الواجبات، وإذا حكم القضاة بمقتضاها فاتباعها والخضوع لها من الواجبات، إلى آخره. فكثير من الأمور كان القضاة يحكمون فيها بالمصلحة المرسلة: في الأموال، في الأيتام، في العلاقات الزوجية، في الخلافات، في التجارة، في الفلاحة؛ القاضي يحكم بالمصلحة، ويحكم بالعرف، وهو تعبير عن المصلحة أيضاً. بينما إذا قلنا: هذا من المباحات، فالمباح: افعله أو لا تفعله، سواء؛ المباحات تعني التخيير.

كذلك من الأمور التي يُحتاج فيها إلى المصلحة المرسلة، وخاصة في هذا العصر، مسألة حفظ البيئة. حفظ البيئة: لو ألغينا فكرة المصلحة من الشرع ومن الشرائع، يمكن لأي قائل أن يقول: هذه البيئة سخّرها الله لنا، ونحن نتمتع بها ونفعل بها ما نشاء، فأين التحريم؟ من يفسد في البيئة، في مائها وهوائها وثرواتها ونقائها وجمالها، قد يقول: أنا أتمتع بما سخّر الله لي: ﴿وسخّر لكم﴾. إذن هذا التسخير: افعل ما تشاء! لا، حين تأتي فكرة مصلحية الشريعة وحجية المصلحة المرسلة، كل هذه الأمور تأخذ أحكاماً أخرى. فأيضاً حفظ البيئة، الذي هو اليوم محط اهتمام كبير لأنه يتعرض لمخاطر غير مسبوقة، يصبح من الواجبات، طبعاً الواجبات على المجتمع، على الدولة، على كلٍّ حسب مسؤوليته، إلى آخره. وهذا لن يكون له سند إلا المصلحة المرسلة. كل ما هو مصلحة هو معتبر ومحترم شرعاً.

المصلحة المقصودة هي المعتبرة شرعا؛ المتكيفة بأخلاق الشرع؛ الموافقة لذوقه؛ وإن لم يدل عليها الدليل المباشر.

طبعاً الإمام الغزالي، حين شرح كلامه الذي وردت فيه هذه القاعدة، ميّز تمييزاً لا خلاف فيه، وهو أن هذا إنما يكون في المصالح الملائمة والمناسبة للشرع بأجناسها وبأنواعها. أما المصالح الغريبة؛ أي المنافية، والتي لا يقبلها المزاج الشرعي ولا الذوق الشرعي، كما [هي] عبارة الشاطبي: على ذوق المصالح، فهذه المصالح الغريبة، والتي لا أصل لها، والتي جاء الشرع على خلافها، هذه لا يمكن الاحتكام إليها، ولا إقامة أي حكم عليها، رغم أنها قد تعتبر مصلحة بمعنى من المعاني، وهي مصلحة، ولكن قد تكون مصلحة فرد وليست مصلحة أمة، وقد تكون مصلحة فئة قليلة، وهي مفسدة للغالبية العظمى، وقد تكون مصلحة آنية ولكنها مفسدة على المدى البعيد، إلى آخره.

إذن، هذه المصالح الغريبة عن سياسة الشرع وعن المزاج الشرعي، وهذه المصالح، بتعبير نسبه القرافي للإمام مالك، «غير متكيفة بأخلاق الشرع»، هذه لا يُلتفت إليها، ولا يُعتد بها، ولا يُبنى عليها. مثل كثير من المصالح.

مثال للمصالح الوهمية:

 يقال اليوم عن بعض التدابير : إنها توفر لنا مناصب شغل، و نريد أن نضع حلولاً مستعجلة وحلولاً سريعة، مع ما فيها من الفساد، ولو بهدم المستقبل، ولو بهدم أركان الأمة: فهذه خمور، وهذه سياحة إباحية، وهذه دعارة…. مصالح، مصالح، مصالح، يعني بالمقتضيات المالية، المقتضيات المالية لوزارة المالية، هي مصالح لأنها تجلب بعض المداخيل، وبالنسبة للسياسة العامة تشغّل كثيراً من الناس. لكن هذه مصالح غريبة، مصالح مستبعدة، مصالح منافية للمزاج الشرعي، فهذه هي [التي لا يقصدها] الغزالي ولا غيره، بل هذه مرفوضة[3].

القاعدة الثانية: يجوز التخصيص بالمصلحة

القاعدة الثانية: التخصيص بالمصلحة؛ يجوز التخصيص بالمصلحة، أو يصح التخصيص بالمصلحة. فهذه القاعدة معناها أن النصوص العامة والقواعد العامة في الشريعة، النصوص، أو القواعد العامة التي أخذت عمومها من مجموعة من النصوص الجزئية فأصبحت قواعد عامة ذات حكم عام، هذه الأحكام العامة، سواء كانت على شكل نصوص مباشرة أو على شكل قواعد، قد تُخصَّص. وهذا هو الشيء الطبيعي: معظم النصوص ومعظم الأحكام العامة في مختلف المجالات يرِد عليها التخصيص، ويُستثنى منها ما يستثنى. والتخصيص، كما يقولون، تقليل من دائرة الحكم ومجاله.

هذه القواعد العامة لها مخصصات، أو الأحكام العامة، أو العمومات؛ النصوص الشرعية لها مخصصات. فإذا قلنا: الزكاة واجبة على المسلمين، طبعاً سيخرج منها كذا وكذا إلى آخره. والحج واجب، ولكن يُخص بقوله: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾. وهكذا تأتي معظم الأحكام. وإذا قلنا: الزواج مندوب، أو واجب، أو كذا، أو حتى مباح، سنجد له مخصصات، وأن هناك حالات ليست كذلك. وهكذا، فإذن هذا هو مبحث العموم والخصوص، من أكبر المباحث في علم أصول الفقه. فإذن الأحكام العامة تُخصَّص، ولها مخصصات: مخصصات متصلة ومخصصات منفصلة، إلى آخره.

هل المصلحة تخصص العموم؟

موضوعنا هو: هل المصلحة تخصص العموم؟ الأحكام العامة، هل يمكن تخصيصها؟ وتخصيصها هو إخراج جزء منها، إخراجه من الحكم. هل هذا يصح أم لا يصح؟ يصح تخصيص النصوص بعضها ببعض، ويصح تخصيص النصوص بقواعد لغوية، ويصح تخصيص النصوص بالإجماع، وهذه أمور لا خلاف فيها، والتخصيص حتى بالقياس إذا كان قياساً جلياً واضحاً. لكن هل يقع التخصيص بالمصلحة؟ أي أن نقول: هذا هو الحكم العام، لكن المصلحة اقتضت كذا. هذا هو موضوع هذه القاعدة.

