في8 شعبان 1447هـ، الموافق لـ 28 يناير 2026م
يُعدّ الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م) من أبرز أعلام الفكر والإصلاح الديني بالمغرب في القرن الرابع عشر الهجري/العشرين الميلادي. جمع بين الأصالة العلمية المالكية الأشعرية، والوعي المقاصدي بالإصلاح الديني والاجتماعي، ما جعله رمزًا للوسطية المغربية في الفكر الديني. وقد تميّز مساره بدمج التعليم، القضاء، الدعوة، الإصلاح، والتأليف، وهو ما أكسبه احترام العلماء وتلاميذه واعترافًا واسعًا في الدراسات الأكاديمية الحديثة.
ـ اسم العلم ونسبه:
هو محمد بن العربي العلوي المدغري الحسني المعروف بالفقيه، وبشيخ الإسلام، ولد بالقصر الجديد بمدغرة الرشيدية حوالي سنة 1297هـ/1880م، من والده مولاي العربي العلوي، وأمّه لالّة الهاشمية العلوية الّذَيْن خلّفا إلى جانب محمد ابنا آخر هو مولاي الصديق، وبنتا اسمها صفية ([1]).
ـ مولده ونشأته:
ولد محمد بن العربي العلوي يوم 7 من ذي الحجة عام 1301 أو 1302 هـ / 1884م، بالقصر الجديد بمدغرة، إحدى واحات “تافيلالت” بجنوب المغرب. وتلقى تعليمه الأولي بين أحضان أسرته حيث كان لوالده الدور الكبير في تربيته وتنشئته المبكرة، كما كان لابن عمه الشريف مولاي علي الطيب والفقيه المرحوم الطالب الجيلالي ووالدته الشريفة السيدة الهاشمية أيضا دور كبير في حفظه المبكر للقرآن الكريم.
ودخل محمد بلعربي العلوي الكتاب “الجامع” وهو في سن الخامسة من عمره ليحفظ القرآن ويتعلم القراءة والكتابة كما اعتاد كل أبناء مدينته، حيث يدخل الطفل إلى الكتاب في الخامسة من عمره يحفظ القرآن ويتعلم الكتابة والقراءة، ثم بين سن العاشرة والرابعة عشر يبدأ في مرحلة حفظ الأجرومية والألفية بالنسبة لعلوم اللغة والنحو، والرسالة ومختصر خليل بالنسبة لعلوم الفقه، وبعد هاتين المرحلتين الأساسيتين ينتقل الطالب إلى أحد المساجد الكبرى المعروفة في المدينة ثم إلى القرويين مباشرة ـ حسب الظروف الاجتماعية للطالب ـ ([2]).
تنقل بلعربي العلوي في صباه بين كتاتيب ومدارس مدغرة وفاس تبعا لظروف الأسرة الاجتماعية إلى أن بلغ سن السابعة عشر من عمره، حيث استقر به المقام بمدينة فاس سنة 1898، وانخرط هناك في جو طلب العلم بجامع القرويين، ثم صاحبه والده واستقرا بالمدرسة المصباحية الشهيرة التي تقع قبالة الباب الغربي من جامع القرويين ([3]).
ـ نشأته العلمية وتكوينه المعرفي:
نشأ الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني في بيئة علمية ودينية محافظة، اتسمت بتقدير العلم الشرعي والارتباط بالمؤسسات التقليدية للتعليم بالمغرب. وقد تلقّى تعليمه الأولي في سنّ مبكرة، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ العربية والفقه المالكي وفق الأسلوب التعليمي السائد آنذاك، القائم على الحفظ والتلقين وضبط المتون. ثم انتقل إلى مدينة فاس، التي كانت تمثل المركز العلمي الأبرز بالمغرب، فالتحق بـ جامع القرويين، حيث اكتملت معالم تكوينه العلمي والمنهجي.
