البرنامج التكويني في مادة:”قواعد المقاصد” ضمن مشروع:أكاديمية مقاصد.تقديم الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني

الإشراف والمتابعة: مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط

  مقر التكوين: مركز المقاصد- مؤسسة محيط للدراسات والبحوث بالرباط

إعداد وتنسيق الملخصات: د: البشير القنديلي.

الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي

ملخص الحصة 26

62- النصوص بمقاصدها 63- استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطلٌ

نصوص مؤطرة: وضعيات الانطلاق.

1– قال ابن القيم رحمه الله:” والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني ألا يتجاوز  بألفاظيها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطى اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل، ونسبة بعضها إلى بعض”. اعلام الموقعين عن رب العالمين1/248

2- قال الزركشي رحمه الله:” استنباط معنى من  النص يعود عليه بالإبطال لا يجُوز” البحر المحيط في أصول الفقه،2/503.

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين المجاهدين.

أما بعد، حضرات الإخوة والأخوات؛ نتابع هذه الدروس المتعلقة بقواعد المقاصد انطلاقا من كتاب “قواعد المقاصد”

وصلنا إلى الدرس السادس والعشرين ونتناول فيه  قاعدتين :

أولاهما:” النصوص بمقاصدها”، والثانية سنصل إليها تتعلق بتعليل الأحكام تعليلا أو تعليلات تعود عليها بالنقض؛ تعليلات تؤدي إلى إبطال الحكم أو إبطال النص فتكون هي الأوْلى بالإبطال، ونصل إليها إن شاء الله:

القاعدة1: النصوص بمقاصدها

  هذه الصيغة وضعتُها طبقا لما عليه جماهير العلماء، ومن حيث الصياغة هي على غرار قاعدة:” الامور بمقاصدها”

النصوص بمقاصدها هي شبيهة بالقاعدة الفقهية الكبرى:”الأمور بمقاصدها” وهي القاعدة الأولى في قواعد الفقه الإسلامي. عندنا القواعد الخمس الكبرى، وربما ذكرتها أكثر من مرة؛ وهذه القواعد الخمس الكبرى أولاها من حيث الذكر والترتيب دائما هي قاعدة:

“الأمور بمقاصدها” ولكن الأمور بمقاصدها هي قاعدة فقهية، وليست قاعدة مقاصدية إلا تبَعا؛ وهنا يحسن التذكير بالفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة المقاصدية، وأيضا القاعدة الأصولية باختصار سريع:

بعض الفروق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية والقاعدة المقاصدية

 1-القاعدة الأصولية:

 هي قاعدة منهجية تتعلق بالنصوص الشرعية وتتعلق بالأدلة الشرعية؛ كل قاعدة تتعلق بالأدلة الشرعية: إعمالا لها، وترتيبا لها، وفهما لها؛ فهي قاعدة أصولية تتعلق بأصول الأحكام.

 2- القاعدة الفقهية:

 تتعلق بتصرفات المكلفين، ولذلك فقاعدة:” الأمور بمقاصدها ” هي قاعدة فقهية؛ لأن المقصود هنا بالدرجة الأولى؛ أمور المكلفين، وعلاقاتهم، ومعاملاتهم وتصرفاتهم؛ تُفهم ويُحكم عليها بمقاصدها.

3- القاعدة المقاصدية:

يمكن القول إنه اصطلاح حديث؛ وهي كل قاعدة تتعلق بمقاصد الشريعة فهما لها، وإعمالا لها، من قبيل ما نحن فيه؛ فما نحن فيه قواعد مقاصدية؛ لأنها  تتعلق بفهم مقاصد الشريعة، وتقريرها، وإعمالها.

وطبعا هناك عدة قواعد قد تكون لها كل هذه الصفات؛ خاصة القواعد الكبرى لما وضعت أول مرة؛ فهي غالبا أصولية، ومقاصدية، وفقهية. فكثير من القواعد  تتجاذبها هذه الاختصاصات فهي أصولية من وجه، وفقهية من وجه، ومقاصدية من وجه.

 وقاعدة “الأمور بمقاصدها” هي قاعدة فقهية بالدرجة الأولى، ولكن هي أيضا

قاعدة مقاصدية؛ لأنها تتعلق بمقاصد المكلفين أيضا؛ جزء كبير منها أو معظم تطبيقاتها تتعلق بمقاصد المكلفين في أقوالهم، وأفعالهم، وعقودهم، وتصرفاتهم.

 إذن قاعدتنا: “النصوص بمقاصدها” هي قاعدة أصولية مقاصدية؛ أصولية لأنها تتعلق بالنصوص وبالأدلة الشرعية، وهي مقاصدية لأنها تضع نصب أعيننا مقاصد الشارع قصد اعتبارها؛ وأن النصوص الشرعية لا يصح التعامل معها إلا باستحضار مقاصدها. فهي قاعدة أصولية ومقاصدية في آن واحد.

وقاعدة الأمور بمقاصدها قاعدة فقهية بالدرجة الأولى، ومقاصدية أيضا لأن مقاصد المكلفين تندرج  ضمن مقاصد الشريعة كما هو صنيع امامنا أبي اسحاق الشاطبي.

 فقاعدة “النصوص بمقاصدها”؛ أي النصوص يجب أخذها و فهمها وتفسيرها وإعمالها بمقاصدها. هذا ما عليه الجمهور أو جماهير العلماء من المذاهب الأربعة وغيرها؛ أقصد الذين كانوا مجتهدين قبل المذاهب، وحتى المذاهب الأخرى لا تخلو من اجتهاد، ومقاصد؛ كالمذهب الإباضي، والمذاهب التي انقرضت؛ فمثلا الإمام الطبري كان يعتبر صاحب مذهب، و كان أصحابه وأتباعه معروفين يلقَّبون بالجريرية؛ فعدد من علماء القرن الثالث إلى الرابع كانوا مجتهدين؛ المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب التي ربما انقرضت أو اندمجت في المذاهب الأربعة التي استوعبت عشرات المذاهب؛ لأنه في القرن الثاني والثالث كان كل مجتهد يصبح مذهباً تلقائيا؛ يتتلمذ عليه عدد من النجباء والنبغاء ويصبحون فقهاء في الأمصار؛  ويصبحون دعاة وفقهاء على مذهبه وعلى منهجه فيشكل مذهبا؛ ولكن طبعا المذاهب الأربعة(ابتلعت) معظمها وخاصة المذاهب الثلاثة الأولى الحنفي والمالكي والشافعي هذه ابتلعت المذاهب التي كانت كثيرة ومنتشرة في القرن الثاني والثالث إلى الرابع.

 فإذن، هذه المذاهب كلها التي انقرضت والتي بقيت باستثناء الظاهرية كلهم على أن النصوص بمقاصدها وأنه لا يعدل عن المقاصد إلا من عجز عن  معرفتها؛ وإلا حتى لو كان فيها اختلاف فكل واحد يأخذ المقصد أو يأخذ النص بمقصوده بحسب ما تقرر عنده أو في مذهبه؛ المهم فكرة المقاصد أن النصوص لا يُكتفى بظواهرها وبألفاظها وإنما تُؤخذ بمقاصدها؛ الجمهور  من المذاهب الأربعة وغيرها  يعتبرون أن نصوص الشرع من الكتاب والسنة  لها فصوص؛ والفصوص كما هو المعنى اللغوي: فَصُّ الشيء: أي جوهره وكنهه وحقيقته. فالنصوص كلها لها فصوص لا يمكن أخذها بألفاظها وظاهرها وقد تكون تلك الفصوص متطابقة مع اللفظ ومع الظاهر،  وقد لا تكون، قد يكون الظاهر ليس هو المقصود ففي هذه الحالة وفي جميع الحالات الاحتكام للفصوص أي للمقاصد. هذا هو ما عليه الجمهور باستثناء الظاهرية:

 المذهب الظاهري :

المذهب الظاهري ونحن نتحدث في المقاصد نحتاج دائما أن نذكره؛ لأنه النقيض  و الخصم للمذاهب الأربعة، ولمنهجيتها المقاصدية الاستحسانية  القياسية فالمذهب الظاهري يأخذ فقط بظواهر النصوص؛ بصفة دائمة ومطلقة؛ الظاهر ولا شيء سوى الظاهر؛ فلذلك أصبح المذهب الظاهري هو المقابل

لمذاهب الجمهور  في الفقه وفي مقاصده وفي الأصول؛ ابن حزم وهو أكبر معبر عن المذهب الظاهري بقيت معظم كتبه محفوظة إلى الآن ومطبوعة.

