نشر الزميل وصديقي خلال فترة الشباب الدكتور عبد الواحد غياث هذا المقال وأرسله إلي قصد الاطلاع، فوجدته مفيدا ويعكس ما يجب أن يكون عليه رواد الإصلاح من صبر وهمة، اقتداء وتأسيا بالرسل وسعيا للارتقاء بأنفسهم وبأوطانهم، فرأيت إعادة نشره تعميما للفائدة.

الحسين الموس عن إدارة الموقع

مقدمة: عتبة الوعي والناموس الصارم

في الوجدان الإنساني العام، غالباً ما يُربط “البلاء” بالعقوبة، أو بالنهايات المأساوية التي تصيب الإنسان جراء خطأ أو تقصير. غير أن القراءة العميقة للتاريخ الإيماني والحركة الحضارية للبشرية تكشف عن مفارقة وجودية كبرى؛ تلخصها المقالة النبوية الشريفة: «أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ». هنا يرتفع البلاء من فكرة “العقوبة الشخصية” ليصبح “قانوناً تاريخياً صامماً“، وناموساً كونياً يرتبط ارتباطاً طردياً بحجم المهمة وعظم الرسالة.

إن الأنبياء والمصلحين عبر التاريخ لم يكونوا مجرد وعاظٍ يطلبون خلاصاً فردياً أو نجاةً روحية معزولة، بل كانوا طليعة التغيير الجذري، وحملة مشاريع ثورية جاءت لتفكيك ركود المجتمعات وإعادة صياغة الوعي البشري. وفي سُنن حركة المجتمعات، ثمة قاعدة لا تتخلف: كلما كان التغيير المطلوب عميقاً وبنيوياً، كان ارتداد الواقع المقاوِم له عنيفاً وشاملاً.

ومن هذا الارتطام الحتمي بين “الفكرة البديلة والأرقى” وبين “الواقع الآسن المستقر“، تولدت شدة الابتلاء. فالابتلاء، في جوهره الفلسفي، هو الثمن الوجودي والضريبة الحتمية التي تفرضها الإرادة الإلهية لترقية الجنس البشري ونقله من طور العادة والتبعية إلى طور الوعي والاستخلاف.

أولاً: جذور الصدام (تفكيك بنية “الوضع الراهن“)

لكي نفهم لماذا تتركز الضربات الأقوى والصدمات الأولى فوق رؤوس الأنبياء، لا بد من تفكيك البيئة الاجتماعية والسياسية التي بعثوا فيها. لم يأتِ نبيٌّ إلى مجتمع فارغ، بل نزلوا جميعاً في بيئات محكومة بـ “الوضع الراهن” ، وهو وضع محمي بثلاث شبكات معقدة:

1.حراسة الموروث الفكري (أسر الآبائية):تواجه الرسالات الجديدة أول ما تواجه العقل الجمعي المخدر، الذي يلجأ غريزياً إلى الاستقالة الفكرية تحت شعار: “إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ” . هذا الدفاع المستميت عن القديم ليس مجرد تمسك بالتقاليد، بل هو خوف من جهد التفكير وخروج عن المألوف. عندما يأتي النبي ليزعزع هذه الطمأنينة الزائفة، يثور المجتمع دفاعاً عن “مقدساته الموروثة“، فيكون الاتهام بالجنون، السحر، أو السفه هو الابتلاء النفسي الأول الذي يواجهه المصلح؛ محاولةً لإسقاط مشروعه قبل أن يبدأ.

2.تفكيك احتكار “الملأ” (الامتيازات الطبقية):في كل عصر، تلتف حول الفساد العقائدي طبقة مستفيدة يُطلق عليها القرآن الكريم مصطلح “الملأ“. هؤلاء هم القادة السياسيون، والبرجوازيون، وسدنة المعبد الذين يقتاتون على استغلال الضعفاء. عندما جاء الأنبياء، لم يكتفوا بالدعوة التجريدية، بل ضربوا أسس هذه الامتيازات:

  • فجاءت دعوة شعيب عليه السلام لتضرب المنظومة الاقتصادية الفاسدة القائمة على التطفيف والاحتسار.
  •  وجاءت دعوة موسى عليه السلام لتفكيك الاستبداد السياسي الفرعوني والفرز الطبقي.
  • وجاءت دعوة محمد ﷺ لتعلم البشر أن «الناس سواسية كأسنان المشط»، مسقطةً كبرياء قريش ونفوذها الطبقي.

هذا الصدام المباشر مع مصالح “الملأ” جعل الابتلاء يتحول من حرب فكرية إلى مواجهة مادية شرسة؛ تمثلت في الحصار الاقتصادي، السجن، التعذيب، والتهجير القسري. فالطغاة لا يدافعون عن الآلهة الحجرية، بل يدافعون عن عروشهم ومكاسبهم التي تشرعنها تلك الآلهة.