في القرويين، درس الشيخ علوم الشريعة واللغة على كبار علماء عصره، فبرع في الفقه المالكي وأصوله، واطّلع بعمق على علم الحديث وعلومه، كما نهل من علوم التفسير والعقيدة الأشعرية، إضافة إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة.
ولم يكن تحصيله العلمي تحصيلًا تقليديًا صرفًا، بل اتسم منذ مراحله الأولى بروح نقدية إصلاحية، حيث بدأ يعي محدودية الاقتصار على الحفظ المجرد، وضرورة ربط العلم بعلله ومقاصده وآثاره الواقعية في حياة المجتمع. وقد أسهم احتكاكه بالتحولات الفكرية والسياسية التي عرفها المغرب في مطلع القرن العشرين، وبالمدّ الإصلاحي الوافد من المشرق، في تعميق وعيه بأهمية التجديد المنضبط، وإعادة النظر في طرائق التدريس ومناهج الفهم الديني.
ـ شيوخه وأقرانه وأثرهم في تكوينه العلمي والفكري:
تلقّى الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م) علومه على نخبة من كبار علماء المغرب، خاصة في جامع القرويين بفاس، الذين جمعوا بين الرسوخ العلمي والتمسك بالمرجعية المالكية الأشعرية، وكان لتأثيرهم دورٌ حاسم في صقل شخصيته العلمية والمنهجية. فقد أخذ عن شيوخ اشتهروا بالتضلّع في الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، والتفسير، وعلوم العربية، مما مكّنه من تكوين موسوعي متوازن، يزاوج بين علوم المقاصد والنصوص والآليات المنهجية.
ومن أبرز شيوخه الذين تتلمذ عليهم وتأثر بهم:
الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، الذي أخذ عنه العناية بالحديث النبوي، والربط بين السنّة ومقاصدها، والوعي بدور الحديث في إصلاح التدين.
الشيخ عبد الله كنون (من حيث التأثر العلمي والفكري)، الذي مثّل نموذج العالم الموسوعي المنخرط في قضايا الأمة، وأسهم في ترسيخ الحسّ الإصلاحي والوطني.
الشيخ أحمد بن المأمون البلغيثي، وغيره من علماء القرويين الذين رسّخوا لديه المنهج المالكي في الاستدلال، مع الانفتاح على علل الأحكام ومآلاتها. كما تأثر بمجموعة من العلماء الذين كانوا يمثلون الاتجاه العلمي التقليدي، غير أن احتكاكه بهم دفعه إلى تجاوز حدود التلقين نحو النقد والتجديد المنضبط.
ولم يقتصر تكوينه على شيوخ المغرب، بل اطّلع على أفكار روّاد الإصلاح في المشرق، خاصة محمد عبده ورشيد رضا، وإن كان هذا التأثر فكريًا ومنهجيًا عبر القراءة والمتابعة، لا عبر التلقي المباشر. وقد أسهم هذا الانفتاح في تعميق وعيه بضرورة تجديد الخطاب الديني، وربط الشريعة بمقاصدها الكبرى في الإصلاح الاجتماعي والسياسي.
أما من حيث أقرانه، فقد عاصر الشيخ محمد بن العربي العلوي جيلًا من العلماء والمفكرين المغاربة الذين شكّلوا نواة الحركة الإصلاحية الحديثة بالمغرب، ومن أبرزهم: علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني، تقي الدين الهلالي..وغيرهم.
ـ تلاميذه وأثره في تكوين جيل الإصلاح المغربي:
أسهم الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م)، من خلال التدريس والتأطير العلمي والفكري، في تكوين جيلٍ من العلماء والمفكرين والفاعلين في الحقل الديني والوطني بالمغرب، ممن تلقّوا عنه العلم مباشرة، أو تأثروا بمشروعه الإصلاحي ومنهجه المقاصدي في الفهم والاستدلال. وقد امتد تأثيره التعليمي عبر جامع القرويين ومجالس العلم الحرة، إضافة إلى كتاباته ومواقفه الإصلاحية التي شكّلت مرجعًا فكريًا لعدد من تلامذته.