ولحد الآن لا أعرف كتاباً كاملاً محفوظاً للمذهب الظاهري؛ ويُخشى أن يكون انقراض المذهب أدى تلقائياً إلى انقراض كتبه بشكل تلقائي أو مقصود أيضاً لا أدري على كل هذه مسألة تاريخية قد تحتاج إلى تحقيق؛ هل حينما ذهب المذهب الظاهري وأفل نجمه؛ بدأ الناس يُتلفون كتبه تلقائيا واستُغني عنها فلم تنسخ أم كان هناك نوع من محاربة للفقه الظاهري كما وقع في الأندلس و العراق.

على كل حال كتب الظاهرية بقي منها كتب ابن حزم؛ فالآن حينما نقول الفقه الظاهري أو المذهب الظاهري فتقريبا هو ابن حزم؛ ويقال إن ابن حزم أشد ظاهرية من داود مؤسس المذهب؛ لذلك نتحفظ ونقول الفقه الظاهري كما عبر عنه ابن حزم؛  فابن حزم ازداد تشددا في ظاهريته عما كان عليه داود؛  ووجدتُ من يقول هذا الرأي؛ وداود لم نطلع له إلا على أقوال متناثرة هنا وهناك؛ لذلك نقول المذهب الظاهري كما عبر عنه وكما حفظه وكما شرحه ابن حزم رحمه الله. وابن حزم مرارا يقول وهذا قول أهل الظاهر وهذا قول أصحابنا جميعا وهذا قول داود بن علي أبو سليمان ينسب إليه الأقوال؛ وهو من الحفاظ ولكن طبعا ابن حزم رأيه طاغ وقوي؛ وهو رجل قوي العارضة وقوي الشخصية

لا يمكن أن لا يكون له تعبيرات خاصة به في شرح المذهب وأصوله.

 فإذن هذا هو المذهب الظاهري الذي يرى أن نصوص الشريعة هي نصوص بلا فصوص ليس لها إلا ظاهرها وألفاظها كما سنبين من خلال بعض الأمثلة.

المذهب الظاهري والعمل بالظاهر:

 هنا قد يتعين أو يحسن توضيح أمر كثيرا ما يلتبس على الدارسين؛ وحتى على الباحثين في العلوم الشرعية وهو أنه يجب التفريق بين المذهب الظاهري وبين العمل بالظاهر؛ المذهب الظاهري المقصود به العمل بالظاهر دائماً؛ يعني هو الاختيار الوحيد بينما العمل بالظاهر موجود عند جميع المذهب وعندنا جميعاً وفي حياتنا وفي فقهنا نعمل بالظاهر ولكن لا نتوقف؛ بل  ننظر لعل الظاهر غير مقصود؛ لعل وراء الأكمة ما وراءها؛ فالظاهر معمول به ولكن ليس باطراد ولذلك ابن العربي -من أشد خصوم الظاهرية- عاش بعد ابن حزم 

ورث السجالات التي دارت في الأندلس بين الظاهرية والمالكية؛ ولكن ابن العربي بصفة عامة أيضا له حدة وله شدة في التعبير عن مواقفه واجتهاداته وعن مذهبه المالكي؛  لذلك له انتقادات شديدة ولاذعة ضد الظاهرية يقول ابن العربي في كلمة موجودة عندكم :”ونعوذ بالله من العمل بالظاهر المطلق” حتى نفهم بأن المذهب الظاهري يأخذ بدلالة الظاهر مطلقاً؛ وله قول آخر أيضاً ذكرته يقول:” اتباع الظاهر على وجهه هدم للشريعة؛ فهو منهج متبع؛ وهو حيثما ورد نص من الحديث أو من السنة فلا مجال للبحث عن تعليل ولا تأويل ولا تقصيد نقف عند ظاهره كما هو  والأمثلة معروفة؛ فمثلا الحديث فيه إذا وقعت الفأرة في السمن؛ أو سئل صلى الله عليه وسلم عن وقوع الفأرة في السمن فقال: أزيلوها وما حولها وكلوه. فإذا وقعت حشرة أخرى أو حيوان آخر أو تعبان ألا ينطبق عليه هذا الحكم؛ وإذا وقع فأر؛  وليس فأرة أيضا؛  فالحكم خاص بالفأرة هذه مشكلة ابن حزم؛ وهذا معنى ظاهر يته في أسوأ صورها. وحتى نفهم ما معنى التمسك بالظاهر مطلقا كما يقول ابن العربي ونعوذ بالله من التمسك أو العمل بالظاهر المطلق أو اتباع الظاهر على وجهه هدم للشريعة كما بيناه في كتب أخرى.

 أيضا هنا أمر يحتاج إلى توضيح استشكال أجده مرارا عند العلماء وهو عمل بعض الصحابة بصفة خاصة بالظاهر في بعض الأحكام وهنا يأتي مثال الحديث النبوي المعروف بعد غزوة الخندق عاد الناس وانكشف الخصوم والمشركون والمنافقون واليهود وعاد المسلمون وتنفسوا الصعداء يستعدون ليستريحوا بعد شهر عسير جدا وهو من أصعب ما مر على المسلمين في تلك الحقبة فعلى كل حال قال النبي صلى الله عليه وسلم هل وضعتم السلاح؟

فأمرهم أن يتوجهوا إلى بني قريظة وكانوا أحد الأطراف الخطيرة التي نقضت اتفاقيتها وانضمت إلى الأحزاب.  قال لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة في رواية الظهر  ولكن الراجح: العصر ؛ استنفرهم:  وإذا استُنفرتم فانفروا

استنفرهم أن يحملوا أسلحتهم ويتوجهوا حالاً إلى بني قريظة قبل أي استراحة فقام الصحابة وقام المقاتلون بصفة خاصة وتجمعوا وانطلقوا فوراً نحو بني قريظة؛ فأدركهم العصر فصلى بعضهم قبل الوصول مخافة خروج الوقت؛ وفهم البعض إمكانية تأجيل الصلاة حتى وإن حان وقتها؛ عملا بظاهر استنفار الرسول صلى الله عليه وسلم؛ هذا أمر شرعي وأمر نبوي فتقارب الاجتهادان؛ ولكن في الحقيقة أن الذين صلوا هم الذين عملوا بالمقاصد، وعملوا حتى بالنص نفسه؛ لأن إعمال المقاصد لا يعطل النصوص كما سيأتي في القاعدة الثانية. بناء على هذا الحديث ذكر بعض العلماء أن الذين لم يصلوا إلا في بني قريظة مع فوات الوقت هؤلاء هم سلف أهل الظاهر؛ وهذا الذي أريد أن أستدرك عليه؛

 أهل الظاهر  لا سلف لهم :

 قال القاضي عياض  نقلا عن غيره من العلماء:” الظاهرية بدعة ظهرت في المئة الثالثة يعني قبل د اود وجماعته؛  لأن الصحابة الذين لم يُصَلوا إلا في بني قريظة مع فوات الوقت عملوا بالظاهر الذي  لا ينكره أحد؛ لكن العمل بالظاهر باطراد وبشكل مطلق هذا هو المشكل أما أن يجتهد مجتهد أو مكلف؛ فيأخذ بالظاهر ولا سيما إذا كان له وجه ؛ وتقارب الحكمان لا أحد ينكر هذا.

 كل المذاهب وكل العلماء وكل المكلفين يعملون أحيانا الظاهر إذا لاح أن الظاهر هو المقصود وليس هناك شيء آخر  وراء هذا المقصد؛ بمعنى أن الظاهر  هو النص وهو الفص في آن واحد والعمل بالظاهر كما أصبح عند المذهب الظاهري في القرن الثالث وما بعده هذا لا وجود له إلا في المذهب الظاهري، ولا وجود له بعد انقراض المذهب الظاهري أما العمل فكان ولا يزال عند  الصحابة؛ فهذا هو الفرق بين الأخذ بالظاهر مطلقا، وبين مجرد الأخذ بالظواهر  إذا ثبت أنه ليس وراءها شيء آخر ، وأن الظاهر هو المقصود شرعا؛ يعني كثير من الأحكام الشرعية أو النصوص الشرعية ليس لها إلا الظاهر فمهما قلبت النظر ؛ هذا الظاهر هو المقصود نفسه، وهو الباطن نفسه، وهو الفص نفسه.