هذه القاعدة ينطبق عليها أيضاً ما ذكرته سابقاً، وهو أنه أولاً اشتهر بها المالكية، فعندهم التخصيص بالمصلحة، وكذلك عُمل بها عند الفقهاء؛ دون الأصوليين من المذاهب الأخرى. فإذن حينما نبحث عن هذه القاعدة، من يعمل بها، سنجد دائماً: مالكا؛ أحياناً مالك بالاسم الشخصي، يقولون: مالك يخصص النص بالمصلحة، وأحياناً يقولون: المالكية، والمالكية على خطى إمامهم، فهم أيضاً قائلون بها. ولكن في الفقه سنجد التخصيص بالمصلحة أيضاً في جميع المذاهب تقريباً، كما قلنا في الأصول الأخرى: الذرائع والمصالح المرسلة، إلى آخره.

فإذن؛ إذا أردنا أن نقتصر على كلام الأصوليين، سيقولون لنا: التخصيص بالمصلحة معمول به عند مالك، مالك يخصص النص بالمصلحة. ويذكرون من ذلك بعض الأمثلة التي قال فيها مالك بالتخصيص خلافاً لعموم النص، منها قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾. «والوالدات» هذا عموم: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾. الإمام مالك قال: الشريفة، والشريفة هنا [بمعنى] الشرف الاجتماعي: بنات الثراء والمنصب والجاه، إلى آخره، قال: الشريفة لا تَلزمها، ليست ملزمة بالإرضاع، لأن العرف،    -والعرف اقتضته المصلحة- جرى بذلك.

وأرسلت كلاماً للشيخ الحجوي الثعالبي، صاحب «الفكر السامي»، يحكي هذا الكلام بعبارته[4]، يقول: [مالك] لا يرى لزوم، أن ترضع الشريفة ولدها أو بنتها إذا قبل ثدي غيرها. إذا لم يقبله، هذا موضوع آخر؛ وقد يكون هذا، فإذن على كل حال، إذا قبل المولود أو الرضيع ثدي غيرها، حتى لا يضيع من  الرضاع الطبيعي؛ فهي حينئذ بالخيار. وهنا البعض يذكرون أن مالكاً راعى العرف، وهو صحيح، ولكن المصلحة موجودة في العرف. ما هي هذه المصلحة؟ هي محافظة المرأة على جمالها وراحتها ونضارتها[5]، إلى آخره. فإذن هذا تخصيص للنص بالمصلحة.

على كل حال، بغض النظر عن هذا المثال الذي هو عادةً الذي يُذكر، أن تخصيص النص بالمصلحة، أو تخصيص العموم، لأن بعض القواعد أيضاً لها صفة العموم، تخصيص العموم بالمصلحة معمول به عند مالك. هذا الأمر يتردد عند الأصوليين، ويسكتون عن غيره، بمعنى أن غيره لا يقولون به. ولكن عند النظر في فقه المذاهب الثلاثة الأخرى نجد أيضاً العمل بهذه القاعدة، وهي أن المصلحة تخصص العموم.

طبعاً، دائماً هذه القواعد كلها، التي نذكر أنها اشتهرت عن مالك والمالكية، ثم ظهر أن المذاهب الأخرى أيضاً تعمل بها، أقل ما يثبت فيها من فروق هو أن المالكية يكونون فيها روّاداً ومكثرين ومؤصّلين وسبّاقين، بتتبعنا لوجودها عند غيرهم. فإذن تخصيص النص بالمصلحة عند المالكية أمر لا شك فيه، ولكنه موجود في المذاهب الأخرى، لكن أيضاً بدرجة أقل مما عند المالكية؛ فالمالكية هم الأكثر عملاً به لأن المصلحة عندهم حجة.

ولذلك فالدليل الذي يمكن أن يُستدل به لهذه القاعدة هو أنه إذا ثبتت مصلحة ما ثبوتاً شرعياً، ولها الصفة الشرعية الملائمة للشرع، والتي توجد نظائر لها في الشرع، فإذا لم توجد بعينها، إما لأنها جديدة، أو ليست جديدة؛ ولكن ليس فيها حكم خاص بها، فإننا نكون أمام حجة أيضاً. إذا سلمنا أن المصلحة حجة، وأن المصلحة مقبولة ومعمول بها، ولا بد من العمل بها. فإذن نكون أمام […] مصلحة عامة ومصلحة خاصة؛ المصلحة الخاصة إذا كانت لا تندرج في هذه المصلحة العامة، بل تتنافى معها، يجب حفظها.

وهذا، كما يظهر في بعض النقاشات الأصولية، ليس إسقاطاً للعموم، وليس إسقاطاً للنص ولا للقاعدة العامة، ولكنه تخصيص. والتخصيص كما يقول الأصوليون في المقارنة بين النسخ والتخصيص، ما الفرق بين النسخ والتخصيص؟ يقولون: النسخ تبديل، والتخصيص تقليل. النسخ تبديل: يُبدَّل الحكم بصفة كاملة، ولا يبقى المنسوخ معمولاً به. أما التخصيص فتقليل؛ يمكن أن يكون ما يُستثنى خمسة بالمئة من الحالات، أو أقل، أو أكثر، أو كذا. بمعنى أن العموم يبقى على عمومه، ويبقى على أغلبيته، ويبقى على شيوعه، ولكن جاءت مصلحة أيضاً معترف بها شرعاً ومعتبرة شرعاً. فالتخصيص بالمصلحة هو جمع بين الدليلين، وليس إهداراً لأحدهما.

فأيضاً التخصيص بالمصلحة هو إعمال للدليل. هذه هي الحجة: الحجة أولاً أن المصلحة حجة، والحجة ثانياً أن ما نخصص به الدليل العام هو أيضاً مصلحة، فإذن مصلحة مع مصلحة. فالمصلحة التي لا يحققها النص العام يكون لها حكمها الخاص، ويبقى النص العام على عمومه.

أمثلة لقاعدة التخصيص بالمصلحة:

الأمثلة والأدلة، لمزيد من التوضيح لهذه القاعدة، قاعدة التخصيص بالمصلحة. طبعاً أوردت عدة أمثلة، يمكن بعضها ذكرته، وبعضها أضيفه. عندنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: طلب منه بعض الصحابة أن يولّيهم، أي يعطيهم مناصب، وبتعبيرنا: يعطيهم وظائف، فقال لهما: «إنا لا نولّي هذا الأمر أحداً سأله أو حرَص عليه». هذا جوابه لبعض الصحابة جاؤوه من قبائلهم، لقيهم واستقبلهم، وطلبا أن يوليهما: يا رسول الله ولّني على الزكاة، على كذا، على كذا، إلى آخره. قال: «إنا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرَص عليه»، وأغلق الموضوع. وأصبح هذا الحديث قاعدة عامة، وهي أن طالب الولاية لا يُولّى، طالب الولاية لا يُولّى، طالب المنصب وطالب الوظيفة لا يُولّى.