ثانياً: فلسفة الابتلاء الإلهي (الارتقاء عبر بوابة المعاناة)

إذا كان الصدام مع الواقع هو السبب “البشري والاجتماعي” للابتلاء، فإن الحكمة الإلهية جعلت من هذا الابتلاء أداةً تصنيعية بالغة الدقة. فالابتلاء في مسيرة الأنبياء ليس مجرد عارض طريق، بل هو “مختبر إلهي” تترتب عليه نتائج حضارية كبرى من خلال ثلاثة مسارات:

1. سُنّة المدافعة وصناعة الحيوية التاريخية:

يقدم القرآن الكريم قانوناً صارماً لحركة التاريخ في قوله تعالى:

“وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ“. (البقرة: 251). من دون هذا التدافع، تتردى المجتمعات في الاسترخاء والركود، وتتحول القوة إلى استبداد مطلق. إن الابتلاء الذي يرافق دعوات الأنبياء هو الذي يكسر حالة “السيولة الاجتماعية“، فيجبر البشر على اتخاذ مواقف حاسمة؛ إما مع الحق وإما مع الباطل، وهذا الفرز هو المحرك الأساسي لعجلة التاريخ وبداية النهوض الحضاري.

2. صناعة النموذج الإنساني الراقِي (القدوة الحية):

لو كان الأنبياء معصومين من الألم، يعيشون في أبراج عاجية محفوفين بالمعجزات المريحة، لتحولوا في أعين البشر إلى “كائنات أسطورية” لا يمكن الاقتداء بها. لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يمروا بأقسى ما يمر به البشر:

  • فمروا بالمرض الشديد حتى صار أيوب عليه السلام رمزاً للصبر الجسدي.
  • ومروا بالفقد واللوعة الحارقة حتى ابيضت عينا يعقوب من الحزن على ولده.
  • ومروا بالغربة والمطاردة والسجن كـ موسى ويوسف عليهما السلام.

هذه المعاناة البشرية هي التي جعلت منهم “نماذج حية” قابلة للاقتداء. إنهم يثبتون للبشرية أن الالتزام بالمبادئ والارتقاء الأخلاقي ممكنٌ حتى في أحلك الظروف.

3. التمحيص وبناء النواة الصلبة:

الابتلاء هو الغربال التاريخي؛ فالمشاريع التغييرية الكبرى لا يمكن أن تقوم على أكتاف النفعيين أو المترددين. الابتلاء الشديد الذي يقع على الأنبياء وأتباعهم يطرد الخبث من الصف الإنساني، ولا يُبقي إلا النواة الصلبة المستعدة للتضحية. هذه المجموعة الممحَّصة هي التي تملك الكفاءة النفسية والأخلاقية لقيادة الأمة الجديدة بعد مرحلة المخاض.

ثالثاً: التدرج النبوي والارتقاء المعرفي للبشرية

عند تأمل خط السير التاريخي للرسالات، نكتشف سُنّة إلهية مذهلة تعتمد على التدرج والترقي بما يتناسب مع الرشد العقلي للبشرية. التاريخ الإنساني ليس خطاً عشوائياً، بل هو مسيرة تعليمية وتربوية رعتها النبوات خطوة بخطوة:

1. مرحلة الطفولة الفكرية (عصر الآيات الكونية الحية):

في العصور الأولى، حيث كان العقل البشري يرزح تحت وطأة البدائية والجهل المطلق، كانت الرسالات تدعم بالمعجزات الحسيّة الخارقة (كعصا موسى، وإحياء الموتى لعيسى، وناقة صالح). كان الابتلاء هنا يتمحور حول “المواجهة المباشرة مع الطغيان الفج“، وكانت النقلة المطلوبة هي إخراج الإنسان من التوحش والوثنية المادية إلى التوحيد الأساسي.

2. مرحلة النضج والتشريع والتنظيم:

مع تطور المجتمعات البشرية وتشابك مصالحها، ارتقت الرسالات لتضع منظومات تشريعية تفصيلية تنظم الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع (كما في الشريعة الموسوية). الابتلاء هنا تحول إلى مواجهة مع “التمرّد التشريعي” ومحاولة ضبط الغرائز الإنسانية بسلطان القانون الإلهي.