ولكن أحياناً يأتي التعبير في اللغة العربية وفي غيرها بالمجازات وبشيء من المبالغة للتحفيز ؛ فيظهر للعلماء أن المقصود يتجاوز هذا اللفظ الظاهر ويزداد الأمر وضوحا بعد عرض هذه الأدلة التي تستند إليها هذه القاعدة.

 هذه القاعدة طبعا هي الحقيقة عند جماهير العلماء ومن المسلمات من حيث المبدأ لكن كما ذكرت مرارا القواعد في تطبيقاتها قد يقع تفاوت في تقديرها

وهذا في جميع كلام الناس وحتى في القوانين؛ التطبيقات تأتيك بحالات ووقائع يحار فيها الناظر هل هي داخلة هنا أو هناك.

ولكن يوجد من القواعد ما هو مجمع عليه؛ والظاهرية يخالفون الإجماع ولا ينعقد  بهم إجماع.

 من أدلة القاعدة:

 الأوامر التي وردت في القرآن الكريم بتدبر القرآن الكريم:” أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها” الظاهر لا يحتاج إلى تدبر هذا واضح تماما لماذا نتدبر؟ إذا كنا نعرف اللغة؛ ونعرف خطاب العرب، ولسان العرب وألفاظ العرب؛ الظاهر لا يحتاج إلى تدبر . وقد ورد الحث على التدبر وتقريع من لا يتدبرون القرآن في مواضع عديدة؛ فإذن الأمر بالتدبر هو أمر بتجاوز الظاهر؛ كذلك استدل العلماء بقوله تعالى:” يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا” يعلمون ظاهرا رغم أن هذا ليس الفهم الفقهي للنصوص؛ ولكنه أيضا يتعلق بالفهم؛ فهم النصوص، وفهم الخطابات؛ فالقرآن الكريم يذم وينتقص من يعلمون فقط ظاهرا من الحياة الدنيا، ولا يتعمقون في الأمور  وبواطنها وفصوصها.

 كذلك ذكر الله تعالى قوم نوح وموقفهم المعروف الشديد جدا. ما مر على البشرية أسوأ من قوم نوح، وهذا شيء يدعو للعجب؛ نوح في مطلع البشرية؛ في فجر البشرية ومع ذلك إذا قرأنا أوائل سورة نوح ندرك أن كفار  زماننا متواضعون أمام كفار قوم نوح؛ يعني شيء سيء جدا وحتى قوم لوط. يعني أنه مر بالبشرية أشياء وفترات مظلمة جدا

“وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ”  فلم يزدهم كل ذلك إلا فرارا وكفرا. و من بين ما واجه به قوم نوح نبيهم أبا الأنبياء عليه الصلاة والسلام أنهم قالوا له: “ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي”

ويقولون من النظرة الأولى عرفنا أنه ليس معك إلا الأراذل؛ هذه النظرة الأولى النظرة السطحية المعبر عنها في اللغة العربية، وفي هذه الآية ببادئ الرأي؛ بادئُ الرأي يعني أنهم نظروا إلى ثيابهم، وأشكالهم وظاهر حالهم؛ وأنهم حسب تقديرهم وحسب بادي الرأي أن هؤلاء أراذل؛ ونحن لا يمكن أن نكون مع الأراذل.

 يُستفاد من هذا أن بادئ الرأي لا يعول عليه وهو نظر الكافرين المستعجلين   الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا؛ ولا ينظرون إلى الأمور إلا بسطحية وببادئ الرأي.

حديث ومعنى:

  هنا آتي بحديث خطير الدلالة في موضوعنا، وحاسم لأنه أشد وضوحا على أن التمسك الدائم بالظاهر ضلال وهدم للشريعة كما يقول ابن العربي. حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية والسرايا مهامها معروفة في الغالب تكون استكشافية واستطلاعية لدراسة البيئة والخريطة… فأرسل سرية، وأمَّر عليهم رجلا قائدا ليطيعوه؛ وهذا شيء عادي أيضا ومتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم؛  يدرب العرب على الطاعة؛ فالإسلام جاء بالطاعة والانضباط وبناء دولة وبناء مجتمع منظم فيعلمهم مراراً طاعة الأمير فأمّره عليهم وأمرهم أن يطيعوه، وخرجوا وانطلقوا لمهمتهم وفي بعض الروايات أنهم أغضبوه ؛ فقال لهم اجمعوا حطبا؛ فجمعوه؛  قال أوقدوا النار  وأضرموها في هذا الحطب فأضرموا النار؛  فلما اشتعلت النيران قال: أدخلوها؛ فاحتار الناس والصحابة الذين معهم

فالعمل بالظاهر  على مذهب ابن حزم يقتضي  أن يطيعوه؛ ولكن قالوا كيف؟ وبقوا يجادلون ويناقشون؛ بعضهم يريد أن يدخل وبعضهم لا يريد خوفا من هدم امتثال الأمر النبوي؛ حتى خمدت النار.

فلما أخبر وا النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع؛ وأن قوما منهم أو فريقا منهم كادوا أن يدخلوا وفريقا ترددوا ورفضوا  فقال عن الذين كانوا يدافعون عن الدخول في النار  ويريدون أن يدخلوا امتثالا لظاهر النص، وامتثالا لظاهر الأمر النبوي؛ بمعنى هؤلاء أشد حرصا على الطاعة؛ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف؛ وهذه قاعدة.

 فإذن، القاعدة العامة الطاعة في المعروف فأيما أمير أمر بغير المعروف أي بالمنكر وبغريب الأمور ؛ فهنا لا طاعة.

ولكن الخطير هو أنه قال لو دخلوها ما خرجوا منها، وقال بعضهم أثناء السجال الذي دار بينهم: نحن اتبعنا هذا الرسول فرارا من النار ؛ فكيف ندخل إلى النار  من الآن؟ هؤلا ء عقلاء

هؤلاء يفكرون بمنطق المقاصد ويفكرون بقواعد الشريعة؛ والشريعة جاءت لتنقذ الناس من النار؛  ولم تأت لتدخلهم النارَ؛  فامتنعوا؛ ووقع ما وقع من التردد حتى خمدت النار ؛ ووصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما قال. فالمستفاد أن السير مع الظاهر  دون نظر وتبصر هلاك.

 فهناك حالات لا عذر فيها لمن أخذ بالظاهر؛ فالفرق بين واقعة بني قريظة وهذه الواقعة ؛ هو أن البعض سيدخل النار ، والبعض سينجو.  والذين سيدخلون النار يظنون أنهم يدخلونها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ففهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السطحية ودون تقصيد منسجم مع هدي الشريعة وقواعدها؛ مصيبةٌ.

 فإذن؛  أن يأتي أحد بظاهر من النصوص؛ من القرآن أو من السنة ويورد الناس موطن هلا ك؛ ففي مثل هذا وحتى فيما هو دونه؛ العلماء يتوقفون ويقولون لا هذا الظاهر غير ممكن؛ لمنافاته المعقول والمنقول؛ فلا يمكن أن يقصده الشرع؛

  فماذا يقصده الشرع إذن في هذا الحديث؟

 الشرع يقصد أطيعوا الأمير  في المعروف لينتظم أمركم؛ ومن المعروف أن هذه سرية استطلاعية استكشافية؛ وليست لأن يحترق الناس؛ ويهلَكوا استجابة لأمرٍ غير معقول؛ ومناف لغرض السرية الذي هو  الاستطلاع والاستكشاف: استطلاع الأماكن والطرق والخصم والعدو، حتى إذا تطلب الأمر النزال فله مسوغه.

فكما كان النبي صلى الله عليه وسلم  صريحا في قوله:”أطيعوا أميركم”  فإنه كان أصرح في التنبيه على أن من أطاعه في هذه المعصية وفي هذه الكارثة فإنه يدخل النار .

ضرورة ضبط اللغة العربية

الشيء الأخير الذي أريد أن أشير إليه بخصوص قاعدة:”النصوص بمقاصدها”؛ وأن فهم النصوص بدون مقاصد قد تؤدي إلى الهلاك، وإلى الأخطاء الجسيمة هو اللغة العربية؛ لأن ما يقوله ابن حزم ليس من العربية في شيء؛ والشاطبي كما تعلمون وغيره يؤكد أن هذا القرآن نزل بلسان العرب؛ هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل للّسان العجمي فيها؛  فإذا صح أن أصل ابن حزم أعجمي ربما هذه العجمة  لها مدخل في الأخذ بدلالة الظاهر باطّراد؛ وكأن لغة النصوص لغة خاصة؛ وهو امر مستغرب من عالِم ضليع في العلوم الشرعية، وفي اللغة العربية أيضا.