ثم جاءه صحابي آخر، وكان زعيماً في قبيلته، أسلم وأتى معه وفد ممن أسلموا، وقبيلته ما زالت تنتظر، فجاء إلى رسول الله، وأعلن إسلامه وأكده، ودخل في الإسلام دخولاً تاماً، من قبيلة صُداء في اليمن. قال هذا الصحابي الصُّدائي: يا رسول الله، ولّني على قومي، واكتب لي بذلك كتاباً، هكذا نص الحديث ونص الرواية: يا رسول الله ولّني على قومي واكتب لي بذلك كتاباً.

دائماً [كانت تستوقف نظري] هذه الكلمة: «اكتب لي بذلك كتاباً»، مع أن الكتابة في ذلك الوقت نادرة. ففكرت: لماذا قال هذا الرجل: اكتب لي بذلك كتاباً؟ لأنه من اليمن. ثلاث بقاع كانت الأكثر تحضراً في الجزيرة العربية: اليمن. طبعاً اليمن كانت ممالك، ليست مملكة واحدة، تعاقبت عليها ممالك عديدة، ويكفي أن منها مملكة بلقيس المذكورة في القرآن، بمكانة باذخة ورفيعة. فنوعاً ما اليمن، الذي نقول عنه: اليمن السعيد سابقاً، وحالته للأسف تدمي القلوب، كان في اليمن حضارة، حضارة لم تشهد الجزيرة العربية والمشرق العربي مثلها، يعني ملوك حِمْيَر، وحَكمتهم الحبشة أيضاً، إلى آخره. لذلك بعض الأعراف المتقدمة في النظم السياسية وفي الحياة الإدارية معروفة عندهم.

فهذا الرجل الصدائي قال: يا رسول الله ولّني، واكتب لي بذلك كتاباً. قال: ففعل. عيّنه وأمّره على قومه، وكتب له وأعطاه تعييناً كتابياً بذلك.

فإذن الشاهد عندنا هنا أن هذا التصرف النبوي مع هذا الصدائي هو تخصيص للعموم الذي قال فيه: «إنا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرَص عليه». لكن الآن يوليه مع أنه هو سأله، وما دام سأله فهو أيضاً حريص عليه.

فهذا من التخصيص  للنص بمصلحة مآلية قدرها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما أوضح ذلك ابن قيم الجوزية في زاد المعاد؛ ومن توجيهه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم قال بأن الأوّلَيْن سألا الإمارة لأنفسهما، ولمصلحتهما الخاصة فلم يقبل، ولم يولهما شيئا؛ أما الصُّدائي فهو أسلم، وأسلم قليل من قومه، فاقتضت المصلحة المعتبرة أن  يستمر في زعامة قومه وفي الرئاسة عليهم لعلهم يسلموا. ثم هو أصلاً زعيم لهم؛ ولا يحتاج إلا إلى التثبيت، وهو أصلاً زعيمهم. فإذن طلبُه للولاية، كما يقول ابن القيم، لأجل المصلحة العامة وليس لنفسه، لذلك ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في ذلك وحدة قومه وراءه، وإسلامهم وراءه، وتثبيتاً لزعامة طبيعية؛ فولّاه، كما يقول ابن القيم: فولّى للمصلحة، ومنع للمصلحة؛ فولّى لله، ومنع لله. الأوّلان لم يقبل منهما لله، وهذا قَبِل منه وولّاه للمصلحة، فولّى للمصلحة ومنع التعيين للمصلحة. كما قال ابن القيم في «زاد المعاد»[6]: هذا مثال، ودليل يدل على أن كثيراً من القواعد العامة، مما قرره النبي صلى الله عليه وسلم أو مما قُرر في القرآن، يستثني منها النبي حالات. والنبي هو المجتهد الأول، وهو قدوة المجتهدين، وقدوة الولاة، وقدوة القضاة، وقدوة الأئمة جميعاً.

مثال الشورى؛ وهل تقتضي بعض الظروف الاستثنائية العدول عنها؟

ومن الأمثلة كذلك: الله تعالى أمر بالشورى وقال: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، و«أمرهم» يعني [أمر] المسلمين، ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. ولكن مع ذلك مما لا شك فيه أن هناك حالات قد لا تصلح فيها الشورى: أمور سرية، فلأي دولة ولأي مسؤول ولأي والٍ يمكن أن تكون هناك أمور سرية في الأمن وفي الحرب وفي كذا، لأن المشاورة فيها تفضحها. وكذلك الأمور المستعجلة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، يعني يقول لجميع الصحابة: هيا توجهوا إلى كذا، طريق كذا، وسنذهب إلى كذا، ولكن حينما ينقطعون عن المدينة ولا تبقى إمكانية لتسريب الخبر، يقول لهم تحولوا هكذا؛ إذن هذه أمور لو عرضها للشورى لانتهت قيمتها وأهميتها. إذن هناك أمور استثنائية حين نقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾؛ إذا كانت هناك أسباب معقولة ومصالح ضرورية ومعقولة أيضاً، يمكن أن تُخصَّص بها عمومات النصوص.

عقوبة الزاني غير المحصن؛ هل يُشترط تماثلها مع عقوبة الزانية؛ أم قد تختلف لاعتبار مصلحي ما؟

في الحديث كذلك: الزاني غير المحصن، الزاني والزانية، في الحديث أنه: «جلد مئة وتغريب عام». جلد مئة وتغريب عام. أما جلد مئة فهذا لم يُختلف فيه: جلد مئة للزاني غير المحصن، أيّاً كان شرفه أو منصبه أو نسبه، رجلاً كان أو امرأة، ذكراً أو أنثى، جلد مئة؛ لكن اختلف الفقهاء في تغريب عام. فالذي عليه المالكية، ومن يقولون بالتخصيص بالمصلحة، يقولون: المرأة ليس من المصلحة تغريبها، ولمدة عام، من المدينة إلى الكوفة أو إلى البصرة أو إلى غيرهما، لأنهم قالوا: هذا يعرّضها لما لأجله عوقبت. بينما الرجل يُغرَّب، كيفما كان الحال يُغرَّب عاماً، والمرأة لا تُغرَّب، لأسباب تخص المرأة؛ وخصوصيتها؛ وحاجتها إلى الستر ،وإلى الأمن، وإلى الحماية، إلى آخره. لذلك خصصوا هذا العموم واستثنوا منه المرأة. والذين لا يقولون بهذا التخصيص قالوا: تُغرَّب المرأة كما يُغرَّب الرجل.