3.مرحلة الرشد العقلاني (الرسالة الختامية):

وصولاً إلى الرسالة المحمدية، بلغت البشرية مرحلة “الرشد والوعي“. هنا انقطعت المعجزات الحسيّة الكونية، وجاءت المعجزة “كتاباً مقروءاً” يخاطب العقل، ويحث على السير في الأرض، والنظر في السنن، وتدبر التاريخ. لقد تحول الابتلاء في هذه المرحلة إلى “جهاد فكري وحضاري شامل“؛ مطلوب فيه من الإنسان أن يقود عملية الارتقاء بنفسه مستنيراً بالوحي، لتكون الرسالة “رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ“

رابعاً: من النبوة إلى حركة التاريخ (تلازم الإصلاح والابتلاء)

إن هذا القانون الصارم (الدعوة\ الصدام\ الابتلاء\ الارتقاء) ليس حكراً على حقبة الوحي، بل هو سُنّة تاريخية جارية تحكم حياة كل من يرفع راية الإصلاح والتجديد عبر العصور. فالأنبياء وضعوا القواعد الكبرى، وسار على دربهم العلماء، والمفكرون، والفلاسفة، والمكتشفون الذين أدركوا أن تنوير العقول وانتشال المجتمعات من ظلمات الجهل له ثمن فادح لا بد من دفعه.

عندما نتأمل التاريخ البشري، نجد أن كل نقلة نوعية في الوعي الإنساني واجهت ذات الارتداد العنيف من “الوضع الراهن“:

  • فالفيلسوف اليوناني سقراط جُرّع السمّ لأن فكره زلزل طمأنينة الأثينيين السائدة وحرّك عقول الشباب.
  • وعالم الفلك غاليليو واجه حكم التكفير والإقامة الجبرية من سدنة المعبد لأنه تجرأ على قول الحقيقة العلمية التي تكسر احتكارهم للمعرفة.
  • والمصلحون الاجتماعيون والسياسيون عبر التاريخ الحديث دفعوا من حرياتهم وحياتهم أثماناً باهظة لمحاربة العبودية، والطبقية، والاستبداد.

هذا التلازم يثبت أن المجتمعات البشرية، بطبيعتها الارتدادية، تقاوم التجديد غريزياً في البداية. غير أن تضحيات هؤلاء المصلحين، المستمدة روحياً وأخلاقياً من النموذج النبوي الأسمى، هي التي فتحت كوات النور في جدران التاريخ السميكة، وبدون هذا الثمن الذي دُفع في زنازين الاضطهاد وميادين المواجهة، لظل العالم يرزح في عصوره المظلمة.

خامساً: خاتمة المقال (التمكين كحتمية تاريخية والارتقاء الوجودي)

في نهاية هذا الإبحار التاريخي والفلسفي، يتجلى لنا بوضوح أن الابتلاء الشديد الذي طوق حياة الأنبياء والمصلحين لم يكن عبثاً، ولم يكن تعذيباً لإراداتهم الصلبة، بل كان مخاضاً وجودياً حتمياً ولدت من رحمه الإنسانية الجديدة. إن إرادة الله سبحانه وتعالى في التغيير والارتقاء بالبشرية اقتضت ألا تنال السعادة والعدالة والوعي بالمجان؛ بل لا بد من صهر المعادن في أتون المعاناة ليتميز الخبيث من الطيب.

إن النبرة المأساوية التي قد تبدو في بدايات قصص الابتلاء تنقلب دائماً في نهاية المطاف إلى انتصار قيمي وتاريخي حتمي. فالطغاة الذين حاصروا الأنبياء والمصلحين ذهبوا إلى مزابل التاريخ وغيبهم النسيان، وبقيت كلمات الأنبياء، وقيم العدل، والرحمة، والتوحيد، والحرية تمكث في الأرض وتضيء درب البشرية.

الابتلاء هو الوقود الذي أبقى شعلة الوعي متقدة؛ وهو الدليل العملي على أن الإنسان لم يُخلق ليركع للموروث الفاسد أو يستسلم للأمر الواقع، بل خُلق ليرتقي، ويتطور، ويستخلف في الأرض مستعيناً بنور الوحي وصدمات الابتلاء التي تصنع من الضعف البشري قوة حضارية تغير وجه العالم.

الدكتور عبد الواحد غيات، باحث في العلوم السياسية ومحلل في الجيوسياسة. يجمع في مساره الأكاديمي بين تكوين جامعي متعدد التخصصات في العلوم السياسية والاقتصاد وتدبير الموارد البشرية (من جامعة محمد الخامس والمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCAE). يشغل صفة عضو المكتب ومجلس الإدارة بمركز للدراسات والأبحاث “عزيز بلال” (CERAB)، وكذا مركز الأبحاث والدراسات في العلوم الاجتماعية (CRESS). يُعرف كذلك بتحليلاته الرصينة المنشورة باللغتين العربية والفرنسية في منصات ومجلات فكرية رائدة، حيث يركز في أبحاثه على ديناميات القوة والممرات الاستراتيجية الدولية الجديدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version