لغة النصوص الشرعية هي لغة العرب هي لسان العرب؛ نعم، أدخل الشرع بعض المصطلحات؛ وهو شيء طبيعي فأتى بمعانٍ جديدة وأحكام جديدة غير معهودة؛ سيضع لها ويختار لها أقرب الألفاظ ليعبر بها كما في ألفاظ: الزكاة والصلاة، والصيام… كلها كانت معروفة في كلام العرب؛ ولكن شحنها بمعانٍ جديدة فقط؛  وإلا فالتعابير  والأساليب لا جديد فيها؛ هي أساليب العرب ولسان العرب؛  ولكن بجودة غير معهودة في الجمالية وفي الدقة؛ فاللغة العربية لا تسمح بما ذهب إليه ابن حزم من الفهم لدلالات  ألفاظها.

 ليس في كلام العرب ولا في أشعارهم ولا في أمثالهم التمسك بالظاهر باطراد؛ لأنه يعتبر  غباء؛ فإذا لم يتبين المخاطَب ما وراء الظاهر ؛ يعتبر غبياً؛ لأنه ينتظر أن تشرح له كل شيء بظاهر من القول؛ ولذلك قالوا:” توضيح الواضحات من المفضحات”؛ ولذلك الجمهور من بين ما يوضحون به الخلل في المذهب الظاهري بتصوير بسيط:  كمن قال لولده أو لخادمه: اذهب إلى النهر أو إلى البحر ؛ واملأ هذا الإناء؛ وأعطاه الإناء فذهب وملأه وتركه هناك وعاد؛ فقال أين الإناء؟ قال هناك؛ لقد ملأته، قال: ولم لم تُحضره ؟ قال لم تأمرني أن آتي به؟

أمرتني أن أملأه وقد ملأته وتركته؛ ولو قلتَ أحضره لأحضرته؛ هذا عبثٌ.

ففي التعابير  العامية  والفصحى؛  هناك الحقيقة والمجاز والإشارات

 والتعبير بالعام وإرادة الخاص، والتعبير بالخاص وإرادة العام، هذا كله موجود كما شرحه الإمام الشافعي في الرسالة[1]؛ وتوالى العلماء على ذلك. فاللغة العربية لو كان الظاهر  فيها محدودا  لربما  تم جرده وذكره؛ ليسهل تمييزه على ما ورد على خلاف الظاهر؛ لكن ما هو على خلاف الظاهر يكاد يكون موازيا لما هو على ظاهره ولو دققنا وأحصينا دلالات الألفاظ لربما نجد نصف اللغة أو أكثر  على غير الظاهر ؛ لما للقرائن، والسياقات، وأسباب النزول، والورود، والظرفية والمخاطِب والمخاطَب… هذه الأمور كلها ترشد إلى ما إن كان اللفظ المقصود به الظاهر أو غيره كما سنرى في قاعدة لاحقة.

 أمثلة إضافية:

أضيف الآن أمثلة لهذه القاعدة وأنا حينما أذكر أمثلة القواعد أذكر الأمثلة المطابقة للقاعدة وقد أذكر الأمثلة المخالفة للقاعدة ليظهر الفرق؛ فالتطبيقات تكون هكذا وهكذا؛ فمن الأمثلة التي عليها إجماع أو شبهه عند جمهور العلماء؛ فهمهم المقاصدي وليس الحرفي الظاهري لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يقضي القاضي وهو غضبان” فدلالة الظاهر تفيد أن مجرد الغضب ولو كان يسيرا بغض النظر عن مقداره وتأثيره موجب للتوقف عن القضاء، والفصل بين المتقاضين؛ لكن العلماء حينما نظروا إلى هذا الحديث نظرا مقاصديا؛ وأن النصوص بمقاصدها استثنوا الغضب اليسير؛ أبقوا على الذي يؤثر على توازن القاضي وعلى فكره حتى أصابه الاضطراب، وشتات الذهن؛ ولذلك قالوا

الغضب القليل لا يؤثر ؛ وقاسوا على الغضب ما شاكله من المنغصات المكدرة لصفو المزاج، المعكرة لصفاء الذهن،  وسداد النظر. حتى قال بعضهم ربما بشكل طريف:” من ليس في بيته دقيق لا يحكم”

لا يحكم بين الناس لأنه مشوش الذهن بتفكيره في جوع عياله، أو مرضهم… فقاسوه على الغضب؛ الجوع، أو الفقر الشديد، وكذلك قالوا القاضي إذا كان خائفا لا يحكم؛ والخوف بصفة عامة؛ كأن لا يكون أمن في البلد، واضطرابات وفوضى، وتسيب، وانفلات أمني. ويمكن أن يكون خائفا بسبب تهديد تلقاه قبل الحكم؛ فشغله هذا الأمر؛ وهكذا جميع المؤثرات لا تقل عن الغضب أو ربما تزيده عليه؛ فالأمر إذن متوقف على  المقاصد.

فإذن هذا الحديث حينما يفهم بالمقاصد، ويفهم فهما استصلاحيا، وفهما قياسيا كما عند جماهير العلماء فيكون له ما ذكرته وأكثر من ذلك؛ ولذلك الخاضع الذليل لا يتولى القضاء؛ وإذا تولاه لا يعتد بحكمه لأنه خاضع مأمور؛ فالعبودية الحديثة لا تقل عيبا وانحطاط قدر عن العبودية القديمة

فالمقصود أن الإنسان إذا أصبح فاقداً لإرادته واستقلاليته وتوازنه الفكري

هذا كله مانع من الحكم والقضاء لا ينبغي له أن يحكم؛ لا يقضي القاضي وهو غضبان؛ وقس على ذلك، وهذا القياس مبني على العلة وعلى المقصد.

 كذلك من الأمثلة

ذكرت هذا المثال فقط لتوضيح أن المقصد حاكم؛ ولقد دار نقاش بين المالكية والشافعية حول من توضأ؛ وبالغ في مسح رأسه حتى غسله؛ قد يحصل هذا مع حرارة الصيف؛ أو  اتساخ الشعر بغبار ونحوه؛ فهل يجزئه هذا؟ هل وضوءه صحيح أم أنه تجاوز الحدود فأبطل وضوءه؛ لأن الوضوء تعبُّد؟

 الجماهير على أن وضوءه صحيح؛ لأن المسح تحقق؛ وما زاد لا يضر ؛ فهو ليس شيئا قبيحا؛ وذهب الذين تغلبهم النزعة الظاهرية إلى أنه إن غسل رأسه فلا وضوء له.

 كذلك عندنا الأحاديث المتعلقة بالاستنجاء؛ الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار  ويسمى الاستجمار من الجمار  وهي الأحجار؛ ويسمى الاستطابة؛ هذه كلها كما يقولون أسماء بمعنى واحد؛ فعادة كل هذه الأمور قديما وإلى الآن في بعض المناطق من الصحاري والبوادي والجبال؛ قد لا يتيسر الحصول على الماء إلا بصعوبة؛ والنبي صلى الله عليه وسلم أجاز، بل أمر بالاستنجاء بثلاثة جمار؛ ولكن الأئمة: مالك وأبو حنيفة قالوا الثلاثة أو الإثنتين أو الواحدة؛ لأن العبرة هل زال أثر النجاسة أم لا؟

فلم يلتزم مالك وأبو حنيفة بشرط العدد ثلاثة؛ أما الشافعي وأحمد فتمسكوا بشرط العدد؛ وقالوا إذا نقص عن ثلاثة فاستجماره غير صحيح؛ ويترتب على ذلك ما يترتب من عدم صحة الصلاة؛ كذلك مالك وأبو حنيفة وربما معهم حتى الإمام الشافعي؛ قالوا الأحجار أو ما يقوم مقامها من وسائل التنظيف؛ بحسب كل زمان وبيئة؛ ولكن الظاهرية عندهم الثلاثة، وعندهم الأحجار؛ حتى الماء لا يُفضّل؛ بينما الماء مجمع على أنه هو الأفضل.

 فإذن؛ من نظر إلى المقصد وهو إزالة النجاسة قالوا ثلاثة أو اثنين أو واحد

بالماء أو بالأحجار أو بالخرق أو بأي شيء آخر؛ والظاهرية ومن قد يقترب منهم تمسكوا بالأحجار أولاً،  وبالثلاثة ثانياً.

فهذا المثال يوضح لنا الفرق بين النصوص بمقاصدها؛ و النصوص بألفاظها.