نكتفي بهذا القدر، ونُبقي ما بقي من الوقت لأسئلتكم وأسئلة الإخوة والأخوات عن بعد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأسئلة وأجوبتها:

س1: في هذه الحصة لاحظنا ذكراً للتفاوت بين الفقهاء والأصوليين، فبماذا تفسر أستاذنا، التفاوت بين الفقهاء والأصوليين في الموقف من بعض الأدلة وإعمالها، علماً أن كثيراً من هؤلاء الأصوليين لهم تآليف فقهية؟

ج1: كما هو معلوم، علم أصول الفقه، خاصة عند الشافعية،  ومن سار على نهجهم من المالكية ومن الحنابلة، غلب فيه الطابع الكلامي. معروف أن الاتجاهات الأصولية [اتجاهان]: الطابع الكلامي والطابع الفقهي، والطابع الفقهي هو الذي سار عليه الحنفية. ولذلك التنظير  الأصولي عند الحنفية تابع للفقه؛ فالفقه هو الذي يقرر، والأصوليون يصوغون مسارات الفقه وتوجهاته في شكل قواعد.

أما المتكلمون، وهذا نقاش إلى اليوم، رأيته عند الشيخ أبي زهرة وغيره، فالمفاضلة؛ أيهما [أفضل]؟ فيقولون: اتجاه المتكلمين، الذي يغلّب علم الكلام ويجعل الفقه تابعاً له، هذا كانت له إفادة: عقلنة علم أصول الفقه، وإدخال نوع من المنطق والقواعد المنطقية والنظر العقلي، إلى آخره، فتكون الفروع الفقهية تابعة لأسس أصولية مقررة عقلياً ويسير عليها الفقهاء، لذلك يفضلونه. ولكن طبعاً المنهج الحنفي، أصحابه يقولون: الفقه؛ و الفقيه أصلاً، وهو  يشتغل بالفقه، فهو لا يشتغل إلا بنظر أصولي مواكب أو سابق، لذلك يكون جامعاً بين الأمرين: الجانب النظري يكون حاضراً، والجانب العملي أيضاً يكون حاضراً، بينما المتكلم يغيب عنده الجانب العملي، ويبدأ في سلسلة من البناءات والتفريعات النظرية والعقلية والذهنية.

فإذن علم أصول الفقه، بما أن أكثر زعمائه صاروا، كما [ترون من] الأسماء التي نذكرها، من المتكلمين، غلب فيه الجانب النظري. ولكن طبعاً الذي حدث أيضاً هو أن بعض الأصوليين، [لا سيما] المتقدمين كالشافعي والجويني، كانوا فقهاء وأصوليين، فلم يكن هذا الجانب النظري متغلباً وطاغياً ومغيّباً للجانب الفقهي، فكانوا إلى حد ما متوازنين. لكن بعد ذلك جاء متكلمون أصبحوا هم الأصوليين، من المعتزلة ومن الأشاعرة ومن غيرهم، فبدؤوا يصوغون علم أصول الفقه بتسلسل نظري وفكري، ولذلك نجد حتى الأمثلة الفقهية ضعيفة عندهم، وقليلة جداً، وتكثر عندهم الأسئلة والأمثلة الافتراضية في كثير من القضايا، أمثلة افتراضية؛ لذلك ضعفت الآثار والبصمات الفقهية في علم أصول الفقه عند المتكلمين.

بينما الفقهاء، مثلاً حينما يقول الأصوليون؛ الشافعية وغيرهم: شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، فمن السهل أن يقول هذه الكلمة، لكن المفسر الذي يقف عند كل آية، والفقيه الذي يحتاج إلى كل آية أو حديث أو قول صحابي لكي يجيب ولكي يبني فتواه، يحتاج إلى جميع النصوص، فيستدل بقصة موسى وفرعون، ويستدل بقصة يوسف، ويستدل بالأحاديث التي جاءت: «كان فيمن كان قبلكم»، ويستدل بحديث جريج وغيره. يحتاج هذه النصوص، ويدرك قيمتها وأهميتها، ولا يستطيع أن يقول: شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، وهو أمام مئات من الآيات والأحاديث.

وهكذا في موضوع المصلحة: من السهل أن تقول: لا، المصلحة مسألة مزاجية، واتباع للهوى، وفسح للمجال لكي يصبح الإنسان هو الشارع، وهو الذي يحكم بذاته. هذا كلام سهل، ولكن الفقيه لا يمكن أن يتحرك بدون مراعاة المصلحة. الفقيه، سواء كان قاضياً، أو محتسباً، أو فقيهاً يفتي الناس يومياً، يعيش مع المشاكل الحقيقية، ويدرك أنه لا يمكن أن يتحرك [دونها]؛ حتى لو كان هناك نص، فكيف بما لا نص فيه؟ حتى لو كان هناك نص، فالمصلحة حاضرة.

الرسول صلى الله عليه وسلم يجيب من فوق المنبر اعتبارا لمصلحة:

الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي، جاءه رجل، وهو يخطب الجمعة،  فقال: يا رسول الله، هلكنا، وهلك الزرع، ادعُ الله لنا. لو سأل أحدٌ فقيهاً لقال: لا، يجلس حتى تنتهي الخطبة؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في منزلة الفقيه، أجابه ودعا الله وهو فوق المنبر، [فنزل] المطر وأغاث الله الناس، إلى آخره. لو كان فقيهٌ في مكتبه وفي مجلسه وفي كذا [لقال]: لا يجوز أن تخاطب الإمام وهو يخطب، ومن لغا فلا جمعة له.

استجابة النبي صلى الله عليه وسلم للإذخِر للمصلحة:

الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الناس بحرمة مكة، وأنه لا يُقطع شجرها ولا كذا، فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، إلا الإذخر، إنا نحتاجه، [وهو] نبات، قال: اسمح لنا أن نقطعه، نحتاجه في قبورنا وفي سقوفنا، نستعمل، هذا النبات الضروري. قال: «إلا الإذخر».

الترخيص النبوي في الجلوس في الطريق بضوابطه للمصلحة

 قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والجلوس في الطرقات»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدّ، فأقرّهم على ذلك ووضع لهم شروطاً.