ومن أبرز تلاميذه أو المتأثرين المباشرين به:
علال الفاسي، الذي يُعدّ من أهم من حملوا مشعل الإصلاح الديني والفكري بالمغرب، وقد تأثر بالعلوي في الجمع بين الأصالة المالكية وروح المقاصد، وفي ربط العلم الشرعي بقضايا الأمة والتحرر الوطني.
عبد الله إبراهيم، الذي استفاد من توجيهاته الفكرية العامة، خاصة في البعد الإصلاحي والاجتماعي، وإن كان مساره لاحقًا سياسيًا بالأساس. كما تأثر به عدد من علماء القرويين وطلبتها، ممن لم تُحفظ أسماؤهم بنفس الشهرة، لكنهم نقلوا أفكاره الإصلاحية داخل التعليم التقليدي والمساجد.
ومن خلال تلاميذه، انتقل مشروع الشيخ محمد بن العربي العلوي من حيّز التنظير الفردي إلى أثرٍ جماعي ممتد، ساهم في بلورة معالم المدرسة الإصلاحية المغربية الحديثة، التي جمعت بين المرجعية المالكية الأشعرية، والوعي المقاصدي، والانخراط في قضايا العصر، وهو ما يجعل دراسة تلامذته مدخلًا أساسيًا لفهم عمق تأثيره في الفكر الديني المغربي المعاصر.
ـ الوظائف والمناصب التي شغلها:
تولّى الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م) عددًا من الوظائف العلمية والإدارية ذات الصلة بالحقل الديني والتربوي، في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، اتسمت بتداخل الإصلاح الديني مع الشأن العام، وهو ما جعل وظائفه امتدادًا طبيعيًا لمشروعه الإصلاحي، لا مجرد مناصب إدارية شكلية.
فقد تخرج محمد بن العربي العلوي من “جامعة القرويين” متوجا بأعلى شهادة تمنحها الجامعة آنذاك، بعدما أنهى دراسته بها سنة 1912، فكانت أول وظيفة أسندت إليه، هي تعيينه “عدلا بأحباس فاس الجديد” في آخر نفس السنة، ثم رئيسا للاستئناف الشرعي الأعلى بالرباط عام 1928، ووزيراً للعدل ابتداء من سنة 1938.
واشتغل الشيخ مدرّسًا بجامع القرويين بفاس، حيث اضطلع بتدريس علوم الشريعة واللغة، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مع التركيز على الفقه المالكي وأصوله، وربط الأحكام بمقاصدها وعللها. وقد مثّلت هذه الوظيفة المجال الأساسي لتأثيره العلمي المباشر، كما كانت منبرًا لبثّ أفكاره الإصلاحية في التعليم الديني التقليدي.
كما أن الشيخ محمد بن العربي العلوي اختير “أستاذا ومربيا لأبناء الأسرة الملكية منذ العهد الحفيظي”، بل يرجح محمد الوديع الآسفي أن يكون تواجد هذا الشاب الوطني الغيور قرب مولاي عبد الحفيظ عقب التوقيع على معاهدة الحماية في تلك المرحلة الصعبة، كان من جملة الأسباب التي دفعت بالملك المحاصَر إلى التنازل عن العرش، بعدما استشار، واطلع، وشاهد غضب الجماهير في كل أنحاء البلاد.
وكان الفقيه ابن العربي يُضرب به المثل في النزاهة والعدل في القضاء في فترات كان الارتشاء والمحسوبية أمرا عاديا، بل أصبح يضرب المثل بنزاهته بين قضاة قبائل الأمازيغ في أحواز فاس فكان يقال: «هذا ما توصّلت إليه من حكم وليس في استطاعتي مع الأسف أن أُحضر القاضي ابن العربي للحكم في قضيتك».