القاعدة2: استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطلٌ

ومعناها بطلان استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال؛  والتعليل الذي نحتاجه هنا  أوسع من العلة التي تستنبط للقياس؛ وهو المعنى بصفة عامة: معنى الحكم وحكمته، ومعنى النص وحكمته.

 إذا فُسر النص وعُلل النص تعليلا يؤدي إلى إبطاله وإلغائه؛ فالنص يصبح بلا معنى؛  كمن أخذ الغلة وضيّع الشجرة؛ هذا مثال تقريبي. كمن يقول أنا أومن بإسلام القيم لا بإسلام النصوص؛ حتى شاع ذلك عند بعض المثقفين. وأنا شخصيا يسألني أحيانا بعض الصحفيين: هل أنت نصيٌّ أو مقاصديٌّ؟ أقول هما معا؛ فلا مقاصد بدون النصوص.

هل نستأصل الشجرة ونرجو ثمارها؟ فمن استنبط أو فسر نصا بفهم يؤدي إلى إبطال النص فهذا استنباط باطل. و كل معنى استُنبط من النص وأدى إلى إبطاله؛ فهو الباطل؛ أي أن الاستنباط والتفسير  والتعليل هو الباطل؛ فكل ما أدى إلى إبطال النص، و إلغائه تماما  فهو الباطل. طبعا هنا لا بد أن نفرق كما فرقنا في مسألة الظاهر؛ المقصود هنا هو إبطال تطبيق النص الذي لا يبقى له أثر بالمرة كما سأذكر  في الأمثلة..

لكن تأويل نص وتفسيره على معنى يوجهه إلى غير  وِجهة المعنى الظاهري أو على معنى فيه تخصيص للنص أو تقييد للنص أو توجيه له كما هو اصطلاح الفقهاء: توجيه النص كما في كتاب: “التنبيه على مبادئ التوجيه”؛ لأحد كبار  فقهاء المالكية؛ حققه الأستاذ  محمد بن الحسن في القنيطرة.

يعني توجيه أقوال مالك في المدونة؛ أي تفسيرها تفسيرا يعطيها وجهة معينة؛ فتوجيه النصوص وتخصيصها وتقييدها وتفسيرها على غير ظاهرها أي تفسيرا مجازيا؛ كل هذا معمول به؛ ويحتمل الصواب والخطأ؛ لكن المرفوض والباطل بمقتضى هذه القاعدة هو أن النص ينمحي تماما ولا يبقى له معنى؛ أما إذا بقي له معنى فهذا يُحتمل فيه الصواب والخطأ؛ يمكن أن يكون ذلك المعنى هو الصواب ويكون هذا القول صحيحا وجائزا.

 إذن معنى القاعدة واضح؛ وهو أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل.

مما قد يُعترض به على القاعدة:

ثمة بعض الإشكالات كالعادة في شرح القاعدة؛ منها:  هناك من يقولون بعض اجتهادات عمر رضي الله عنه أدت إلى إبطال النص؛ وأوضح مثال في ذلك عندهم هو سهم المؤلفة قلوبهم.

فاجتهاد عمر أوقف هذا السهم؛ فلم يبق  هنا لا توجيه ولا تخصيص ولا تقييد؛ المؤلفة قلوبهم ألغى عمر  سهمهم؛ وهو ما جرى به العمل في خلافة عمر ، وبعدها وإلى الآن سهم المؤلفة قلوبهم انمحى فهل هذا مما تنطبق عليه القاعدة أنه استنباط معنى أبطلَ الأصلَ؟ لأن الاستنباط أو التعليل هنا هو ما قاله عمر  لأحد المؤلفة قلوبهم بعد أن وافق له الخليفة أبو بكر  أن يُقْطِعه أرضا وقال له اذهب إلى عمر  ليوافق لك.  فلما ذهب إلى عمر أخذ كتاب أبي بكر الصديق ومزقه وقال: ذهب المؤلفة قلوبهم وانتهوا؛ اجهد جهدك؛ فعاد يشتكي إلى الخليفة؛ قال: والله يا خليفة رسول الله من الخليفة أنت أم هو؟ قال: بل هو لو شاء.  وقد مضى العمل عند العلماء على تأييد هذا الحكم، وهذا الاجتهاد العمري. والخلاف المترتب عن هذا الاجتهاد مداره على أمرين: هل هذا الحكم  انتهى إلى الأبد؛

أم هو خاص بالحالات المشابهة التي يمكن أن تتكرر وتتجدد؛ فيُستدعى حكم الإلغاء؟ وهذا متوقف على تفسير المؤلفة قلوبهم؛ من هم المؤلفة قلوبهم؟ ولماذا كان تأليف هذه القلوب؟

التفسير المنسجم مع اجتهاد عمر؛  وهو أن المؤلفة قلوبهم قد انتهوا، وانتهى زمانهم لأن هؤلاء كانوا في مرحلة معينة في وضعية؛ معينة لا تتكرر ؛ ولن تتكرر ؛ وهي ضعف الإسلام إلى درجة تهدده بالانقراض[2]

الآن تسمعون القتل في المسلمين في كل مكان؛ الاضطهاد في المسلمين في كل مكان منع الفتيات من الحجاب ومن المدارس والتعليم في كل مكان من القارات؛ وما لم تجده هنا وجدته هناك؛ فهل هذا يهدد الإسلام بالانقراض؟

 لا أبداً، انقراض الإسلام والقضاء عليه ومحوه كما كان الأمر في البداية

هذا أصبح مستحيلا منذ قال عمر كلمته؛ وفي الحقيقة منذ قال الله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)؛ وقد ظهر الإسلام على الأديان كلها وهو متفوق على الأديان كلها وهو الدين الذي يُعمل به أكثر من أي دين آخر، وهو الدين الذي ينتشر أكثر من أي دين آخر؛ فلذلك بالنسبة لعمر ومن يرون مذهبه؛ أن المؤلفة قلوبهم بالمعنى الذي كان انتهوا. وهذا يسمى عند الأصوليين غياب المحل؛ محل الحكم لم يعد موجودا؛ ومثل هذا الرق؛ وأحكام

الرقيق هل نطبقها؟ لا.  لماذا؟ لذهاب المحل؛ محلها انتهى؛ و الظاهر أنه لن يعود أبدا؛ ونرجو ألا يعود. فهل عدم عودته وارتفاع أحكامه تبعا لهذا الغياب إلغاء للنص؟ أم ربط لإعماله بعلله ومقاصده ومناطاته؟

 بعض المغفلين الذين كانوا يقولون إنهم مجاهدون[3]؛ يُحيون السبايا وهذا ضلال  مبين؛ هذا انتهى؛ هذا الحكم انتهى؛ والشرع جاء لإنهائه بنصوص كثيرة وأدلة كثيرة؛ فإنهاؤه ليس خروجا عن الشرع بل هو تطبيق للشرع؛ فلذلك هذا يسمى زوال المحل.

مثال لزوال المحل:

 من فقد والديه فقد أباه وفقد أمه، كما هو  حال النبي صلى الله عليه وسلم نفسه؛ فالإنسان الذي فتح عينه في الحياة وليس له أب ولا أم؛ كيف يتعامل مع الأحكام المتعلقة بالوالدين؛ من وجوب برهما والإحسان إليهما وثواب ذلك، وبالمقابل عقوقهما؛ فتطبيق هذه الأحكام مُدخل للجنة أو مدخل إلى النار؛ ومع ذلك هي أحكام كلها لم يعد لها وجود في حقه. لماذا؟ لزوال المحل؛  المحل ما هو؟ هو الوالد والوالدة. فإذا كان لا والد ولا والدة  له؛ فمحل الحكم في حقه زائل[4].

عودة إلى النظر العمري؛ وسهم المؤلفة قلوبهم.

 فكذلك المؤلفة قلوبهم؛ إذا زالوا زال حكم سهمهم بزوالهم(زوال المحل).

والرأي الآخر يرى أن هؤلاء المؤلفة قلوبهم وإن كانوا الآن في زمن أبي حنيفة وفي زمن السيوطي، وفي زمن الشاطبي غير موجودين، ولكن يقولون يمكن إذا عادوا في أي وقت؛ أن يعود حكمهم؛ فالاختلاف إذن في: هل سيعود محل الحكم أو لا يعود؟ والحاصل أن الحكم زائل  في حال زوال محله. وإلا هذا الحكم زال.

وعمر رضي الله عنه انتبه إلى العلة الحقيقية وأعملها وهي أن هؤلاء لم يعد لهم وجود؛ المؤلفة قلوبهم بالمعنى المقصود شرعا وبالمعنى الذي لأجله كانوا يُعطَوْن من الزكاة، فتقدير عمر رضي الله عنه أن  هذا الحكم قد زال محله وزال موضوعه.