فالمفتي الذي يعيش مع الناس، ومع مشاكل الحياة ومجريات الحياة، يكون أكثر إدراكاً، ويضع القواعد في حدودها، ولا يتجاوز  بها حدودها، وإذا كانت هناك قواعد تقتضي كذا، فهناك قواعد أخرى تقتضي كذا، فلذلك يكون الفقيه أكثر توازناً. طبعاً لا يوجد فقيه حقيقي دون أن يكون أصولياً، لكن نحن نقول: فقيه وأصولي، لأن هذا ألّف في الأصول وهذا ألّف في الفقه، وإلا فالفقيه لا بد أن يكون أصولياً. ولكن في تاريخنا عدد من الأصوليين ليسوا فقهاء؛ اشتغالهم بالفقه ربما كان في المرحلة الأولى، يدرسون المتون، وبعد ذلك أصبحوا متكلمين وأصبحوا أصوليين، فإذن جانب الفقه عندهم ضعيف وضامر ؛ لأنهم يعتبرون أن العلم الحقيقي هو هذه الأمور العقلية التي يشيّدونها؛ ويظنونها قطعية، وأنها هي الحاكمة على ما سواها، وهي تقديرات تنظيرية. لذلك هذا هو السبب، في نظري، الذي جعل الفقهاء متقدمين في كثير من القضايا الأصولية، يطبقونها أحسن مما يضعه لهم المنظّرون الأصوليون.

ولكن كما ورد في السؤال، بعض الأصوليين تجدهم أصوليين مع علم الأصول الذي في مذاهبهم وعند شيوخهم، وفي الفقه أيضاً يتغيرون أو يتناقضون، حسب وزن الفقه ووزن الجانب الكلامي عندهم. فمن غلب عليه الجانب الكلامي ربما يستصحب ذلك حتى في المجال الفقهي، ولكن من درس الفقه وخاض فيه حقيقة يكون فقيهاً في الفقه، وأصولياً مع النظريات الأصولية؛ تجده [في الأصول] يقول بنفي كذا، ولكن في الفقه يعمل به، ويقول بإثبات كذا، وفي الفقه كذلك يثبته، فالتفاوت الإجمالي موجود بين الفقهاء والأصوليين، والفقهاء متقدمون، وركبهم هو الذي قاد الاجتهاد الحقيقي، أكثر مما فعله الأصوليون، وبعيداً عما نظّر له الأصوليون.

س2: هناك سؤال عن صحة هذه العبارة: «إذا قبلنا التخصيص بالقياس فلا مناص من قبول التخصيص بالمصلحة». هل هذه العبارة صحيحة؟

ج2: التخصيص بالقياس مقبول أكثر عند الأصوليين، يمكن أن نقول إن جمهور الأصوليين يقولون بالتخصيص بالقياس، ولكن جمهورهم ممن يسكتون عن التخصيص بالمصلحة، أو ينكرونه ويرمون به إلى مالك والمالكية.

طبعاً أنا ذكرت في استدلالي لهذه القاعدة أن المصلحة حجة؛ إذا أثبتنا أن هذا العموم يقول كذا، والمصلحة تقول كذا، ولكن حين نقول المصلحة فنعني المصلحة بالمعايير الشرعية وبالمزاج الشرعي، فحينئذ هذا دليل وهذا دليل، فلا بد من إعمالهما معاً، لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، لأننا لسنا بصدد أن نعطّل هذا ونثبت هذا. لو كان الأمر هكذا لقلنا: نحن مع النص، ولسنا لا مع القياس ولا مع المصلحة. لكن حينما يكون هناك طريق لإعمال العموم في عمومه والخصوص في خصوصه [فهو الأولى]. وكذلك الأمر في القياس: القياس إذا قلنا إنه دليل شرعي، وعلى الأقل القياس الذي لا غبار عليه، لأن القياس درجات وأنواع، منه القياس الصحيح والقياس الفاسد، فالقياس الصحيح، والقياس الذي عليه الجمهور، لا بد أن يخصِّص كذلك، لأنه دليل شرعي، فلا بد من الجمع بين الدليلين بدل إلغاء أحدهما.

س3: يتعلق بقضية تكريم الإنسان في القرآن الكريم، الذي قرره قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾: كيف يمكن إعمال هذه القواعد في آية ضرب المرأة؟

﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾؟ هل يمكن القول إن السنة الفعلية، التي ثبت فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام ما ضرب إحدى نسائه قط، ومثلها السنة القولية التي تقول: «لن يضرب خياركم»، إذن كيف يمكن الجمع مع الآية؟ هل هي تقييد لها أم تخصيص؟

ج3: طبعاً أنا كتبت مقالاً نوعاً ما مفصلاً حول ضرب الزوجات: «إشكالات وتوضيحات»، تقريباً هكذا، وأنا أرسله إليكم، لأن المسألة تحتاج إلى كثير من التوضيح. ولكن بصفة عامة، ما ورد في السؤال معقول ومعتمد عندي في هذا المقال، ولكن الأفضل أن أرسله إليكم إن شاء الله، هذه الليلة أو غداً أرسله إليكم في هذا الموضوع.[7]

النشوز وضرب الزوجة: توضيحات لا بد منها

 د:أحمد الريسوني

ضرب بعض الرجال لزوجاتهم قضية تكتنفها التباسات وشبهات عديدة، تحتاج إلى تفكيك وتوضيح. ولطالما تلقيتُ أسئلة بشأنها من عدد من النساء والرجال.

وبعضهم يسألون بشكل محدد عن الضرب المذكور في قوله تعالى في سورة النساء (الآية34): {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}؟

وبعضهم يرون أن هذه الآية هي التي تعطي المشروعية -أو الضوء الأخضر- لما يقع من ضرب للزوجات؟

وبعضهم يعتبر الضرب داخلا في “واجب القوامة”..

فلذلك تعيَّنَ البيان والتوضيح لما يحيط بهذه القضية من التباسات وشبهات..

أولا: الضرب المعروف بين الناس لا علاقة له لا بالقرآن ولا بالسنة

الضرب الذي تتعرض له بعض النساء على أيدي أزواجهن، أو ما يسمى اليوم: العنف ضد المرأة، ونرى من صوره وآثاره ما نرى، ونسمع عنه ما نسمع، كله عدوان محرم آثم، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، ولا علاقة له بما في الآية المذكورة، كما سأوضح قريبا.

وكون هذا الضرب والتعنيف واقعا من الزوج على زوجته، لا يُخرجه عن كونه اعتداء وظلما، ولا يمنحه أي شرعية أو تساهل، ولا يقلل من عدوانيته وما يستحقه من تجريم وعقوبة. بل قيام العلاقة الزوجية بين المعتدي والمعتدى عليها هو ظرف مشدِّدٌ ومغلِّظ للجريمة وعقوبتها، وليس العكس كما يظن البعض؛ فهو مضاد لطبيعة العلاقة الزوجية، وهادم لمقاصدها ولما تستوجبه من مودة وتراحم، وتسامح وتفاهم.