كما أسندت إليه أيضاً وظيفة أستاذ بثانوية مولاي إدريس بفاس، حيث وجد هناك شبابا متفتحا حبب إليه دراسة الثقافة العربية، وخلال هذه المدة كان يتطوع لإلقاء دروس بالقرويين، فاجتمعت حوله ثلة من شباب الثانوية الإدريسية، وأخرى من شباب القرويين، في طليعتهم علال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، وغيرهم كثير، من الذين أصبحوا قادة المغرب فيما بعد وساروا على دربه.
ومن الوظائف التي تقلدها في عهد الاستقلال، منصب “وزير مستشار بمجلس التاج”، الذي ظل يشغله حتى سنة 1960″([4]).
وتُظهر هذه الوظائف مجتمعة أن الشيخ محمد بن العربي العلوي لم يكن عالمًا منعزلًا داخل أسوار المؤسسات العلمية، بل فاعلًا مركزيًا في الحقل الديني المغربي، جمع بين التدريس والقضاء والإصلاح المؤسسي، وهو ما يفسّر عمق تأثيره في مسار الإصلاح الديني بالمغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ـ شهادات العلماء فيه ومكانته في الفكر الإصلاحي المغربي:
حظي الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني بتقدير واسع من معاصريه ومن جاء بعدهم من العلماء والمفكرين، لما تميّز به من رسوخ علمي، وجرأة إصلاحية منضبطة، وقدرة على الجمع بين الأصالة المالكية والوعي المقاصدي. وقد عكست شهادات العلماء فيه مكانته العلمية والفكرية، ودوره الريادي في تجديد الخطاب الديني بالمغرب.
فقد أثنى عليه عبد الله كنون، واعتبره من كبار علماء المغرب المجدّدين في العصر الحديث، مشيرًا إلى سعة اطلاعه، وقوة شخصيته العلمية، وحرصه على تحرير الفهم الديني من الجمود، دون تفريط في أصول المذهب المالكي ولا في المرجعية العقدية الأشعرية. كما نوّه بدوره في إصلاح التعليم الديني، وبتأثيره العميق في طلبة القرويين([5]).
أما علال الفاسي، فقد عدّ الشيخ محمد بن العربي العلوي من أعلام النهضة الفكرية والدينية بالمغرب، واعتبره نموذجًا للعالِم العامل الذي لم يكتفِ بالتدريس والتأليف، بل انخرط في هموم الأمة وقضاياها. وأشاد بقدرته على الربط بين الفقه ومقاصده، وبين الدين والواقع الاجتماعي والسياسي، مما جعله في نظره أحد المؤسسين الحقيقيين للفكر الإصلاحي المغربي الحديث([6]).
وأشار محمد حجي في دراساته حول الحركة الفكرية بالمغرب إلى أن العلوي مثّل حلقة وصل بين المدرسة العلمية التقليدية والمدرسة الإصلاحية الحديثة، مبرزًا دوره في نقل الفكر المقاصدي من دائرة التنظير المحدود إلى فضاء النقاش العمومي والتأثير المؤسسي، سواء في التعليم أو القضاء أو الشأن الديني العام([7]).
وتتقاطع هذه الشهادات في تأكيدها على أن الشيخ محمد بن العربي العلوي لم يكن مجرّد فقيه تقليدي، ولا مصلحًا متأثرًا بالتيارات الوافدة فحسب، بل كان عالِمًا مجتهدًا في حدود المذهب، ومجدّدًا في مناهج الفهم والتنزيل، وهو ما يفسّر استمرار حضوره في الدراسات الأكاديمية المعاصرة بوصفه أحد أعلام الإصلاح الديني المغربي ذي النزعة المقاصدية.
ـ أعماله الدعوية والإصلاحية ومجالات تأثيره:
اضطلع الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م) بدور محوري في الحركة الدعوية والإصلاحية بالمغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث تجاوزت جهوده حدود التدريس التقليدي إلى مشروع إصلاحي شامل، استهدف تجديد الوعي الديني، وإصلاح مؤسسات التعليم، وترشيد التدين العام في ضوء مقاصد الشريعة وروحها الكلية.