من أمثلة توجيه النصوص ومعانيها بما يؤدي إلى إبطالها:

الحقيقة أن الفقهاء القدامى؛ لا يمكن أن يجرُء أحد على إبطال النص؛ هناك من يقول تعليلات تؤدي إلى إضعاف النص، أو إلى مخالفة مقصد من مقاصده ولذلك أبدأ بالتعليلات التي أُقدر  انطباق هذه القاعدة عليها؛ أي استنباط علة تؤدي إلى إبطال النص وهي تعليلات إبليس. إبليس لما أمره الله تعالى بالسجود لآدم، قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين وخلقتني من نار  ومعنى الآية متكرر في عدة مواضع من القرآن الكريم؛ فإبليس اعتبر أن الله تعالى أمر الملائكة وكان هو ضمنهم؛ رغم كونه من الجن (كان من الجن ففسق عن أمر ربه) فتعليله الفاسد أن آدم أفضل من الملائكة؛  بينما يرى إبليس-ونعوذ بالله من رأيه- أنه هو والملائكة أفضل من آدم؛ ومن ثم فالمفروض أن يسجد آدم  للملائكة؛ وليس العكس. فظن وفهم بفهمه السيء أن الله تعالى فضل آدم لأصله الطيني على الملائكة وهم من نور ؛ وعلى إبليس وأصلُه من نار؛ والنار أفضل من الطين. ونتيجة هذا التعليل أنه أبطل النص المتضمن للأمر  بالسجود لآدم؛ واعتبر أن  السجود في غير محله؛ هذا تفكير إبليس.

2- التعليل الآخر لإبليس هو أنه لما أسكن الله تعالى آدم وزوجه الجنة

و أطلقا لهما الحرية الكاملة في الجنة يأكلان منها رغدا حيث شاءا؛ ثم أمرهما ألا يقربا شجرة واحدة؛ فجاء إبليس يريد إغواءه ليأكل من تلك الشجرة كما حكى القرآن الكريم: (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملَكين أو تكونا من الخالدين)وتعليل إبليس هو أن من أكل من هذه الشجرة أصبح خالدا، وأصبح ذا ملك لا يبلى فأكلا منها؛ صدَّقا إبليس الذي قاسمها إنه لهما لمن الناصحين؛ وهو كذوب؛ فأكلا منها.

ابن حزم استدل بقياس إبليس على إبطال القياس جملة.

استثمر ابن حزم هذا التعليل الإبليسي على إبطال التعليل جملة، وعلى إبطال القياس جملة.

بينما نحن نرى أن القياسيين أنفسهم يقولون كل تعليل أدى إلى إبطال النص فهو باطل. والقياسيون كلهم يتحدثون عن القياس الصحيح، والقياس الفاسد. إذن ابن حزم يحاكمهم ويحاسبهم بالقياس الفاسد ويقول القياس دين إبليس؛ لو قال القياس الفاسد دين إبليس لكان هذا مقبولا؛  لكنه يهدم القياس كله.

 بينما القياس الصحيح لا ينطبق عليه لا اجتهاد إبليس، ولا ضلاله، ولا تعليله الذي يؤدي إلى الامتناع عن الاستجابة لأمر الله بالسجود.

والتعليل الإبليسي الثاني أيضا تعليل باطل؛ لا يقول به أحد؛ والعلماء الذين يقولون بالتعليل وبالقياس المبني على التعليل؛ كلهم كما يدافعون عن القياس الصحيح، والتعليل الصحيح؛ فإنهم حرب على التعليل الفاسد والقياس الفاسد. ابن حزم بنى على هذا أن القياس بإطلاق دين إبليس وهذا خطأ منهجي جسيم؛ لأن القياس الصحيح المبني على التعليل الصحيح؛ فيه من الفوائد على سلامة المنهج الشيء الكثير؛ والأمثلة لا تكاد تنحصر؛ كما رأينا في نموذج:” لا يقضي القاضي وهو غضبان” كم من حالة قيست على الغضب. فإذن هذه تعليلات إبليسية للأسف تمسك بها ابن حزم، وغض الطرف عن التعليلات الصحيحة العلمية، والتعليلات السليمة والنزيهة. ولكن على كل حال هذا نموذج للتعليل المؤدي إلى إبطال النص؛ بل يكون غرضه هو إبطال النص.

نماذج أخرى من التعليل الفاسد:

 من التعليلات المعاصرة؛ اليوم هناك جرأة غير مسبوقة على الدين إما برفضه ووصمه بالتخلف وغيره من الأوصاف القادحة؛ والبعض يلجأ إلى نوع من الاحتيال؛ في محاولة لهدمه من الداخل؛ فيفكرون في تعليلات بعض الأحكام الشرعية بما قد يسمح لهم بالتخلص منها.

مثلا:

1-الصلاة

 الصلاة شرعت لتهذيب النفوس، والنهي عن المنكر ، ولذكر الله، وهذه أمور يمكن أن تتحقق بدون صلاة. هذه المزاعم موجودة؛ يقولون نحن نذكر الله ونحن نحافظ على الأخلاق، ونبتعد على المنكرات فلا داعي للصلاة. هذا تعليل وتفسير وتوجيه يؤدي إلى إبطال الصلاة.

2- الزكاة

ويقولون الزكاة  شرعت للفئات الهشة، والمستضعفة؛ واليوم الدولة عندها ضرائب عندها إمكانيات عندها ثروات تضع أيديها عليها؛ وتستطيع أن تقوم بجميع الخدمات المنوطة بالزكاة.

 فإذن الضرائب شيء حديث ومنظم  ويجمع من الأموال ما يمكن أن يحقق أغراض الزكاة؛ وهذا أخطر من الأول؛ والآن عدد من الأغنياء أمسكوا عن أداء الزكاة لأنهم يقولون: نعطي الضريبة للدولة وننويها زكاة؛ وهذا طبعا غير صحيح لأن هذا يؤدي في النهاية إلى إبطال الزكاة؛ ولأن مصارف الزكاة غير مصارف

الضريبة، وجباية الزكاة هي غير جباية الضريبة، هناك اختلافات. حتى قال بعض الظرفاء:الزكاة شرعها الله لتؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وفي التدابير الفاسدة الضرائب تؤخذ من الفقراء وترد على الأغنياء؛  لأن أكبر المستفيدين من الضرائب هم الأغنياء؛ وأكبر المتهربين من الضرائب هم الأغنياء، وأكثر الذين يؤدون الضرائب هم الضعفاء؛ لأنه لا حول لهم ولا قوة أمام إجباريتها.

ولذلك هناك اختلافات جوهرية؛ فالزكاة لا يبطلها شيء.

3- الحدود :

قالوا كذلك في الحدود؛ وهي في التفكير (الحداثي) بما في ذلك عند بعض المسلمين لا مكان لها في هذا العصر؛ فعندنا عقوبات (راقية)؛ وعقوبات مهذبة و رقيقة ورفيقة وتحفظ حقوق الإنسان وكرامة الإنسان؛ والدولة أصبح لها جيش ممن يحرسون السجناء وجيش ممن يخدمون السجناء حتى الرعاية الطبية؛ فبدل قطع يد السارق يسجن ستة أشهر  أو ما شاكلها، وبدل إعدامه قصاصا أو حدّا يسجن ثلاثين عاما، أو مدى الحياة، فجميع الطرق عندهم تؤدي إلى إلغاء الحدود باعتبار أن هناك بدائل أفضل لحفظ الأمن، ودفع الجريمة، ومعاقبة المجرمين؛ والزجر والردع بطرق حضارية؛ وهذه كلها أوهام لا يتسع الوقت لبيان تهافتها؛ و يكفي أن أقول: أن ثلاثين سنة عندهم، والسجن المؤبد…هذا أفضل من القصاص؛ كيفما كان هذا القصاص؛ ولا يفكرون في العذاب الذي سيعذّبه الشخص طيلة  ثلاثين سنة، وأربعين سنة؛ أو ما بقي حيا؛ ويُعذب معه أهله وذووه وأصدقاؤه. فهذا عندهم شيء حضار ي؛ ثلاثون عاما من السجن ومن الأمراض ومن المعاناة؛ لا يرى شمسا، ولا يأكل كما يريد، ولا يتحرك، ولا يشتغل، ولا ينتج ولا يتزوج، وإن كان متزوجا تطلق عليه زوجته، وأولاده يعيشون أيتاما.