ثانيا: أسباب الضرب الشائعة لا مكان لها في الآية

            إذا بحثنا عن الأسباب التي لأجلها يضرب بعض الرجال زوجاتهم، فسنجد فيها كافة الشؤون التي عادة ما تثير الاختلاف والجدال والخصومة والتوتر بين الزوجين، سواء تعلقت بأشغال البيت، أو بالعمل خارجه، أو بشؤون الأولاد، أو بوقت النوم والاستيقاظ، أو بالدخول والخروج، أو بالنفقة والتدبير المالي، أو بالعلاقة مع الأبوين، أو مع غيرهم من الأقارب والأصدقاء والجيران..

 يضاف إلى ذلك أن من أسباب استشراء العنف وارتفاع خطورته ضد النساء في العصر الحديث، تعاطي الزوج للخمر أو المخدرات أو القمار أو التدخين…

وكثير من الأزواج يتخذون من الضرب وسيلة للإقناع والإخضاع وتصريف الغضب والانتقام، أيّاً كان موضوع النزاع وسببه.

         وهذه الأسباب والدوافع كلها ليس منها شيء داخلا في موضوع الآية الكريمة، أو يمكن تبريره بها.

وأما الضرب المذكور في الآية فله سياق واحد وسبب وحيد، هو “النشوز” من الزوجة، وإصرارها عليه، رغم مرور الوقت، ورغم جميع المحاولات.

ثالثا: معنى النشوز في الآية؟

النشوز المذكور في الآية – {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ…} – يُذكر له عند المفسرين معنيان متداخلان:

أحدهما عام: يشمل كل أشكال الاستعلاء والعصيان والتمرد من الزوجة على زوجها.

والآخر خاص: ينحصر في رفض الزوجة المعاشرةَ الجنسية لزوجها.

والحقيقة أن المعنى الأول لا سند له إلا أصل المعنى اللغوي لكلمة “نشوز”، وهو الارتفاع والعلو. وبناء عليه قال بعضهم: نشوز الزوجة هو علوها، أو استعلاؤها، على زوجها بالتمرد والمخالفة وسوء المعاملة.

وهذا التعميم مردود، لكونه شيئا غير محدد وغير منضبط، مما يجعل الضرب مستباحا في كل وقت وحين، ولأي سبب يَفهم منه الزوج نوعا ما من الاستعلاء. وهذا خلافُ منهج الشرع الذي يُنيط الأحكام بأسبابٍ وعِلل محددة منضبطة، ولا سيما فيما يكون مثارا للتنازع والشطط.

وتفسير النشوز في الآية بالمعنى اللغوي العام، هو كمن يفسر لفظ “الغائط” في قوله تعالى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ…} بمعناه اللغوي، وهو المكان المنخفض من الأرض، وكلاهما متجاوَز بالاستعمال العرفي الخاص…

وأما المعنى الخاص للنشوز، وهو الذي أقول به، فهو امتناع الزوجة من لجماع وما يتصل به ويدخل فيه. وبهذا المعنى الخاص قال عدد من المفسرين وعلماء السلف.

قال الإمام الطبري: “وأما قوله:(نشوزَهن)، فإنه يعني: استعلاءَهن على أزواجهن، وارتفاعهن عن فُرُشهم بالمعصية منهن، والخلافِ عليهم فيما لزمهنّ طاعتهم فيه، بُـغضا منهن وإعراضا عنهم“[8].

وقال أيضا: “المرأة المَخُوفُ نشوزُها، إنما أُمِر زوجُها بوعظها لتُنيبَ إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه“[9].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: “فإذا أطاعته في المضجع، فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته“[10].

وعن مجاهد قال: “إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها، يقول لها: “اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته، فلا سبيلَ له عليها“[11].

   وها هنا أمر ذو بال، يغفل عنه أكثر المفسرين؛

 وهو أن “الخوف من النشوز”، ليس هو الخوف من وقوعه، وإنما هو الخوف من تداعياته بعد وقوعه واستمراره. وهذا ما نبه عليه العلامة ابن عاشور بقوله: “ومعنى (تخافون نشوزهن): تخافون عواقبَه السيئة. فالمعنى أنه قد حصل النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه، لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال، فإن ذلك قلما يخلو عنه حال الزوجين، لأن المغاضبة والتعاصي يَعْرضان للنساء والرجال، ويزولان…“[12].

         وأما عواقب النشوز، وخاصة مع الإصرار عليه والاستمرار فيه، فيدخل فيها:

  • استمرار التصدع والشقاق وفساد الحياة الزوجية والكيان الأسري،
  • احتمال الوصول إلى الطلاق،
  • احتمال نشوء تصرفات وعلاقات غير شرعية للزوج المحروم من معاشرة زوجته، أي: التوجه إلى الزنا..
  • وربما تكون الزوجة نفسها ذاتَ تطلع وتشوف خارج الزوجية القائمة، فيكون استمرار النشوز مقويا لها،
  • أو ربما كان النشوز نفسه ناشئا عن مثل هذه التطلع والتشوف..

وكل هذا أو بعضه قد ينجم عن نشوز الزوج أيضا، كما في قوله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128].

 فالواجب على الزوج أيضا أن يكون متجاوبا – ما استطاع – مع الرغبات الطبيعية لزوجته.

ولكن من المعلوم أن الرغبة الجنسية عند الرجل وحاجتَه إلى تلبيتها، هي أشد ضغطا وإلحاحا واستعجالا، مما عليه حاجة المرأة إلى عشرة الرجل.

رابعا: الآية بين إباحة الضرب ومنعه

يظن كثير من الناس أن الآية الكريمة هي التي شرعت ضرب الزوجات، وهي سبب شيوعه. وهذا باطل من جهتين ودلالتين: من داخل الآية، ومن خارجها.

أما من خارج الآية فبرهانه:

  1. أن تعنيف الزوجات منتشر عند المسلمين وعند غير المسلمين. فمن أين جاء الضرب والتعنيف عند غير المسلمين؟
  2. أن ضرب الزوجات كان شائعا مألوفا قبل الآية وقبل الإسلام، وإنما جاءت الآية لوضع الدواء، لا لتسويغ الداء.
  3. أن الذين يضربون زوجاتهم من المسلمين كثير منهم لا يعرفون هذه الآية، أو لا أثر لها في تصرفهم، أو لا تخطر لهم على بال، حين المبادرة إلى تعنيف زوجاتهم.
  4. أن أكثر من يضربون زوجاتهم هم من غير المتدينين، وليس العكس. ولم أسمع قط عن رجل متدين يضرب زوجته.