ومن المجالات التي أسهم فيها الشيخ محمد بأدوار متعددة للإصلاح والتطوير، نذكر منها ما يلي:
أولا: الإصلاح الدعوي وترشيد الخطاب الديني
انطلق الشيخ في عمله الدعوي من نقد مظاهر الجمود والتقليد غير الواعي، والدعوة إلى إحياء الفهم الصحيح للدين القائم على الدليل والمقصد، مع الحفاظ على الثوابت المذهبية المغربية. وقد ركّز في دروسه وخطبه ومجالسه العلمية على تصحيح المفاهيم العقدية والفقهية، ومحاربة الخرافة والانحراف في الممارسة الدينية، دون الدخول في صدام مع العامة، بل بأسلوب تربوي إصلاحي متدرج.
ثانيا: الإصلاح العلمي والتعليمي
شكّل إصلاح التعليم الديني أحد أبرز مجالات اشتغال الشيخ محمد بن العربي العلوي، حيث دعا إلى:
تطوير مناهج التدريس في جامع القرويين، والانتقال من الاقتصار على الحفظ إلى ترسيخ الفهم والتحليل، وإدماج علوم المقاصد وأصول الفقه في التكوين العلمي، بالإضافة إلى ربط العلم الشرعي بقضايا المجتمع والواقع..وقد مثّلت هذه الدعوة محاولة جادّة لتحديث التعليم التقليدي من الداخل، دون القطيعة مع تراثه العلمي.
ثالثا: الإصلاح الديني والوطني
ارتبط المشروع الإصلاحي للشيخ محمد بن العربي العلوي بالسياق الوطني العام، إذ اعتبر أن إصلاح الدين هو مدخل أساس لإصلاح المجتمع والدولة، فكان داعمًا للحركة الوطنية المغربية، ومؤمنًا بدور العلماء في مقاومة الاستعمار بالحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للأمة، دون الانزلاق إلى العنف أو الفوضى.
رابعا: موقفه من القضية الفلسطينية:
إن انشغال شيخ الإسلام بالدفاع عن وطنه ومصالح الشعب المغربي، لم تشغله عن الاهتمام بقضايا المسلمين في باقي الأقطار الإسلامية، حيث كان يهتم لكل شبر من أرض المسلمين، خصوصا فلسطين. حيث ساند بن العربي العلوي القضية الفلسطينية، حيث كان يراسل قادة النضال الفلسطيني آنذاك كأمين الحسيني ليطلعهم على دعمه الصادق واللامشروط للقضية الفلسطينية. كما حاول الالتحاق بالثورة الفلسطينية التي اندلعت سنة 1947 إلا أنه منع من ذلك، وحرض الشباب على الالتحاق بالثورة الأخرى سنة 1948([8]). كما كان بلعربي العلوي قد قام بإخبار حزب الاستقلال ليخبر بدوره هو الآخر الجامعة العربية أنه يضع نفسه تحت تصرفها للقتال في فلسطين ([9]). الأمر الذي يبين الانشغال الكبير لدى شيخ الإسلام بقضايا الأمة ومساندته لقضية فلسطين، التي كان يعتبرها قضية كل مسلم وكل إنسان.
ـ أعماله العلمية:
تميّز الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني (ت 1964م) بإنتاج علمي وفكري متنوع، لم يكن غزيرًا من حيث الكم، بقدر ما كان عميقًا من حيث المنهج والاتجاه والمقاصد، إذ جاءت أعماله العلمية منسجمة مع مشروعه الإصلاحي الهادف إلى تجديد الفهم الديني، وإعادة ربط العلوم الشرعية بروحها المقاصدية ووظيفتها الإصلاحية في المجتمع.
أما من ناحية الأعمال العلمية فلم يخلف الفقيه محمد آثارا علمية مكتوبة، باستثناء بعض الأشعار المنسوبة والخطب، وكذا بعض الأحكام القضائية[10]، كما نشر عددًا من المقالات في الصحف والمجلات المغربية، تناول فيها: إصلاح التعليم الديني، ونقد التقليد الفاسد، والدعوة إلى الاجتهاد المنضبط، وبيان دور العلماء في النهضة والإصلاح….