وعلتهم أن حفظ الأمن هو المقصود، ونحن نحفظ الأمن؛ دفع الجريمة هو المقصود ونحن نحارب الجريمة بطرق حضارية؛ فبحسب قاعدتنا هذه تعليلات هذا تعليل غرضه الأساسي إبطال النصوص وتجاوز  مقاصدها الحقيقية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

– الأسئلة وأجوبتها:

المسير: بارك الله فيكم فضيلة الشيخ على هذا  العرض الوافي والقيم للقاعدتين. وردت بعض الأسئلة أبدأ بسؤال الأستاذ نجوم من السنغال:

س1:  هل تعتبر تفسيرات نصوص الأمر  بطاعة الحكام، والنهي عن الخروج عليهم؛ كيفما كانت تصرفاتهم؛ من الاستنباطات ذات الصلة بما نحن فيه؟

ج1: التفسيرات المعاصرة التي يقصد ما هي؟ التفسيرات معاصرة التي تدعو إلى الخروج؟ هناك تفسيرات معاكسة؛ ولعل هذا ما يقصده؛ كما عند  التيار المدخلي الذي يدعو إلى الطاعة العمياء؟

كنت كتبت بحثاً صغيراً يمكن إرساله إلى المجموعة، عنوانه:” طاعة أولي الأمر بين المقاصد والمفاسد؛  وضحت فيه حدود الطاعة وأسباب الطاعة التي أمر بها الإسلام؛ وأشرتُ إلى ذلك قبل قليل؛ لأن العرب كانوا قبائل غير منظمة، كل مجموعة تشكل كتلة في منطقة جغرافية معينة، وبحسب سيوفهم وقوتهم يكون لهم من الغنائم والمداخيل والقوة والهيبة والرهبة، وفي النهاية يتبعه من يشاء.

أحد المؤلفة قلوبهم وهو الأقرع بن حابس يقولون عنه كان يتبعه ثلاثة آلاف لا يسألونه إلى أين يتجه بهم؟ ثلاثة آلاف إذا قال لهم هُبّوا يهبون. فجاء الشرع يعلم العرب النظام والوحدة والتحضر…لأن الحرية المفرطة قد تصير  فوضوية فالحرية في أصلها شيء جيد؛ الكرامة و حرية الإنسان والعزة والرأي، هذا كله كان عند  العرب؛ ولكن فيه إفراط؛ إلى درجة لم يستطيعوا أن يقيموا دولة العرب أقاموا دولة تحت رعاية الفرس أو الروم دولة المنادرة تابعة للفرس في العراق ودولة الغساسنة في الشام تابعة للروم؛ أما العرب فلم يستطيعوا أن يقيمون دولة بأنفسهم؛ لذلك الشرع جاء ليعَلمهم طاعة الأمير وأن ينضبطوا. ولكن الطاعة في المعروف كما وضحت في الحديث المذكور. فالأحاديث يجب جمعها وفهمها وفهم مقاصدها؛ ويجب فهم هذه المبالغات في الطاعة أيضا من أين جاءت؟ جاءت من القيصرية، والكسروية.  الإسلام لا هو قيصري ولا هو كسروي ولا هو فوضوي. هذه هي الطاعة في الإسلام؛ ليس طاعة فوضوية وليست طاعة قيصرية أو كسروية وإنما طاعة منضبطة بالمصالح؛ والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر خالد بن الوليد عند فتح مكة بأن يسيطر ويحفظ الأمن؛ وكان معه جماعة من المقاتلين ما زالوا في غمرة الانتصارات والفتوحات؛ وقتلوا بعض الأشخاص. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم إني أتبرأ إليك مما صنع خالد؛ يتبرأ إلى الله مما صنع خالد؛ وأدى دية القتلى الذين قتلوا بغير إذنه؛ و لام خالداً وأصحابه الذين قَتلوا؛ وما كان ينبغي لهم أن يطيعوه طاعة عمياء؛ يقول الفقهاء  ما كان ينبغي له أن يفعل وما كان ينبغي لهم أن يطيعوه. وخالد بن الوليد كان  بمثابة قائد أركان الحرب؛ القائد العسكري رقم واحد في العصر النبوي وفي خلافة أبي البكر وعمر نحاه قليلاً.

س2: الأستاذ البشير قاسمي من الولايات المتحدة له سؤال:

 قلتَ بأن سهم المؤلفة قلوبهم يمكن أن يعود؛ ألا يمكن اعتبار المسلمين الجدد في الغرب من المؤلفة قلوبهم الذين يُعطون من مال الزكاة؟

 ج2: نعم هذا هو الرأي الثاني الذي أشرت إليه؛ والرأي الأول  للحنفية والمالكية ومن على شاكلتهم؛ متفقون على أنه في زمن عمر وقرونا بعد ذلك لا وجود للمؤلفة قلوبهم بالمعنى الذي يستحقون به سهما من أسهم الزكاة؛ ولن يعودوا؛ والرأي الآخر يقول إن وجدت بلدان إسلامية مستضعفة؛ المسلمون فيها مستضعفون أو قلة؛ يمكن دعم بعض الجمعيات؛ يمكن إعطاء المسلمين الجدد الذين قد يفصلون من أعمالهم قد يضطهدهم حتى أقاربهم؛ هذا الرأي الآخر موجود على كل حال؛ ولكن في نظري: الرأي الصحيح هو أن المؤلفة قلوبهم كانت وضعيتهم

ووجودهم ومشروعية إعطائهم مرتبطة بمصير الإسلام؛ أما المسلمون الجدد فلا مانع أن نعطيهم من غير الزكاة، ولا مانع أن نعطيهم إذا كانوا فقراء لأنهم سيدخلون في باب الفقراء؛ لكن المؤلفة قلوبهم حتى نفهم أبعاد كلام عمر ،وقراره وموافقة أبي بكر له؛ هو أنه كما قال لهذا الذي أتى ولعله هو نفسه الأقرع بن حابس، أو صديقه عيينة  بن حصن الفزاري قال لهم اذهبوا فلم يعد لكم سهم. فإذن، يمكن أن نقول في جميع الحالات بزوال المحل؛ هل يعود أو لا يعود هذه مسألة اجتهادية بين المذاهب الإسلامية.

س3: الأخذ بالظاهر هو الأصل؛ والتأويل يحتاج إلى دليل وقرينة؛ ما تقولون في هذا؟

ج3: نعم هذا صحيح؛ الأخذ بالظاهر اذا لم يكن هناك مانع؛ مثلا قضية الذي اضرم النار ، وقال لأتباعه ادخلوها هذا مانع قوي عقلا ونقلا، فتوقف الناس وامتنعوا وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم  على الذين امتنعوا وتوعد الذين كادوا أو هموا بالدخول؛ فإذن الظاهر هو الأصل؛ لأنه هو  أصل الكلام؛ وقضية المجاز والمعاريض والإشارات؛ هذه تتطور بحسب أعراف الناس في لغاتهم في  العربية ولا حتى غير  العربية؛ موجود فيها ما هو مجازي وهذا كله لا ينفي أن الظاهر هو الأصل؛ ولكن طبعا مع اليقظة والانتباه والتدبر حتى نفهم إن كان هناك شيء يتجاوز الظاهر؛ أما الظاهر هو الأصل؛ هذا صحيح.

س4: هل يمكن إلحاق ابن تيمية بابن حزم؛ في قوله بعدم وجود المجاز في القرآن الكريم؟

ج4:   بين ابن حزم وابن تيمية بون شاسع جدا؛  ومؤخرا أرسل إلينا الأستاذ عوام كتاب:” المقاصد الشرعية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية” من مجلدات

وأنا استفدتُ كثيرا  في المقاصد من ابن تيمية؛ فالرجل مقاصدي كبير؛ وإنكاره المجاز  رغم أنه لا يوافَق عليه؛  ولكن هو اختلاف لفظي بالدرجة الأولى؛ لأنه المعاني التي يسميها جمهور اللغويين والأصوليين والمفسرين مجازاً؛ هو يتفق معهم في المعنى؛ ولكن لا يسميه مجازا.ً

لأنه أصبح هو الحقيقة.  لا يسميه مجازاً؛ ولذلك قال: القرآن ليس فيه مجاز هو أنكر وجود المجاز في القرآن؛ وبالمناسبة ابن تيمية كردي فاعتبر أننا إذا قلنا بالمجاز والمجاز هو ضد الحقيقة؛ معناه القرآن يتكلم بغير الحقيقة؛ و لا يلزم هذا التفسير؛ فالمجاز حينما يثبت فهو الحقيقة؛ هو الحقيقة من الناحية المعنوية ولكنه يظل مجازا بحسب اصطلاح البلاغيين؛  وليس حقيقة؛ هذا اصطلاح بلاغي فقط؛ وإلا فالمجاز  إذا ثبت أنه هو المقصود فيصير هو الحقيقة. والظاهر هو خلاف الحقيقة.