أما دليل بطلانه من داخل الآية، فبيانه:

  • أن المعتاد -عند أهل الضرب من الرجال- هو أنه متى وقع النزاع والمغاضبة، أو الغلط من الزوجة، أو التخاصم والسجال في أمر ما، يعمد الزوج مباشرة إلى ضربها كيفما اتفق. فالضرب يقع عادة على الفور لا على التراخي..
  • أما الآية الكريمة فأرشدت -في حال قيام النشوز وخوفِ عواقبه- إلى ثلاث مراحل، متأنية متدرجة، على التراخي لا على الفور:
  • أولها: الوعظ والنصح،
  • وثانيها: الهجر في المضاجع،
  • وثالثها: الضرب.

والحقيقة أن هذه الخطوات الثلاث كلها عبارة عن حواجز وموانع صارفة عن الضرب، لمن نظر فيها والتزم بها. فهي وصفة علاجية لعادة الضرب والعنف. وفي أكثر الحالات: إذا تم تأخير الضرب وإبطاؤه، تم إلغاؤه وتلافيه. وهو المسلك الذي رسمته الآية..

فبعد استمرار النشوز والخوف من عواقبه، تأتي أولى الخطوات وأنفعها، وهو الوعظ، وهو يتضمن النصيحة اللطيفة والموعظة الحسنة والحوار والتذكير بالتي هي أحسن، والترغيب والترهيب، والتحذير من العواقب… وهذه الأساليب كلها تدخل في عموم قوله تعالى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم} [فصلت: 34]، ولذلك فنتيجتها المرجوة قلما تتخلف عنها.

ولكن إذا لم ينجح الزوج في ذلك، ولم تتجاوب الزوجة الناشز مع “التي هي أحسن”، فحينئذ يمكن الانتقال إلى نوع من الضغط النفسي المكمِّل، وهو التعبير عن الغضب والتبرم، بالهجر والإعراض والإهمال.

عن الضحاك قال: “… والهجران: أن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراش واحد، ويولّيها ظهره ولا يكلمها“[13].

وهذه الخطوة تشكل إنذارا للزوجة من جهة، ومن جهة أخرى هي تهدئة وكبح للزوج عن المسارعة إلى التعنيف، أو إلى التلفظ بالطلاق، كما يفعله بعضهم.

فإذا لم تنفع هذه الخطوة الثانية، المضافةُ إلى الخطوة الأولى، أمكن الانتقال إلى الضرب، ولكن ما هو هذا الضرب؟ الجواب هو:

خامسا: ما هو الضرب المقصود في الآية؟

 إنه الضرب الشرعي، الذي يحول دون الضرب العرفي. أو هو الضرب الرمزي، الذي يحول دون الضرب الحقيقي.

     وفيما يلي بعض التعريفات والمواصفات للضرب المقصود من خلال الأحاديث والآثار وبعض أقوال السلف:

  • عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: “يطعمها، ويكسوها، ولا يضربِ الوجه، ولا يقبِّحْ، ولا يهجُرْ إلا في البيت“[14].
  • وعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: «ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» قَالَ: السِّوَاكُ وَنَحْوُهُ“[15] .
  • وعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: “قُلْتُ لِابن عَبَّاسٍ: مَا الضَّرْبُ غَيْرُ الْمُبَرِّحِ؟ قَالَ: «السِّوَاكُ وَشِبْهُهُ، يَضْرِبُهَا بِهِ»“[16] .

 والضرب بالسواك هو كمن يضرب ببعض أصبعه..

  • وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ: غَيْرَ مُؤَثِّرٍ»[17] .
  • وعَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، قَالَ: «تَهْجُرُهَا فِي الْمَضْجَعِ، فَإِنْ أَبَتْ عَلَيْكَ فَاضْرِبْهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ أَيْ غَيْرَ شَائِنٍ»[18].

    وغير خاف أن “الضرب” بهذه الشروط والمواصفات لا يمكن أن يكون ضربا مؤذيا ولا ضارا ولا مؤلما. وعلى كل حال، فليس هو الضرب “الجاري به العمل”.

 فلم يبق إلا أن يكون مجردَ تعبير عن التعلق بالزوجة، والرغبة فيها، والعتب عليها، والغضب من تصرفها. أو هو ضرب المحب لحبيبته..

وهذا “الضرب” -لا شك- هو أفضل وأصلح من التوجه إلى أي تصرف يفسد الحياة الزوجية أو ينهيها، عند نشوز الزوجة وتماديها، وعدم انتصاحها.

سادسا: التطبيق النبوي للآية لا ضرب فيه مطلقا

لا ينازع مسلم في أن أفضل تفسير وأرقى تطبيق للقرآن الكريم هو ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تزوج هذا النبي الكريم عشر نساء، لأسباب وأغراض متعددة، ومن أعمار وصفات مختلفة، وعاش معهن ظروفا وأحوالا متنوعة، بحلوها ومرها، على مدى زمني يقارب أربعة عقود، فما مست يده الشريفة أيّاً منهن بضرب ولا أذى أبدا.

وها هي إحدى زوجاته – السيدة عائشة رضي الله عنها – تروي لنا وتقول، كما في صحيح الإمام مسلم: (ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نِيلَ منه شيىء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيىء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل)[19].

وهذا الهدي النبوي الرفيع هو ما جعل الفقيه الحنبلي ابن الجوزي يقول بعد حديثه عن النشوز والضرب: “وليَعلم الإنسان أن من لا ينفع فيه الوعيد والتهديد، لا يردعه السوط. وربما كان اللطف أنجح من الضرب“[20].

فمن كان متأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يضرب أبدا.

ومن كان ناظرا إلى الآية، فليعول على أولها وترتيبها، وهو البدء بالوعظ والدفعِ بالتي هي أحسن، ثم إذا لزم الأمر ينتقل إلى وسطها.

وأما من يطبقون الآية معكوسة، فيبدأون من آخرها، ثم يضربون ضرب الجاهلية الأولى، فأولئك مع الذين {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [النساء: 46].

وتبقى إشارة أخيرة؛ وهي لا تتعلق بالنشوز المذكور في الآية، وبالخطوات المرسومة فيها، وإنما تتعلق بضرب الزوجة بسبب خطأ قبيح قد تقع فيه، بقصد وسوء نية، أو بدون ذلك؛ وهو أن تُدخل إلى بيت الزوجية رجلا من غير محارمها، وبدون إذن من زوجها. فهذا التصرف يثير – لا شك – غيرة الزوج وغضبه، ويحرك عنده شكوكا وتوقعات.. فيكون إقدامه على ضرب زوجته مستساغا ومتفهَّما، وهي الحالة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم (ولكم عليهن أن لا يوطئن فُـرُشَكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربا غير مبرح…)[21].