وقد كان لهذه المقالات أثر كبير في تشكيل الوعي الإصلاحي لدى النخبة المغربية.
ـ وفاته رحمه الله تعالى:
بقي الشيخ ملازما منزله يعيش حياة الكفاف بعد أن رفض راتب التقاعد واعتاش من كد يده حيث كان عنده حلب أربع بقرات وعدد من الدجاج فيتعيش ببيع الحليب والبيض، إلى أن أجاب داعي ربه إثر مرض قصير وذلك عشية يوم الخميس 22 محرم الحرام 1384هـ/ 4 يونيو 1964م بمدينة فاس، وفي صباح الجمعة شيعت جنازته من منزله بفاس إلى مرقده الأخير حيث جعل في طائرة خاصة أقلته إلى قصر السوق ثم حمل إلى مدغرة ودفن هناك بجانب والده تنفيذا لوصيته([11]).
وبالرجوع إلى سياق وفاته فإننا نجد أن ذلك يعكس موقعه في تاريخ الفكر المغربي؛ إذ رحل في وقت كانت فيه كثير من الأفكار التي دعا إليها قد بدأت تجد طريقها إلى التحقّق، خاصة في مجالات إصلاح التعليم الديني، وترشيد الخطاب الديني، وإعادة الاعتبار للمقاصد الشرعية في الاجتهاد والتنزيل. كما أن الجيل الذي تتلمذ عليه أو تأثر بمشروعه الإصلاحي كان قد تسلّم زمام المبادرة في الحقلين الديني والوطني، مما جعل أثره العلمي والفكري ممتدًا بعد وفاته.
ويمكن القول إن الشيخ محمد بن العربي العلوي الإدريسي الحسني جمع بين العلم والعمل، الأصالة والتجديد، التدريس والقضاء، التأليف والإصلاح الدعوي. وكان مشروعه قائمًا على ربط الفقه بالمقاصد، والعلم بالدعوة، والدين بالواقع الاجتماعي، ما جعله رمزًا للوسطية المغربية الحديثة، ومصدر إلهام لتلامذته وجيل الإصلاحيين اللاحقين، ومرجعًا أساسيًا في الدراسات الأكاديمية حول الإصلاح الديني والفكر المقاصدي بالمغرب.
( [1]) ينظر: عبد السلام بن سودة، إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، تنسيق وتحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط الأولى، 1417هـ/ 1997 م، (2/583)، ومعلمة المغرب، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا 1410هـ/1989م، (18/6163).
([2]) طارق القباج، حياة شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي(الرباط، دار النشر طوب بريس، يونيو 2014، ط1) ص 41.
([3])عبد القادر الصحراوي، شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي (الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1965، ب ط) ص 14-15.
([4]) للتوسع أكثر، ينظر: السلفي المناضل الشيخ محمد بن العربي العلوي، د.محمد الوديع الآسفي.
([5] ) ينظر: عبد الله كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الفكر.
([6]) ينظر: علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، مؤسسة علال الفاسي.
([7]) ينظر: محمد حجي، موسوعة أعلام المغرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، د.ط (9/1384).
([8]) عبد الرزاق السنوسي: مسارات مائة شخصية فاعلة في تاريخ المغرب من القرن 19 إلى 21(الدار البيضاء، مطبعة ليمورية، 2010، ط1) ص 16.
([9]) علال الفاسي، “أعلام من المشرق والمغرب”(جريدة البصائر الجزائرية، العدد 30، 1948).
([10] ) شيخ الإسلام العربي العلوي : فقيه التحديث ، والسياسي الإصلاحي . مركز الميزان، نسخة محفوظة 28 مارس 2017 على موقع واي باك مشين.


تعليق واحد
بارك الله في جهودكم