 فإذن؛ ابن تيميه يتفق مع الجمهور  في النتيجة.

س5: من لم يكتف بمسح الرأس، بل غسله؛ ألا يعارض هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:” فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم”؟

ج5: الأمر  بسيط؛ اعتدى وتجاوز  هذا صحيح إذا كان غسل بدون سبب؛ لكن مع ذلك الوضوء يظل صحيحا؛ هذا هو المقصود؛ النقاش كان هل الوضوء صحيح أم لا؟ ولكنه يلام إذا كان الفعل لغير سبب؛ والصواب أن يُكمل وضوءه؛ فالزيادة بدون شك فيها إساءة وفيها تجاوز ؛ وهي من الحالات  النادرة الوقوع. والذين قالوا يصح الوضوء قالوا لأن المقصود تحقق؛ لأن غسل الرأس فيه المسح وزيادة فالوضوء صحيح كامل؛ أساء أو آثم… هذا موضوع آخر.

س6: حول الكتاب الذي ذكرتموه “كتاب مبادئ التوجيه” لابن بشير التنوخي توفي بعد 536 هجرية.

ج7: ابن بشير التنوخي من فقهاء المالكية الكبار،  وكما قلت كتابه حققه الدكتور محمد بن الحسن حقق جزء منه؛ الجزء الآخر لا أدري هل حُقق أم لا؟ وقد قرأت كثيرا في هذا الكتاب؛ فابن بشير فقيه متمكن؛ ولذلك قد نتحفظ على ما ذكره الإمام الشاطبي أن صديقه القباب: أبو العباس القباب نصحه بالتحامي عن كتب المتأخرين؛ قال: وأتى في ذلك بعبارة خشنة؛ وظهر فيما بعد أن العبارة الخشنة هي أنه قال له إنهم أفسدوا الفقه؛ وذكر منهم ابن بشير وابن شاس؛ فمنهم ابن بشير؛ فعلى كل حال يصعب بعد اطلاعنا على كتاب ابن بشير أن نقول إنه أفسد الفقه؛ ولكن ربما له كتابات قبل هذا ليست على ما يرام فإذن؛  ابن بشير من كبار الفقهاء،  وكتابه الآن موجود وفيه تعليلات مقاصدية؛ بل له كتاب مفقود يا ليتكم تعترون عليه؛ وهو :”الأسرار البديعة في علل الشريعة” وهذا الكتاب لا أثر  له؛ والظاهر من عنوانه أنه في مقاصد الشريعة وفي حِكمها وعللها.

س7: يلاحظ أن بعض الناس يتضرر صحيا من المكيفات التي يتم تشغيلها في بعض المساجد فيصلي في غير الصف الأول رغم تبكيره فماذا بشأن من بكر إلى المسجد لكنه صلى في غير الصف الأول ابتعادا عن هذه المكيفات لما تسببه له من ضرر صحي؟

ج7: قرأت تعليقك حول النص الذي أوردته؛ وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذم ناساً يأتون إلى المسجد ويجلسون في الخلف؛ ودعاهم وحث،هم ولامهم على هذا؛ وقال: لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله؛ فالدكتور منديل يقول هناك ناس تؤذيهم المكيفات اليوم هذا شيء جديد، وعادة تكون في مقدمة المسجد؛ فيذهبون لأسباب صحية؛ فهؤلاء إذا جاءوا مبكرين هل يكون لهم أجر الصف الأول أو الصفوف المتقدمة؟

 فأنا أقول هذا دائما: أصحاب الأعذار أعمالهم عند الله تعالى بكرمه تحسب لهم أعمالهم إذا طرأت أعذار أعجز تهم عن القيام بها؛ فإذن؛ الشرط في ذلك إذا كان قبل أن تأتي المكيفات أو قبل أن يتأذى هو بالمكيفات؛ لأن هناك ناس لا تؤذيهم وبالعكس يجلسوا أمامها؛ فإذا كان كذلك فحتى لو جلس في الصف الرابع إن شاء الله يكون له أجر لأنه عجز وله عذر صحي وبالمناسبة ليس فقط المكيفات والمكيفات قد تكون في المقدمة وقد تكون في وسط المسجد؛ ولكن هناك أصحاب الأعذار؛ فجميع ذوي الأعذار ؛ من كان يواظب على شيء وهو عليه حريص فحصل له من العذر ما يمنعه؛ هذا يبقى له أجره إن شاء الله وحرصه وسابقته.

الإعداد القبلي للحصة المقبلة:

 الباب الثامن: قواعد في الاجتهاد المقاصدي

يرجى من السادة المنخرطين في التكوين الاطلاع القبلي على مضمون قواعد الحصة السابعة والعشرين(27) ليومه الخميس :29 أكتوبر 2026م، الساعة 19:00 بتوقيت المغرب (غرينيتش) ق : 64-65بحسب ترقيم كتاب المدراسة(النسخة الرقمية) من ص:435 إلى ص:450.

64- المصلحة المُحافِظة على مقصود الشرع حجة يجب اتباعها 65- يجوز التخصيص بالمصلحة.

حتى تتم المتابعة الجيدة للمحاضرة والاستيعاب لمحتواها، والإدلاء بالأسئلة المناسبة غير الشاردة. والله المستعان.


[1] – يقصد المصنف الأصولي للإمام محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب المعروف، من أوائل المؤلفات الجامعة المؤسِّسة في علم أصول الفقه؛ إن لم يكن أولَها؛ وهو مما يعكُف على مدارسته طلاب المادة الأصولية.

[2] ضعف الإسلام ومحاربته، والتهديد بمحوه يمكن تكراره؛ وتتجدد أساليب محاربته بحسب الزمان والمكان؛ وقد يُفلح خصومه في محاصرة دعوته وتضييق الخناق عليه؛ ولذلك لا بد أن تتجدد أيضا وسائل تحصينه وحمايته بحسب الزمان وتطوراته، والأماكن وطبيعتها، ومما لاريب فيه أن عمر رضي الله عنه أُلهم  بثاقب نظره أن سهم المؤلفة مرتبط بمناط لابد من تحققه؛ فربط بقاء السهم ببقاء مناطه الذي يمكن تغيّره؛ ومن ثم تغير الحكم تبعا له؛ وعليه فإن القول بانمحاء المستحقين لسهم المؤلفة قلوبهم؛ وعدم تكرار وجودهم؛ فيه نظر؛ فسنة التدافع ماضية؛ والحاجة إلى تأليف قلوب الناس قد تتجدد بحسب الظروف والأحوال؛ وما دامت النصوص بمقاصدها، والاستنباط العائد على الأصل بالإبطال باطلٌ ؛ فإن فهم اجتهادات عمر رضي الله عنه في ضوء هذه القواعد- أو قل إن شئتَ بأن التقعيد امتاح من هذا النظر الثاقب- يقتضي القول بأنه رحمه الله اهتدى قبل التقعيد الأصولي إلى أن للنصوص عللا، وغاياتٍ ومقاصدَ وحِكما؛ يتطلب مراعاتها دوران الحكم معها؛ وربطه بمناطات إن وُجدت ترتب الحكمُ؛ وإن فقدت يستبعد الحكم إلى حين تحقق مناطه من جديد؛ ويصعب القطع بأن المناط اختفى إلى الأبد ولن يعود. والأسلم للمجتهد أن يترك الباب مفتوحا لعودة النص الخالد كلما تحققت الغاية من إنزاله بتوفر مناطه وعلة إعماله…..

[3] عند هؤلاء خلل في فهم معنى الجهاد، وشروطه، وغاياته ومقاصده؛ فمن الطبيعي أن يتعاظم الخلل في فهم ما يترتب عليه من الأحكام المرتبطة به.

[4] يقاس على هذا المثال الأحكام المتعلقة بالزواج ومقدماته، من خِطبة وغيرها؛ ومعاشرة بالمعروف؛ وآثاره ومشاكله من طلاق ونفقة؛ وتوارث….فهذه الأحكام لا وجود لها في حق غير المتزوج؛ لغياب محلها وهو الزواج….

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version