ولا شك أن ضربا عابرا وغير مبرح، يكون – في هذه الحالة – أفضل للمرأة من المناداة على الشرطة، والذهاب إلى القضاء، مع ما يتبع ذلك من تداعيات وآثار..

الإعداد القبلي للحصة المقبلة(28)

 الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة الثامنة والعشرين(28) ليومه الخميس :05 نونبر2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) ق : 66-67 بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:451 إلى ص:465.

القاعدة 66: اتباع المصالح يُبنى على ضوابط الشرع ومراسمه القاعدة67: المصلحة مقدمة على القياس

حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.


[1] – والإمامان من المنتسبين إلى مذهب مالك المنافحين عنه؛ رغم بلوغهما-فيما أحسب- درجة الاجتهاد؛ وهو المذهب الرائد في الاعتداد بأصل المصالح المرسلة؛ المُعمل لها في الاستنباط والتنزيل للأحكام.

[2]” أرسل الأستاذ المحاضر إلى مجموعة التكوين نص الإمام القرافي قال فيه :” سؤال: ما الفرق بين المصلحة المرسلة، والاستحسان، فقد جعلتموهما مدركين مع أنه لا معنى للاستحسان إلا مصلحة خالصة أو راجحة، تقع في نفس الناظر؟

جوابه: الاستحسان أخص؛ لأنا نشترط فيه أن يكون له معارض مرجوح، ويرجح الاستحسان عليه، وكذلك قلنا فيه: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد لوجه أقوى منه””.

[3] مرفوضة لأنها ليست مصالح ؛بالنظر للاعتبار الشرعي؛ لعدم تكيفها بأخلاق الشريعة بتعبير القرافي نسبةً لمالك، ولمنافاتها لذوق الشريعة بتعبير الشاطبي؛ أو قل إن شئت لمخالفتها مقاصد الشرع وقواعده العامة، وأصوله المرعية.

[4] أرسل الأستاذ إلى مجموعة التكوين في سياق التحفيز على الإعداد القبلي، وتأطيرا للحصة وإغناء لها بالنقول الخادمة لقواعد الحصة؛ نص كلام محمد الحجوي الثعالبي الفاسي (ت1386ه)؛ وقد أثبته ضمن الوضعيات المؤطرة لأهميته. قال فيه:” “واعلم أن المصالح المرسلة عند المالكية من جملة المخصِّصات، فقد قال مالك في المرأة إذا كان شريفة القدر: لا يلزمها إرضاع ولدها إن قَـبل ثديَ غيرها، لمصلحة المحافظة على جمالها، جريًا على عادة العرب في ذلك. وخَصَّ بذلك عمومَ القرآن، صرح بذلك ابن العربي في الأحكام، ثم إني لم أقف على وقوع فتوى في العصر النبوي بالمصالح المرسلة”.الفكر السامي،1/161

[5] الاعتبارات في التقدير المصلحي لابد من تتبعها واستقراء أكبر قدر ممكن منها، بتوسيع النظر(النظر الفسيح بتعبير ابن عاشور)؛ فربما يحتاج الفقيه للترجيح بينها ليسلَم له التحقيق والتقدير؛ وفي سياقنا تفاعلا مع ما نسبه الإمام الثعالبي لمالك؛ لا ينبغي أن يعزب عن بالنا ما تتداوله البحوث الطبية من فوائد جمة للرضاعة الطبيعية للأم أيضا-فضلا عن الرضيع- ومنها الإسهام المقدر في الوقاية من سرطان الثدي…. فالترجيح يقتضي الموازنة بين مكسب الرشاقة والجمال والنضارة؛ وهو زائل ولو بعد حين؛ وبين سلامة البدن من مرض عُضال فتاك؛ يُتقى شره-إذا تُحقق من الدراسات الطبية- بالإرضاع الطبيعي؛ فعند الفقيه الحاذق تُستبعد المصلحة الأدنى وتُطّرح؛ و يُعض بالنواجذ على المصلحة الأعلى للبناء عليها.

[6]هذا النظر السديد والتوجيه الحكيم للفعل النبوي هو اللائق بمقام النبوة؛ فحمل التصرف النبوي على ما هو متكيف بأخلاق الشريعة؛ وجارٍ على سَننها القويم؛ مراعاة للمصلحة الشرعية؛ هو المحمل المناسب لمقام تصرف النبوة المقتضي للعدل والإنصاف، والرشد ؛ ومن لم يكن ريان من علم الشريعة؛ ولا مقدرا لمقام النبوة، ولا عارفا بمراتب التصرفات النبوية؛ قد يحمل الأمر على اضطراب الأحكام وعدم انضباطها؛ وربما حمل التصرف النبوي على قصد المحاباة والتمييز بين الناس في مناط إسناد المهام والمناصب؛ والواقعة المُتحدث عنها تدل على سداد توجيه ابن القيم رحمه الله؛ إذ لا مصلحة ذاتية؛ ولا ما يومئ إلى اتباع الهوى في التقدير إزاء تمييز النبي صلى الله عليه وسلم بين الواقعتين في الحكم؛ وفي هذا من الهدي النبوي المرْشد لأولي الالباب؛ ما فيه من توجيه وتسديد للنظر بضرورة مراعاة المصالح المعتبرة؛ والتشوف إلى تحقيقها ومراعاتها بما يخدم مقاصد النصوص في عمومها؛ وما تقتضيه عللها، وغاياتها، وما ينسجم مع قواعد التشريع الكلية؛ ومقاصده المرعية. وتخصيص النص بالمصلحة؛ إنما يدندن ويحوم حول هذا الحمى.

[7] التزم الأستاذ كعادته بإرسال المقال المفصل إلى مجموعة التكوين؛ ونظرا لأهميته المعرفية؛ والمنهجية بدرجة أكبر نذيل به هذا الملخص تعميما للفائدة

[8] تفسير الطبري 8/ 299

[9] تفسير الطبري 8/ 307

[10] تفسير الطبري 8/ 311

[11] تفسير الطبري 8/ 300

[12] التحرير والتنوير 5/ 43

[13] تفسير الطبري 4/ 559

[14] تفسير الطبري 8/ 309

[15] تفسير الطبري 6/ 712

[16] تفسير الطبري 6/ 711

[17] تفسير الطبري 6/ 713

[18] تفسير الطبري 6/ 711

[19] صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته الآثام… 

[20] أحكام النساء ص241

[21] صحيح مسلم، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version